لم يعد فهم الطائفية في سوريا أسير اختزالها في كونها انقسامًا دينيًا أو مذهبيًا داخل مجتمع تعدّدي، كما لم يعد التجييش الطائفي مجرّد خطاب كراهية تحريضي يطفو إلى السطح في أوقات التوتر أو العنف. فمنذ سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024 بات السوريون ينظرون إلى السياسة والخوف والانتماء أكثر فأكثر من خلال هواجس “الجماعات” وحدودها داخل مجتمع قطّعت الحرب روابطه من دون أن يتجاوز فعليًا مسببات التفكّك التي أنتجتها.
تكمن حساسية اللحظة السورية الراهنة في أنَّ الطائفية ليست مجرّد آثار تاريخية متكلّسة ومتبقية من الماضي، وإنما هي عملية اجتماعية وسياسية جارية يُعاد عبرها إنتاج الجماعات و”الطائفيات” وفق التحوّلات السياسية والتاريخية، وتُرسم بها حدود الثقة: صياغةً لتصوّرات جديدة عن الحماية والتهديد والشرعية. ولهذا يبدو التجييش الطائفي الراهن أعمق من مجرّد استقطاب مذهبي أو سياسي عرضي، إذ يتسلَّل تدريجًا إلى الطريقة التي يبدأ المجتمع من خلالها بإدراك ذاته، واستيعاب جماعاته، وحدود العلاقات في ما بينها.
فالمجتمعات الخارجة من الحروب الطويلة لا ترث الخراب المادي أو الانهيار الاقتصادي وحسب، وإنما تتجرّع أيضًا فائضًا من الخوف، وذاكرات مثقلة بالعنف، وقدرًا واسعًا من الريبة والاتهام المتبادل. ومع تداعي السلطة التي أدارت لعقود توازنات العنف والمجال العام، لم يظهر في سوريا إطار سياسي مستقرّ يستطيع أن يمنح الأفراد شعورًا عامًا بالأمان أو بالمواطنة المتساوية. ما برز بدلًا من ذلك كان مناخًا شديد التخلخل والاضطراب: سلطة انتقالية ما تزال قيد التشكّل، شبكات محلية وحكومية متنافسة، عنف يتراجع في مكان ليعود في مكانٍ آخر، اقتصاد منهك، ومجتمع يحاول استعادة تماسكه داخل مرحلة ما تزال حدودها ومآلاتها غامضة.
وفي مناخ الانفراط هذا، ومع تشكّل قوى وعلاقات جديدة غير محسومة بعد، تشتدُّ حاجة الجماعات إلى مرتكزات وملاذات أكثر صلابة للانتماء والثقة، فتغدو الطائفة الدينية أو الرابطة الأهلية عمومًا إحدى المرجعيات القليلة القادرة على احتواء القلق الجمعي والمكان الأقرب إلى الاحتماء الذي يحيط بمجتمع فقد كثيرًا من توازنه الهش السابق.
ولهذا، لا يقتصر تصاعد الطائفية على كونها تعبيرًا عن قناعات دينية أو أيديولوجية، وإنما تكمن قوتها في كونها وسيلة للأفراد والجماعات لتسمية مخاوفهم وتحديد مواقعهم الهُويّاتية في لحظةٍ تاريخيةٍ تبدو فيها الأطر السياسية والاجتماعية الجامعة عاجزة عن توفير الطمأنينة.
ومن هنا تحديدًا يمكن فهم التحوّلات التي طرأت على الخطاب السوري بعد سقوط النظام. فعلى سبيل المثال، يستند جزء من التجييش الطائفي في أوساط “السنة العرب” إلى سردية ترى أنَّ الجماعة التي مثّلت “الأكثرية الضحية” خلال سنوات الثورة والحرب، باتت تمتلك اليوم مشروعية استعادة مكانتها ونفوذها السياسي، وذلك بعد عقود من الإقصاء والعنف الممنهج وتحويل حواضنها الاجتماعية إلى ساحات للحصار والتدمير والاستنزاف.
