مقدمة: حكاية عيدين
لا يمثل التقويم الرسمي للدولة أداة إدارية محايدة، بل هو وثيقة سياسية بامتياز، تُكتب سطورها وتُعدّل تواريخها لتعكس أيديولوجيا السلطة وتوجهاتها. وفي السياق السوري، يقدم الصراع حول تاريخ 21 مارس/آذار مثالاً حياً ومكثفاً على آليات الهندسة الثقافية التي تمارسها الأنظمة السلطوية. فهذا اليوم، الذي يمثل عيد النوروز، وهو احتفال قديم يرمز إلى التجدد والحرية لدى شعوب عديدة وعلى رأسها الشعب الكردي، تحوّل في ظل حكم حزب البعث وعائلة الأسد إلى “عيد الأم”، في خطوة سياسية مدروسة تهدف إلى طمس هوية ثقافية ومصادرة رمزيتها.
يقدم هذا التقرير تحليلاً معمقاً لهذه الظاهرة، متتبعاً الجذور التاريخية والثقافية لكل من عيد النوروز وعيد الأم، ثم يكشف عن الكيفية التي تم بها التلاعب بالتقويم واستخدامه كأداة للقمع الثقافي. وترتكز الفرضية الأساسية لهذا البحث على أن الدمج المتعمد بين عيد الأم والنوروز لم يكن مجرد قرار إداري، بل شكّل حجر زاوية في استراتيجية نظام الأسد لمحو الهوية الكردية. كما يقيّم التقرير مدى استمرارية هذه السياسة في ظل الحكومة الانتقالية الجديدة التي أعقبت سقوط النظام، معتبراً أن التعامل مع هذا التاريخ المحدد يكشف عن مدى عمق الأيديولوجيات الإقصائية المتجذرة في بنية الدولة السورية، ويطرح تحدياً جوهرياً أمام مستقبل سوريا التعددية. إن الصراع على يوم 21 مارس/آذار هو، في جوهره، صراع على تعريف سوريا نفسها.
الجزء الأول: الأسس الثقافية في السياق العالمي والإقليمي
الفصل الأول: النوروز – نسيج من التجدد والمقاومة
الأصول القديمة والأهمية الفلكية
يمتد تاريخ عيد النوروز (الذي يُكتب أيضاً Newroz و Nowruz) لآلاف السنين، حيث تعود جذوره إلى الديانة الزرادشتية.1 ويُعتبر النوروز أهم الأعياد الدينية الزرادشتية، إذ يرمز إلى انتصار الخير (آشا) على الشر (دروج) مع قدوم فصل الربيع.2 يرتبط توقيت العيد بالظواهر الفلكية، حيث يحل في يوم الاعتدال الربيعي حوالي 21 مارس/آذار. وقد شهد التقويم الإيراني إصلاحاً في القرن الحادي عشر على يد عمر الخيام لتثبيت بداية السنة عند هذا التاريخ تحديداً.2 ويتكون اسم “نوروز” من كلمتين فارسيتين: “نو” (جديد) و”روز” (يوم)، أي “اليوم الجديد”.2
اعتراف عالمي وتقاليد متنوعة
يحظى النوروز بمكانة عالمية مرموقة، تتجلى في اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة به رسمياً في عام 2010 تحت مسمى “يوم النوروز الدولي”.2 وتتنوع طقوس الاحتفال به بشكل كبير بين الثقافات المختلفة، حيث تشمل عادات مشتركة مثل تنظيف المنازل وشراء ملابس جديدة، وتزيين مائدة “هفت سين” (سبعة أشياء تبدأ بحرف السين) في إيران، وإعداد طبق “هفت ميوه” (سبعة فواكه) في أفغانستان، وإشعال النيران التي ترمز إلى التطهير والبداية الجديدة.2 هذا التنوع والانتشار يؤكدان على أن النوروز ليس مجرد مهرجان هامشي، بل هو تراث ثقافي إنساني عريق وشرعي.
