ظهرت فكرة الدولة الوطنية في أوروبا حوالى منتصف القرن السابع عشر، حيث بدأت تتشكل بعض الدول الحديثة غير المرتبطة بالإمبراطوريات الكبيرة، واستمرت الفكرة بالتطور والتوسع لتشمل، مع بداية القرن التاسع عشر، معظم أنحاء العالم، حيث ظهرت دول جديدة بالارتكاز على أسس وروابط مشتركة جديدة لم تكن معروفة في العصور السابقة؛ فقد اعتمدت (العقد الاجتماعي) أساسًا لبنائها.
لقد تأخر وصول هذه الأفكار الحديثة إلى منطقتنا حتى بدايات القرن العشرين، حيث كثر الحديث عن أهمية العقد الاجتماعي وضرورة قيام الدولة على أسس المواطنة والمساواة بعيدًا عن الاثنية أو الطائفة، وبدأت محاولات بناء الدولة على أسس وطنية أو قومية ساعية لصياغة عقد اجتماعي يربط أفراد المجتمع بروابط لم تشكل في ما مضى أي أساس في بنائها.
وكثرت الحوارات والمناقشات حول أهمية بناء الدولة الوطنية الحديثة المستندة إلى عقد اجتماعي تستمدّ شرعيتها منه، وكان المفكر السوري الياس مرقص مثلًا يرى أنّ العقد الاجتماعي ليس مجرد علاقة بين الفرد والدولة وحسب بل هو علاقة اجتماعية وثقافية عميقة تتطلب توافقًا عامًّا، وعلى هذا العقد أن يضمن الحقوق المتساوية لجميع الأفراد، ذكورًا وإناثًا، ولذلك كان يرى أن العقد الاجتماعي (الدستور) يجب أن يكون أداة للحرية لا وسيلة لاحتكار السلطة من النخبة الحاكمة.
غير أننا في حالتنا السورية، أسوةً بمعظم جوارنا، لم نتمكن من بناء الدولة الوطنية على الرغم من كل محاولات ادعاء البناء من جانب إعلاميي ونخب النظام السابق؛ فالاستبداد والقمع يُنتجان سلطة قد تخلق إحساسًا ببناء دولة قوية ومتماسكة، لكنه يبقى مجرد وهم في المآل (في سلطة الأسد كان الدستور مجرد حبر على ورق يمكن تعطيل أي بند من بنوده بمرسوم رئاسي بسيط من دون أي اعتبار لمصلحة أبناء الشعب من هذا المرسوم).
واليوم، بعد رحيل الأسد، تمت صياغة إعلان دستوري مؤقت كان لا بدّ منه كخطوة أولى، غير أن الخطوة لم تكتمل بعد؛ فالإعلان الدستوري قد يمتلك مبررًا قانونيًّا مؤقتًا لكنه لا يلقى إجماعًا داخليًا، وكلما طال البقاء ضمنه ازدادت المخاطر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فمن دون دستور محدّد وواضح ستتفاقم الخلافات بين الفرق والمكونات، وقد يصبح الاتفاق مستحيلًا. إنّ غياب العقد الاجتماعي (الدستور) يؤدي إلى فراغ قانوني يُعقّد الدخول في عملية بناء الدولة الوطنية، ويزعزع الثقة بين أبناء المجتمع، ويُفقِد أيّ سلطة شرعيّتها.
إن لغياب الدستور وسلطة القانون دورًا كبيرًا في ما حدث من أحداث في الساحل والسويداء، أو حتى في ما حصل بين السلطة وقسد، وما يحدث من جرائم أحيانًا في مختلف أنحاء البلاد كلها تحت ذريعة المظلومية أو الانتقام من أبناء النظام السابق في ظل غياب قانون للمحاسبة والعدالة الانتقالية.
إنّ البدء ببناء الدولة الوطنية لا يمكن أن يكون بغير دستور متوافق عليه من جميع المكونات الاجتماعية والسياسية، ما دمنا متفقين على أنّ الدستور ليس مجرد نص قانوني وإنّما هو الإطار السياسي والاجتماعي الذي ينظم علاقة السلطة بأفراد المجتمع.
ومن هنا تأتي ضرورة الدعوة إلى حوار وطني شامل وشفاف (سلطة – أحزاب وأطياف سياسية – مجتمع مدني وأهلي)، حوار لا يتم فيه إقصاء أي مكون من المكونات السورية، غايته تخفيف الاحتقان، وتوفير بيئة ملائمة لعقد مؤتمر وطني حقيقي مهمته الرئيسة وضع حجر الزاوية للوصول إلى دستور دائم للبلاد.
إن كل تأخير لهذا الحوار إنّما يصب في مصلحة إعادة إنتاج الاستبداد. كذلك، فإن هذه الدعوة لا تتحمل مسؤوليتها السلطة الحاكمة فحسب بل هي مسؤولية جميع مكونات الشعب السوري بأطيافه كافة. لا يحق لأي طرف الاستئثار بصياغة دستور للبلاد مهما كانت صفته، ويجب ألَّا يغيب أي طرف عن المشاركة، وإلا تحول الدستور حينها من أداة للحرية إلى وسيلة لتكريس الاستبداد.