في عالم أصبح يتغنى بالتنوع والاختلاف تظهر لدينا في بعض بلدان العالم ازمة عميقة وخصوصا في مجتمعاتنا : أزمة الهويات . فليست الهوية الفردية هي المشكلة بل أحيانا هي الحل ولكن كيفية تصنيف وتأطير الهويات الجماعية لاسيما تلك التي توضع تحت مسمى الأقلية في مواجهة الأكثرية . وهذاالتصنيف بقدر مايبدو بريئا وطبيعيا للوهلة الأولى لكنه في الحقيقة بناء اجتماعي سياسي لافطري ويحمل في طياته بذور لانقسام أي مجتمع ويشكل وقودا لصراعات لاتنتهي .
والسؤال هنا هل نولد أقليات أم تفرض علينا هذه الهوية كوصمة عار أو امتياز ؟
مفهوم الأقلية :
إن مفهوم الأقلية ليس كما يعتقد البعض منا أنه حقيقة ثابتة أو طبيعية بل هو بنية معقدة يتم تشكيلها من قبل السلطة السياسية والتوجهات الاجتماعية والثقافية في كل دولة . ففي المجتمعات التي تتبنى مفهوم المواطنة الحقة والمتساوية حيث يقدر الفرد على أساس انسانيته واسهاماته لا على انتمائه الفرعي لايكون لمصطلح الأقلية أي قيمة تمييزية فجميع الأفراد بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو جنسهم أو أصولهم هم مواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات . وكأبسط مثال على هذا نستطيع أن نرى كيف أن اللاجئين السوريين عندما تمتعوا بجنسية الدول التي قاموا باللجوء إليها أصبحوا مواطنين حقيقين مثلهم كمثل أي مواطن أصلي في تلك البلد وليس فقط اللاجئين السوريين أو غيرهم من الذين دمرت بلدانهم في نزاعات بل أيضا أي مهاجر شرعي إلى أي بلد يريد السكن فيها والانتماء إليها يصبح مواطنا له جميع امتيازات وحقوق وواجبات المواطن الأصلي كالبرازيل مثلا والتي يشكل فيها السكان الأصلين نسبة لاتتراوح بين ال10-15 بالمئة من السكان فهي تحتوي على أكبر “مزيج” إن أردنا أن نقوم بالتعبير عنه هكذا من الجنسيات والأعراق والديانات .
ولكن في كثير من السياقات تصبح الهوية العرقية أو الدينية أو القومية هي المعيار الأساسي الذي يبنى عليه التفريق بين المواطنين ففي بعض الدول التي يركز فيها النظام السياسي وقوانينه على الانتماء الديني يتم فيه تصنيف أتباع دين معين ك “أقلية دينية ” ذات حقوق وواجبات مغايرة . وفي دول أخرى قد تكون الأولوية للانتماء القومي أو العرقي فتصبح بعض الجماعات ” أقلية عرقية ” معرضة للتمييز أو الإقصاء أو الاضطهاد . وهذه التصنيفات وإن بدت وصفا للتنوع الاجتماعي إلا أنها قد تستخدم في الكثير من الأحيان كأداة لفرز المجتمع إلى طبقات وإعادة تشكيله بما يخجم أجندات القوى المهيمنة .
حجة حماية الأقليات :
إن الخطر الحقيقي لهذه التصنيفات يكمن عندما تصبح ذريعة للتدخل أو التوسع أو حتى شن الحروب . فتاريخيا تقدم لنا الحقبة النازية مثا لا صارخا على هذا التلاعب فلم يتردد أدولف هتلر في استخدامها في اقليم السوديت في تشيكسلوفاكيا كقناع لتبرير مطالبته بالإقليم الذي يعيش فيه ” أقلية ألمانية ” والذي سرعان ما استخدمها لضم الإقليم أولا ثم غزو تشيكسلوفاكيا ثانيا في خطوة مهدت للحرب العالمية الثانية . هنا تحولت ” حماية أقلية ” إلى وقود لنار حرب أوسع كاشفة عن الطبيعة الزائفة لهذه الحجج عندما تخدم مصالح معينة .
أما حروب البلقات التي حدثت في التسعينات بعد تفكك يوغوسلافيا فتشكل مثالا مروعا للصراع الدموي بين الجماعات العرقية والدينية المصنفة كأقليات وأكثرية ( البوشناق – الصرب – الكروات ) وأدت إلى عملية تطهير عرقي ومجازر مروعة فكل طرف كان يرى نفسه ضحية أو مدافعا عن حقوقه وهويته بينما كان للخطاب السياسي الدور الأكبر في تغذية هذه الانقسامات لتبرير العنف .
وفي مثال أخر فإن محنة مسلمي الروهينغا في ميانمار تشكل مثالا حيا ومؤلما على خطر التصنيفات حيث تصنف أقلية الرووهينغا ” غير مواطنين ” وتحرم من أبسط الحقوق مما أدى إلى حملات اضطهاد وعنف ممنهج تصفها الأمم المتحدة بالتطهير العرقي فقد أدى تصنيفهم كهوية مغايرة إلى تهجير مئات الآلاف والمعاناة الإنسانية الغير مسبوقة .
تظهر لنا هذه الأمثلة بوضوح كيف أن مفهوم الأقلية ليس مجرد تصنيف بل هو غالبا ألأداة في يد القوى السياسية تستخدم لتعميق الانقسامات وتبريرالتمييز وتأجيج الصراعات بل وحتى إشعال الحروب مما يؤدي إلى تشرذم المجتمع وتقييم البشر بناءا على انتمائهم لا على انسانيتهم وكفائتهم .
الحل يكمن في المواطنة :
إن الحل الجذري لأزمة الهويات يكمن في التخلي عن هذه التصنيفات المصطنعة والارتقاء إلى مفهوم المواطنة الحقيقي . ففي مجتمع قائم على المواطنة تختفي فيه التقسيمات ويصبح الجميع متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون بغض النظر عن هوياتهم الفرعية ففي دول ككندا أو السويد يركز الخطاب السياسي والمؤسساتي علةى مفهوم المواطنة المتساوية ودمج التنوع تحت مظلة هوية وطنية جامعة فتصبح كلمة أصلية مجرد وصف ديموغرافي لا تصنيفا يحمل دلالات التمييز أو التهميش . فالمواطنة تعلي من قيمة الفرد أولا كإنسان وتعلي من قيمة المجتمع ككل فيساهم المواطنون جميعا في بناء وطنهم كجسد واحد يعمل أعضاءه جميعا للحفاظ على حياته .
فأزمة الهويات بين أكثرية وأقلية ليست قدرا محتوما بل هي نتاج لخيارات سياسية واجتماعية يمكن تغييرها ولكن التحدي يكمن في قدرة المجتمعات على التخلي عن المورثات التي تغذي التعصب الديني والعرقي والتفكير في بناء أنظمة يعلي من شأن الفرد كإنسان ومواطن فبناء مجتمع لايعترف بكلمة أقلية بمعناها المقسم هو بناء لمجتمع أكثر عدلا ومساواة وأكثر تماسكا هو مجتمع يقدر الإنسان لذاته واسهاماته ويحتفي بتنوعه كقوة لا كسبب للشرخ
فهل سنختار أن نبني وطنا على أساس المواطنة والانسانية المشتركة أم أننا سنبقى أسرى لتصنيفات نحن من صنعها لتهدد وجودنا ؟