Kurd

English

رؤية حزب الجمهورية (قيد التأسيس) تجاه قضية الجولان المحتل

على عتبة الذكرى التاسعة والخمسين لهزيمة حزيران/ يونيو 1967

الجولان وأسئلة الدولة السوريّة الجديدة

على عتبة الذكرى التاسعة والخمسين لهزيمة حزيران/ يونيو 1967، يعود حزب الجمهورية إلى واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في تاريخ سورية وحاضرها ومستقبلها هي قضية الجولان المحتلّ، ليقدِّم رؤيته بشأنها بوصفها قضيةً وطنيةً تتجاوز حدود الجغرافيا لتلامس أسئلة الشرعية والقرار الوطني والعلاقة بين الدولة والمجتمع.

وانطلاقًا من إيمان الحزب بضرورة قراءة التاريخ قراءة نقدية ومسؤولة، فإنَّه يسعى من خلال هذه الرؤية للمساهمة في نقاشٍ وطنيٍّ يُعيد وضع هذه القضية في سياقها السوري والإقليمي الأوسع؛ فالجولان ليس ملفًّا من الماضي، بل جزءٌ من التحديات التي ستواجه سوريا الجديدة وهي تسعى لبناء دولة وطنية ديمقراطية، سيّدة على قرارها، ومعبِّرة عن إرادة مواطنيها.

أولًا: الجولان.. من الذاكرة إلى سؤال المستقبل

تحلُّ اليوم هذه الذكرى فيما تقف سوريا عند واحدة من أكثر اللحظات مفصليةً وتعقيدًا في تاريخها الحديث. فبعد عقود طويلة من الاستبداد السياسي، وما أعقبها من حربٍ مدمرةٍ وانهياراتٍ عميقةٍ أصابت الدولة والمجتمع والاقتصاد والعمران والوجدان الوطني، ثم ما فتحه سقوط نظام الأسد من احتمالاتٍ تاريخيةٍ جديدةٍ وأسئلةٍ كبرى حول شكل الدولة ومستقبلها وموقعها في الإقليم والعالم، تعود إلى الواجهة قضايا ظنّ كثيرون أنَّها استُهلكت في الخطاب السياسي أو جرى تجميدها في الذاكرة الوطنية، لكنَّها ما تزال حاضرةً في صميم السؤال السوري، وفي قلب معركة بناء المستقبل، وفي مقدّمة هذه القضايا تقف قضية الجولان المحتل.

لم يعد الجولان، بعد تسعة وخمسين عامًا على احتلاله، مجرّد أرضٍ محتلّةٍ تنتظر استعادتها، ولا مجرّد ملفٍّ من ملفات السياسة الخارجية، بل أصبح مرآةً كاشفة لطبيعة المعضلات التي واجهتها الدولة السورية طوال العقود الماضية، واختبارًا لمعنى السيادة والشرعية والقرار الوطني، ولسؤال العلاقة بين الدولة والمجتمع، وللكيفية التي تُصاغ بها المصالح الوطنية وتُدار بها القضايا المصيرية.

إنَّ استحضار ذكرى حزيران/ يونيو اليوم ليس فعلًا استذكاريًا محضًا، ولا مناسبةً لتكرار الشعارات القديمة أو استعادة اللغة التعبوية التي فقدت قدرتها على التفسير والإقناع. فالهزائم الكبرى لا تتحوّل إلى دروسٍ تاريخيةٍ إلَّا عندما تُقرأ قراءة نقدية شجاعة، وعندما تصبح جزءًا من مراجعة وطنية شاملة تبحث في الأسباب والنتائج والمسارات التي أعقبتها، وتسعى لفهم ما جرى من أجل عدم إعادة إنتاجه بأشكال جديدة.

لقد كانت هزيمة حزيران/ يونيو لحظة انكشاف تاريخية كبرى؛ فقد كشفت حدود القوة العسكرية للدول العربية من جهة، لكنَّها كشفت كذلك أزمة أعمق تتعلَّق بطبيعة الدولة العربية الحديثة، وبالعلاقة المختلّة بين السلطة والمجتمع، وبالفجوة الواسعة بين الخطاب والواقع، وبين الشعارات المرفوعة والقدرة الفعلية على تحويلها إلى سياسات واستراتيجيات ومشروعات وطنية قابلة للحياة والاستمرار.

