Kurd

English

تجريم الطائفية في القانون السوري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

تجريم الطائفية في القانون السوري بين النص والتطبيق

في الدول التي يُرفع فيها شعار سيادة القانون، نجد أن النصَّ التشريعي هو الضابط لإيقاع المجتمع، أما السلطة التنفيذية فهي الحارس على تطبيقه. إلَّا أننا في سوريا نقدِّم مزيجًا فريدًا من التناقض بين الضابط والحارس، ففي حين أننا نجد نصوصًا صريحةً وواضحةً لا تقبلُ التأويل في تجريم الطائفية نجد أيضًا في المقابل أن الحارس لها يقوم بتكريس الطائفية بشكل واضح من ناحية التطبيق.

أولًا: قانون العقوبات السوري

بالعودة إلى قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949 نجد أن الجرائم الطائفية قد تم تصنيفها في باب الجرائم الواقعة على أمن الدولة وذلك لخطورتها على المجتمع والدولة في آن معًا. فأي شرخٍ أو تمزقٍ في وحدة المجتمع السوري من المؤكد أن نتائجه ستكون عبارةً عن حروبٍ أهلية، واقتتالاتٍ طائفية، وعصاباتٍ مسلحة وإشاعةٍ للفوضى في البلاد.

بدايةً، نصت المادة رقم /185/ من قانون العقوبات على: “من قام في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بدعاوة ترمي إلى إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية عوقب بالسجن المؤقت”.

في هذا النص نجد أن المشرِّع السوري اشترط وجود شرط تجريم محدّد، وهو: “زمن الحرب أو عند توقّع نشوب الحرب”، وبالتالي فإن هذه المادة تنصّ على إيقاع عقوبة السجن المؤقت بحقِّ كلِّ من يقوم بالدعوة إلى ما من شأنه إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية والمذهبية في هذه الظروف الاستثنائية.

ثم عاد المشرع في المادة / 298/ وقام بتجريم الاعتداءات الطائفية من دون وجود شرط التجريم كما في المادة السابقة، فقد نصَّ على: “يعاقب بالاعتقال مؤبدًا الاعتداء الذي يستهدف إما لإثارة الحرب الأهلية أو الاقتتال الطائفي بتسليح السوريين، أو بحملهم على التسليح بعضهم ضدّ البعض الآخر، وإما بالحضّ على التقتيل والنهب في محلة أو محلات، ويقضى بالإعدام إذا تم الاعتداء”.

إن المادة السابقة قد عدها المشرع السوري من جرائم الفتنة، والتي يتألف ركنها المادي من فعل الاعتداء أو التسليح أو الحمل على التسليح أو الحض على التقتيل والنهب، وركنها المعنوي هو القصد الجرمي الخاص الذي يستهدف فيه من الفعل إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي.

وفي هذه المادة يمكننا أن نجد أن مجرّد الشروع يُعدُّ معاقبًا عليه بعقوبة الاعتقال المؤبد، أما في حال تم الفعل فإن العقوبة هي الإعدام. أي أنه إذا بدأتْ الأفعال الرامية إلى الاقتتال الطائفي وحال دون إتمامها شيءٌ خارجٌ عن إرادة الفاعل، فإن العقوبة تظلُّ السجن المؤبد. وذلك لأنه بمجرّد الشروع في إشعال حربٍ طائفية يجعل تداركها أمرًا صعبًا جدًا لما تخلِّفه من أثرٍ في الأنفس، فكيف الحال إذا أدى هذا الفعل إلى الاقتتال الطائفي فعلًا؟ في هذه الحالة يكون الانقسام المجتمعي والخراب هما مصيرنا المحتوم.

وبما أن الحروب الطائفية هي من أخطر الحروب التي عانت منها البشرية نجد أن المشرع السوري عاد في المادة 307 من قانون العقوبات ونصَّ على: “كلُّ عملٍ وكلُّ كتابةٍ وكلُّ خطابٍ يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحضّ على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة يعاقب عليها بالحبس من ستة أِشهر إلى سنتين وبالغرامة من مائة إلى مائتي ألف ليرة سورية، وكذلك بالمنع من ممارسة الحقوق المذكورة في الفقرتين الثانية والرابعة من المادة 65. ويمكن المحكمة أن تقضي بنشر الحكم”.

وبالتالي، فإن المشرع السوري قد جرَّم الأفعال والأقوال الطائفية، وهو ما جعل الطائفية في عهد النظام السابق تأخذ طابعًا مستترًا خوفًا من الحديث العلني عنها الذي يعرِّض صاحبه مباشرةً للمساءلة القانونية لتكون حجةً جديدةً وأداةً في يده لضرب كلِّ معارض له.

