المأساةُ السوريةُ المُعاشةُ لم تكن وليدةَ الحربِ التي أعقبت ثورةَ آذار 2011 فقط، بل هي تعبيرٌ حادٌّ عن أزمةٍ عميقةٍ في بنيةِ الدولةِ والمجتمع، فقد فتكت السلطةُ الشموليةُ الأسديةُ بالنسيجِ الاجتماعي، ورسّخت الانتماءاتِ المحليةَ والتناقضاتِ الوطنيةَ المتعددة، وعمّقتها، طائفيةً كانت الانتماءاتُ أم مذهبيةً أم عشائريةً أم إثنيةً.
ولم يقتصر الأمرُ على ذلك، بل إنّ حظرَ العملِ السياسيِّ الحرّ، وسحبَ السياسةِ من الفضاءِ العامّ، واعتمادَ النموذجِ الاستبداديِّ الشموليِّ في قيادةِ الدولةِ والمجتمع، خلق بيئةً خصبةً للفرقةِ والفتنةِ، وقاد إلى تصدّعِ الثقةِ بين أبناءِ الشعبِ السوريّ، وساهم في تشكيلِ الوعي واللاوعي الجمعيّين، فبات أسيراً لوعيٍ متأخرٍ فكريًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا.
بعد أربعةَ عشرَ عاماً من المعاناة، انتصرت ثورةُ الحريةِ والكرامةِ في الثامنِ من ديسمبر 2024، وكان السوريون قد دفعوا ثمنًا باهظًا لقاءَ النصر. وإنْ كان من المؤكدِ أن عواملَ داخليةً وإقليميةً ودوليةً أسهمت في ذلك، إلّا أن التضحياتِ الجِسامَ التي قدّمها الشعبُ السوريّ هي السياقُ التاريخيُّ الذي قاد إلى النصر، وجعله أحدَ الممكناتِ الموضوعيةِ لمآلاتِ الثورة. ولن نكون محبطين ولا متشائمين، إنْ ذهبنا إلى القولِ إنّ النصرَ الذي تحقّق في الثامنِ من ديسمبر 2024 ليس نصراً ناجزاً أو مكتملَ الأركانِ بعدُ وليس نهايةَ المطاف.
إنَّه حدثٌ مفصليٌّ بارزٌ وضع سوريا من جديدٍ على مفترقِ طرق، ما يعني أن مستقبلَ الشعبِ السوري وآمالَه وتطلعاتِه لا تزال على المحكّ، وليس ثمّةَ مسارٌ مؤكَّدٌ أو يقينيٌّ حتى الآن. فالمستقبل هو ممكناتُ الحاضر، وعلى هذه الممكنات سوف يتوقف تحقّقُ الهدفِ الذي وضعه السوريون نُصْبَ أعينِهم عام 2011، وهو بناءُ الدولةِ الوطنيةِ السورية أو عدمُ تحققه. ويتوقف أيضًا على الطرقِ والأدواتِ التي ستُستخدم في ذلك.
إنّنا في حزبِ الجمهورية نرى أن المعاناةَ التاريخيةَ التي عاشتها سوريا وشعبُها ناجمةٌ عن الفشلِ في إنجازِ مهمةِ بناءِ الدولةِ الوطنيةِ على مدى التاريخِ الحديث. فالدولةُ الوطنيةُ هي الدولةُ القادرة، بمؤسساتها العامة، على إدارةِ الحياةِ المدنية وإدارةِ الاختلاف وإدارةِ التنميةِ الشاملة والعملِ الدائمِ من أجلِ الرفاهِ والأمنِ والسلام. وهي الدولةُ المؤسَّسةُ على حريةِ الفرد وحقوقِ الإنسانِ المواطنِ، والقائمةِ على قيمِ المساواةِ والحريةِ ومبادئِ العدالةِ والإنصاف وعلى تكافؤِ الفرصِ وتساوي الشروطِ وتكافؤِ المعاني والقيم وحُكمِ القانون وفصلِ السلطات واستقلالِ القضاء وصونِ الحرياتِ المدنيةِ والسياسية.