ثانيًا: الجولان.. من قضية وطنية إلى ملفٍّ تحتكره السلطة

في سوريا، لم يكن احتلال الجولان مجرّد خسارة جغرافية أو عسكرية، بل بداية مسار سياسي وتاريخي طويل ترك أثره العميق في بنية الدولة والحياة العامة والثقافة السياسية السورية. فمنذ عام 1967، لم تُدَر القضية بوصفها قضية شعب وسيادة وطنية، بل تحوّلت تدريجًا إلى ملفٍّ تملكه السلطة، تحتكر تعريفه وحدود النقاش فيه، فيما أُبعد المجتمع والقوى السياسية والثقافية عن المشاركة الفعلية في صوغ رؤى وطنية مستقلة بشأنه.

وبذلك بقي الجولان حاضرًا في الخطاب الرسمي وغائبًا عن السياسة الفعلية. فقد تحوّل إلى رمز تعبوي يتكرر في الخطب والشعارات أكثر مما كان قضية وطنية مفتوحة للنقاش والمساءلة وصناعة المبادرات. وهنا تكمن إحدى أبرز مفارقات مرحلة ما بعد حزيران/ يونيو؛ ففي الوقت الذي ظلَّ فيه خطاب التحرير حاضرًا، كانت السياسة تُفرَّغ من أدواتها، والمجتمع يُستبعد من المشاركة، والمؤسّسات المستقلة تُقمع، فتتّسع الفجوة بين الشعارات والقدرة الفعلية على الفعل.

ولم يقتصر الاحتكار على القرار السياسي، بل امتد إلى المعرفة ذاتها. فعلى الرغم من ادعاءات “المقاومة والتحرير”، تعرّض السوريّون والسوريّات لعملية تجهيل واسعة بتاريخ الجولان ومجتمعه وقراه المدمرة وأوضاع أبنائه تحت الاحتلال وفي الشتات، بما حال دون تحوّل القضية إلى جزءٍ حيٍّ من الوعي الوطني والمجال العام.

وهكذا لم يُفصل الجولان عن الجغرافيا السورية وحسب، بل عن الوعي السياسي السوري أيضًا، وتحوّلت واحدة من أهم القضايا الوطنية إلى ملفٍّ تُديره السلطة وفق حساباتها الإقليمية والدولية أكثر مما يُدار بوصفه قضية حقٍّ وسيادة وطنية. ومع مرور الزمن، أُدرجت القضية ضمن منطق “الظروف الموضوعية” و”موازين القوى” و”التطورات الإقليمية”، بدل أن تصبح محورًا لبناء إرادة وطنية قادرة على تحويل الحقِّ إلى مشروعٍ تاريخيٍّ طويل النفس.

ثالثًا: شرطان لوضع الجولان في مكانه الصحيح

هناك شرطان رئيسان لتحويل الجولان من مسألة هامشية وملفٍّ تفاوضيٍّ خاصٍّ بالسلطة، أي سلطة، إلى قضية وطنية سورية؛ الأول إعادة بناء السياسة الخارجية على أسس جديدة، والثاني إعادة بناء الفضاء الوطني السوري.

فاليوم، بعد التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا، تعود الأسئلة الجوهرية إلى الواجهة بصورةٍ أكثر إلحاحًا، لأنَّ المسألة لم تعد تتعلَّق بالجولان أو بحدود الدولة وحسب، بل بطبيعة الدولة نفسها وأسسها ومرتكزاتها؛ فهل ستُبنى سوريا الجديدة على أساس المشاركة الوطنية الواسعة أم على إعادة إنتاج الاحتكار السياسي بأشكالٍ جديدةٍ؟ وهل ستصبح القضايا السيادية الكبرى جزءًا من النقاش الوطني العام أم ستظلُّ حبيسةَ الدوائر المغلقة؟ وهل ستُصاغ المصالح الوطنية من خلال المجتمع وقواه السياسية والمدنية ومؤسّساته المنتخبة أم من خلال مراكز القوة الضيقة؟

