Kurd

English

ربيع سوري أم صيف حار: السياسة كمدخل للنجاة الوطنية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

ما من أمة خرجت من محنتها، ولا من مجتمع نهض من كبوته، إلا وكان للسياسة دور مركزي في صناعة نجاته. فكما أن الطب يُداوي الأجساد، والهندسة تُشيّد العمران، فإن السياسة هي العلم الذي يُعنى بتنظيم شؤون الناس، وضمان مصالحهم، وحقن دمائهم، وحماية كرامتهم. إنها ليست ترفًا فكريًا ولا آلية للوصول إلى السلطة فحسب، بل علم متكامل القواعد، قائم على منهج في التفكير، لا يقل أهمية عن سائر العلوم، يتطلب الصبر والتراكم والبناء على ما سبق، ويُعنى بخدمة المواطنين وتنظيم الحياة العامة.

في سوريا، ولعقود طويلة، حُرِمت السياسة من أدوارها، وفُرِغت من مضامينها، وغُيّبت كليًا عن الحياة العامة. خُنقت الحريات، وجرى تجريم التعبير، وأُقفلت الأبواب أمام أي أفقٍ سياسي يُفسح المجال للمشاركة أو المنافسة. كانت البلاد أشبه بساحة أمنية لا مكان فيها لصوت آخر، وحين خرج السوريون إلى الشارع، لم يخرجوا من أجل رغيف الخبز، بل خرجوا لأنهم اختنقوا من الكبت، وضاقوا ذرعًا بالقمع، وسُدّت في وجوههم سُبل الكرامة والحرية. كان دافع الثورة سياسيًا بامتياز: الرغبة في التحرر من الخوف، والسعي لاستعادة صوت الإنسان وكرامته في وطنه.

لكن النظام البائد، بدلًا من أن يُقدّم الدولة كفضاء جامع للمواطنين، عمد إلى تفكيكها ودفع الناس إلى الانكماش داخل هوياتهم الفرعية. فتم استبدال مؤسسات الدولة برجال الطائفة والعشيرة، وأُهملت الجامعات لصالح المساجد، وغاب مفهوم الدولة العمومية التي تحمي حقوق جميع أبنائها دون تمييز. لم يكن ذلك خللًا عارضًا، بل نهجًا ممنهجًا أنتج أجيالًا تربّت على الخوف والتبعية، لا تعرف من الدولة سوى أجهزتها الأمنية، ولا ترى في السلطة سوى أداة قمع وهيمنة.

ومن هنا، فإن إعادة بناء سوريا الحديثة لا يمكن أن تنطلق إلا من السياسة، بوصفها حقلًا معرفيًا وأداةً لإدارة التعدد، وآلية لحل النزاعات ضمن المؤسسات، لا في الشارع أو عبر السلاح. كما لا يمكن إحياء السياسة دون حياة حزبية حقيقية، قائمة على أحزاب وطنية تنبع من نبض الناس وتعمل لصالحهم. فالحزب ليس لافتة أو تصريحًا صحفيًا، بل مؤسسة تسهم في صياغة الرؤى والبرامج، وتخلق مساحة للنقاش والتعبير والمحاسبة، وتكرّس التعددية بدلًا من الإقصاء، والانتماء الوطني بدلًا من الهويات المنغلقة.

إن تأسيس أحزاب سياسية وطنية اليوم ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية، لإعادة بناء الثقة بين الناس والدولة، ولتنظيم المشاركة السياسية ضمن أطر سلمية ومدنية، ولتحصين المجتمع من الانقسامات والتطرف. فبدون حياة سياسية سليمة، لا يمكن أن تقوم دولة حديثة قائمة على سيادة القانون وتكافؤ الفرص والعدالة.

