Kurd

English

الأمن غاية المجتمع: كيف يصنع المجتمع مناعة ضد العنف؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

حين نتحدَّث عن العنف، نفكِّر غالبًا في أكثر صوره وضوحًا: القصف، والقتل، والسلاح، والأجهزة، والحدود، وموازين القوة. لكن العنف لا يعيش فقط في لحظة الانفجار أو في مشهد الدم، بل يسكن أيضًا في البنى التي تميّز بين الناس، وفي الثقافات التي تسوِّغ الإقصاء، وفي العلاقات التي تجعل الإهانة أمرًا عاديًا. ومن هنا تأتي أهمية التمييز الذي قدّمه يوهان غالتونغ، أولًا في مقالته عام 1969 العنف، السلام، وبحث السلام (Violence، Peace، and Peace Research)، حيث ربط السلام بغياب العنف ولفت إلى العنف البنيوي إلى جانب العنف المباشر، ثم في مقالته عام 1990 العنف الثقافي (cultural Violence)، حيث أضاف البعد الثقافي بوصفه المجال الذي يشرعن العنف أو يطبِّع معه. وبهذا المعنى، يمكن القول إن العنف يتخذ ثلاث صور أساسية؛ عنفًا مباشرًا يظهر في الأذى الجسدي أو اللفظي، وعنفًا بنيويًا يتجسّد في المؤسَّسات والعلاقات غير العادلة التي توزّع الحماية والفرص والكرامة على نحو غير متكافئ، وعنفًا ثقافيًا يتجلّى في الخطاب والقيم واللغة والرموز التي تعيد إنتاج الكراهية وتمنح الإقصاء مظهرًا طبيعيًا أو مشروعًا.

في الحالة السورية، يستدعي الحديث عن العنف، في الغالب، صوره المباشرة والأكثر ظهورًا: القصف، والتفجير، والقتل، والتعذيب، والاعتقال. غير أن انحسار بعض مستويات العنف المباشر بعد التحرير لا يكفي للقول إن المجتمع قد عبر إلى حالة أمن حقيقي. إذ يبقى التحدي الأعمق متمثلًا في مواجهة العنف غير المباشر، ببعديه البنيوي والثقافي كما صاغهما غالتونغ، أي ذلك العنف المتجذِّر في اختلال المؤسَّسات، وغياب العدالة، والخطابات التي تشرعن الإقصاء، وتطبِّع مع الإهانة، وتعيد إنتاج التمييز داخل المجتمع.

ومن هنا، فإن الأمن أو غياب العنف الذي هو غاية أي مجتمع، لا ينبغي أن يُفهم فقط بوصفه القدرة على منع العنف المباشر، بل أيضًا بوصفه مناعة ضد العنف غير المباشر، أي ضد البنى والثقافة التي تهيئ له وتعيد إنتاجه.

تقترح هذه المقالة إطارًا تحليليًا مستندًا إلى قراءات ومراجع تنظر إلى الأمن بوصفه قيمة سياسية وأخلاقية وغاية اجتماعية تناقض العنف وتحدّ من إعادة إنتاجه. وانطلاقًا من هذا الفهم، تسعى المقالة إلى تناول الأمن لا كمسألة سلطوية ضيقة، بل كمسار مركّب يتحقّق عبر أدوات وأبعاد متعددة، لعل من أبرزها المجتمع نفسه بما هو فضاء للتنشئة، والثقة، والرقابة الأخلاقية، وبناء المناعة ضد العنف. ومن هنا، يجادل النص بأن الأمن، وإن كانت مسؤوليته الأولية تقع على عاتق السلطة الحاكمة ومؤسَّسات الدولة، فإن بلوغه بصورة فعلية ومستدامة يظلُّ رهنًا بانخراط المجتمع كله في إنتاج شروطه وحمايته وترسيخ ثقافته.