تطرح قضية الجولان اليوم هذه الأسئلة كلّها دفعة واحدة. فالجولان ليس مجرّد أرض محتلة، بل هو سؤال في معنى السيادة نفسها. والسيادة ليست شعارًا قانونيًا أو عبارة تُكتب في الدساتير أو تُرفع في المناسبات الوطنية. السيادة هي قدرة المجتمع على المشاركة في تقرير مصيره، وقدرة المؤسّسات على التعبير عن الإرادة العامة، وقدرة الدولة على حماية استقلالها وصون مصالحها الوطنية.

ومن هذا المنظور، فإنَّ أحد أهمِّ التحديات التي تواجه سوريا الجديدة يتمثَّل بإعادة بناء السياسة الخارجية على أسسٍ مختلفةٍ جذريًا عن تلك التي حكمتها خلال العقود الماضية. فالسياسة الخارجية ليست ملكًا للسلطات، ولا وسيلة لإطالة أعمار الأنظمة، ولا أداة لحماية النخب الحاكمة أو إعادة إنتاج نفوذها، بل هي امتدادٌ للمصلحة الوطنية كما يحدِّدها المجتمع ومؤسّساته الشرعية، وانعكاس لأولويّات الداخل وحاجاته ومصالحه الاستراتيجية. ومن ثمّ فإنَّ إعادة بناء السياسة الخارجية السورية ينبغي لها أن تنطلق من حاجات السوريّين والسوريّات أنفسهم، ومن متطلّبات استعادة السيادة الوطنية وإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار وبناء الدولة الديمقراطية الحديثة، لا من مصالح أي سلطة أو أي جماعة أو أي شبكة مصالح ضيقة.

تقتضي عملية بناء الدولة السورية إعادة بناء المجال الوطني الجامع أيضًا، ولا سيَّما بعد سنوات طويلة من التمزّق والتشظّي والانقسامات التي طالت النسيج الوطني، فضلًا عن الاصطفافات والتصنيفات والهُويات المتنازعة التي أضعفت الشعور الوطني المشترك، ودفعت كثيرين إلى البحث عن الحماية أو الخلاص خارج الإطار الوطني.

وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء ما يمكن تسميته المشتركات الوطنية، أي ذلك المجال الرمزي والسياسي الذي تتوافق حوله الجماعة الوطنية بوصفه أساسًا لا يجوز العبث به أو التفريط فيه: إنَّ الدولة الوطنية السورية، ووحدة الأراضي السورية، واستقلال القرار الوطني، ورفض الاحتلال، ورفض الاستقواء بالخارج ضدّ سوريا، ورفض تسويغ وجود القوى الأجنبية على الأرض السورية، ورفض التعاون مع أيِّ دولةٍ أو جماعةٍ مسلّحةٍ على حساب الوطن السوري ومصالح شعبه، ينبغي لها أن تتحوّل جميعها إلى ثوابت وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات السياسية والأيديولوجية والطائفية والقومية. فالديمقراطية لا تعني غياب الثوابت الوطنية، بل تعني الاتفاقَ الحرِّ عليها وإدارتها من خلال المؤسّسات والقانون.

رابعًا: الجولان قضية جميع السوريّين والسوريّات

لا يمكن القبول بأيِّ مقاربةٍ سياسيةٍ تتعامل مع الجولان بوصفه تفصيلًا ثانويًا أو قضيةً قابلةً للاختزال أو النسيان أو المساومة. فالجولان ليس مجرّد قطعة أرض على الخريطة، بل موطن مئات الآلاف من السوريّين والسوريّات الذين عاشوا تجربة الاحتلال أو التهجير أو الاقتلاع أو الحرمان، وهو جزءٌ من الذاكرة الوطنية السورية، ومن التجربة التاريخية للشعب السوري.