ثانيًا: قانون الجرائم الإلكترونية

إن قانون الجرائم الالكترونية رقم 20 لعام 2022 والذي جاء معدلًا لما قبله، أي القانون رقم 17 لعام 2012، قد تناول في المادة 31 منه الجرائم الطائفية الرقمية كما يلي: “يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 3000000 ثلاثة ملايين ليرة سورية إلى 6000000 ستة ملايين ليرة سورية كلُّ من أنشأ أو أدار موقعًا إلكترونيًا أو صفحة إلكترونية أو نشر محتوى رقميًا على الشبكة بقصد الإساءة إلى أحد الأديان أو أحد المقدسات أو الشعائر الدينية أو الحضّ على الكراهية أو التحريض على العنف “. وبهذا حاول المشرع إغلاق الباب على محاولة ارتكاب الجرائم الطائفية عن طريق الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

ثالثًا: بين كم الأفواه سابقًا والسعار الطائفي حاليًا

إن وجود هذه المواد القانونية، على الرغم من ضرورتها، يضعنا اليوم أمام مأساةٍ مزدوجة سابقة وحالية.

ففي ظل النظام السابق، تم استخدام هذه النصوص على عكس الهدف منها، فبدلًا من استخدامها لحماية النسيج المجتمعي استخدمت كأداةٍ سياسيةٍ بامتياز. فكل انتقادٍ للفساد أو مطالبةٍ بالإصلاح كانت تُكيف قانونيًا على أنها جريمة إيقاظ النعرات المذهبية أو إضعاف الشعور القومي أو وهن عزيمة الأمة، ليُرمى بأصحاب الفكر داخل السجون بحجة حماية السلم الأهلي، بينما كان النظام فعليًا يُغذِّي تلك النعرات في الخفاء ليضمن بقاءه. أما اليوم فإننا نواجه الوجه الآخر لاستغلال هذه المواد القانونية، فمع سقوط النظام السابق وغياب سلطة الدولة القادرة على إنفاذ القانون في العديد من المناطق تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات إعدامٍ معنوية ومرتعًا لسعار طائفي غير مسبوق. فما نشهده اليوم من حروبٍ كلامية بين أكثريةٍ وأقلية، لم يتوقف عند شاشة الهاتف أو في الفضاء الافتراضي فقط، بل تحول إلى أداةِ تحريضٍ لارتكاب جرائم القتل والسلب والنهب على الهوية وأصبح الخطاب الطائفي هو الوقود اليومي لحالات الانقسام والانتقام بين أفراد المجتمع.

رابعًا: الانتقائية في التطبيق

المفارقة المؤلمة هي أننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى تطبيق المادة /298/ من قانون العقوبات التي تعاقب بالإعدام لإثارة الحرب الأهلية، ولكننا نجد أن هذه النصوص أصبحت إما معطلة أو أداةً في يد بعض الأشخاص مرةً أخرى، إضافة إلى أننا، في معظم الأحيان، نجد أن بعضًا ممن يتبوّؤون مقاعد السلطة هم أنفسهم من يقومون بإصدار تعليمات تنفيذية تخالف القوانين المذكورة أعلاه أو يقومون بتنفيذ القانون ضدّ أي جهةٍ تحاول انتقاد هذه التعليمات. وبالتالي، فإن غياب الجهة القادرة على لجم هذا السعار الطائفي الحالي جعل من النصّ القانوني مجرّد حبرٍ على ورق أو أداة قمع كما في السابق.

في الختام، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم هو النتيجة الحتمية لسنواتٍ من التوظيف الخاطئ للقانون، أضف إلى ذلك أن الدولة التي تستخدم قوانينها لترهيب المصلحين بذريعة الطائفية ستجد نفسها يومًا بلا قانونٍ يحميها من الطائفية الحقيقية حين تنفجر.

نحن الآن أمام مجتمع يتشظّى شيئًا فشيئًا، والحل لا يبدأ باستعادة هيبة النصّ القانوني وحسب، بل بإنهاء حالة السعار الطائفي التي حوّلت السوريين إلى جماعاتٍ طائفية وقبلية يترصّد بعضها بعضًا، وذلك لا يمكن تطبيقه بالردع وحسب بل يجب أيضًا على أصحاب المنابر الدينية والصالونات الثقافية والمجتمعات العلمية أن تأخذ دورها الحقيقي في محاولة إيقاظ أفراد المجتمع وتنبيههم من الخطر الطائفي المحدق بهم من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، ومحاولة زرع مفهوم الوطن والمواطنة بينهم من جديد.

آخر المقالات

Scroll to Top