Kurd

English

بين القومية والطائفية والأممية… من أضاع الهوية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

إن قضية الهوية هي من أعقد القضايا وأكثرها حساسية، وخصوصًا وسط حالة الضياع والتشتت والحروب التي تعيشها المجتمعات في العالم العربي والإسلامي؛ فالهوية ليست مجرد تعريفٍ بالذات ولا بطاقة محمولة في المحفظة بل المرجعية التي تبنى عليها الحقوق والواجبات، والأساس الذي ينهض عليه مفهوم المواطنة. لكن بين مطرقة الأيديولوجيات الكبرى وسندان الانتماءات الضيقة تلاشت الهوية الجامعة في ظل الصراعات الدائرة بين ثلاث محاور: القومية، والطائفية، والأممية

أولًا، القومية:
ظهرت القومية في المشرق مطلع القرن العشرين لتكون بديلًا مدنيًّا للخلافة العثمانية، بغرض صهر التنوع السكّاني في بوتقة اللغة والتاريخ المشترك، فاعتمدت القومية -عند زكي الأرسوزي مثلًا- على فكرة أساسية مفادها أن الأمة سابقة على الدولة وأن الهوية تستمد من العروبة بوصفها عنصرًا جامعًا يتجاوز الأديان والمذاهب، ولكن الضياع وقع حين تحولت القومية من مشروع تحرري عامّ إلى أداة قمع، ففي سبيل الحفاظ على وحدة الصف والمصير المشترك جرى تهميش التعدديات العرقية واللغوية (الكرد، التركمان، السريان…)، وصودرت الحريات السياسية والحقوق المدنية تحت ذريعة (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة المصيرية)؛ فجعل عديد من الدساتير الانتماء القومي معيارًا للحقوق السياسية، ما خلق هوّةً مع العناصر غير العربية رغم كونها مكونًا أصيلًا في تاريخ هذه المنطقة وجغرافيتها، ففقدت الهوية مرونتها الجامعة وأحدثت حالة من الشعور بالإقصاء عند القوميات الأخرى التي عُدَّت أقلية ابتلع صوتها ضجيج النداء الخشبي بالعروبة.
ثانيًا، الطائفية:
مع إخفاق الدولة القومية في تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية وحماية حقوق الفرد المواطن ارتد الأخير إلى حاضنته الأولى التي رآها أكثر أمانًا وحميمية وهي الطائفة.
اعتبر بعض المفكرين كعزمي بشارة أن الطائفية ليست دينًا بل تسييس للدين، أي تحويل المعتقد الروحي إلى حزب سياسي مغلق، تناقش فيه شؤون الطائفة وقضاياها بطريقة أشبه بالمتبعة لدى القبيلة، فللطائفة مشايخ أو أعيان يتخذون القرارات الأنسب للطائفة (وفي حالات كثيرة لأنفسهم) ويحددون لأبنائها طريقة حياتهم ويصوغون لهم أفكارهم وقد يسوقونهم حيث يريدون.
وبعد تجربتها التي باءت بأشد من الفشل استطاعت الطائفية أن تفتّت الهوية الوطنية إلى «هويات قاتلة» كما عبّر عنها أمين معلوف في كتابه الذي يحمل نفس العنوان، ففي النظام الطائفي لا يعود القانون هو الحكم بل المحاصصة والمساومات بين ممثلي الطوائف. الأمر الذي يضع الفرد في “كانتونات” نفسية وجغرافية تزيد حالة الانعزال والخوف من الآخر واتهامه بما ليس فيه واستسهال التعميم على “جماعته”، ويعود المجتمع عبارة عن مجموعات متناحرة تطالب كلٌّ منها بحصتها في السلطة، وفي مراحل متدنية بأبسط حقوقها في الحياة، كما حدث في لبنان والعراق أين أصبح القيد الطائفي يسبق الرقم الوطني وضاعت الهوية الجامعة لصالح فدراليات الطوائف، وهذا ما نراه الآن يتشكل شيئًا فشيئًا في سوريا مشكلًا خطرًا داهمًا على وحدتها وتماسكها وحتى أمنها.
ثالثًا، الأممية:
سواء كانت أممية ماركسية تنظر إلى الطبقة أو أممية دينية تنظر إلى عقيدة، فإن هذا التوجه يرى الهوية الوطنية حدودًا مصطنعة يجب محوها.
إذ تؤمن الأممية أن الرابطة الإنسانية أو العقدية (العقد الاجتماعية) أسمى من الرقعة الجغرافية، فالماركسية مثلًا تنظّر لمبدأ أن البروليتاريا “لا وطن لها”.
غير أن محاولة القفز فوق الدولة الوطنية جعلت الفرد يجد نفسه في فراغ، فلا هو نال رفاهية الأممية العالمية ولا استطاع الحفاظ على أمنه المحلي ما أدى إلى التوجه أحيانًا إلى ولاءات عابرة للحدود أضعفت سيادة القانون ومعه الانتماء للدولة الوطنية وجعلت الإنسان يشعر -رغم اتساع انتماءه إلى الإنسانية ككل- أنه وحيد في عزلته.
من المسؤول الحقيقي عن هذا الضياع؟
إن المتهم الحقيقي في إضاعة الهوية ليس أحد هذه المفاهيم بحد ذاته بل غياب المواطنة دستوريًّا، فالهوية القانونية تضيع عندما يفشل العقد الإجتماعي، وإذا لم يجد الفرد في القانون حمايته بصفته مواطنًا وإنسانًا سيبحث عنها بصفته ابن الطائفة أو ابن الدين أو القوم.
لهذا فبناء الهوية عملية مستمرة وليست إرثًا جامدًا كما يقول المفكر إدوارد سعيد، أي أن الضياع وقع وما زال يقع لأننا نحاول فرض هوية إجبارية (قومية أو دينية) بمختلف الوسائل بدل بناء الهوية التراكمية التي تضمن للجميع حقوقًا وفرصًا متساوية وتغرس فيهم الاعتزاز بما هم عليه وتقدير غيرهم وفهمه.
في الختام يمكننا أن نقول إن الهوية الضائعة لا يمكن أن تعود إلا بدولة الحق والقانون التي تستوعب التنوع القومي وتتغنى به لكونه إرثًا بشريًّا حضاريًّا، وتحترم الخصوصية الطائفية بعيدًا عن مؤسسات الدولة والمجتمع، وتحاول أن تنفتح على العالم والأمم الأخرى دون أن تذوب في أيٍّ منها.

آخر المقالات

Scroll to Top