فهناك عشرات الآلاف من أبناء الجولان الذين اقتُلعوا من قراهم ومدنهم بعد الاحتلال، وما تزال قضية نازحي الجولان واحدةً من القضايا الوطنية والإنسانية التي لم تنل ما تستحقّه من اهتمامٍ وإنصافٍ. كما أنَّ أبناء الجولان السوريّين الذين بقوا في أرضهم تحت الاحتلال، وفي مقدَّمهم أبناء مجدل شمس وبقعاثا ومسعدة وعين قنية، يشكِّلون شاهدًا حيًّا على قدرة الهوية الوطنية على الصمود في مواجهة الاحتلال ومحاولات الاقتلاع والتذويب. لقد حافظوا على انتمائهم الوطني السوري على الرغم من الضغوط القاسية، وقدَّموا نموذجًا وطنيًا يستحقُّ التقدير والاعتراف.

إنَّ تجاهل معاناة أبناء الجولان، سواء أولئك الذين بقوا في أرضهم تحت الاحتلال أو أولئك الذين هُجّروا منها، يمثِّل خللًا في فهم القضية الوطنية ذاتها. وبهذا المعنى، ينبغي للجولان أن يكون قضية جميع السوريّين والسوريّات بلا استثناء. فهو ليس قضية منطقة أو محافظة أو جماعة بعينها، وليس قضيةً تخصُّ أبناء الجولان وحدهم، بل قضية وطنية تخصُّ سائر فئات الشعب السوري وجميع السوريّين والسوريّات بصرف النظر عن انتماءاتهم الإثنية والدينية والطائفية.

خامسًا: الوطنية السورية بين الانغلاق والمسؤولية

في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الوطنية السورية ذاتها بصورة أكثر نضجًا واتّساعًا. فالوطنية الحقيقية لا تُبنى على ردّات الفعل، ولا على الانتقام من الماضي، ولا على الانغلاق الهُويّاتي أو القومي أو الطائفي، بل على فهم عقلاني للمصلحة الوطنية ولموقع سوريا في محيطها الجيوسياسي والتاريخي.

إنَّ الشعار الذي يرفعه كثيرون اليوم تحت عنوان “سوريا أولًا” لا يكتسب معناه الحقيقي إلَّا إذا اقترن بفهمٍ عميقٍ لمكانة سوريا داخل شبكة المصالح والوقائع والتفاعلات التي تحكم المنطقة. فسوريا ليست جزيرةً معزولةً عن محيطها، ولا يمكن فصل قضاياها الوطنية الكبرى عن السياق الإقليمي الذي تنتمي إليه.

ولذلك، لا يمكن تصوّر وطنية سورية متماسكة إذا بُنيت في مواجهة القضية الفلسطينية أو على أنقاضها، لأنَّ فلسطين ليست قضيةً خارجيةً بالنسبة إلى سوريا، بل جزءٌ من البيئة الاستراتيجية والتاريخية والسياسية التي تشكَّلت ضمنها الدولة السورية الحديثة، فضلًا عن أنَّ الجولان نفسه يرتبط عضويًا بالبنية العامة للصراع في المنطقة وبسؤال السيادة والاستقرار الإقليمي.

إنَّ الوطنية السورية المسؤولة لا تعني الانكفاء عن قضايا الإقليم، بل تعني التعامل معها من منظور المصالح الوطنية السورية، ومن منظور رؤية استراتيجية طويلة المدى، تعترف بتشابك المصائر ووحدة المصالح وحقائق التاريخ والجغرافيا، فالدفاع عن المصالح السورية لا يتعارض بالتأكيد مع الانحياز إلى القضايا العادلة في المنطقة، وفي مقدَّمها القضية الفلسطينية.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ المشروع الوطني السوري لا يمكن أن يقوم على قطيعة مع القضية الفلسطينية، بل على إعادة إدماجها ضمن رؤية سياسية جديدة تحرِّرها من الاستغلال الأيديولوجي، ومن التوظيف السلطوي، ومن الاستثمار الإقليمي، وتُعيدها إلى فضاء السياسة بوصفها قضية حقوق إنسانية ووطنية فلسطينية بالدرجة الأولى.

سادسًا: إعادة بناء القضايا العادلة

لا يمكن فهم قضية الجولان، ولا القضية الفلسطينية، خارج السياق البنيوي الذي حكم علاقة أنظمة الاستبداد بهذه القضايا لعقودٍ طويلةٍ. فقد احتكرت السلطات هاتين القضيّتين، وقدّمت نفسها بوصفها الناطق الحصري باسمها، بينما كانت في الوقت ذاته تفرِّغها تدريجًا من مضمونها السياسي.

