Kurd

English

في السياسة والكرامة: لماذا لا بدّ من نهج حقوقي لسوريا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

لماذا لا بدّ من نهج حقوقي لسوريا؟

في لحظةٍ تتقاطع فيها تحوّلات السياسة مع ندوب التاريخ، وتختلط فيها الشعارات بالألم الممزوج بالأمل بمستقبل يليق بالتضحيات، تبدو حقوق الإنسان في المشهد السوري وكأنها طرف مُهمّش في صراع المصالح، أو عنوان مرفوع في الخطابات وغائب في الممارسة. ومع ذلك، فإن الواقع السوري، بكل ما يحمله من تعقيد وألم، يدفعنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة النظر في موقع الحقوق من السياسة، والتفكير بمقاربة جديدة تتجاوز الاستخدام الرمزي للمفاهيم، وتؤسس لمشروع سياسي يكون جذره الأخلاقي هو الكرامة، وأفقه هو العدالة والمشاركة.

الكرامة، بوصفها إحدى الركائز الأساسية لأي مشروع حقوقي، تتجلّى كحقّ جماعي وفردي في المساواة في المعنى، وفي الاعتراف المتبادل بالقيمة؛ أي أن لكل فرد أو جماعة أن تُقدَّر رؤاهم، وخياراتهم، وهوياتهم، وثقافاتهم، على قدم المساواة، لا من موقع الهيمنة أو التفوق، بل من موقع الشراكة الإنسانية. وهذا الفهم العميق هو ما يشكّل جوهر الاجتماع السياسي العادل. في المقابل، راكمت التجربة السياسية والاجتماعية، عبر العقود، تصوّرات مشحونة بالعاطفة أو متصلبة، اختزلت الكرامة أحيانًا في مواقف رمزية، وربطتها برفض الاعتراف بالخطأ أو الإصرار على رفع الرأس ولو على حساب الاعتراف بالواقع، مما ضيّق معناها وحوّلها من قيمة إنسانية جامعة إلى تعبير عن التفوق أو التمايز.

إن الواقع السوري، بكل تعقيداته وأوجاعه، يفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نعيد التفكير في موقع الحقوق من السياسة، وأن نؤسس لمقاربة جديدة تتجاوز الاستعمال الأداتي للشعارات، وتبني مشروعًا سياسيًا جذره الأخلاقي هو الكرامة، وأفقه هو العدالة والمشاركة. فقد أثبتت لنا السنوات الأخيرة من عمر الصراع السوري أنه و منذ انطلاق الثورة الشعبية وحتى تعقيدات التدخلات والتحالفات، أن إقصاء حقوق الإنسان من أجندة العمل السياسي لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يعمّق الانقسام، ويفتح أبوابًا جديدة للظلم والانتهاك. فنظام الأسد، حين اختار القمع بدل الإصغاء، ولغة العنف بدلاً من لغة الحوار لم يكن ينتهك فقط حقوق أفراده، بل كان يدمّر الأساس الأخلاقي لشرعيته السياسية. وفي الجهة المقابلة، لم تكن المعارضة، أو بعض أطيافها، بمنأى عن هذا الخلل، حين غضّت الطرف عن انتهاكات تحت مبررات استثنائية، أو قبلت تبريرات تتعارض مع العدالة التي تنادي بها.

الحقوق ليست قطاعًا منفصلًا عن السياسة، بل هي جوهرها

تُفهم الحقوق أحيانًا بطريقة خاطئة و كأنها شأن من شؤون “المجتمع المدني” أي أن المعنيين بها هم فقط من يعملون كناشطين في المجتمع المدني أو أنها من مسؤولية منظمات الرصد والتوثيق، أو هي فقط عبارة عن ملفات تُعرض على المنابر الدولية. لكن هذه النظرة تُفرغ السياسة من معناها العميق. فالسياسة، في جوهرها، هي تنظيم للعيش المشترك على أساس من المساواة والكرامة بين جميع أفراد المجتمع لا يختص بها الباحثون والأكاديميون فقط إنما هي في داخل كل تفصيل صغير في حياتنا، وكل مشروع سياسي لا يُدمج حقوق أبناء المجتمع في بنائه وسلوكياته وآلياته هو مشروع مهيّأ لإعادة إنتاج الإقصاء ولو بأدوات جديدة. فلا يمكن مثلا أن نتحدّث عن تمثيل دون حق في التعبير، ولا عن انتخابات دون حق في التنظيم، ولا عن دولة دون ضمانات حقيقية للمساءلة ( مساءلة المسؤولين والأفراد معاً)، ولا عن وطن دون اعتراف متساوٍ بجميع أبنائه، في الأصل والانتماء، في الدين والرأي، في الجنس واللغة. إضافة إلى أن النهج الحقوقي لا يعني فقط “الدفاع عن المظلومين”، بل يعني إعادة بناء شاملة للسياسة بناءً على قاعدة الإنصاف، وهو ما تحتاجه سوريا في مرحلة ما بعد الحرب أكثر من أي وقت مضى.

