Kurd

English

الانتماء الواعي للماضي وإعادة تركيب المشهد السوري: حكومة إسلامية لمحاربة الراديكالية الإسلامية وبناء معادلة التوازن الجديدة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

اليوم تُستكمل في البيت الأبيض آخر قطع البازل في الصورة السورية.
فللمرة الأولى، يدخل رئيس سوري إلى البيت الأبيض لا بصفته تابعاً أو خصماً، بل شريكاً في صياغة نظامٍ إقليميٍّ جديدٍ يقوم على مواجهة التطرف بالعقل لا بالسلاح وحده.
إنها لحظة تأسيسية في التاريخ السياسي السوري، إذ تُولَد حكومةٌ ذات مرجعيةٍ إسلاميةٍ معتدلة من رحم الجهاد نفسه، لتتولّى مهمة محاربة الراديكالية الإسلامية التي خرجت من صلبها.

هذا التحوّل غير المسبوق، الذي حظيت به حكومة الرئيس أحمد الشرع، يعكس إدراكاً دولياً جديداً لطبيعة الصراع في المنطقة.
فصُنّاع القرار في واشنطن، للمرة الأولى منذ عقود، يدركون أن مواجهة السلفية الجهادية بالبندقية العلمانية ليست سوى وقودٍ لمزيد من التطرف.
حين يُقاتل الإسلام باسم نقيضه، تتحوّل المعركة إلى حرب هوية، ويُستدرج المعتدلون واللادينيون على السواء إلى خنادق التشدد.
أما حين يُواجه التطرف ببندقيةٍ تحمل خلفية إسلامية منفتحة، فإن الصراع يفقد طابعه الوجودي، ويتحوّل إلى نقاشٍ داخل البيت الإسلامي ذاته، لا حربٍ بين الإسلام والعالم.

ومن هنا، فإن المنطقة لا تتّجه نحو تصعيدٍ طائفيٍ جديد، بل نحو إعادة توازنٍ تاريخية.
فبعد تفكيك الراديكالية الشيعية التي مثّلها المشروع الإيراني لعقود، جاء دور الراديكالية السنيّة لتُواجه من داخلها، بأدواتٍ فكريةٍ وسياسيةٍ تمتلك شرعيةً دينيةً واجتماعيةً واسعة.
لقد لاقت حكومة الشرع من التأييد العقائدي والسياسي ما لم يحظَ به أي مشروعٍ آخر في تاريخ المنطقة، لأنها تملأ فراغ الشرعية في معادلةٍ جديدة تستبدل الاصطفاف الطائفي القديم بموازين قوى أكثر عقلانية واعتدالاً.

حين قرّر الرئيس الشرع أن لا يتبرّأ من ماضيه الجهادي، ولم يصفه بطيش الشباب، بل اعترف به بوصفه تجربةً إنسانيةً وسياسيةً تستحق المراجعة، فقد دشّن منهجاً جديداً في القيادة العربية والإسلامية.
فهو لم يُنكر ماضيه ليكسب رضا الغرب، بل استعادَه بوعيٍ نقديٍ ليعيد تأويله في ضوء التجربة والدولة.
هذا الموقف يرمّم الجسر المقطوع بين الإسلام السياسي والحداثة السياسية، ويؤسس لمعادلة نادرة: أن يواجه المسلمون تطرفهم بأنفسهم، لا بتدخلٍ خارجيٍّ يضاعف الانقسام.
بهذا، يتحول الانتماء للماضي من عبءٍ إلى مصدر شرعية، ومن تهمةٍ إلى شهادة وعيٍ، تُعيد تعريف القوة الأخلاقية والسياسية للحكم.

إنّ الاعتراف بالماضي لا بوصفه خطأ بل كدرسٍ متعلّم، يمهّد لتحوّلٍ فكريٍّ أعمق: الانتقال من “منطق المقاومة الغريزية” إلى “منطق الدولة المسؤولة”.
فالشرع لا يُمثّل الإسلام الجهادي الذي حارب الغرب، بل الإسلام الذي قرّر أن يُنقذ نفسه من خطابه القديم عبر مواجهة ذاته.
توقيعه على الانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب لم يكن مجرد إجراءٍ سياسي، بل حدثاً عقدياً أنهى مرحلة التكفير وفتح باب الإصلاح.
لقد وقّع باسم سوريا على وثيقة موت الراديكالية الإسلامية بصيغتها القديمة، وعلى ميلاد مشروعٍ جديدٍ يدمج بين الإيمان والعقل، والانتماء والإنسانية.