وفي المقابل، يسود البيئة “العلوية” في الساحل شعورٌ متنامٍ بأنَّ سقوط النظام لم يقتصر على انهيار السلطة السياسية وحسب، وإنّما فتح الباب أيضًا أمام تحميل “الجماعة” بأكملها المسؤولية السياسية والجنائية، ما جعلها في موضع اشتباهٍ تاريخي وأخلاقي وسياسي، وسط تزايد المخاوف من الانتقام أو العزل أو فقدان الحماية.
أما في الحالة “الدرزية” في السويداء، فتبدو المسألة أكثر تركيبًا، إذ تتداخل هواجس الحماية الذاتية والمخاوف من الانفلات الأمني مع تنامي القلق المتزايد من الانكفاء على الجغرافيا المحلية، في ظلِّ خطابٍ يركِّز على الخصوصية والقدرة على إدارة الشأن الداخلي بعيدًا عن مركز سياسي لا تزال شرعيته واستقراره موضع اتّهام وارتياب.
وعلى السطح، قد تبدو هذه الحالات الثلاث مجرّد تجلّيات لانقسامات طائفية أو دينية متقابلة، لكن ما يكمن في جوهرها يتجاوز ذلك كثيرًا. إذ تكشف كيف يتم تحويل الخوف والذاكرة المثقلة والخذلان والانتكاسات السياسية المتراكمة إلى لغة جماعية تُستخدم للتعبئة والاستقطاب وإعادة الاصطفاف. وهنا تحديدًا تتجاوز الطائفية مفهومها التقليدي بوصفها مجرّد انقسامٍ بين جماعات دينية، لتصبح جزءًا من اقتصاد السلطة والخوف والبقاء داخل مجتمع لم تلتئم روابطه العامة بعد، ولا تزال عوامل استقراره السياسي والاجتماعي تتأرجح بين طيات الخوف والاضطراب.
ولعلَّ أخطر ما في هذا التحول أنَّ التجييش الطائفي الراهن لا يستند في الغالب إلى بناء ايديولوجي متماسك، وإنما يقتات على إعادة تدوير الخوف وتغذية وتيرته عبر الصور والمقاطع الرقمية والشائعات والخطابات المجتزَأة والذاكرة المثقلة بالعنف. فقد أصبحت كلُّ حادثة محلية مهيّأةً للتحوّل سريعًا إلى دليل على “طبيعة جماعة بأكملها”، كما صار كلُّ توتّرٍ أمنيٍّ يُقرأ بوصفه نذيرًا بحرب كامنة. وبهذا المعنى، لم تعد الطائفية مجرّد انقسام مجتمعي عابر، بل تحوّلت إلى منطق ناظم تتشكّل في ضوئه نظرة الجماعات لبعضها بعضًا، وتُفكَّك عبره السياسة ومشاعر الخوف وشبكة الروابط الاجتماعية.
وحين يترسّخ هذا المنطق، تنحسر السياسة عن كونها تنافسًا بين رؤى وبرامج ومصالح اجتماعية، ليتحوّل المجال العام، سواء أكان في الواقع اليومي أو الفضاء الرقمي، إلى ساحة مفتوحة لتغذية الريبة المتبادلة ومراقبة ديموغرافيا الجماعات، ورصد مخاوفها وتحالفاتها ومصادر تهديد بعضها لبعض.
وفي ظلِّ غياب مؤسّسات مستقرة، ومسارات للعدالة الانتقالية، وقانون كفيل بإنتاج شعورٍ فعليٍّ بالحماية المتساوية، تسعى الجماعات لابتكار بدائل، نفسية وهُويّاتية وسياسية، للتعويض عن غياب الدولة. لذا، فإنَّ استمرار التجييش الطائفي بعد سقوط نظام الأسد لا يعكس مجرّد بقاء الانقسامات القديمة، وإنما يبرهن أيضًا على عمق الفراغ البنيوي والسياسي الذي خلّفه تداعي المنظومة السلطوية في ظلِّ تعثر بناء دولة بديلة قادرة على كسب الثقة العامة وإدارة الاختلاف ضمن إطار سياسي جامع.
