تروي القصة الشهيرة عن حُكم النبي سليمان نزاعاً بين امرأتين ادّعت كلٌّ منهما أمومتها لطفل رضيع. وعندما اقترح سليمان قسمة الولد نصفين لإرضائهما، تراجعت الأم الحقيقية وتنازلت عن حقها ليبقى ابنها حيّاً، بينما قبلت المدّعية ببرود تقسيمه. عندها أدرك سليمان أنّ الأم الحقيقية هي من فضّلت سلامة الطفل على مصلحتها الشخصية. ومنذ ذلك الحين صار تعبير “أمّ الصبي“ رمزاً لمن يضحّي بحصّته الخاصة حفاظاً على الكلّ، مقابل “الأم الكاذبة“ التي تسعى لمكاسبها ولو على أنقاض الآخرين.
في سياق الأوطان، يشبَّه الوطن بالطفل الذي تتنازعه الأطراف. أمّ الوطن الحقيقية هي من تقدّم حياة البلاد ووحدتها على أي مكاسب فئوية أو سلطة خاصة، تماماً كما قدّمت أمّ الصبي رضيعها لينجو. أما من يقدّمون مصالحهم الضيّقة على مصلحة الوطن، فهم كالأم المزيفة التي لا يهمّها مصير الولد بل حصتها منه.
على مدار السنوات الماضية، عاشت سوريا مصيراً يشبه ذلك الطفل الذي كاد يُقطَّع. تنازعتها أطراف داخلية وخارجية سعياً وراء النفوذ والمكاسب، وكانت النتيجة بلداً ممزّق الأوصال. خريطة السيطرة تحوّلت إلى فسيفساء من الألوان.
في المشهد السوري، يمكن رؤية سلوك “الأم الكاذبة“، ففي داخل المجتمع السوري، برزت اتجاهات تهدد بقطع أوصال البلد. على وقع العنف والفوضى، ظهرت دعوات إلى الفيدرالية أو الحكم الذاتي كحلول وقائية. ففي السويداء مثلاً، وفي الشمال الشرقي أُقيمت إدارة ذاتية كردية، والأن في غرب و وسط سوريا. هذه الدعوات قد تنطلق من مخاوف، لكنها مشاريع تقسيمية، فإنها ليست سوى تكرار لحكاية الأم الكاذبة التي قبلت شطر الولد. وليس أدلّ على ذلك من التحذيرات الدولية التي أكدت أن أي مشروع لتقسيم سوريا سيقود إلى فوضى مدمّرة، كما حصل في التجارب العراقية والبلقانية.
المثل الذي ضربه النبي سليمان ليس حكاية تاريخية فحسب، بل بوصلة أخلاقية وسياسية لقراءة واقعنا اليوم. في الحالة السورية، تبدو العبرة صارخة: إذا أصرّ كل طرف على المطالبة بكل شيء دون استعداد للتنازل، فسوف يخسر الجميع الوطن نفسه. ما لم تتغلب لغة التضحية والتسوية على لغة المكابرة والأنانية، سيبقى مصير سوريا معلّقاً بين سكين التقسيم ومقصلة الفوضى.
على الفرقاء السوريين أن يسأل كل منهم نفسه:
هل أريد نصيباً من سوريا مقسّمة ميّتة، أم سوريا كاملة حيّة حتى لو لم أحصل على كل ما أطمح؟
الإجابة الصادقة عن هذا السؤال هي التي تحدّد من هو “أمّ الصبي” الحقيقي في المشهد السوري. الأم الحقيقية مستعدة أن تتنازل عن نصيبها – سلطةً أو نفوذاً أو ثأراً – في سبيل أن يبقى الوطن واحداً ويعيش شعبه بسلام.
رغم كل السواد، ظهرت بارقة أمل في مواقف دولية وإقليمية ترفض مشاريع التقسيم وتتمسك بوحدة سوريا. كذلك لمسناها في صمود السوريين العاديين، وتوقهم للعودة إلى حياة طبيعية في وطنهم الموحد، وفي بعض الأصوات العاقلة التي ما زالت ترى أن المصالحة الوطنية والتسوية السياسية هي الطريق الوحيد لإنقاذ البلاد.
يعلمنا مثل “أمّ الصبي” أن التضحية المؤقتة قد تكون الطريق الوحيد للنجاة الدائمة. وإذا كان ثمن الحفاظ على سوريا واحداً هو أن يتنازل كل طرف عن أقصى طموحاته، فإن هذه التضحية ليست خسارة بل هي عين الحكمة.
سيذكر التاريخ من اختار أن يكون أمّاً للصبي أنقذ وطنه، لا من فضّل أن يكون شريكاً في تمزيقه. سوريا اليوم بحاجة إلى قادة وشعب يتبنون عقلية الأم الحقيقية: يضعون حياة الوطن أولاً، مؤمنين بأن الوطن الواحد القائم – ولو ناقص الطموحات – خيرٌ من وطن مقسّم ميّت ولو نال كل طرف فيه جزءاً منه.