النوروز في الهوية الكردية – رمز للتحرر
يكتسب النوروز لدى الشعب الكردي معنى خاصاً وعميقاً يتجاوز كونه مجرد احتفال بحلول العام الجديد، ليصبح رمزاً قوياً للتحرر والمقاومة والصمود والهوية القومية المتميزة.1 ترتبط هذه الرمزية بالأسطورة التأسيسية لـ “كاوا الحداد” (Kawa-i-Asinger) الذي ثار ضد الملك الطاغية “الضحاك” وانتصر عليه. ووفقاً للرواية، أشعل كاوا ناراً عظيمة على قمم الجبال كإشارة للنصر وبداية عهد الحرية. ومنذ ذلك الحين، أصبح إيقاد شعلة النوروز طقساً سنوياً يخلّد ذكرى هذا الانتصار ويرمز إلى التوق الأبدي للحرية.4 هذا السياق السردي الملحمي هو ما يفسر سبب نظر نظام البعث إلى هذا العيد باعتباره تهديداً سياسياً مباشراً لسلطته.
الفصل الثاني: نشأة عيد الأم وتبنيه
عيد حديث
على النقيض من الجذور التاريخية العميقة للنوروز، يُعد عيد الأم بشكله المعاصر احتفالاً حديثاً ذا أصول غربية، حيث تبلورت فكرته في القرن العشرين. وهذا التباين الصارخ بين عيد يمتد لآلاف السنين من التاريخ الثقافي والديني العضوي، وآخر حديث ومستورد، يسلط الضوء على الطبيعة المصطنعة لمشروع الهندسة الثقافية الذي تبناه النظام البعثي. لم تكن العملية مفاوضة بين تقليدين ثقافيين متكافئين، بل كانت فرضاً لمفهوم حديث وقابل للتشكيل (الأمومة) على مفهوم آخر قديم ومشحون بالرمزية التاريخية (التحرر).
عيد الأم في سوريا – التاريخ الأصلي
قبل تدخل نظام البعث، كان عيد الأم في سوريا يُحتفل به في فصل الربيع، ولكن في شهر مايو/أيار. وتؤكد مصادر متعددة هذا الأمر، مستشهدة بطوابع بريدية تذكارية رسمية أصدرتها الدولة السورية في عام 1955، والتي تحدد تاريخ الاحتفال بيوم 13 أو 14 مايو/أيار.1 هذه الحقيقة التاريخية تشكل دليلاً قاطعاً على أن نقل الاحتفال إلى 21 مارس/آذار لم يكن قراراً عشوائياً، بل كان عملاً سياسياً متعمداً يهدف إلى الاستبدال والمحو. وتأكيداً على هذا التاريخ الأصلي، قامت الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا في عام 2020 بإصدار قرار رسمي يعيد الاحتفال بعيد الأم إلى تاريخه الأصلي في 13 مايو/أيار، في خطوة واعية لتصحيح الذاكرة التاريخية والثقافية.6
الجزء الثاني: تسليح الثقافة في ظل دولة البعث
إن فهم التحول الذي طرأ على يوم 21 مارس/آذار يتطلب تتبعاً زمنياً دقيقاً للأحداث التي شكلت هذا الصراع الثقافي. يقدم الجدول التالي ملخصاً زمنياً لهذه المحطات الرئيسية.
