Kurd

English

التطبيع مع إسرائيل مقامرة تهدد السيادة والمصير السوريين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

في لحظة فارقة من تاريخ سوريا، حيث تحاول البلاد أن تلتقط أنفاسها بعد أكثر من عقد من الحرب والدمار والانقسام، يطرح البعض فكرة عقد اتفاق سلام مع إسرائيل وكأنه المخرج الوحيد من العزلة والانهيار، غير أن التأمل العميق يكشف أن المسألة أعقد بكثير، وأن المسارعة إلى اتفاق من هذا النوع في ظل الظروف الراهنة لن يكون خطوة شجاعة أو براغماتية كما يُصور، بل مقامرة خطيرة بمصير سوريا وسيادتها ومستقبل أجيالها.

إن رفض عقد اتفاق سلام مع إسرائيل اليوم لا يعني تبني خيار الحرب أو التصعيد، كما قد يروج البعض لتبرير هرولتهم نحو هذا الخيار، بل هو موقف عقلاني، ينطلق من التمسك بالقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي مقدمتها القرار 497 لعام 1981 الذي اعتبر ضم الجولان لاغياً وباطلاً، وفي أسوأ الأحوال، لا شيء يمنع من فتح قنوات تواصل غير مباشرة، ليس بهدف التنازل، بل لفهم الواقع واستكشاف الأهداف الإسرائيلية الخفية وراء هذا الحرص المفاجئ على السلام، إذ بات من الواضح أن ما تسعى إليه إسرائيل ليس السلام العادل بقدر ما تهدف إلى طي صفحة السيادة السورية على الجولان وتحويل الاحتلال إلى أمر واقع لا رجعة فيه، مستفيدة من الاعتراف الأميركي بذلك خلال إدارة ترامب. إلا أن هذا الاعتراف، مهما بدا ثقيل الوطأة، لا يلغي الحق السوري ولا يسقط التعقيدات القانونية والسياسية التي تمنح دمشق هامشاً للتفاوض والتمسك بحقوقها.

إن الجولان ليس مجرد أرض محتلة أو هضبة مهجورة، بل هو شريان حياة رئيسي لسوريا، فمياهه أساسية لتأمين حاجات محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، تلك المحافظات التي تشكل ما يقارب ثلث مساحة البلاد وتضم مساحات زراعية واسعة يعتمد عليها اقتصاد الجنوب السوري، وجبل الشيخ المطل على دمشق ليس مجرد رمز جغرافي، بل موقع استراتيجي عسكري يسمح لمن يسيطر عليه بمراقبة العاصمة ورصد كل حركة فيها، إن أي اتفاق يتجاهل هذه الحقائق لن يكون سوى تنازل عن أمن دمشق ومقدرات الشعب السوري في الجنوب.

ثم إن السؤال الجوهري يبقى: هل إسرائيل شريك سلام فعلاً؟ التجربة تؤكد عكس ذلك، في الواقع إن إسرائيل، لا سيما تحت حكم بنيامين نتنياهو، أثبتت أنها لا تتردد في التنصل من الاتفاقيات إن تعارضت مع أطماعها، إنها دولة لم تعلن حتى اليوم عن توقف مشروعها التوسعي، وتواصل سياساتها الاستيطانية في فلسطين، وتبقي حدودها مشرعة أمام نواياها المستقبلية، ومن يظن أن إسرائيل ستقدم العون لسوريا في محنتها الاقتصادية أو الأمنية مقابل التطبيع، فهو واهم، فإسرائيل لم تكن يوماً معنية باستقرار دول الجوار، بل سعت دوماً إلى تمزيقها وإضعافها حتى تضمن أمنها من خلال فوضى محيطها.

وإذا كان بعض صناع القرار اليوم يراهنون على أن التطبيع مع إسرائيل قد يشكل مدخلاً لرفع العقوبات الدولية أو تخفيف الضغوط الاقتصادية، فإن هذه المراهنة في جوهرها وهم خطير، لأن الطريق الحقيقي للخروج من نفق العقوبات لا يمر عبر بوابة التطبيع، بل يبدأ بإصلاحات عميقة من الداخل، تعيد للدولة تماسكها ولمؤسساتها مصداقيتها، وتمنح الشعب حداً أدنى من الثقة بمستقبله.

وحدها هذه الإصلاحات كفيلة بكسب ثقة المجتمع الدولي والغرب، وفتح آفاق جديدة أمام البلاد دون تقديم تنازلات مجانية للعدو، فضلاً عن ذلك، فإن الفضاء العربي الذي أبدى دعماً قوياً لسوريا واستعداده للانفتاح والمساعدة، يبقى الرهان الأصدق والأكثر أمناً للبلاد في هذه المرحلة الحساسة.

إن القبول بالتطبيع اليوم ليس مجرد تنازل عن أرض أو ماء، بل هو تخلي عن آلاف السوريين في الجولان المحتل الذين صمدوا لعقود في وجه الاحتلال، ورفضوا كل محاولات الأسرلة، وحافظوا على انتمائهم لوطنهم، وبهذا يعني التخلي عن الجولان ترك هؤلاء لمصير غامض بيد دولة احتلت أرضهم وضيقت عليهم سبل العيش، وهو أيضاً تجاهل لحقيقة أن أي اتفاق سلام متعجل سيحدث صدمة عميقة في وجدان الشعب السوري الذي نشأ على اعتبار فلسطين قضيته، لا بفعل حزب البعث أو نظام الأسد، بل انطلاقاً من قناعة راسخة عبر عنها السوريون في إدلب والمناطق المحررة وفي كل ساحات الثورة، كما لن يكون من السهل تجاهل أكثر من مليون فلسطيني يعيشون في سوريا، أو القفز فوق السؤال الصعب: ما مصيرهم بعد اتفاق كهذا؟ كيف ستتم معالجة أوضاعهم القانونية والاجتماعية في دولة مثقلة بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية؟.

الخطر الأكبر يكمن في أن يفتح هذا التطبيع باباً للاستقواء، فيجد بعض السوريين في إسرائيل حليفاً ضد شركائهم في الوطن، فيتعمق الشرخ الوطني وتدخل البلاد في نفق الانقسامات والصراعات الداخلية التي لا نهاية لها.

السلام الحقيقي لا يُبنى من موقع ضعف، ولا يأتي على حساب السيادة والكرامة الوطنية، ولا يكون ثمرة مساومات على حقوق الشعوب ومصادر رزقها، بل هو خيار القوي الواثق بموقعه، المؤمن بعدالة قضيته، المتمسك بثوابته، وإن كانت سوريا تريد حقاً السلام، فعليها أولاً إعادة بناء بيتها الداخلي، وترميم نسيجها الوطني، وإقامة علاقات متوازنة وإيجابية مع محيطها العربي، دون تقديم تنازلات مجانية لدولة لم تعرف يوماً معنى السلام العادل.

آخر المقالات

Scroll to Top