Kurd

English

إعادة توجيه المسار في سوريا الانتقالية: دعوة لمراجعة الأولويات وتفعيل العدالة والمشاركة السياسية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

تشهد سوريا اليوم مرحلة دقيقة من تاريخها المعاصر، حيث تُتاح فرصة نادرة لإعادة تأسيس الدولة بعد سنوات مريرة من الصراع والانقسام. وفي هذا السياق، تبدو تجارب بعض الدول التي واجهت ظروفًا مشابهة – كألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، واليابان عقب هيروشيما، وإيرلندا في أعقاب نزاعاتها الطويلة – ملهمة من حيث قدرتها على تحويل المأساة إلى فرصة تاريخية لبناء أنظمة وطنية عادلة وقادرة. إلا أن واقع الإدارة الانتقالية في سوريا، حتى الآن، لا يعكس بوضوح تلك الإرادة الجامعة لإعادة البناء على أسس وطنية شاملة.

ففي الوقت الذي ما زالت فيه شرائح واسعة من الشعب السوري تعاني من تداعيات النزوح والتهميش وفقدان أساسيات العيش الكريم، تبرز في الخطط الاستثمارية الحالية أولويات لا تبدو متلائمة مع التحديات الاجتماعية الملحة. إن التوجه نحو تنفيذ مشاريع ضخمة كمترو دمشق أو مطار جديد أو أبراج استثمارية، وإن كانت ذات طابع تطويري على المدى الطويل، قد يُنظر إليها من قبل شريحة واسعة من المواطنين بوصفها انعكاسًا لفجوة في ترتيب الأولويات، لا سيما في ظل استمرار معاناة سكان المخيمات، وغياب برامج إسكان حقيقية، وتدهور الخدمات التعليمية والصحية في مناطق عديدة.

إن بناء الدولة لا يقتصر على البنى التحتية، بل يرتكز أساسًا على استعادة الثقة بالمؤسسات الوطنية، وتعزيز الشعور بالمواطنة، وحماية الفئات الأضعف. وهذا يتطلب من الإدارة الانتقالية توجيه استثماراتها بشكل متوازن نحو القطاعات التي تؤسس للتماسك المجتمعي، مثل التعليم والصحة والإسكان، بما يضمن إعادة بناء الطبقة الوسطى، وتعزيز الأمن الإنساني على المدى القريب.

سياسيًا، لا تزال خطوات الانفتاح محدودة. فحتى اللحظة، لم يُعلن عن قانون ينظم الحياة الحزبية، ولم تتبلور بيئة تشريعية وتشاورية تُشجع على التعددية السياسية والمشاركة المجتمعية. وبدلاً من تفعيل دور الأحزاب والمنظمات المدنية، لوحظت نزعة نحو التعامل مع شخصيات فردية أو مرجعيات تقليدية ذات طابع ديني أو إثني، ما قد يُكرس أنماطًا من التمثيل الجزئي، ويُضعف فرص بناء مؤسسات سياسية جامعة تُعبّر عن التنوع السوري في إطاره الوطني الشامل.

أما ملف العدالة الانتقالية، وهو أحد الأعمدة الأساسية في عملية الانتقال الديمقراطي، فلا يزال يُدار بحذر وانتقائية، دون أن يشهد حتى الآن إجراءات علنية ملموسة كالمساءلة أو جبر الضرر أو الاعتراف بالضحايا. إن الإنصاف ليس مسألة إجرائية فحسب، بل ضرورة وطنية تعيد اللحمة إلى المجتمع وتُعزز مصداقية الدولة الجديدة في أعين مواطنيها.

إن إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الجامعة، المؤسسة على القانون والمساواة وكرامة الإنسان، تتطلب تضافرًا بين الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحيث تُعاد صياغة العقد الاجتماعي على قاعدة الحقوق والواجبات، لا على أساس الولاءات الطائفية أو المناطقية.

من هذا المنطلق، فإن الدعوة اليوم موجّهة إلى الإدارة الانتقالية، وإلى كل الفاعلين الوطنيين والدوليين المعنيين بالشأن السوري، لإعادة تقييم المسار القائم، والعمل على توجيه الموارد والطاقات نحو ما يُعيد للمواطن السوري ثقته بالدولة، ويضمن له الأمن، والعدالة، والكرامة. فنجاح هذه المرحلة لا يُقاس بحجم المشاريع العمرانية، بل بقدرة المؤسسات على بناء مجتمع عادل، متماسك، ومتصالح مع ذاته.

  • آلان خضركي

    استشاري مصرفي، حاصل على درجة الماجستير في تمويل الشركات والإدارة المصرفية من جامعة رانس في فرنسا. يملك خبرة إدارية في القطاع المصرفي، مدرب معتمد وعضو في جمعية ضباط الامتثال في لوكسمبورغ.

  • آلان خضركي

    استشاري مصرفي، حاصل على درجة الماجستير في تمويل الشركات والإدارة المصرفية من جامعة رانس في فرنسا. يملك خبرة إدارية في القطاع المصرفي، مدرب معتمد وعضو في جمعية ضباط الامتثال في لوكسمبورغ.

آخر المقالات

Scroll to Top