ويأتي هذا كله في ظل مرحلة انتقالية دقيقة، تُشكّل مفصلًا حساسًا في تاريخ سوريا. ومع إدراكنا لصعوبة السياق وتعقيد التحديات، إلا أن ما يبعث على الأمل هو وجود إدارة انتقالية تحاول فتح المجال السياسي من جديد، وإنْ بخطى مترددة أو غير مكتملة. غير أن ما طبع بعض المسارات في هذه المرحلة لم يكن دائمًا مستندًا إلى مقاربة سياسية هادئة وعقلانية، بل طغت عليه أحيانًا الانفعالية، أو سادت فيه مقاربة “نحن وهم” بدلًا من روح الشراكة الوطنية الجامعة.

فمسار “الحوار الوطني”، على سبيل المثال، افتقر إلى شمولية التمثيل، إذ جرى التركيز على شخصيات دينية وزعامات تقليدية، بينما تم إغفال الكيانات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، ما حوّله إلى أقرب لحفل تعارف منه إلى مؤتمر تأسيسي يؤسس لعقد اجتماعي جديد. أما التعاطي مع ملفات المناطق الحساسة، كالساحل والسويداء، فقد غلبت عليه لغة المكونات، ومفاهيم الأكثرية والأقلية، بدلًا من خطاب وطني يرى في السوريين وحدة متكاملة، وفي الدولة ضامنًا عادلًا للجميع.

إن من الضروري اليوم إعادة النظر في هذه المقاربات، لصياغة خطاب سياسي جامع، وتطوير أطر الحوار لتصبح بالفعل مداخل تأسيسية لمستقبل مشترك، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والانفعالات اللحظية.

ولا نغفل هنا عن أهمية الاستفادة من التجارب الدولية في الخروج من النزاعات. لقد قدّمت لنا تجارب دول مثل ألمانيا، واليابان، وإيرلندا الشمالية دروسًا ثمينة في كيفية عبور مراحل الانتقال من الحرب إلى السلام، ومن الانقسام إلى الوحدة. في إيرلندا الشمالية، على سبيل المثال، لم تتحقق المصالحة بفعل الغلبة أو القسر، بل عبر مفاوضات سياسية شاقة، اعترفت بجميع الهويات، وأسست نظامًا سياسيًا قائمًا على تقاسم السلطة، بما يضمن مشاركة الجميع دون استثناء.

إننا أمام فرصة تاريخية لنقل سوريا من الاستبداد والانقسام إلى التعدد والمشاركة. لكن هذا الانتقال لن يتم بعقلية السيطرة أو عبر بوابة المحاصصة، بل بترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز آليات الحوار، وإعادة الاعتبار للفعل السياسي كمجال شريف لخدمة الصالح العام.

فإما أن نصنع ربيعًا سوريًا ناضجًا بالوعي والعمل الجماعي والصبر السياسي، وإما أن ننزلق إلى صيف حار من الفوضى والتناحر والاستقطاب. الخيار ليس قدرًا محتومًا، بل مسؤولية مشتركة. وما لم نؤمن جميعًا — نخبةً وشعبًا — بأن السياسة هي أداة إنقاذ لا مجرد وسيلة حكم، فإن الأمل سيظل معلقًا في الهواء، بلا أرضية حقيقية تقيم عليه بناء الوطن.

سوريا اليوم لا تحتاج إلى خطب وشعارات، بل إلى عقول تبني، وضمائر تنير، وأحزاب وطنية تستوعب اللحظة التاريخية وتنهض بواجبها. فإما أن نكون شركاء في إنقاذ المركب، أو أن نغرق فيه جميعًا

  • آلان خضركي

    استشاري مصرفي، حاصل على درجة الماجستير في تمويل الشركات والإدارة المصرفية من جامعة رانس في فرنسا. يملك خبرة إدارية في القطاع المصرفي، مدرب معتمد وعضو في جمعية ضباط الامتثال في لوكسمبورغ.

  • آلان خضركي

    استشاري مصرفي، حاصل على درجة الماجستير في تمويل الشركات والإدارة المصرفية من جامعة رانس في فرنسا. يملك خبرة إدارية في القطاع المصرفي، مدرب معتمد وعضو في جمعية ضباط الامتثال في لوكسمبورغ.

آخر المقالات

Scroll to Top