Kurd

English

الذاكرة الإنتقائية : الحقيقة التي نختارها أم النسيان الذي نحتاجه

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

إن قدرات الدماغ البشري مذهلة ومعقدة ولكن أبرزها هي القدرة على التذكر , ولكن ذاكرة الإنسان ليست عبارة عن صخرة تحفر عليها ماتريد بل هي عبارة عن آلية ديناميكية تتفاعل وتعدل وحتى يمكنها أن تفلتر مايخزن ويستعاد !

وهنا يبرز مفهوم الذاكرة الانتقائية تلك الظاهرة التي تمكننا من تذكر تفاصيل معينة بوضوح مبهر بينما تتلاشى تفاصيل أخرى أو تنسى تماما وكأنها لم تكن فهل هي عبارة عن آلية دفاعية فطرية للعقل ؟ أم أنها أداة تشكل وعينا وتغير نظرتنا للحقيقة ؟

وهنا في مساحتنا ” فكر معي بمنظور آخر ” سنغوص في أعماق هذا المفهوم لنستكشف أحدث الأبحاث العلمية ونغوص في الأعماق الفلسفية وصولا إلى اسقاطات حاسمة على المجتمعات التي تمر بأزمات وحروب حيث تصبح الذاكرة هي المصير الذي يحدد المستقبل .

كيف يعمل العقل على فلترة الماضي ؟

لنفهم ماهية الذاكرة الإنتقائية يجب أن نعلم أن الدماغ ليس عبارة عن كاميرا تسجل الأحداث كما هي بحيادية تامة بل هو نظام معالجة نشط يتأثر بالمشاعر والتوقعات . والذاكرة الانتقائية تظهر كيف يقوم الدماغ بتعزيز ذكريات معينة أو تثبيط ذكريات أخرى بناءا على أهميتها العاطفية أو مدى ملائمتها للسرد الشخصي أو الجماعي .

ومن منظور علم النفس المعرفي وعلم الأعصاب تتعدد الآليات التي تساهم في هذه الإنتقائية

اولا -الآليات الدماغية : تلعب مناطق معينة من الدماغ دورا حاسما فيها فاللوزة الدماغية مثلا هي مركز معالجة العواطف وتعزز الذكريات المشحونة عاطفيا سواء أكانت هذه الذكريات سلبية أو إيجابية لذا قد نتذكر حادثة أليمة بتفاصيل دقيقة قد تصل بنا حتى لدرجة أننا نعود لنشتم الرائحة ذاتها التي كانت موجودة أثناء الحادثة بينما ننسى تفاصيل يومنا العادي وبالمقابل فإن القشرة الأمامية الجبهية المسؤولة عن التفكير العقلاني واتخاذ القرارات والتحكم في الاندفاعات يمكنها أن تلعب دورا في كبح الذكريات الغير مرغوب بها أو تنظيم علمية استعادتها . وقد أظهرت الأبحاث العلمية الحديثة وباستخدام تقنيات التصوير العصبي أن هذه المناطق التي ذكرناها تشهد نشاطا متزايدا عند محاولة قمع ذكريات معينة .

ثانيا – ظاهرة النسيان المدفوع والكبت : فالنسيان المدفوع هو عملية نشطة وطوعية ( ولو بشكل غير واع ) يتم فيها محاولة نسيان معلومات أو أحداث معينة غاليا ماتكون مؤلمة أو مزعجة . أما الكبت فهو آلية دفاعية ( يمارسها العقل بشكل لا واع) يقوم فيها العقل بدفع الذكريات المؤلمة إلى اللاوعي لحماية النفس من الصدمة . هذه الآليات وأن كانت تهدف لحماية إلا أنها تشكل جوهر الذاكرة الانتقالية على المستوى الفردي .