وقد أدّى ذلك إلى نتيجة مزدوجة الخطورة؛ فمن جهة جرى تحويل قضايا عادلة إلى أدوات للشرعية الخطابية والتعبئة السياسية ولإدارة الصراعات الداخلية والإقليمية، ما أدّى إلى إفراغ هذه القضايا من مضامينها السياسية والاجتماعية الحقيقية. ومن جهة أخرى نشأت لدى بعض الفئات ردّات فعل معاكسة، غير عاقلة، رأت في التخلّص من هذه القضايا شرطًا للتخلّص من الأنظمة المستبدّة أو سعت لإنكار أحقيّة هذه القضايا في مرحلة ما بعد التخلّص من أنظمة الاستبداد.

يشكِّل هذا الخلط خطأً سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد؛ فإسقاط الاستبداد لا يستوجب إسقاط القضايا الوطنية نفسها، أو التعامل معها بوصفها مجرّد إرثٍ أيديولوجيٍّ مرتبطٍ بالأنظمة السابقة. فإساءة الأنظمة إلى القضايا العادلة لا تُلغي عدالتها، واستغلال الشعارات لا يُبطل الحقوق التي تتحدّث عنها هذه الشعارات، وهذا ما يؤكِّد الحاجة إلى إعادة تحرير القضايا الوطنية عمومًا من قبضة الاحتكار السياسي.

ينبغي لنا الوقوف إذًا بوضوحٍ ضدّ الأصوات التي تتعامل باستخفاف مع القضية الفلسطينية أو تنظر إلى الفلسطينيّين السوريّين وغيرهم مثلًا بمنطقٍ عقابيٍّ أو انتقاميٍّ تحت تأثير ردّات الفعل على سياسات نظام الأسد واستثماره السياسي للقضية الفلسطينية طوال عقود. فعدالة القضية الفلسطينية لا تنبع من مواقف الأنظمة الاستبدادية منها، بل من حقوق الشعب الفلسطيني نفسه، ومن المبادئ الأساسية للعدالة والحرية والكرامة الإنسانية.

وربما من المهمِّ التأكيد اليوم في هذا السياق أنَّ فلسطين ليست قضية سُنيّة أو شيعيّة، وليست قضية خاصة باليمين أو اليسار، وليست ملكًا لأيِّ محورٍ إقليميٍّ أو دوليٍّ. إنَّها قضية شعب وحقوق وسيادة وحرية، وترتبط بصورةٍ وثيقةٍ بالبنية العامة للاستقرار الإقليمي، وبإمكانية بناء نظامٍ سياسيٍّ أكثر توازنًا وعدالة في المنطقة.

سابعًا: الموازنة بين الواقعية السياسية والتمسّك بالحقوق

إنَّ أيَّ مقاربةٍ مسؤولةٍ لقضية الجولان لا يمكن أن تنبني على المغامرات العسكرية غير المحسوبة، ولا سيَّما في ظلِّ اختلال موازين القوى وتعقيد البيئة الإقليمية والدولية، كما لا يمكن أن تتحوَّل الواقعية السياسية إلى ذريعة للاستسلام للأمر الواقع أو للتخلّي عن الحقوق الوطنية. فالمشكلة مع نظام الأسد مثلًا لم تكن يومًا في عدم خوض مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، بل في غياب رؤية وطنية استراتيجية قادرة على تحويل قضية الجولان من شعارٍ سياسيٍّ إلى مشروعٍ وطنيٍّ طويل الأمد يُراكم عناصر القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسّساتية.

وفي هذا السياق، يدعو حزب الجمهورية إلى اعتماد عقلانية استراتيجية تُوازن بين التمسّك بالحقوق التاريخية المشروعة وإدارة الصراع ضمن الشروط الواقعية القائمة، وترفض في الوقت نفسه منطق “المزاودة” القائم على ثنائية “الكلّ أو لا شيء”، لأنَّ الحقوق لا تُصان بالشعارات، بل ببناء مؤسّساتٍ قويةٍ، ومجتمعٍ حرٍّ وقادرٍ على الفعل، ودولةٍ ديمقراطيةٍ تستند إلى المشاركة الشعبية وسيادة القانون.

