Kurd

English

المثقف في زمن الاضطراب؛ بيان في حماية معنى الثقافة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

لا يُختبر المثقف، في الأزمنة المضطربة، بما يكتبه عن الحرية في رخائه، بل بما يجرؤ على الدفاع عنه حين يغدو ثمن الكلمة فادحًا، معنويًّا وماديًّا. وفي المجتمعات التي تتشظّى تحت مطارق الخوف، والطائفية، والتحريض، تصبح مهمة المثقف انتحاريّة؛ لأنَّه يختار الوقوف وحيدًا عند الحدِّ الفاصل بين الحقيقة والامتثال الأعمى، بين الضمير والدعاية، وبين الإنسان والانصياع الجمعي الأعمى.

لقد عانت سورية استبدادًا سياسيًّا طويلًا، لكنَّ عُقمها الأكبر تدفَّق من انهيار المعنى العام للوطن. حينها، تحوّلت الهُويّات الفرعية من تنوّع ثقافي يُثري الجسد، إلى جدران صماء وخنادق نفسية وأخلاقية مفخّخة. وفي مثل هذه اللحظات، يسوقنا الواقع إلى حقيقة أنَّ القلم يسقط إن لم يرتفع بصاحبه؛ فلا يعود المثقف مجرّد كاتبٍ أو معلِّقٍ على حوادث الواقع، بل يصبح مسؤولًا عن الدفاع عن فكرة المجتمع نفسها، والخطَّ الدفاعي الأخير لحماية اللغة من أن تتحوّل إلى أداة كراهية ومخزن للذخيرة الحية.

المثقف الحقيقي لا يُعرَّف بطائفته، ولا يُقاس بمدى تمثيله لجماعته المغلقة، بل بقدرته على تجاوز انتماءاته الضيقة، والقفز فوق الأسلاك الشائكة، نحو المجال الإنساني الأرحب. فحين يتحوّل المثقف إلى ناطق باسم العصبية، تفقد الثقافة جوهرها نفسه؛ لأنَّ الثقافة، في معناها العميق، تمرينٌ دائمٌ على الخروج من السجن، لا إعادة تزيين جدرانه.

ولذلك، فإنَّ أخطر ما يصيب وعيَ المثقف هو رضوخه لوثن الهُويّة وازوراره عن سلطة الحقيقة؛ أي أن ينشغل بسؤال الهُويّة الضّال والمضلِّل بدلًا من سؤال الحقيقة، وأن يصبح ولاؤه لجماعته أعلى من ولائه للإنسان، وأن يطرب لصراخها ضدّ صوت العقل بدلًا من دعوتها إلى التأمل والتفكّر والتبصّر. فالثقافة لا تُقاس بقدرتها على تسويغ خوف الجماعات، بل بقدرتها على نقد هذا الخوف وكشف آلياته وتحويله إلى معرفة قادرة على التغيير. المثقف الذي يكتب دفاعًا عن طائفته أو إدانةً لطوائف أخرى لا يختلف في شيءٍ عن أمير حربٍ يرتدي سترة مدنية؛ كلاهما يُطلق النار على الفضاء الوطني المشترك، وكلاهما يقتات من الجثة نفسها.

ليست وظيفة المثقف أن يرضي الناس، ولا أن يربّت على أكتافهم، بل أن يساعدهم في رؤية ما لا يريدون رؤيته أو ما يخافون النظر إليه. وليست مهمته تكرار يقينيّات الجمهور، بل وضع تلك اليقينيات على مشرحة المساءلة. فالحقيقة لا تُولد من التصفيق، ولا تنمو داخل الجماعات المغلقة والمتكوّرة على نفسها، بل تلمع في ثلاث مواجهات ضارية؛ في مواجهة الجماعة حين تخطئ وتنجرف، وفي مواجهة السلطة حين تستبد وتطغى، وفي مواجهة الذات حين تميل إلى التسويغ والتغطية.

ولهذا، فإنَّ المثقف الذي يخشى خسارة جمهوره أكثر من خشيته خسارة الحقيقة، ينتهي به المطاف إلى أن يصبح موظفًا برتبة محرِّض في جهاز الكراهية العامة، حتى لو ارتدى قناع الثائر أو عباءة المناضل. الثقافة الحقيقية هي الضمير الذي يرفض أن يتحوّل إلى بوق، والعقل الذي يرفض الاختزال في راية، واللغة التي تأبى أن تصبح سلاحًا في حرب أهلية.