ثالثا – العوامل المؤثرة على الانتقائية : فالتوقعات المسبقة و والعتقدات الراسخة وحتى السياق الاجتماعي الذي نعيش فيه جميعها تساهم في اختيار ما نريد تذكره فكم من مرة كنت في حديث مع عائلتك أو أصدقائك وتتحدثون عن حدث معين من الماضي وكنت أنت تتذكره بسياق معين وبأحداث معينة والآخر تذكرها بأحداث مختلفة وسيياقات مختلفة إن مرجع هذا مو خليفات كل شخص منكم ومشاعره وتوقعاته .فتشير الأبحاث إلى أن تأثير الذاكرة المعزز بالمشاعر يجعل الذكريات المرتبطة بعواطف قوية أكثر وضوحا وثباتا مما قد يدفعنا لتركيز الذاكرة عليها وتجاهل ماسواها .

هل الحقيقة متغيرة ؟

السؤال المطروح هنا إذا كانت الذاكرة الفردية قابلة للإنتقاء والتعديل فماذا عن الذاكرة الجماعية للمجتمع ؟ كيف تتشكل هذه الذاكرة المشتكرة ؟ وهل يمكن أن تتأثر هي الأخرى بنفس الآليات الانتقالية ؟

إن الذاكرة الجماعية ليست عبارة عن مجموع الذكريات الفردية، بل هي بناء اجتماعي يتأثر بالروايات السائدة، الإعلام، التعليم، والنصب التذكارية. الذاكرة الانتقائية للأفراد تتجمع لتُشكل روايات جماعية، قد تكون مُجزأة أو مُتحيزة.

ففي أوقات الحروب والأزمات الشديدة مثلا ، تتجلى الذاكرة الانتقائية في أبهى صورها وأخطرهاكما يلي :

1- آلية دفاعي : قد تكون الذاكرة الانتقائية، في بعض الحالات، آلية دفاعية ضرورية للعقل البشري والمجتمع للنجاة. فكيف يمكن للأفراد والمجتمعات التي شهدت فظائع لا تُحصى أن تستمر في الحياة اليومية دون فلترة جزء من تلك الآلام؟ قد يُصبح نسيان بعض التفاصيل المؤلمة أو التركيز على الجوانب التي تُعطي معنى للصمود، وسيلة للبقاء والتعافي. هذه النظرة ترى أن الانتقائية تُمكّن من تجاوز الصدمة الأولية والمضي قدمًا.

2- خطورتها (تهديد للحقيقة والمصالحة): إن الوجه الآخر للذاكرة الانتقائية أكثر قتامة. فهي يمكن أن تؤدي إلى تشويه خطير للحقائق التاريخية، أو حتى إنكار كامل للماضي. إذا اختار المجتمع بشكل جماعي أن ينسى جزءًا من تاريخه الأليم، أو أن يتجاهل فظائع ارتكبها البعض، فإن ذلك يُعيق أي مصالحة حقيقية ويُبقي بذور الصراع كامنة. كيف يمكن بناء مستقبل مشترك إذا كان كل طرف يحمل ذاكرة مختلفة، يُركز فيها على مظلوميته ويُخفي أخطاءه ؟

الذاكرة في قبضة المنتصر والمهزوم :

تُصبح ظاهرة الذاكرة الانتقائية أكثر تعقيداً وخطورة في سياق المجتمعات التي تشهد صراعات طويلة تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر. في هذه الظروف، قد تتشكل “سرديات النصر والهزيمة” التي تُمارس انتقائية شديدة على الذاكرة الجماعية. الطرف المنتصر، بدافع تعزيز شرعيته وحماية روايته، قد يميل بشكل لا واعٍ أو واعٍ إلى إعلاء وتضخيم جرائم الطرف المهزوم وانتهاكاته، مع إخفاء أو التقليل من حجم أي انتهاكات قد يكون قد ارتكبها هو بذاته. هذه العملية، وإن بدت طبيعية في سياق الانتصار، تُساهم في تشويه الذاكرة الجماعية، وتجعل المصالحة الحقيقية أبعد منالاً.

