صُدمت بصور أفيخاي أدرعي، المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهو يقف بكل وقاحة في مناطق داخل سوريا، سواء كانت في ريف دمشق أو السويداء، ليست مجرد صورة عابرة أو استفزاز بصري… بل هي صفعة على وجه كل سوري لم تَخفت في قلبه نار الكرامة بعد.
هذه الصورة ليست حدثًا عابرًا. إنها إهانة صريحة للدولة، ولأهالي السويداء وكل السوريين الباقين، ولكل ذرة تراب نُسجت بدماء السوريين. ما الذي تبقى من حرمة الأرض، إذا كان شخص بما يمثله كأفيخاي أدرعي يستطيع أن يلتقط صورة في أرضنا، ويبتسم؟
الرسالة التي يحاول إرسالها واضحة، ماكرة، خبيثة. إنه لا يخاطب من التقى بهم فقط، بل يوجه سهامه باتجاه كل الفرقاء في هذا البلد الناشئ، ليقول: “أنظروا، أنا هنا. على حدودكم، وفي ساحاتكم، وبينكم… والبيت من الداخل يتآكل”.
ليس الأمر مجرد استفزاز بصري، بل توغل نفسي ناعم، محاولة لإرباك البوصلة، ولزرع الشك في مفاهيمنا الوطنية التي أُنهكت من كثرة التشكيك. يريد أن يفتح ثغرة جديدة في جدار الموقف الوطني بيننا.
صورة أدرعي مع سوريين لا تهيننا فقط، بل تختبر وعينا. تختبر مناعتنا الوطنية. تختبر ما تبقى من ضمير جمعي في زمن السعار الطائفي. ولهذا، فإن الرد عليها لا يكون بصمتنا، بل بإعادة التأكيد على الثوابت، وعلى أن العدو يبقى عدوًا، مهما تزيّن بعبارات الإنسانية أو الحرص على أبناء الطائفة أو المنطقة.
ولذلك، فإن الصورة وإن كانت صادمة، إلا أنها قد تكون مفيدة. لأنها تُعيد رسم خطوط المواجهة. وتُظهر لنا من جديد من هو العدو الحقيقي، ومن الذي يسعى لتفتيت الذاكرة والموقف والشرف.
لكن وسط هذه الصورة المهينة، وبين ما تحمله من رسائل خبيثة، لا يمكن فصلها عمّا يجري على الساحة السياسية والميدانية في السويداء، خاصة مع صدور ما بات يُعرف بـ بيان “جبل الريان”، الذي ينص –بعبارات صريحة– على استقلال السويداء سياسيًا وإداريًا عن الدولة السورية.
بعيدًا عن النوايا، لا يمكن تجاهل توقيت هذا البيان، الذي جاء بعد أحداث دامية في السويداء، وتشكيك بقدرة الدولة على حماية أبنائها ومن مطالب بالمحاسبة ليتحوّل فجأة إلى خطاب انفصالي، تُطرب له آذان من خارج الحدود، ويُستثمر من قبل جهات لا تريد خيرًا لا للسويداء ولا لسوريا كلها. وكأن الصورة التي نشرها أفيخاي، وبيان “الاستقلال”، يشكلان معًا مشهدًا متكاملًا لرسالة : أن الأرض مهيأة للقطف، وأن الهوية تتفكك.
لكن ما الذي يجب أن نفعله؟
على السوريين – في السويداء وفي سائر بقاع الوطن السوري – أن يعيدوا الإمساك بالخيط الوطني قبل أن يتم قطعه، وتوجيه البوصلة نحو توحيد الصوت الشعبي الوطني، واستعادة القرار من أيدي من يحاولون بيعه أو تلميعه بواجهة الاستقلال الإداري . سوريا لا تحتاج إلى انفصال جزء منها عنها، بل إلى هوية جامعة، وتنمية شاملة، وتضافر كل جهد فيها.
والمسؤولية لا تقع علينا وحدنا. على الدولة السورية، بكل مؤسساتها، أن تبادر فورًا إلى احتواء الوضع في السويداء، لا أمنيًا وعسكرياً فقط، بل وطنيًا وسياسيًا. فكل فراغ يُملأ، وكل يأس يُستثمر، وكل تهميش يولّد تطرفًا أو انسلاخًا.
إن الطريق إلى إعادة ربط السويداء وكل بقاع الوطن بوحدة سوريا يبدأ من فتح الأبواب أمام الحياة السياسية، وتشجيع التعددية الحزبية، واحتضان الأصوات الوطنية الحرة. لا يمكن أن تُستعاد الثقة بالمجتمع، دون إقرار بحقه في التعبير، وفي التنظيم، وفي الشراكة.
السويداء لا تحتاج إلى وصاية دولية، بل إلى شراكة صادقة. فالمعادلة اليوم واضحة: إما أن نُسرع جميعًا في ترميم الثقة، أو نترك فراغًا يملؤه العدو… لا يبتسم افيخاي فيه من خلف الحدود وإنما في عقر دارنا.
