لم تكن السياسة في سوريا، على امتداد عقود، مجالاً عاماً للتفكير أو المشاركة، بل تحوّلت تدريجياً إلى حقلٍ مغلق محفوف بالمخاطر. وبعد إسقاط النظام، كان من المتوقّع أن تشهد البلاد انفراجاً سياسياً واسعاً، إلا أن المفارقة أن شريحة كبيرة من السوريين ما زالت تُبدي عزوفاً واضحاً عن الانخراط في الشأن السياسي. هذا العزوف لا يمكن تفسيره باللامبالاة، بل هو نتاج تاريخ طويل من القمع، والتشويه، والخوف المتراكم، حيث اعتمد النظام السابق على تفريغ السياسة من مضمونها الحقيقي، وتحويلها إلى ممارسة شكلية خاضعة لسلطة واحدة، عبر تجريم العمل السياسي المستقل وربطه بالخيانة أو العمالة، وربط السياسة بالأجهزة الأمنية بدل ربطها بالمجتمع والمؤسسات، وتدمير الثقة بين المواطن وأي فعل سياسي منظم، وبذلك نشأ جيل كامل يرى السياسة بوصفها خطراً شخصياً لا شأناً عاماً.
وتتداخل العوامل النفسية والاجتماعية لتعميق هذا العزوف، فالخوف المتراكم لا يختفي فوراً بعد سقوط النظام، إذ تظل الذاكرة الجمعية السورية مشبعة بتجارب الاعتقال والملاحقة والاختفاء، يضاف إليها الإرهاق الجمعي الناتج عن سنوات الحرب والانهيار المعيشي الذي جعل الأولويات تنحصر في البقاء لا في المشاركة السياسية، فضلاً عن فقدان الثقة بالنخب نتيجة الصراعات بين القوى السياسية المعارضة وفشلها في تقديم نموذج جامع، مما عزّز الشعور بأن السياسة مجال للفوضى لا للتغيير.
وفي المرحلة الراهنة، برزت مخاوف جديدة تجعل المواطن يتخذ موقف “المراقب الصامت” بدل الفاعل، ومن أبرزها عدم وضوح شكل الدولة القادمة، والخوف من إعادة إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة، والقلق من التهميش أو الإقصاء الطائفي أو المناطقي، وغياب ضمانات قانونية حقيقية تحمي العمل السياسي. وتتفاقم هذه الإشكالية مع غياب الثقافة السياسية التي لم تُقدَّم في الوعي العام كفن لإدارة الخلاف، بل كصراع صفري، مما أنتج ضعفاً في فهم مفاهيم مثل التعددية، التداول السلمي، والمعارضة، والخلط بين السياسة والفوضى، والخوف من الاختلاف.
إن إعادة السياسة إلى المجتمع السوري لا تكون إلا عبر مسارات عملية تشمل بناء ضمانات قانونية واضحة وقوانين تحمي حرية الرأي والتنظيم والعمل الحزبي دون استثناء، وفصل السياسة عن العنف والسلاح لأنه لا يمكن للمواطن أن يثق بالسياسة إن ارتبطت بالقوة، مع إعادة تأهيل المجال العام عبر النقابات والمجالس المحلية والجامعات والإعلام المستقل، وإنتاج خطاب سياسي جديد، عقلاني وغير انتقامي، يركز على المواطنة لا الهوية الضيقة، واعتماد مبدأ التدرّج لا الصدمة لأن المجتمع الخارج من الاستبداد يحتاج وقتاً لاستعادة ثقته بنفسه وبالسياسة.
وفيما يخص عسكرة سلطة إنفاذ القانون وأثرها على انكماش المجال السياسي، فإنه في المراحل الانتقالية غالباً ما تتقدّم سلطة السلاح على السلطة السياسية بوصفها أداةً سريعة لفرض الاستقرار، وحين تتحوّل سلطة إنفاذ القانون إلى سلطة ذات طابع عسكري، يصبح منطق القوة هو المرجعية العليا بدل منطق التفاوض والتعدد والشرعية الشعبية. ويدرك المواطن أن القرارات الحاسمة لا تُصاغ عبر النقاش العام بل تُفرض بفعل موازين القوة، فتتراجع السياسة من كونها مجالاً للتأثير إلى نشاط ثانوي أو رمزي. لا يكمن الخطر في وجود السلاح بحد ذاته، بل في استمراره كفاعل سياسي لا كأداة مؤقتة، فحين تطول المرحلة الانتقالية دون نقل مركز الثقل من الأمن إلى السياسة، يتكرّس في وعي المجتمع أن القرار لا يُصنع عبر الرأي والرأي الآخر، ولا عبر الأحزاب أو المؤسسات المدنية، بل عبر القوة القادرة على فرض الأمر الواقع، وهذا ما يؤدي تدريجياً إلى عزوف المواطنين، ليس رفضاً للسياسة، بل إدراكاً لضعفها أمام سلطة السلاح، مع الإقرار بالحاجة للأمن في المراحل الأولى شريطة وجود مسار زمني واضح ينقل المجتمع من منطق الاستتباب الأمني إلى منطق التأثير السياسي المؤسسي.
وترتبط جدوى المشاركة السياسية ارتباطاً وثيقاً بإحساس المواطن بأن صوته مؤثّر وذو معنى، وعندما تتحوّل الأحزاب والمنظمات السياسية إلى كيانات شكلية عاجزة يتولّد لدى المواطن إحباط سياسي يدفعه إلى الانسحاب الصامت، حيث يحتفظ بآرائه لنفسه ويتوقف عن تنظيمها في إطار جماعي، ويفصل بين قناعاته الشخصية وأي فعل سياسي واقعي. هذا العزوف أخطر من الرفض المباشر لأنه يؤدي إلى تفريغ المجال السياسي من مضمونه الاجتماعي، فالأفكار تبقى موجودة لكنها لا تتحول إلى قوة تغيير ولا تُناقش في الفضاء العام، مما يعيد إنتاج صورة السياسة بوصفها نشاطاً بلا جدوى لا يستحق المخاطرة.
أما سبب الصمت الانسحابي رغم وجود الكثير من عموم الشعب الذين تفهموا جزءاً من مفاتيح وطرق تكوين السياسات بحكم السنين الطويلة من عمر الثورة، والذي ساهم ولو جزئياً بالوعي السياسي، فهو يعود إلى أن هذا الوعي اصطدم بغياب البيئة الفاعلة، مما جعل الانسحاب خياراً لحماية الذات بانتظار جدوى حقيقية.
إن الحياة السياسية لا تُستعاد فقط بفتح المجال القانوني، بل عبر تحجيم دور السلاح سياسياً ونقله من موقع الفاعل إلى موقع الأداة المؤقتة، وإثبات جدوى المشاركة السياسية عبر تمكين حقيقي للمؤسسات والأحزاب من التأثير في القرار. فعندما يشعر المواطن أن صوته لا يضيع في فراغ، تتحول المشاركة من عبء نفسي إلى ضرورة وطنية، أما دون ذلك فستبقى السياسة نشاطاً مؤجلاً أو خطراً غير محسوب. إن ابتعاد السوريين عن السياسة ليس عيباً أخلاقياً، بل جرحاً تاريخياً مفتوحاً، ولن تعود السياسة إلا عندما يشعر المواطن أن مشاركته آمنة، ومؤثرة، ومحترمة، لتتحول من ذكرى مؤلمة إلى أداة لبناء المستقبل.