في المقابل، قد يلجأ الطرف المهزوم أيضًا إلى ذاكرة انتقائية معاكسة، تُركز على مظلوميته البحتة وتغفل أي أخطاء أو انتهاكات من جانبه. هذا التفاوت في الذاكرة، حيث كل طرف يتمسك بنسخته الخاصة من التاريخ، يُصبح حجر عثرة كبيراً أمام بناء مستقبل مشترك يستند إلى الحقيقة والاعتراف المتبادل. هذه “الذاكرة الحزبية” أو “الذاكرة الأحادية” تغذي الانقسامات، وتُبقي جذور الصراع كامنة، جاهزة للاشتعال مرة أخرى، وتُعيق أي محاولة لبناء سردية وطنية جامعة تُقر بآلام الجميع وتُحاسب المسؤولين عن كل الانتهاكات، بغض النظر عن انتمائهم. إنها تجسيد صارخ لكيفية تلاعب الذاكرة الانتقائية بالحقيقة في سبيل مصالح آنية، مما يدفع ثمنه استقرار المجتمع على المدى الطويل.

نحو ذاكرة أكثر وعيا :

إذا كانت الذاكرة الانتقائية جزءًا من الطبيعة البشرية، سواء كآلية دفاعية أو كتحيز، فهل يمكننا التحكم فيها؟ هل يمكننا أن نسعى نحو ذاكرة جماعية أكثر توازنًا وموضوعية، حتى في مواجهة الألم؟ الجواب هنا يمكن أن يكون من خلال :

1- أهمية التوثيق الموضوعي: في سياق النزاعات، يصبح التوثيق الدقيق والمحايد للأحداث والانتهاكات أمرًا بالغ الأهمية. المبادرات المدنية، لجان تقصي الحقائق ( المتسمة بالشفافية والموضوعية وغير المسيسة )، والمؤرخون المستقلون يلعبون دورًا حيويًا في توفير سجل تاريخي يُقاوم محاولات التشويه أو النسيان. هذا التوثيق هو حجر الزاوية لأي ذاكرة جماعية صحية.

2- دور التعليم والمؤسسات الثقافية: المناهج التعليمية، المتاحف، الفنون، والمبادرات المجتمعية لديها القدرة على بناء سرديات وطنية جامعة تُقر بالماضي بكل تعقيداته، وتُعلم الأجيال الجديدة عن الأخطاء والانتصارات على حد سواء. إنها تُساهم في بناء “ذاكرة للمستقبل” لا تخشى مواجهة ما حدث ولا تقوم بتشويه الحقائق إرضاءا للسلطات

3- الربط بالعدالة الانتقالية: هنا تبرز العلاقة الوثيقة بين الذاكرة الانتقائية والعدالة الانتقالية. آليات العدالة الانتقالية، خاصة لجان الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، تُقدم فرصًا لمعالجة الذاكرة الانتقائية. عندما تُكشف الحقائق علنًا، ويُعترف بمعاناة الضحايا، ويُساءل المسؤولون (حتى لو لم يكن بالعقاب المباشر)، فإن ذلك يُساهم في بناء ذاكرة جماعية أكثر صحة وشفافية. إنها تفتح الباب للتعافي الجماعي والتصالح مع الماضي، حتى لو كان مؤلمًا.

في النهاية يمكننا القول أن الذاكرة الانتقائية، بقدر ما هي آلية فطرية، بقدر ما هي قوة تُشكل واقعنا ومستقبلنا. ففي المجتمعات التي مزقتها الحروب والأزمات، تُصبح إدارة هذه الذاكرة، والتحدي لميولها الانتقائية، مهمة وطنية سامية. فلا يمكن بناء سلام دائم ومصالحة حقيقية على أسس النسيان المتعمد أو الذاكرة المشوهة. بل على العكس، يجب أن نُواجه ماضينا بصدق وشجاعة، أن نُقر بكل آلامه، وأن نسمح للحقيقة بأن تُنير طريقنا. فالذاكرة ليست مجرد أداة لتذكر الماضي، بل هي بوصلة تُحدد اتجاه مستقبلنا

والآن فكر معي بمنظور آخر هل أنت على استعداد بأن تسمع القصة من الطرف الآخر بأن تحاول الوصول إلى الحقيقة في أعماق ذاكرتك وذاكرة من حولك ؟!

آخر المقالات

Scroll to Top