ما كنّا لنستعرض هذه المقدّمة النظريةَ المختصرةَ لولا أنها ستسمح لنا بالدخولِ فيما نودّ قولَه حول القضايا الراهنةِ في سوريا منذ سقوطِ النظامِ البائد حتى اللحظةِ الراهنة، وحول الأساسِ النظريِّ الذي نستُرشدُ به في محاولةِ اقتراحِ خارطةِ طريقٍ تسهم في إعادةِ بناءِ وطنِنا السوريِّ من جديد.
المأزقُ الطائفيّ
لم تكن أحداثُ الساحلِ والسويداءِ في الأشهرِ الماضية، وأحداثٌ أخرى متفرّقة، إلّا إفصاحًا مباشرًا عن الاحتقانِ والشروخِ الطائفيةِ القائمةِ بالقوةِ وبالفعلِ في الواقعِ السوريّ. فمعظمُ الخطابِ السياسيّ والخطابِ اليوميّ، على المستوى الشعبيّ، وعلى مستوى النخب، يشي بخطابِ مكوِّنات (جماعاتٍ متفاصلةٍ ومتنابذةٍ) لا خطابِ مواطَنةٍ متساويةٍ ومواطنين ومواطنات. خطابُ حقدٍ وكراهيةٍ متبادَلٌ بين بعضٍ من أبناءِ الطوائفِ والإثنياتِ السورية، بينما نرى أن الأصواتَ المضادّةَ خافتةٌ، أو ربما خجولةٌ وخائفةٌ.
مع هذين الحدثين البارزين، “الساحل والسويداء”، لم يعد مجدياً ولا مبرراً الإصرارُ على خطابِ النصرِ والتحريرِ والتعامي عن هذا الواقع. وعلينا نحن السوريين أن نضع عنواناً وطنيًّا كبيراً اسمه “المسألة الطائفية في سوريا”. هذه المسألة، بأبعادها التاريخية والسوسيولوجية والسياسية، تحتاج إلى فهمٍ وتحليلٍ واستيعابٍ، للوصولِ إلى حلولٍ وطنيةٍ استراتيجيةٍ ومستدامة.
إنّنا في حزب الجمهورية، ندرج إمكانَ الخروجِ من المأزقِ الطائفيّ في سياقِ سيرورةِ بناءِ الدولةِ الوطنيةِ السوريةِ الحديثة. لذلك، نرى ضرورةَ العملِ على تشجيعِ النشاطاتِ السياسيةِ والثقافيةِ ومؤسساتِ المجتمعِ المدنيّ على فتحِ بابِ الحوارِ في سائرِ بقاعِ الوطن، بهدفِ ملامسةِ القضايا والهواجس، في سبيلِ بناءِ وعيٍ وطنيٍّ قائمٍ على الاعترافِ بحريةِ الرأي والتعبير وثقافةِ الانفتاح وسيادةِ القانون وقيمِ المواطنة ورفضِ مبدأ المحاصصةِ الطائفيةِ والإثنيةِ وخطابِ المكونات. كما ينبغي العملُ على رفعِ الوعي بدورِ الدولة ومسؤوليتِها تجاهَ مواطنيها، باعتبارِها الملاذَ الآمنَ لهم جميعًا، الدولةَ التي تحفظ حقوقَ المواطنِ الفردِ والقائمةِ على قيمِ المساواةِ والحريةِ ومبادئِ العدالةِ والإنصافِ وتكافؤِ المعاني والقيمِ وحكمِ القانون.
لقد واجهت الدولةُ الجديدةُ أحداثَ الساحلِ والسويداءِ بطريقةٍ بدت من خلالها أنها عاجزةٌ عن السيطرةِ على فئاتٍ وعناصرَ كثيرةٍ، وقد أدّى ذلك إلى انتهاكاتٍ جسيمةٍ، الأمرُ الذي أضاف إلى الذاكرةِ الجمعيةِ جراحاً عميقةً، ناهيك عن اتباعِ خطابٍ تحريضيٍّ طائفيٍّ من قبلِ مقرّبين من السلطة. فما دامت بنيةُ الدولةِ لا تزال هشّةً، عليها ألّا تسمح لأيّ فئةٍ من فئاتِ الشعب أن تتجاوز على غيرها، بل عليها أن تُثبت لجميعِ مواطنيها أنها الدولةُ الوطنيةُ التي تقومُ بحمايةِ جميعِ مواطنيها، وأنها تعتبرُ وتصونُ كلَّ ما هو مشتركٌ بين جميعِ مواطني الدولة. وهنا بالتحديد يتجلّى معنى العقدِ الاجتماعيّ، الذي هو أساسُ بناءِ الدولةِ الوطنية.