وانطلاقًا من هذا النهج، يؤكِّد الحزب أنَّ الجولان أرض سورية محتلّة وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ولا سيَّما قرارات مجلس الأمن 242 و338 و497، وأنَّ السيادة القانونية عليه تعود إلى سوريا، وأنَّ أيَّ إجراءاتٍ أحاديةَ الجانب تهدف إلى تغيير وضعه القانوني أو الديموغرافي لا تترتّب عليها أيُّ آثارٍ قانونيةٍ على صعيد الشرعية الدولية. كما يرفض الحزب أيَّ تفريطٍ أو مساومةٍ أو تنازلٍ عن أيِّ جزءٍ من الجولان المحتل أو أيَّ صيغةٍ تؤدّي إلى تثبيت نتائج الاحتلال أو إضفاء الشرعية عليها.

ويرى الحزب أنَّ استعادة الجولان حقٌّ وطنيٌّ ثابتٌ لا يسقط بالتقادم، وأنَّ تحقيقه يتطلَّب استراتيجيةً طويلة الأمد تجمع بين العمل الدبلوماسي والسياسي والقانوني وبين بناء عناصر القوة الوطنية السورية. ولذلك، فإنَّ استعادة الجولان لا تنفصل عن إعادة بناء دولة سورية ديمقراطية وقوية، مستقرّة اقتصاديًا ومؤسّساتيًا، تكون فيها السيادة ممارسةً فعليةً لا شعارًا سياسيًا، وتُبنى سياستها الخارجية على أساس المصلحة الوطنية وحاجات المجتمع السوري لا على أساس مصالح الأنظمة أو المحاور الإقليمية.

كما يرى الحزب أنَّ استمرار الاحتلال لم يكن نتيجة موازين القوى المحلية وحدها، بل جاء أيضًا في ظلِّ عجز النظام الدولي عن فرض تطبيق قراراته، وفي ظلِّ السياسات الأميركية التي ساهمت في تثبيت الأمر الواقع، فضلًا عن إخفاق الأنظمة العربية في بناء استراتيجية فاعلة لدعم استعادة الأراضي المحتلّة وحماية المصالح المشتركة.

وانطلاقًا من رفضه لاحتكار القضايا الوطنية أو إدارتها بعيدًا عن المجتمع، يؤكِّد الحزب أنَّ أيَّ مسارٍ تفاوضي سوري–إسرائيلي يجب أن يتمَّ بأعلى درجات الشفافية أمام الرأي العام السوري، وألَّا يكتسب أيُّ اتفاقٍ يتعلَّق بالجولان أو السيادة الوطنية شرعيّته إلَّا من خلال المؤسّسات الدستورية والتمثيلية المنتخبة. كما يدين الحزب الانتهاكات الإسرائيلية المستمرّة للأراضي السورية، وينظر إلى اتفاقية فضِّ الاشتباك لعام 1974 بوصفها المرجعية العملية والقانونية الأساسية لأيِّ مسارٍ تفاوضيٍّ في المرحلة الراهنة.

ويربط حزب الجمهورية بين قضية الجولان والقضية الفلسطينية بوصفهما جزءًا من منظومة واحدة تتعلّق بالسيادة والعدالة والاستقرار الإقليمي. فالقضية الفلسطينية ليست مجرّد ملفٍّ سياسيٍّ عابرٍ، بل قضية شعب حُرم من حقوقه الوطنية الأساسية وتعرَّض للاحتلال والتهجير، وما تزال آثار ذلك حاضرة في المنطقة بأسرها. ومن ثمَّ فإنَّ أيَّ مشروع سلامٍ أو استقرارٍ دائمٍ لن يكون قابلًا للحياة ما لم يرتكز على الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ومعالجة جذور الصراع معالجة عادلة ومستدامة.