الجدول 1: التسلسل الزمني ليوم 21 مارس/آذار في سوريا
| السنة/السنوات | الحدث | الأهمية |
|---|---|---|
| ما قبل الثمانينيات | الاحتفال بعيد الأم في 13/14 مايو/أيار. | يثبت التاريخ الأصلي وغير المسيّس للعيد. |
| 1986 | قوات الأمن السورية تمنع احتفالات النوروز في دمشق وتقتل المتظاهر سليمان آدي. | عمل مفصلي من أعمال عنف الدولة ضد التعبير الثقافي الكردي. |
| 1988 | حافظ الأسد يصدر المرسوم رقم 104، ناقلاً عيد الأم رسمياً إلى 21 مارس/آذار. | التقنين القانوني للاستيلاء الثقافي بهدف تحييد النوروز. |
| 1988-2024 | نظام الأسد يقمع أو يقيد احتفالات النوروز بشكل ممنهج. | سياسة طويلة الأمد للمحو الثقافي. |
| 2020 | الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تعيد عيد الأم إلى تاريخه الأصلي في مايو/أيار. | فعل إقليمي يهدف إلى فك الارتباط بين العيدين واستعادة الذاكرة الثقافية. |
| ديسمبر/كانون الأول 2024 | انهيار نظام الأسد. | يبشر بعهد سياسي جديد وأمل في الاعتراف الثقافي. |
| مارس/آذار 2025 | الاحتفال بالنوروز علناً في جميع أنحاء سوريا لأول مرة منذ عقود. | لحظة ولادة ثقافية جديدة وتفاؤل حذر. |
| 2025 | الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع تصدر مرسوماً جديداً للعطلات. | يستبعد النوروز كعطلة وطنية ويبقي على 21 مارس/آذار كعيد للأم، مما يشير إلى استمرارية سياسة البعث. |
الفصل الثالث: حادثة دمشق عام 1986 – نقطة تحول
مناخ القمع
في ظل أيديولوجية حزب البعث القومية العربية، سعت الدولة إلى خلق “هوية بعثية متخيلة” وموحدة، وعملت بشكل ممنهج على تهميش المكونات غير العربية، وخاصة الأكراد.7 شملت هذه السياسات حرمان الكثيرين من الجنسية، وحظر اللغة الكردية، وقمع جميع أشكال التعبير عن الهوية الكردية المتميزة.6 وفي هذا المناخ المشحون، لم يكن الاحتفال بالنوروز مجرد فعل ثقافي، بل كان يُنظر إليه من قبل السلطة على أنه تحدٍ سياسي.
أحداث 21 مارس/آذار 1986
شكل هذا اليوم نقطة تحول دموية. فقد منعت قوات الأمن السورية الاحتفالات بعيد النوروز في دمشق. ورداً على هذا المنع، خرج الأكراد في مسيرة احتجاجية سلمية. لكن الحرس الجمهوري واجههم بإطلاق النار، مما أدى إلى مقتل الشاب سليمان محمد أمين آدي، البالغ من العمر 19 عاماً.1 حولت وفاته المأساوية سليمان آدي إلى رمز قوي لعنف الدولة وشهيد للقضية الثقافية الكردية، وأججت الغضب في أوساط المجتمع الكردي.
الفصل الرابع: الاستيلاء على 21 مارس/آذار – اختراع عطلة
المرسوم رقم 104 (1988)
لم تكن استجابة نظام حافظ الأسد للغضب الشعبي الذي أعقب مقتل سليمان آدي اعترافاً بالحقوق الثقافية، بل كانت استيلاءً عليها. فبعد عامين من الحادثة، وتحديداً في عام 1988، أصدر الأسد المرسوم رقم 104، الذي أعلن يوم 21 مارس/آذار عطلة رسمية عامة في البلاد، ولكن تحت مسمى “عيد الأم”.1 كشفت هذه الخطوة عن استراتيجية متطورة في ممارسة السلطة؛ فعندما أثبت العنف المباشر أنه يأتي بنتائج عكسية عبر خلقه للشهداء وتأجيجه للمقاومة، لجأ النظام إلى تكتيك أكثر خبثاً يتمثل في الاستيلاء الثقافي لتحييد الرموز التي يلتف حولها المعارضون.