يجب على السلطةِ إعادةُ التدقيقِ جيدًا في الأشخاصِ غيرِ المناسبين الذين تُكلّفهم بالتصدي لقضايا وطنيةٍ بالغةِ الحساسية. وعلى الذين يتصدّون لهذه القضايا أن يتحلّوا بقدرٍ مناسبٍ من الوعي والمسؤوليةِ والخبرةِ في التواصلِ وإدارةِ الحوارات، إضافةً إلى مراعاةِ أبعادِ الطائفةِ وضمانِ عدمِ انسيابهم إلى خطابٍ غيرِ وطنيٍّ أو تحريضيّ. وعلى الدولةِ أن تتمتعَ بقدرٍ كبيرٍ من الشفافيةِ إزاءَ قدرتِها أو عدمِ قدرتِها على السيطرةِ على مؤيّديها، وعليها أن تُفصح عن ذلك، لأنّ هذا يُكسبُها القدرةَ على خلقِ الأدواتِ اللازمةِ لمواجهةِ التحديّاتِ الأمنية.
إنّنا في حزبِ الجمهورية، إذ ندينُ جميعَ الجرائمِ والانتهاكاتِ، وندينُ الخطابَ الطائفيَّ وخطابَ الكراهية، ندعو الدولةَ للقيامِ بدورها كحاميةٍ وضامنةٍ لحقوقِ جميعِ أفرادِ الشعبِ السوريّ وحرياتِهم وأمنِهم. كما ندين، في الوقتِ نفسه، الاستقواءَ بالخارجِ والانجرارَ نحو مشاريعَ انفصاليةٍ تُفتّت الوطنَ السوريَّ وشعبَه وأرضَه. وندين، في الوقتِ نفسه، المنطقَ العلنيَّ أو الضمنيَّ لكلّ من يعتبر الدولةَ الجديدةَ “غنيمةً”، ويسعى إلى الاستحواذِ على ما يستطيع منها: اقتصاديًّا أو عسكريًّا أو سياسيًّا أو معنويًّا.
إنّ تقدُّمَ مشروعِ الدولةِ الوطنيةِ سوف يظلُّ مرتبطاً بنجاحِ السلطةِ الحاليةِ في بلورةِ مشروعٍ وطنيٍّ جامعٍ، مبنيٍّ على عقدٍ اجتماعيٍّ يُقرُّ على نحوٍ قاطعٍ مبدأَ المواطَنةِ الكاملةِ، أي الاعترافِ بحقِّ كلِّ فردٍ مواطنٍ (وبالتأنيث: مواطنةٍ)، في المشاركةِ على وجهِ المساواةِ والتكافؤِ في الشؤونِ العامةِ وحياةِ الدولةِ وعمليةِ إنتاجِ المجتمعِ والدولةِ التي لا تتوقف، ولا سيّما حقّ أيِّ مواطنٍ أو مواطنةٍ في تسلُّمِ أيِّ منصبٍ حكوميٍّ، إداريًّا كان أو سياسيًّا، وفقَ مبدأِ الكفايةِ العلميّةِ والمهنيةِ والأخلاقيةِ ومبدأِ المنافسةِ الديمقراطيةِ أو المسابقات. فالترجمةُ الحقوقيةُ والسياسيةُ والأخلاقيةُ للعقدِ الاجتماعيّ هي الانتقالُ من سلطةِ الفردِ إلى سلطةِ الدستورِ والقانون ومن احتكارِ السلطةِ إلى فصلِ السلطات.
دور الأقليات والطوائف الأخرى في الخروج من المأزق الطائفي
خطابُ “المكوناتِ” السائدُ في سوريا، بما هو خطابٌ عنصريٌّ يولِّدُ الكراهيةَ ويبرِّرُ العنف، يُقابله ويُكمّله خطابُ “المظلومياتِ”، الذي يُبرِّرُ الغلبةَ والتسلّطَ أو الاستقواءَ بالخارج. كلاهما وجهان لعملةٍ واحدة، يُؤسّسان لوضعٍ ما دون الدولةِ الوطنيةِ ولمجتمعٍ مأزومٍ على الدوام.