من أجل سياسة غير انتقائية ولا استنسابية

إن من أكثر ما شوّه فكرة حقوق الإنسان في الخطاب السياسي السوري هو الانتقائية فحين تُرفَع الأصوات ضد اعتقال من طرف معيّن ويُصمت عن آخرين، أو حين تُدين المجازر في منطقة وتُبرَّر في أخرى، أو حين يصبح التعذيب مقبولًا لأن “العدو يستحق” أو لأننا نريد أن نستشفي انتقاماً لا عدالة، فإن ما يحدث هنا هو ليس فقط خرقًا للحقوق، بل هو إفلاس سياسي وأخلاقي.

فالنهج الحقوقي يعني التزامًا بالمعايير لا بالأطراف، وبالقيم لا بالمواقع، وبالإنسان لا بالراية التي يرفعها. وهذا ما يجعل هذا النهج، في سياق التحوّل السوري، أحد أعمدة الانتقال الحقيقي نحو دولة قانون وعدالة، لا دولة غلبة ومزاج.

السياسة الحقّة تبدأ من الاعتراف بالجرح

لا يمكن لأي مشروع سياسي في سوريا أن يتجاهل الحقيقة الكبرى: فلدينا مجتمع مجروح و الملايين من الضحايا، والمعتقلين، والمفقودين، والمهجّرين، والمهمّشين، يعيشون في ذاكرة لم تُنصف بعد، وفي حاضر بلا أفق واضح. ولأن الجرح عميق جداً يتعدى كونه جرحاً مادياً بل هو أيضاً جرحاً أخلاقياً وبالتالي فإن التئامه لا يمكن معالجته بتجاهله أو بالسكوت عنه، بل بمواجهته بشجاعة، وببناء آليات للمساءلة والاعتراف والعدالة. فالنهج الحقوقي في السياسة عبارة عن أداة للالتئام والتعافي. لا للانتقام والتشفي، وإيقاف للدورة الدموية للظلم. لا لتسجيل النقاط، بل لتثبيت المعايير التي تحمي الجميع.

نحو أفق جديد للعمل السياسي

أن نكون سوريين اليوم، يعني أن نحمل مسؤولية مزدوجة: أن نواجه ماضينا وحاضرنا بكل ما فيه من ألم وتعب، وأن نسعى لمستقبل يليق بتضحياتنا، مستقبل مختلف لا يشبه ما عايشناه، مسقبل لجميع السوريين. ومن أجل ذلك، لا بد أن نعيد النظر في أدواتنا، في لغتنا وفي أولوياتنا ولابد أن نخرج من سطوة الشعارات إلى عمق المبادئ، ومن منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، ومن الحسابات الضيقة إلى المشروع الوطني الأوسع. وفي خضم هذا كله، يشكّل النهج الحقوقي لدينا حجر الأساس: ليس فقط كمنظومة مطالب، بل كنظام تفكير ومرجعية أخلاقية. كأداة للمساءلة داخلية قبل أن تكون خارجية. كضمانة بألا تتحوّل السياسة مرّة أخرى إلى آلة لإنتاج الظلم، مهما تغيّرت الوجوه. فسوريا التي نحلم بها لن تُبنى على أنقاض الآخر، بل على الاعتراف به. لن تُبنى على النسيان، بل على الحقيقة. ولن تستقيم إلا حين تصبح الكرامة حقًا لا منّة، والمواطنة انتماءً لا امتيازًا، والحرية واقعاً وليست عبارة عن أمنيات.

وفي ظل هذه التحديات والاسئلة، نجد أن تبنّي نهج حقوقي في العمل السياسي يُعدّ ضرورة وجودية، ضرورة لاستعادة الثقة بين المواطن والعمل العام، بين الفرد والجماعة، بين المجتمع والسياسة. لأنه و من دون الاعتراف المتبادل بالحقوق، ومن دون معرفة واجب ودور كل منا لا يمكن الحديث عن عقد اجتماعي، ولا عن عدالة انتقالية، ولا عن دولة للجميع.

Scroll to Top