إن التجربة السورية القاسية خلال عقود أظهرت أن الأمن لا يُقاس فقط بما تملكه الدولة من أدوات الردع، بل أيضًا بما يملكه المجتمع من قدرة على مقاومة العنف قبل أن يتحوّل إلى نمط حياة. فالعنف في سوريا لم يكن مجرد قصف واعتقال وتعذيب وقتل، بل كان أيضًا تآكلًا بطيئًا للثقة، وتطبيعًا للإذلال، وتراجعًا لفكرة القانون، وتحولًا في اللغة اليومية وفي طريقة نظر الناس إلى بعضهم بعضًا. ومن هنا، فإن مقاومة العنف لا تقع فقط على عاتق السلطة، بل تبدأ من القاعدة الحاملة، أي المجتمع، ممثلًا بالمدرسة، والحيّ، والمخفر، والمحكمة، والبيت، ومن اللغة التي نتعلم بها معنى السلطة وحدودها.

هذه الفكرة لا تقلِّل من أهمية السلطة أو تعفيها من المسؤولية أو المساءلة، لكنها ترفض اختزال تحقيق الأمن والحدِّ من العنف فيها. فالدولة قد تمتلك أجهزة كثيرة، وقد تكون حاضرة في كل زاوية، ومع ذلك يفقد المجتمع أمنه إذا صار الخوف هو نمط العلاقة بين السلطة والناس. وفي المقابل، قد يكون المجتمع فقيرًا ومثخنًا بالجراح، لكنه يملك مناعة نسبية ضدّ الانهيار إذا بقيت فيه شبكات ثقة، وقواعد سلوك، وإحساس عام بأن القوة يجب أن تخضع لحدود أخلاقية وقانونية. بهذا المعنى، لا يكون السلام فقط غياب الحرب، بل وجود ثقافة عامة ترفض الإذلال، وترى في القانون ملجأ، لا أداة بطش.

من هنا، يمكن فهم معنى “الأمن من القاعدة”. إنه الأمن الذي يُبنى في التنشئة والتربية قبل أن يُبنى في الثكنة، وفي المدرسة قبل أن يُبنى في الوزارة، وفي الحيّ قبل أن يُصاغ في العقيدة الأمنية. فالطفل الذي يتعلَّم في المدرسة أن زميله المختلف ليس تهديدًا، وأن الخلاف لا يسوِّغ الإهانة، وأن الحق يُطلب بالاحتكام إلى المؤسَّسات، لا إلى الغلبة، هو جزء من بنية الأمن العام في المستقبل. والمدرسة التي تُعلّم احترام الكرامة، وحدود السلطة، وفكرة المساواة أمام القانون، تساهم في منع العنف أكثر مما نفعل حين نحاول معالجته بعد انفجاره. والأمر نفسه ينسحب على إدارة الحيّ والبلديات، وعلى الروابط المحلية، وعلى النقابات والجمعيات والروابط الأهلية: كلها فضاءات يمكن أن تصنع مناعة ضد التحريض والثأر والطائفية والتجريد من الإنسانية.

لكن الأمن من القاعدة لا يعني الاكتفاء بالتربية والمجتمع، بل يتطلَّب أيضًا إعادة النظر في مفهوم ودور الأجهزة الأمنية نفسها. فالمشكلة ليست في وجود شرطة أو جهاز أمن، بل في نوع الشرطة ونمط هذا الجهاز. حين يُدرَّب رجل الأمن على أن القوة امتياز شخصي، أو على أن المواطن مشتبه به بطبيعته، أو على أن الإهانة أداة فعالة للضبط، فإننا لا نبني أمنًا بل نزرع عنفًا مؤجلًا. أما حين يُدرَّب على أن وظيفته حماية الناس، وأن استخدام القوة محكوم بالقانون، وأن احترام الكرامة ليس ضعفًا بل شرط للمشروعية، فإن وجوده يصبح جزءًا من المناعة ضد العنف لا من أسبابه.