وفي سورية اليوم، وفي كلِّ وطنٍ جريحٍ، لا تكمن حاجتنا الجوهرية في هندسة تسويات سياسية هشّة أو صوغ خططٍ استثمارية فوقية، بل في إعادة بناء المعنى الإنساني والأخلاقي لفكرة الوطن. وهذه المهمة لا تملكها السلطة، أي سلطة، ولا تستطيع إنجازها وحدها مهما خلُصت نياتها، وتعجز عنها الأحزاب السياسية أيًّا تكن مواقفها ورؤاها وأحجامها، ولا تقدر عليها الجماعات المغلقة حتى لو شاءت أن تسير في طريقٍ مغايرٍ لطبيعتها التي تجعل منها عقبة كأداء في طريق إنجاز مثل هذه المهمة أصلًا. إنَّها تبدأ من استعادة المثقفين لدورهم بوصفهم حراسَ المسافة النقدية، لا قادةً أو جنودًا في حرب الهُويّات.

فالوطن لا يبنيه الذين يتفنّنون في تقسيم الناس وتصنيفهم، بل من يملكون شجاعة النظر إليهم بوصفهم بشرًا متساوين في الكرامة، وفي الخوف، وفي الأمل. والثقافة لا تكون عظيمة حين تدافع عن جماعة ضدَّ أخرى، بل حين تدافع عن الإنسان ضدَّ التوحش أيًّا كان مصدره، وتقف مع الضحايا في مواجهة الجناة، بلا أدنى اعتبارٍ للأصول أو الانتماءات أو المواقع أو المواقف.

وإذا كانت السياسة تسعى أحيانًا إلى إدارة القوة، فإنَّ الثقافة، في أنبل معانيها، تسعى إلى حماية المعنى. وحين يفقد المجتمع مثقفيه الأحرار، يصبح أكثر قابلية لأن يُقاد بالخوف، وأكثر استعدادًا لأن يُساق بالكراهية. لذلك، فإنَّ المثقف الذي ينحاز إلى الإنسان قبل الطائفة، وإلى الحقيقة قبل الجمهور، وإلى الضمير قبل الاصطفاف، لا يؤدي دورًا معرفيًّا وحسب، بل يدافع عن إمكان بقاء المجتمع نفسه في قيد الحياة أيضًا.

  • كاتب وباحث سوري في الشؤون السياسية والثقافية، له إسهامات عديدة في الصحف والمجلات ومراكز الدراسات العربية، باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، نشر عددًا من الكتب السياسية والثقافية، منها "مسارات السلطة والمعارضة في سورية" الذي صدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، و"سعد الله ونوس في المسرح العربي"، وله عدة ترجمات، منها: سورية: الاقتراع أم الرصاص لكاريستين ويلاند، سورية: ثورة من فوق لرايموند هينبوش، بناء سنغافورة لمايكل دي بار وإزلاتكو إسكربس، تشكيل الدولة الشمولية في سورية البعث لرايموند هينبوش، سورية الأخرى: صناعة الفن المعارض لميريام كوك، لعبة الانتظار لبينت شيلر، أسّس وأدار مؤسَّسات بحثية وثقافية ومدنية عديدة، رئيس تحرير مجلة (رواق ميسلون) للدراسات.

  • كاتب وباحث سوري في الشؤون السياسية والثقافية، له إسهامات عديدة في الصحف والمجلات ومراكز الدراسات العربية، باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، نشر عددًا من الكتب السياسية والثقافية، منها "مسارات السلطة والمعارضة في سورية" الذي صدر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، و"سعد الله ونوس في المسرح العربي"، وله عدة ترجمات، منها: سورية: الاقتراع أم الرصاص لكاريستين ويلاند، سورية: ثورة من فوق لرايموند هينبوش، بناء سنغافورة لمايكل دي بار وإزلاتكو إسكربس، تشكيل الدولة الشمولية في سورية البعث لرايموند هينبوش، سورية الأخرى: صناعة الفن المعارض لميريام كوك، لعبة الانتظار لبينت شيلر، أسّس وأدار مؤسَّسات بحثية وثقافية ومدنية عديدة، رئيس تحرير مجلة (رواق ميسلون) للدراسات.

آخر المقالات

Scroll to Top