تفكيك الدافع السياسي
وفقاً لمصادر أكاديمية وسياسية كردية، كانت هذه الخطوة مناورة سياسية مدروسة ذات هدف مزدوج. الهدف الأول كان امتصاص الغضب الشعبي وتشتيت الانتباه عن جريمة قتل سليمان آدي. أما الهدف الثاني، وهو الأكثر عمقاً، فكان تحييد الهوية الكردية رمزياً عبر تغطية عيد النوروز. فمن خلال جعل هذا اليوم “وطنياً، لا كردياً”، سعى النظام إلى “دفن الذاكرة الثقافية تحت ذريعة الوحدة الوطنية”.6
الحياة تحت الحظر – ثقافة المقاومة
فرض هذا المرسوم واقعاً جديداً على الأكراد، حيث أُجبروا على الاحتفال بعيدهم في الخفاء، إما في منازلهم الخاصة أو في قاعات مغلقة بالقرى، ودائماً تحت تهديد الملاحقة والاعتقال والعنف من قبل الأجهزة الأمنية.3 كانت السلطات تنظر إلى أي تجمع للاحتفال بالنوروز ليس كحدث ثقافي، بل كتجلٍ سياسي للمعارضة.4 واستمر هذا القمع العنيف في عهد بشار الأسد، حيث أطلقت المخابرات النار على محتفلين بالنوروز في عام 2009، مما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص، في دليل على استمرارية هذه السياسة القمعية.4
الفصل الخامس: بروباغندا الأمومة – سيدات الأسد و”سوريا الأم”
لم يكن اختيار “عيد الأم” بديلاً للنوروز عشوائياً، بل كان جزءاً من استراتيجية بروباغندا أوسع نطاقاً وظّفها النظام لربط مفهوم الأمومة بالولاء للدولة وتكريس عبادة شخصية العائلة الحاكمة.
خطاب حافظ الأسد
أرسى حافظ الأسد بنفسه الأساس الأيديولوجي لهذا الربط. ففي مقولة شهيرة منسوبة إليه نقلها الجنرال السابق فؤاد كلاس، اشترط الأسد على الشخصيات السنية إثبات ولائهم “للوطن كولائهم لأمهاتهم” لكي يثق بهم.9 تؤسس هذه المقولة بوضوح للصلة بين الإخلاص الأمومي والولاء السياسي في فكر النظام.
أنيسة مخلوف – والدة النظام
جسدت أنيسة مخلوف، زوجة حافظ الأسد، دور “أم النظام”.10 وُصفت بأنها “شخصية مهيبة” ومتشددة، ولعبت دوراً محورياً في السلطة، حيث كانت مستشارة رئيسية لزوجها ثم لابنها بشار.11 وتشير التقارير إلى أنها كانت من أشد المؤيدين للقمع العسكري الوحشي ضد المحتجين، وكانت تنظر إلى سوريا ولبنان باعتبارهما ملكاً لعائلة الأسد.10 مثلت شخصيتها صورة “الأم” الحامية للأسرة الحاكمة، المتملكة والمنغلقة على ذاتها، في تناقض صارخ مع الصورة العامة التي حاولت زوجة ابنها أسماء الأسد تسويقها لاحقاً.
أسماء الأسد – مشروع “أم الوطن”
وصلت بروباغندا الأمومة إلى ذروتها مع أسماء الأسد، التي عملت على بناء صورة “أم الوطن” بعناية فائقة.
- صناعة الصورة: تم تتبع مسيرتها من “وردة الصحراء”، كما وصفتها مجلة “فوغ”، إلى شخصية رئيسية في آلة حرب النظام.13 وقد استعانت ب شركات علاقات عامة باهظة الثمن، مثل “بيل بوتينجر”، لصياغة هذه الصورة بعناية.13
- عيد الأم كمنصة إعلامية: تم تحليل خطاباتها وظهورها في عيد الأم باعتبارها “بروباغندا كلاسيكية”.15 فقد دأبت على استغلال هذه المناسبة للقاء “أسر الشهداء”، وتصوير تضحياتهم كفداء نبيل للوطن.16 وربطت في خطابها بشكل صريح بين الأمهات والدفاع عن “سوريا الأم الكبرى” 16، وقدمت نفسها كأم “تحب جميع أبنائها” حتى لو “ارتكبوا أخطاء”، في إشارة مبطنة إلى المعارضين.15 ويُعد الفيلم الدعائي “أم الكل” ذروة هذا الجهد، حيث استغل مشاعر الأمهات الثكالى لإضفاء الشرعية على النظام ودورها فيه.17
- الواجهة الإنسانية: يكشف التحليل كيف استُخدمت هذه الصورة الأمومية لتبييض وحشية النظام وتسهيل الفساد. فقد تحولت منظمات مثل “الأمانة السورية للتنمية” إلى أدوات للدعاية وواجهات للنهب الممنهج، بما في ذلك تحويل المساعدات الدولية وابتزاز رجال الأعمال.13
كان اختيار “عيد الأم” بمثابة حركة “جوجيتسو” سياسية بارعة. فمن خلال إعادة تسمية 21 مارس/آذار، أعاد النظام صياغة الصراع. لم تعد محاولات الأكراد للاحتفال بالنوروز مجرد معارضة سياسية، بل أمكن تصويرها على أنها اعتداء على مؤسسة الأمومة المقدسة والموحدة، وبالتالي على الوطن نفسه. لقد كانت خطوة للاستيلاء على المرجعية الأخلاقية وفي الوقت نفسه محو هوية ثقافية منافسة.