بهذا الفهم، تتغير طبيعة الحرب على الإرهاب جذرياً:
فهي لم تعد حرباً بين الغرب والإسلام، ولا بين الدولة والجماعة، بل حرباً داخل الوعي الإسلامي نفسه، حرب تأويل لا قتال، حرب إصلاح لا انتقام.
لقد أدركت واشنطن وحلفاؤها أن هزيمة التطرف لا تُصنع بالمدافع، بل بمن يفهم لغته ويملك مفاتيح خطابه.
ومن هنا، فإن الرهان على دمشق الشرع ليس رهاناً على رجلٍ أو نظام، بل على منظومة فكرية قادرة على تفكيك التطرف من داخله، عبر إسلامٍ مدنيٍّ جديد يُوازن بين الهوية الوطنية والوعي الكوني.

التحالف الجديد لا يقوم على الهيمنة، بل على الوعي المتبادل بأنّ محاربة التطرف مشروعٌ ثقافيٌّ قبل أن يكون أمنياً.
ولهذا، فإن زيارة الشرع إلى البيت الأبيض لم تكن حدثاً بروتوكولياً، بل إعلاناً رسمياً عن ميلاد مرحلة ما بعد الأيديولوجيا في المشرق: مرحلة الانفتاح والسياسة والعقلانية.

لقد أنهكت سوريا نفسها لعقودٍ تحت شعارات “الممانعة” التي كانت غطاءً للتبعية.
النظام القديم رفع شعارات المقاومة وهو يُنسّق سراً مع واشنطن وتل أبيب، بينما دمّر المجتمع باسم البطولة.
أما اليوم، فإن العلاقة بين قصر الشعب والبيت الأبيض تُبنى على الوضوح والندية والمصالح المتبادلة.
إنها ليست نهاية “الاستقلال الوطني”، بل بدايته الحقيقية، لأن الاستقلال لا يُقاس بالعداء، بل بالقدرة على الشراكة دون التبعية.

في المرحلة المقبلة، ستخوض سوريا حرباً مختلفة: حرب وعيٍ ومعنى.
فالسلاح وحده لا يهزم الفكرة، بل الفكرة المنوّرة هي التي تهزم الفكرة المظلمة.
حين يعلن الشرع انتماءه لماضيه دون إنكار، فإنه يدعو الأمة إلى مصالحةٍ مع ذاكرتها لا إلى محوها، وإلى تجاوز الجرح بدل الهروب منه.
بهذا، تتحوّل الحرب على الإرهاب من حرب حدود إلى معركة فكرية كبرى تُعيد تعريف الإسلام في القرن الحادي والعشرين، وتعيد لسوريا مكانتها كمركزٍ للتجديد لا ساحةٍ للتجريب.

إنّ زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى البيت الأبيض هي لحظة ميلاد وعيٍ سياسيٍّ جديد، وافتتاح لعصرٍ تُخاض فيه الحرب على التطرف بإسلامٍ متنورٍ لا بإسلامٍ مضاد، وبعقلٍ سياسيٍّ قادرٍ على إدارة التناقض لا تغذيته.
إنها لحظة تقول للعالم إنّ سوريا لم تعد جزءاً من المشكلة، بل أصبحت مختبر الحلّ، وأنّ المنطقة تدخل مرحلة استبدال التشدد بالانفتاح، والانفعال بالسياسة، والفوضى بالتوازن.
ومن هنا، فإن الانتماء الواعي للماضي ليس عودة إلى الوراء، بل عبورٌ ناضجٌ نحو المستقبل، حيث تتلاقى الهوية والعقل، والإيمان والدولة، في مشروعٍ واحد:
إنقاذ الإسلام من الراديكالية، وإنقاذ الشرق من نفسه.

 

  • رواد دحدول

    ناشط سياسي ومدني، خريج جامعة حلب – كلية العلوم الكيمياء التطبيقية، عضو مجلس إدارة في إحدى المؤسسات الإنسانية السورية. شارك في عدة مبادرات ثورية (ومنها تنسيقية المغتربين لدعم الداخل) ومنظمات مجتمع مدني.

  • رواد دحدول

    ناشط سياسي ومدني، خريج جامعة حلب – كلية العلوم الكيمياء التطبيقية، عضو مجلس إدارة في إحدى المؤسسات الإنسانية السورية. شارك في عدة مبادرات ثورية (ومنها تنسيقية المغتربين لدعم الداخل) ومنظمات مجتمع مدني.

آخر المقالات

Scroll to Top