Kurd

English

جذور الوطنيّة السوريّة التي نسيناها أو أُنسيناها

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

بينما يبدو الشعب السوريّ غارقًا في شدّ وجذب وانقسامات هي الأعمق في تاريخه، ويقف السواد الأعظم منه حائرًا من أين ينطلق وإلام يستند، ظهرت من جديد -وفي بعض الحالات للمرة الأولى- أفكار راديكالية حملت قطيعةً غير مسبوقة مع ثوابت كان السوريّون في مطلع الثورة السورية عام 2011 شبه مجمِعين عليها، واعتمد أصحابها على أفكار مكرّرة غير صحيحة أعادوا تعليبها لنسف فكرة سوريا من أساسها، أي فكرة الوطن السوريّ الذي تأسّس ثم أعلن نفسه للعالم قبل أكثر من قرن في مثل هذا الربيع من العام 1920 ليلمّ شتات الشعوب السوريّة كما وصفها الآباء المؤسسون أنفسهم.

فعلى عكس الدعاية التي تقول إن الكيان السوري مصطنع أو بدعة غربيّة (فرنسية خاصةً)، أو نتاج قرار خارجي بين أطراف الحرب العالمية الأولى، فإن عودةً أبعد في الزمن إلى سبعينيّات القرن التاسع عشر توضح مشهدًا مغايرًا اتسم بيقظة عربية «شامية» تبلورت تدريجيًّا بعشرات الصحف والحركات والمنتديات في دمشق وحلب وبيروت والقدس (آنذاك عرف الغرب والعثمانيون كلّ هذه المنطقة باسم «سوريا»)، ووصل المشهد السياسي والثقافي السوري ليس فقط إلى التنظير لمبادئ حديثة بمقياس ذاك العهد كالمشروطية (الديمقراطية) وفصل السلطات والمواطنة تحت سقف السلطنة العثمانية بعد إجراء الأخيرة إصلاحات مهمة بضغوط خارجية وداخلية ابتداءً من «التنظيمات» وصولًا إلى إصدار الدستور العثماني سنة 1876، وقد أدى التراجع عن بعض هذه المكتسبات إلى حراك سياسي استقلالي في معظم الولايات العثمانية تركّز أساسًا في دمشق، تمظهر بعدّة أشكال منها “الجمعية العربيّة الفتاة” التي قادت إلى مؤتمر باريس عام 1913 وأعلنت مطالبتها بالحكم الذاتي العربي ووقف سياسة التتريك التي شدّدها العثمانيون في عقب سيطرة “جمعية الاتحاد والترقي” القومية على الحكم، وكما لا تزال معظم النخب السوريّة تتذكّر فإن الصدام بين الطرفين واستخدام جنرالات الاتحاد والترقي للقمع الدموي والتجويع وحتى الإبادة في سنوات الحرب العالمية الأولى، الذي تجلّى بإعدام جمال باشا السفاح كوكبةً من المفكّرين السوريّين العرب في دمشق وبيروت في السادس من أيّار/ مايو عام 1916 أشعل الثورة العربيّة الكبرى من مكّة المكرّمة وجعل إجلاء الحكم التركي العثماني لا مناص منه، وهو ما تحقق فعلًا بدعم بريطانيّ بعد عامين.

أدى طرد القوات العثمانية من سوريا وإنشاء أوّل حكومة سوريّة في دمشق في تشرين الأوّل/ أكتوبر 1918 إلى تحرّك سياسي وأهليّ مكثّف نحو ترسيخ دعائم دولة سوريّة حديثة بجميع المعايير، أولًا بالتئام المؤتمر السوريّ العام في العام التالي، وقد كان أول مجلس تمثيلي سوريّ وأحد أول البرلمانات في الشرق الأوسط، وضمّ أعضاءً من كل نواحي بلاد الشام بما فيها جبل لبنان وأنطاكية ومعان، وكلّ طوائفها ومكوّناتها بمن فيها اليهود السوريّون.

تولّى المؤتمر التواصل مع لجنة كينغ-كرين التي أرسلها الأميركيّون لتقصّي رغبات سكان بلاد الشام، وقدّمت تقريرًا أكّد فيه رغبة السوريين وأعيانهم العارمة في الاستقلال عن القوى الغربية في كنف دولة موحّدة مدنية حديثة، وهو ما منعت فرنسا وبريطانيا كشفه للرأي العامّ العالمي، وعلى الرغم من ذلك أقرّ نوّاب المؤتمر السوريّ -استجابةً لشبه الإجماع في سوريا- إعلان الاستقلال في 8 آذار/ مارس عام 1920 وأقرّ حكومة جديدة برئاسة علي رضا الركابي قبل أن تسحب الثقة منه وتمنحها لخليفتها حكومة الرئيس الراحل هاشم الأتاسي، وناقش المؤتمر عبر عدّة أشهر مشروع دستورٍ نصّ على أن تكون بلادنا ملكيةً مدنيةً نيابيةً لا مركزية إداريًّا، دين ملكها -فحسب- الإسلام، وعلى تنصيب الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكًا دستوريًّا عليها.

هكذا قامت سوريا، لتصبح أوّل كيانٍ سياسيّ يجمع سكّانه على أسس ما زال بعضهم يجادل فيها إلى هذا اليوم، ثمّ أتى الاجتياح الفرنسي بعد إقرار الدستور الأوّل بأيام وإلغائه، وحلّ المؤتمر والحكومة وتقسيم سوريا عدّة مرّات، وحكمها بشكل مباشر معظم فترة الانتداب الذي طبّقه الفرنسيون قسرًا طوال ربع قرن، إلى أن تمّ الجلاء بعد نضال سوريّ طويل وتوافر ظروف سانحة أدّيا إلى ولادة الجمهورية السوريّة حرّة صاعدة على الرغم مما لحق بها سابقًا وتاليًا.

قد يسأل القارئ، ما مغزى استدعاء هذه اللمحة التاريخية في العام 2026، والسوريّون في أصعب مراحلهم ويخوضون مرحلة انتقالية غير مستقرّة تعتريها الآلام؟ جزء من الجواب في كون الحلّ السوري لا يمكن أن ينطلق من مقدّماتٍ مفترضةٍ خاطئة، كما لا يمكن أن يكون على أساس رغبوي آني، وإنما يبدأ من فهم الماضي وقراءته والاسترشاد به بدل تجاهله، مع تجنب عثراته وأخذ العبرة منها.

وعندما نفعلها، سنصل في كلّ مرّةٍ إلى أن سوريا ليست حالة طارئة، ولا كعكة تُعدّ وتُجزَّأ بحسب الهوى؛ هي فكرة نبيلة وحلم مستحقّ لنا، نحن أبناءها، يصون مصالحنا ويُعلي شأننا ويجبر نقص كلٍّ منّا، وإنَّ معاناتنا المشتركة الطويلة من الاستبداد والقمع والتخويف عاملُ وحدةٍ لا فرقة، إذ نصدّق ضمنًا أن السوريّ يفهم مواطنه بعد لقاءٍ واحد على طاولة حوار صادق مستقلّ، وأننا بكل تصنيفاتنا نشترك بأكثر كثيرًا مما نختلف، وأنه يمكننا أن نحاول، وأن ننهض من جديد كما فعلنا مرتين من قبل، لنجد لنا مكانًا تحت شمس الربيع، ونعيد تدشين كتابة الحكاية السوريّة من جديد، بلا وسيط ولا متسلّط محدود الأفق!

آخر المقالات

Scroll to Top