الجزء الثالث: فجر جديد؟ سوريا في مرحلة انتقالية
الفصل السادس: سقوط الأسد والتفاؤل الحذر في نوروز 2025
عصر جديد من الاحتفال
شهد شهر مارس/آذار 2025 أول احتفال بعيد النوروز بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.1 سادت أجواء من البهجة العارمة، حيث أقيمت الاحتفالات بشكل علني ولأول مرة منذ عقود، ليس فقط في المناطق ذات الغالبية الكردية، بل امتدت لتصل إلى قلب العاصمة دمشق.18 عكست صور الأكراد وهم يرقصون ويشعلون نيران النوروز ويرفعون أعلامهم شعوراً عميقاً بالتحرر الثقافي.4
مزيج من النشوة وعدم اليقين
لكن خلف هذه الاحتفالات، كان هناك شعور واضح بالقلق إزاء المستقبل. كشفت المقابلات التي أُجريت مع مشاركين وقادة أكراد في مارس/آذار 2025 عن مخاوف عميقة بشأن ما إذا كانت حرياتهم المكتشفة حديثاً ستصبح دائمة. وقد لخصت المغنية الكردية مزكين طاهر هذا الشعور بقولها: “نحن لا نعرف وضعنا، وكيف سيتم تحقيق حقوقنا وفي أي دستور”.20 كما أعربت باروين يوسف، الرئيسة المشاركة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، عن أملها في “الحرية وإيجاد حل للقضية الكردية في سوريا”.20 كان السؤال المركزي الذي يشغل بال المجتمع الكردي هو كيفية ضمان الاعتراف الدستوري بحقوقهم في سوريا الجديدة.19
الفصل السابع: حكومة الشرع وسياسات الإقصاء
تعهدات بسوريا جديدة
في البداية، قدمت الحكومة السورية الانتقالية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبو محمد الجولاني)، تعهدات ببناء سوريا جديدة. ففي خطابه الأول أمام الأمم المتحدة، تعهد الشرع بـ “طوي صفحة الماضي البغيض” وبناء “دولة قانون… تضمن حقوق الجميع دون استثناء”.21 كما صدرت إشارات إيجابية أخرى، مثل تغريدة وزير الخارجية باللغة الكردية.8
مرسوم العطلات – استمرارية للماضي
لكن هذه التعهدات سرعان ما اصطدمت بواقع السياسات الفعلية. فقد أصدرت الحكومة الجديدة مرسوماً بشأن العطلات الرسمية، والذي، بحسب تقارير إعلامية متعددة وبيانات من منظمات كردية، استبعد عيد النوروز صراحة من قائمة العطلات الوطنية.6 والأهم من ذلك، أن المرسوم أبقى على يوم 21 مارس/آذار عطلة رسمية مخصصة فقط لـ “عيد الأم”.6 وصفت الجهات الكردية هذا الإجراء بأنه استمرار مباشر لسياسة المحو التي اتبعها حزب البعث.5
السياق الأوسع للإقصاء
لم يكن هذا القرار معزولاً، بل جاء ضمن نمط أوسع من الإقصاء. فقد تعرض الإعلان الدستوري الانتقالي الجديد لانتقادات لافتقاره إلى أي اعتراف حقيقي بالتنوع العرقي والديني في سوريا، وتكريسه لـ “مركزية عربية-إسلامية”.1 وعلى الرغم من وجود عدد قليل من الشخصيات من الأقليات في الحكومة الجديدة، إلا أنها وُصفت بأنها ذات أغلبية من العرب السنة.24 علاوة على ذلك، تجاهل المرسوم أيضاً أعياداً أخرى للأقليات، مثل عيد أكيتو الآشوري 23، مما يشير إلى سياسة إقصاء ثقافي ممنهجة وليست مجرد حالة فردية.
