Kurd

English

السلطة والفنّ: علاقة تاريخيّة سامّة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

أدركت أجهزة السلطة منذ نشوء الحضارة الدور المهمّ للفن في تشكيل الوعي الجمعيّ، والقدرة على التأثير في المزاج الجماهيريّ، فدأبت على ترويض الفنانين، واستمالتهم بغية صياغة بروباغندا تخدم سرديّة نظام الحكم، ولطالما شكّلت هذه العلاقة جدليّةً معقّدة، ولا سيَّما حين تكون أمام نتاجٍ فنيّ مبهر لفنانٍ ارتضى أن يكون بوقاً للسلطة، أو صدىً للديكتاتور.
قديماً كان الفنّ أشبه بأداةٍ لنظام الحكم بسلطتيه السياسية والدينية، ورأينا جيداً كيف سخّر الفراعنة الفنّ والعمارة لتمجيد الفرعون وتخليد عظمته، وقد تجلّى ذلك واضحاً في تماثيل الملك رمسيس الثاني في أبو سمبل؛ كذلك طوّع الامبراطور الروماني أغسطس قيصر الفنونَ وعلى رأسها النحت لصناعة بروباغندا متينة تظهره بصورةٍ لا تقهر، وقد بدا ذلك واضحاً في تمثال “بريما بورتا” الذي جعل منه إلهاً لا يُضاهي قوّته أحدٌ.
في عصر النهضة في أوروبا نعلم جيدًا كيف سخّرتِ الكنيسة مايكل آنجلو وليوناردو دافنشي وآخرين لتعزيز هيبة الكنيسة الكاثوليكية وعظمتها عبر أعمالهم الفنية التي كلّفهم البابا يوليوس الثاني شخصيًا بها في روما، إضافةً للعائلة الحاكمة في فلورنسا التي حرصت على رعاية فنّهما لإيمانها أن ذلك يعكس قوة الحاكم نفسه.
كذلك، مع بدايات القرن التاسع عشر قدّم الرسام الفرنسي الشهير جاك لويس داڤيد أقوى الأمثلة على التماهي الطّوعي للفنان مع السلطة الحاكمة، إذ تحول إلى أداةٍ لتلميع الإمبراطور نابليون بونابرت، ولعبت لوحاته، بحسب تحليل كثيرين، دورًا قويًا في ترسيخ صورة نابليون في العقل الجمعي للفرنسيين، وإعطائه الشرعية أيضًا لدى الأجيال اللاحقة التي لم تجرّمه كما فعل الألمان مع هتلر مثلًا رغم أن مشروع نابليون في بناء الدولة القومية وتصفيته لمناوئيه، واحتلاله لما استطاع من دول الغير لا يختلف كثيرًا عن المشروع المتطرّف للنازية.
بالحديث عن هتلر، نرى بعدًا آخر لعلاقة السلطة بالفن يتجاوز الأحياء منهم، وهو: اجترار إرث من مات.
وعلاقة آدولف هتلر بموسيقى ريتشارد ڤاغنر مثالٌ جليّ على ذلك، لا سيما أنّ ڤاغنر مات قبل صعود الحزب النازي للسلطة، لكن هتلر وجد في ملاحمه الأوبرالية الزيت الذي يصبّه على نار الأيديولوجيا النازية لأن ڤاغنر كان يعزز في أعماله المستلهمة من أساطير الجرمان فكرة التفوق العرقي، وهذا ما وجد فيه هتلر مادةً مناسبة لاستغلالها سياسيًا.
في الحقبة الزمنية ذاتها، وبالقفز إلى روسيا سنجد أن قسطنين ستانسلافسكي اضطر إلى تقديم عديدٍ من التنازلات وإدراج مسرحيات تمجّد ستالين للحفاظ على مسرح موسكو الفني والعاملين فيه من قمعه.
كل ما سبق، وأكثر يوضح جيدًا كيف أن السلطة سعت دائمًا لتدجين الفن، واستغلاله، وتحويله إلى أداة لخدمتها، كما فعلت تمامًا مع رجالات الدين عبر العصور.
ولكن، لا يمكن إغفال أن كثيرًا من الفنانين رفضوا لعب هذا الدور، وتنوّع نضالهم بين الصمت من جهة، والتورية والمشاكسة من جهة أخرى، فيما انبرى قلّةٌ للتحريض المباشر ضد السلطة.
ولعلّ “غورنيكا” لبيكاسو إحدى أبرز الأمثلة على تمرّد الفنّان ضد إجرام السلطة، تلك اللوحة التي أعقبت قصف مدينة غورنيكا على أيدي تحالف فرانكو مع النازيّة والفاشيّة.
في سوريا كان لنظام حافظ الأسد استراتيجية مختلفة، إذ أنه قلّص دعمه للفنون جميعًا، وهذا ما يفسّر إغلاق عديدٍ من المسارح ودور السينما والمنتديات الثقافية ومعارض الرسم في عهده، وحَصَر دعم الحركة الثقافية في المؤسسات التي تتبع لحزب البعث (الطلائع والشبيبة واتحاد الطلبة وغيرها) لوأد أي محاولات للفن المستقل.
في عهد بشار الأسد تم التركيز على دعم الدراما التلفزيونية دون غيرها، وبات للممثل التلفزيوني مكانةٌ أكبر من وزنه الحقيقي لأنه الواجهة الفنية الوحيدة للدولة، وتم تمرير عديدٍ من الأعمال التي توحي أن المناخ قد تغيّر وبأنه بات من الممكن الاعتراض أو التعبير، كما ظهرت أعمالٌ أيضًا توحي أن الفساد موروث لكن رأس السلطة يعمل جاهدًا على اجتثاثه.
تم تمرير عديدٍ من حيل “التّنفيس” والتي رافقها التأكيد على تبرئة رأس السلطة من الفساد الحاصل في الدولة عبر المسرح (مسرح همام حوت أنموذجًا) أو عبر الدراما التلفزيونية (الكثير من مسلسلات كوميديا الموقف).
وعلى الرغم من أن الممثل في جوهر مهنته ليس صاحب مشروعٍ ثقافيّ كالكاتب أو المخرج، إلا أن فقاعة الدراما التلفزيونية في سوريا تضخمت كثيرًا إلى الوقت الذي بدأ الشعب فيه بالتظاهر ضد نظام الحكم، وهنا اتضح للشارع أن كثيرًا من الممثلين لم يكونوا أكثر من أدوات بيد السلطة، وكثيرون منهم، اليوم، لم يغيّروا شيئًا في سلوكهم، فقط استبدلوا النظام بآخر، وتابعوا الاستراتيجية ذاتها.
سوريا بلدٌ مليئةٌ بنجوم الدراما التلفزيونية، وخالية من صناعة السينما، وإنتاج الموسيقا، ودعم الرسم والنحت وباقي الفنون.
هذه الجملة كفيلة أن تعطي فكرةً عن المشهد الفني الذي كان الأسدان حريصين على طمسه في سوريا.
يُتبَع…

آخر المقالات

Scroll to Top