 

وهذا ليس كلامًا مثاليًا. فالتجارب كما الأدبيات الدولية حول إصلاح القطاع الأمني، ومنها أعمال مؤسَّسات مختصة ومؤسَّسات الأمم المتحدة المعنية، تؤكد أن مهنية الأجهزة الشرطية لا تنفصل عن احترام الحقوق، وأن كفاءة إنفاذ القانون لا تتناقض مع كرامة الإنسان، بل تقوم عليها. كما أن تدريب رجال الأمن على حقوق الإنسان لا يكفي وحده إذا لم يترافق مع تدريبهم أيضًا على معرفة حقوقهم هم أنفسهم، لأن رجل الأمن الذي يعيش الإهانة داخل مؤسسته قد يعيد إنتاجها على المجتمع. لذلك لا بدَّ من تغيير مزدوج: تغيير في الثقافة المهنية للأجهزة، وتغيير في البيئة البنيوية والقانونية والسياسية التي تعمل ضمنها. في “سوريا الأسد” كان رجل الأمن معرضًا دائمًا لتلقي الإهانة من رئيسه وإعادة تشكيل هذه الإهانة للمدني، فكانت دائرة العنف مبنية على انعدام الكرامة، لذلك كان لا بدَّ من تعنّون ثورتها، بثورة الكرامة. وهذا يتطلب إذًا، إعادة النظر في بنية الأجهزة الأمنية والعسكرية بحيث تكون مبنية على الكرامة للجميع، لأفرادها ولكل أفراد المجتمع.

من الجدير بالذكر، خاصة في هذه الأيام مع تشكيل السلطة التشريعية السورية، التنويه إلى شرط حاسم وهو فصل السلطات واستقلالها، كشرط لضمان جودة وكفاءة المؤسَّسات. فلا قيمة بعيدة المدى لأي تدريب، ولا لأي جهد مدرسي أو محلي، إذا بقيت السلطة التنفيذية فوق المحاسبة، وإذا بقي القضاء تابعًا، وإذا ظل التشريع مجرد غطاء لإرادة القوة. إن الاستقلال بين القضاء والتشريع والتنفيذ ليس ترفًا ضمن الدولة ولا عبارات دستورية تبقى مطرح تداول نظري، بل إن الفصل بين السلطات هو أحد الشروط الفعلية لصناعة وضمان استمرار الأمن وللحد من العنف بكل أنواعه. فهو الذي يضمن أن رجل الأمن يعرف أن هناك قاضيًا مستقلًا قد يحاسبه إن استبد، وأن المواطن يعرف أن بوسعه اللجوء إلى القانون ليحميه، وأن المدرسة والحيّ والمجتمع المدني يعملون ضمن فضاء عمومي حر لا يبتلعهم ضمنه منطق الأجهزة. من دون هذا الاستقلال، تبقى جميع جهود التدريب هشة، لأن عدم الفصل سيقود لنتيجة حتمية وهي إعادة إنتاج العنف من داخل مؤسَّساتها نفسها ولو بعد حين.

وفي الحالة السورية، تكتسب هذه الفكرة وزنًا أكبر. فسنوات العنف الطويلة لم تدمّر الحجر فقط، بل شوّهت العلاقة بين المجتمع والسلطة. ولذلك فإن إعادة بناء الأمن لا يمكن أن تعني مجرد إعادة بناء أجهزة الدولة كما كانت، ولا مجرد المطالبة بقبضة أكثر فعالية. المطلوب أعمق من ذلك: بناء إنسان يعرف حقه، وشرطي يعرف حدّه، وقاضٍ لا يخضع للهاتف السياسي، ومدرسة لا تربي على الطاعة العمياء، وحيّ لا يترك الخلاف يتحول إلى عداوة أهلية. هذا هو الأمن الذي يصعب على العنف اختراقه، لأنه لا يعتمد فقط على الردع، بل على مناعة اجتماعية وأخلاقية وقانونية.

قد يبدو هذا المسار بطيئًا مقارنة بإغراء الحلول الأمنية السريعة. لكنه، في الحقيقة، أكثر واقعية وفاعلية، على المدى البعيد. فالعنف لا يُهزم فقط حين نمنعه بالقوة، بل حين نجعل المجتمع أقل استعدادًا لتقبله، وأقل قابلية لإعادة إنتاجه، وأكثر قدرة على تسمية الإذلال باسمه الحقيقي: عنف، والطائفية باسمها الحقيقي: عنف. وعندها فقط يصبح الأمن أكثر من مجرد ضبط، ويغدو شرطًا للكرامة والثقة والعيش المشترك في سوريا التي شهدت مرار ثورة الكرامة وحان الوقت لجني ثمارها.

آخر المقالات

Scroll to Top