إن هذه الاستمرارية في السياسة على الرغم من التغيير الجذري في طبيعة النظام الحاكم تكشف عن حقيقة مقلقة: إن هياكل الدولة وأيديولوجياتها يمكن أن تكون أكثر رسوخاً من الحكام أنفسهم. إن قمع النوروز لا يبدو أنه كان مجرد سياسة خاصة بعائلة الأسد، بل هو متجذر في رؤية عربية مركزية للدولة السورية ورثتها القيادة الجديدة. وهذا يعني أن “مشكلة” الهوية الكردية، من منظور الدولة، لا تزال قائمة عبر النخب الحاكمة المختلفة، مما يطرح تحدياً أكبر بكثير أمام أي إصلاح حقيقي. وفي مجتمع ما بعد الصراع، تصبح القرارات السياسية التي تبدو صغيرة، مثل تحديد تقويم العطلات الوطنية، بمثابة اختبار حاسم لصدق الحكومة الجديدة. بالنسبة للأقليات مثل الأكراد، الذين عانوا من عقود من العنف الرمزي والمادي المرتبط بهذا التاريخ المحدد، فإن هذا ليس مجرد مسألة إدارية، بل هو إشارة قوية إلى أن مظالمهم التاريخية لا يتم الاعتراف بها، وأن الدولة الجديدة قد لا تختلف جوهرياً عن القديمة في نهجها تجاه التنوع.
خاتمة: التقويم والثقافة ومستقبل الهوية السورية
يخلص هذا التقرير إلى أن الصراع حول يوم 21 مارس/آذار في سوريا هو معركة حول تعريف الهوية الوطنية نفسها. لقد استخدم نظام الأسد التقويم كسلاح لفرض هوية أحادية وإقصائية، عبر قمع عيد النوروز واستبداله بنسخة مسيّسة من عيد الأم. ومن خلال الاستمرار في هذه السياسة تحديداً، تخاطر الحكومة الانتقالية الجديدة بتكرار الأخطاء التأسيسية لسلفها، مما يؤدي إلى تنفير جزء كبير من سكانها منذ بداية مشروعها لبناء الدولة.
إن الخروج الحقيقي من ماضي سوريا السلطوي لا يتطلب مجرد إزاحة ديكتاتور، بل يستلزم تفكيكاً جذرياً لجهاز الدولة الأيديولوجي، بدءاً بالاعتراف بالتراث الثقافي المتنوع لجميع مكونات شعبها. إن مستقبل سوريا موحدة وتعددية قد يتوقف على قدرتها على الاعتراف أخيراً بأن يوم 21 مارس/آذار يمكن ويجب أن يتسع لاحتفالين متميزين، وأن الاعتراف بالنوروز ليس تهديداً للوحدة الوطنية، بل هو شرط أساسي لتحقيقها. فالتقويم، في نهاية المطاف، يجب أن يكون مرآة تعكس ثراء الأمة، لا قيداً يفرض عليها رؤية واحدة.