لقد شهدت سنواتُ الثورةِ، وما بعد سقوطِ النظامِ البائد، ارتفاعاً في منسوبِ الخطابِ الطائفيِّ بين عمومِ الطوائف، بحكمِ حالةِ الاستقطابِ والعنف. وقد عانت الأكثريّةُ المذهبيةُ شعوراً متفاوتَ الحدّةِ بالاستلابِ والقهر، جرّاء القمعِ والقتلِ والتهجيرِ والتدميرِ الذي ساد مناطقَهم، بحكمِ أن غالبيةَ بؤرِ تفجيرِ الثورةِ كانت من الأكثريّةِ المذهبيةِ. لا شكّ أن الجراحَ كانت عميقةً، وأن بشاعةَ الشرِّ لا يمكن تخيُّلُها أو وصفُها.
إنَّ معالجةَ ذلك التاريخِ الدمويِّ تتوقف على جودةِ العملِ، ومن بين ذلك ما تقوم به الهيئة الوطنية للعدالةِ الانتقاليةِ، وعلى ما ستخلُصُ إليه من مخرجاتٍ على صعيدِ المحاسبةِ والمصالحةِ والصفحِ وسياساتِ الذاكرةِ وجبرِ الضرر. وبالتأكيد، لا يُفترض بهذه اللجنة أن تعمل لصالح طائفةٍ معينة أو ضدَّ أخرى، بل مهمتها الأساسية هي المساهمة في إعادة بناء الدولة الوطنية السورية، التي تكون قادرةً على دحر الشر وبناء السلام.
لكنّ هذا كلَّه لن يكون كافياً وحده، بل لا بدّ أن يترافق مع وعيِ الأكثريّةِ المذهبيةِ لمسؤوليتِهم التاريخيّةِ عن رسمِ مستقبلِ سوريا. فهم، بوجهٍ خاص، أصحابُ القرارِ الحاسمِ في التقدُّم، وعلى محصّلةِ وعيهم سيتوقف نجاحُ المشروعِ الوطنيّ من عدمِه. فإنّ معيارَ الارتقاءِ إلى مصافٍّ إنسانيّةٍ ووطنيةٍ هو وعيُ الأكثريّةِ المذهبيةِ، خاصّةً بأنّ مفهومَ الأكثريّةِ في السياسةِ لا يُستنفد في العدد، بل إنّ الأكثريّةَ السياسيةَ هي التي تُقرِّرها صناديقُ الاقتراع. ومن نافلِ القول، إنّ الحديثَ هنا لا يعني أنّ الأكثريّةَ المذهبيةَ هم كتلةٌ واحدة، أو يجب أن يكونوا كذلك، بل المقصودُ محصّلةُ وعيِهم العامّ، وخاصةً وعيُ نخبِهم النافذة.
لكن، إذا كان مؤكداً أنّ القرارَ التاريخيَّ في بناءِ الدولةِ الوطنيةِ هو بيدِ الأكثريّةِ المذهبيةِ، فإنّه من المؤكدِ أيضًا أنّ إنتاجَ الأكثريّةِ لوعيٍ طائفيٍّ، بعيدٍ عن قيمِ المواطَنةِ وحقوقِ الإنسان، سوف يقود إلى المزيدِ من الشروخِ والحروبِ الأهليّةِ المحتملة. إنّ وعيَ الأكثريّةِ لمشكلةِ الأقلياتِ، على أساسِ أنّ مبدأَ السياسةِ الوطنيةِ يقوم على المشاركةِ الحرّةِ والمبدعةِ للمواطنين على وجهِ المساواةِ والتكافؤِ في إنتاجِ المجتمعِ والدولة، وأنّ الغلبةَ لا تبني دولةً، وأنّ بناءَ الدولةِ لا يتماشى مع العصبيّة — أكثريّةً كانت أم أقليّةً — لأنّ صناعةَ السلامِ تتأسّس على رؤيةٍ إنسانيّةٍ طليقة، متحرّرةٍ من كلّ عصبيّةٍ، ومتحرّرةٍ من لوثةِ النصرِ والهزيمةِ والغلبةِ والمغلوبيةِ التي تدقُّ طبولَ الحربِ وتُنذرُ بالخراب.