ولهذا يرفض الحزب إدراج سوريا في الاتفاقات الإبراهيمية أو الانخراط في أيِّ مسارٍ تطبيعيٍّ قبل استعادة الجولان المحتلِّ كاملًا، كما يؤكد أنَّ السلام العادل والدائم في المنطقة يبقى مرتبطًا بضمان حقِّ الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على الضفة الغربية وقطاع غزة وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حقِّ الشعوب في تقرير مصيرها؛ فاستقرار المنطقة لا يتحقَّق بتجاهل المظالم أو التطبيع مع نتائجها، بل بإقامة سلامٍ قائمٍ على الحقوق والكرامة وسيادة القانون الدولي.

ثامنًا: على عتبة ذكرى الهزيمة

بعد تسعة وخمسين عامًا على احتلال الجولان، تكمن أهمية هذه القضية في أنَّها تكشف لنا كيف يمكن أن تتحوَّل القضايا الوطنية الكبرى إلى ملفَّاتٍ مؤجّلةٍ عندما يُستبعد المجتمع من السياسة، وكيف يمكن أن يبقى الحقُّ محاصرًا في حدود الذاكرة عندما لا يكون هناك سعيٌّ حقيقيٌّ لإدراجه في مشروعٍ وطنيًّ متكاملٍ قادرٍ على تحقيقه.

لقد أظهرت العقود الماضية أنَّ إدارة الصراعات لا تنجح بالخطابات، كما لا تنجح بالاستسلام للوقائع القائمة. وبين هذين النقيضين تبرز الحاجة إلى سياسة وطنية جديدة ترى في بناء الدولة والمجتمع والمؤسّسات جزءًا من معركة استعادة الحقوق، لا قضيةً منفصلةً عنها. فالقوة التي تحمي الحقوق لا تُختزل في موازين السلاح وحدها، بل تبدأ من قدرة المجتمع على تنظيم نفسه، وإنتاج مؤسّساته، وصوغ مصالحه الوطنية بصورة مستقلة ومسؤولة.

وهذا معناه أنَّ قضية الجولان اليوم لا تتعلَّق بما ينبغي لسوريا أن تستعيده وحسب، بل بما ينبغي لها أن تصبح عليه أيضًا؛ فالجولان، في نهاية المطاف، ليس سؤالًا عن الأرض وحسب، بل عن الدولة التي تسعى لاستعادة هذه الأرض أيضًا، وكذلك عن المجتمع القادر على حمل قضيّتها، وعن المستقبل الذي يريد أن يكتبه بنفسه، وإنَّ طريقة التعامل مع هذه القضية اليوم ستعكس طبيعة الدولة التي يسعى السوريّون لبنائها.

الجولان اليوم إذًا عنوانٌ لسؤال أكبر: أيُّ سوريا نريد؟ سوريا التي تُدار قضاياها الوطنية خلف الأبواب المغلقة، أم سوريا التي يشارك مواطنوها في صوغ مصيرهم؟ سوريا التي تُختزل فيها الوطنية في الولاء للسلطة، أم سوريا التي تتجسَّد فيها الوطنية في خدمة الدولة والمجتمع والحرية والقانون؟ سوريا التي تبقى أسيرة آثار الهزائم القديمة، أم سوريا القادرة على تحويل الذاكرة إلى قوةٍ، والحقّ إلى مشروعٍ، والسيادة إلى ممارسةٍ فعليةٍ في حياة مواطنيها ومؤسّساتها؟

وهذا، في جوهره، هو الدرس الأعمق الذي ما تزال هزيمة حزيران/ يونيو تضعه أمامنا بعد نحو ستة عقود: إنَّ الأمم لا تنتصر بالذاكرة وحدها، ولا بالخطابات، ولا بالنيّات الحسنة، بل بقدرتها على تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى سياسة، والسياسة إلى مشروعٍ وطنيٍّ جامعٍ يربط بين الحرية والسيادة والعدالة والديمقراطية، ويجعل من المستقبل امتدادًا لإرادة المجتمع لا امتدادًا لهزائمه.

حزب الجمهورية (قيد التأسيس) – الأمانة العامة

5 حزيران/ يونيو 2026

آخر الأوراق السياسية

Scroll to Top