المراجع
- Newroz in Post-Assad Syria: A Test of Diversity Management – +963, accessed October 7, 2025, https://963media.com/en/21/03/2025/newroz-in-post-assad-syria-a-test-of-diversity-management/
- Nowruz – Wikipedia, accessed October 7, 2025, https://en.wikipedia.org/wiki/Nowruz
- Nowruz | Middle East Studies Center – The Ohio State University, accessed October 7, 2025, https://mesc.osu.edu/news/nowruz
- Kurds prepare for different Nowruz celebrations in Syria – Enab Baladi, accessed October 7, 2025, https://english.enabbaladi.net/archives/2025/03/kurds-prepare-for-different-nowruz-celebrations-in-syria/
- Ignoring Newroz is a Continuation of Ba’athist Policy in Syria, Says Syrian Kurdistan Front, accessed October 7, 2025, https://www.kurdistan24.net/en/story/867785/ignoring-newroz-is-a-continuation-of-baathist-policy-in-syria-says-syrian-kurdistan-front
- Syrian Interim Government’s Holiday Decree Omits Newroz, Continuing Legacy of Exclusion, accessed October 7, 2025, https://www.kurdistan24.net/en/story/867632
- Assad family – Wikipedia, accessed October 7, 2025, https://en.wikipedia.org/wiki/Assad_family
- Kurds in the new Syria want to preserve the cultural rights they gained in years of war, accessed October 7, 2025, https://www.kurdistan24.net/en/story/823903/kurds-in-the-new-syria-want-to-preserve-the-cultural-rights-they-gained-in-years-of-war
- In memory of a dictator: Hafez al-Assad’s political legacy – The New Arab, accessed October 7, 2025, https://www.newarab.com/analysis/memory-dictator-hafez-al-assads-political-legacy
- Anisa Makhlouf: The mother of the Syrian regime – The New Arab, accessed October 7, 2025, https://www.newarab.com/features/anisa-makhlouf-mother-syrian-regime
- Anisa Makhlouf – Wikipedia, accessed October 7, 2025, https://en.wikipedia.org/wiki/Anisa_Makhlouf
- Aniseh Makhlouf: Matriarch of the al-Assad family who encouraged her son Bashar to crack down brutally on his opponents | The Independent, accessed October 7, 2025, https://www.independent.co.uk/news/obituaries/aniseh-makhlouf-matriarch-of-the-alassad-family-who-encouraged-her-son-bashar-to-crack-down-brutally-on-his-opponents-a6861726.html
- Asma al-Assad’s Wealth Accumulation through Corruption and Abuse of Power, accessed October 7, 2025, https://snhr.org/blog/2025/08/19/asma-al-assads-wealth-accumulation-through-corruption-and-abuse-of-power/
- How Asma Became Assad – L’Orient Today, accessed October 7, 2025, https://today.lorientlejour.com/article/1226130/how-asma-became-assad.html
- Asma al-Assad praises Syria’s mothers in TV appearance – The Guardian, accessed October 7, 2025, https://www.theguardian.com/world/2012/mar/23/asma-al-assad-mothers-day-speech
- Bashar Al_Assad – Excerpts from Mrs. Al-Assad Statements, accessed October 7, 2025, https://www.presidentassad.net/index_option-com_content-view-category-layout-blog-id-165-Itemid-487.html
- ‘Mother of All’: Asmaa al-Assad and the Syrian Propaganda Machine, accessed October 7, 2025, https://syrianobserver.com/foreign-actors/mother_all_asmaa_assad_the_syrian_propaganda_machine.html
- First time Nowruz is being celebrated like this in the capital Damascus after the fall of the assad regime who banned it for years, Happy Nowruz from Damascus. : r/Syria – Reddit, accessed October 7, 2025, https://www.reddit.com/r/Syria/comments/1jfyboc/first_time_nowruz_is_being_celebrated_like_this/
- Kurds in Iraq and Syria celebrate the Nowruz festival of spring at a time of new political horizons | Arab News, accessed October 7, 2025, https://www.arabnews.com/node/2594444/amp
- Syrian Kurds celebrate the first Newroz after the fall of Assad regime – YouTube, accessed October 7, 2025, https://www.youtube.com/watch?v=RsJVm9vfiSI
- Syrian President outlines reforms, pledges national renewal – UN News, accessed October 7, 2025, https://news.un.org/en/story/2025/09/1165940
- New Syria still denies Kurdish identity. Newroz isn’t recognized as a national holiday, it’s labeled Mother’s Day instead. Julani walks the same old Baathist road. : r/kurdistan – Reddit, accessed October 7, 2025, https://www.reddit.com/r/kurdistan/comments/1nynhlz/new_syria_still_denies_kurdish_identity_newroz/
- Transitional Government ignores Holidays of Syrian Communities – ANHA, accessed October 7, 2025, https://hawarnews.com/en/transitional-government-ignores-holidays-of-syrian-communities
- Syria’s New Transitional Government: Ambitions and Challenges, accessed October 7, 2025, https://www.harmoon.org/wp-content/uploads/2025/04/Syrias-New-Transitional-Government.pdf