من جهةٍ أخرى، إنّ هذا لا يعني إخلاءَ مسؤوليةِ الطوائفِ الأخرى، ولا يعني إعفاءَها من المسؤولياتِ التي تقع على كاهلِها، ولا يُقلّلُ من الأهميةِ البالغةِ لمحصّلةِ الوعي العامّ داخلَ كلٍّ منها. إنّ شعورَها بالتوجّسِ والغربةِ والخوفِ يُعطّلُ سيرورةَ مشروعِ الدولةِ الوطنيةِ. والمطلوبُ هو مشاركتُها في الفضاءِ العامّ، لا بحكمِ الانتماءِ الطائفيِّ أو الإثنيّ، وإنما بحكمِ مبدأ المواطنةِ السوريةِ المتساوية.
إنَّ الوضعَ الطائفيَّ في سوريا موغلٌ في القِدم، وله جذورٌ تاريخيّة، وعلى جميعِ السورياتِ والسوريين مسؤوليةُ بناءِ الدولةِ الوطنية، والتخلّصِ من الرواسبِ التاريخيّةِ للمأزقِ الطائفي، على أساسِ حقوقِ الإنسانِ المواطنِ، والحقِّ في المشاركةِ على قدمِ المساواةِ والتكافؤ. فالانتماءُ لمذهبٍ أو طائفةٍ أو غيرها هو حقٌّ شخصيٌّ وموضوعيٌّ لكلّ فردٍ، يُعبّرُ عنه في مجتمعِه المحلّيّ، وعلى الجميعِ احترامُ هذا الحقّ، دونَ منحِ أيِّ فردٍ فرصًا أو امتيازاتٍ سياسيّةً على الآخرين.
العمل السياسي ومشروعية المرحلة الانتقالية
تشهدُ سوريا اليوم هامشاً جيداً من حريةِ التعبير، يتجلّى في تداولِ الآراءِ السياسيةِ المتعارضةِ والنقدِ عبرَ الوسائلِ الإعلاميةِ ووسائلِ التواصلِ الاجتماعي وفي الاجتماعاتِ العامةِ العلنيةِ التي تُنظِّمها مؤسساتُ المجتمعِ المدنيِّ وبعضُ المجموعاتِ السياسيةِ المختلفة. لكنّ هذا الهامشَ المتاح لا يرتقي إلى مستوى المشاركةِ في صنعِ القرار، كما لم تنضج بعدُ استراتيجياتُ المشاركةِ والفعلِ السياسيِّ وآلياتُه وضوابطُه.
صحيحٌ أنّ بعضَ الشهورِ ليست كافية، وصحيحٌ أنّ المرحلةَ الحاليةَ هي مرحلةٌ انتقاليةٌ لها حساسيتُها وخصوصيتُها، لكنّ الصحيحَ أيضًا أنّ صياغةَ خارطةِ الطريقِ بمنهجيةٍ واضحةٍ وشفافةٍ سوف تُحدِّد مستقبلَ العملِ السياسيِّ في سوريا. وقد آنَ أوانُها، وأصبحتْ حاجةً وطنيةً مُلحّة. لا يعني هذا القولُ إنّنا نريد أن يتحقّقَ ذلك كلُّه الآنَ فوراً، بل يعني أنّ الوقتَ قد حانَ للإفصاحِ عن رؤيةٍ مقاربةٍ لتطلعاتِ الشعبِ السوريِّ ولأهدافِ ثورتِه في الحريةِ والكرامة.
إنّ المرحلةَ الانتقاليةَ هي من أخطرِ المراحلِ وأكثرِها تعقيدًا في تاريخِ الشعوب، لأنّها لا تعني فقط الانتقالَ من نظامٍ سياسيٍّ إلى آخر، بل تعني إعادةَ تأسيسِ قواعدِ الاجتماعِ والممارسةِ السياسيةِ، بشكلٍ يُشكّلُ نقلةً نوعيةً على صعيدِ إعادةِ بناءِ الدولةِ ذاتها. هذا المعنى للمرحلةِ الانتقاليةِ هو الذي يمنحُ السلطةَ الانتقاليةَ مشروعيتَها. فمشروعيةُ السلطةِ الانتقاليةِ تتحددُ بمدى قدرتِها على القيامِ بذلك بالفعلِ أو على وجهِ الإمكان، بحيثُ تُلبِّي المأمولَ والمطلوبَ منها، فتعيدُ تعريفَ مفهومِ الدولةِ من جديد.