لا تقتصر معايير قياس هشاشة المجتمعات الخارجة من الحروب على عدد الضحايا أو حجم الدمار المادي فحسب، وإنما تمتدّ لتشمل مدى التصدّع في “العالم المشترك” الذي كان ينبغي أن يوفر للأفراد أفقًا سياسيًا موحّدًا. فحين يعجز الأفراد عن تعريف ذواتهم بعيدًا عن أطر الجماعات التي لجؤوا إليها، يتبدل جوهر السياسة، إذ لا تتداعى الدولة عندها كمؤسّسة إجرائية وحسب، بل تتبدد كفكرة جامعة أيضًا: أي كفضاء يُتيح للمختلفين مشاركة حياة عامة تتجاوز هواجس الخوف والنجاة والريبة المتبادلة.
وما يتجلّى اليوم في سوريا يتجاوز مجرّد تصاعد النبرة الطائفية أو احتدام التوتّر بين “المكونات”، فثمة انكماش تدرّجي في المساحة التي كان يمكن للسوريين من خلالها التفاعل كمواطنين، بدلًا من كونهم حَمَلة لهُويّات قلقة مثقَلة بالندوب والخسارات. ومع هذا الانكماش، تسعى الجماعات لترتيب علاقتها بالعالم، حيث لم تعد الطائفة مجرّد انتماء اجتماعي أو ديني، وإنما تحوّلت إلى آلية للحماية، ومنظومةٍ لتفسير الأحداث، ومعيارٍ حاسمٍ لتحديد من يستحقّ الثقة أو الخوف أو الحماية.
في مثل هذه المنعطفات، لا تنمو الطائفية من فائض قوة الجماعات، وإنما من انكفاء المجال الذي كان يفترض أن يجمعها. فكلُّ جماعة تنكفئ على ذاتها دفاعًا عن وجودها تبدأ، من حيث لا تدري، بإعادة إنتاج مخاوفها بشكلٍ مستدامٍ، إذ تتضخّم حساسيتها، وتصبح أكثر ميلًا لرؤية الآخرين كتهديد محتمل، بدلًا من النظر إليهم كشركاء في العيش المشترك. وهكذا، يكفّ الماضي عن كونه مجرّد ذاكرة، ليتحوّل إلى مادة يومية لإعادة ترتيب العلاقات وتوزيع تركات القرب والعداء والريبة.
وعليه تبدو الأزمة السورية الراهنة أعمق من مجرّد انقسام أهلي أو استقطاب سياسي حادّ، فالمعضلة لا تكمن في تعدّد “المكونات”، وإنما في تراجع القدرة على تجاوز الهُويّات الفرعية. وعندما تطغى الطوائف على المجال العام، ويصبح ممثلو المخاوف الجماعية بدلاء عن الفاعلين السياسيّين، تفقد السياسة معناها كشأن عام، وتتحوّل إلى مجرّد إدارة مستدامة للقلق المتبادل.
ومن هنا، لا يبدأ العبور نحو عتبة ما بعد الطائفية في سوريا بمطالبة الجماعات بالتخلّي عن ذاكرتها أو مخاوفها، وإنما باستعادة فضاء يسمح بنشوء حياة سياسية لا تقوم على التوجّس المتبادل أو الرقابة الهُويّاتية، أي بإعادة بناء دولة يشعر الأفراد في كنفها أنَّ القانون يحميهم بصفتهم مواطنين، لا كأعضاء في هُويّات قلقة تخشى دومًا أن يطالها الدور في مسلسل الخسارة أو الإقصاء أو العنف.
الطائفية بعد الأسد: حين تصبح الجماعات بديلًا عن السياسة
هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

دكتوراه في علم الاجتماع من جامعة فرايبورغ في ألمانيا. أستاذة في جامعة كولونيا في ألمانيا. تكتب في الشأنين الاجتماعي والسياسي باللغتين العربية والألمانية، مع الاهتمام الخاص بموضوعات الاغتراب من منظور فلسفي، والفردانية في المجتمعات العربية، وتحولات البنى المجتمعية في سوريا ما بعد 2011.

هدى زين
دكتوراه في علم الاجتماع من جامعة فرايبورغ في ألمانيا. أستاذة في جامعة كولونيا في ألمانيا. تكتب في الشأنين الاجتماعي والسياسي باللغتين العربية والألمانية، مع الاهتمام الخاص بموضوعات الاغتراب من منظور فلسفي، والفردانية في المجتمعات العربية، وتحولات البنى المجتمعية في سوريا ما بعد 2011.