السلطةُ الاستبداديةُ تمحو الفوارقَ بين السلطةِ والدولة، فيُصبحان شيئاً واحداً، وتُصبح الدولةُ جهازًا مُسخّراً لخدمةِ مصالحِ الديكتاتور وجماعتِه الضيقة. لكنّ تأسيسَ الدولةِ الوطنيةِ يقومُ على الفصلِ بين الدولةِ، بما هي كيانٌ دائمٌ يُمثّلُ المصلحةَ العامة ومؤسّسٌ على عقدٍ اجتماعيٍّ، وبين السلطةِ السياسيةِ، بما هي أداةٌ متغيرةٌ لإدارةِ الشأنِ العامّ، وفقَ موجباتِ العقدِ الاجتماعيِّ وضوابطِه. لذلك يجب أن ينفصلَ وجودُ الدولةِ عن سلطةِ فردٍ أو مجموعةٍ أو فئةٍ.
ومن دونِ هذا الفصلِ، لا يمكنُ الحديثُ عن دولةٍ وطنية، بل فقط عن جهازِ قمعٍ وهيمنةٍ، وبالتالي لا معنى ولا شرعيةَ لأيِّ مرحلةٍ انتقاليةٍ ما لم تُحرّر الدولةُ من قبضةِ السلطةِ، بحيثُ تستعيدُ مؤسساتُ الدولةِ طابعَها العموميَّ: الجيش والأمن والوزارات والإدارة والقضاء وغيرها.
في هذا السياق، تأتي أهميةُ مناقشةِ دورِ الأحزابِ والقوى السياسيةِ في هذا التحوّل. بعد عقودٍ من الحرمانِ والقمعِ والمنعِ وفقدانِ الثقة، يجدُ السوريون أنفسَهم مدعوينَ إلى ممارسةِ السياسةِ وإعادةِ إنتاجِها، بل إعادةِ تعريفِها من جديد، من طريقِ الممارسةِ والبصيرةِ المعرفيةِ والأخلاقية.
إذًا، لا بناءَ للدولةِ الوطنيةِ السوريةِ بعيداً عن فكرةِ المشاركةِ السياسيةِ وبدونِ أحزابٍ وقوى سياسيةٍ ومجتمعٍ مدنيّ. هذا يستدعي سنَّ قانونٍ عصريٍّ وحديثٍ وديمقراطيٍّ للأحزابِ والجمعيات، يأخذُ بعينِ الاعتبارِ طبيعةَ المرحلةِ الانتقاليةِ وضروراتِها وحساسيتَها، وفقَ الضوابطِ والاعتباراتِ التالية:
- حظرُ استعمالِ العنف وسحبُ السلاحِ من جميعِ الفئاتِ والفصائلِ والمجموعاتِ وحصرُه بالدولةِ وحدَها.
- منعُ قيامِ أحزابٍ وتجمّعاتٍ سياسيةٍ منظّمةٍ على أُسسٍ طائفيةٍ أو عُرفيّةٍ أو عشائريةٍ أو أيِّ انتماءاتٍ ضيقةٍ أو محليةٍ تُغذّي الانقسامَ والتفرقةَ وتُغذّي النزاعات. ومنعُ قيامِ أحزابٍ هي فروعٌ لحزبٍ مركزُه في الخارج أو حزبٍ له فروعٌ في الخارج.
- إقامةُ جسورِ التواصلِ والتشاورِ والمشاركةِ بين جميعِ القوى السياسية، بما فيها، وعلى رأسِها، السلطةُ من أجلِ بناءِ جسورِ الثقة، الأمرُ الذي سيساعدُ على رسمِ خارطةِ طريقٍ لمستقبلِ سوريا الجديدة.
إنّها مرحلةٌ لإدارةِ الاختلافِ، وتعلُّمِ فنِّ السياسةِ، وكيفيةِ استخدامِ أدواتِها لصياغةِ قواعدَ لحياةٍ وطنيةٍ سليمة، وحياةٍ إنسانيةٍ لائقة، ونبذِ الحربِ إلى الأبد. واليوم، ثمّة فرصةٌ لإعادةِ بناءِ الوطنِ السوريّ، على الجميعِ أن يقتنصَها ويدفعَ بها إلى الأمام، قبلَ أن يبتلعَنا ثقبٌ أسودُ جديد.
حزب الجمهورية (قيد التأسيس) – الأمانة العامة المؤقتة