ورثت القيادة السورية الجديدة وطناً منهكاً، جريحاً، تغمره الخرائب، ويثقل صدره دخان عقودٍ من الاستبداد والفساد. لم يكن الاستبداد مجرّد نظام حكم، بل علّةً مزمنة نخرت في عظام الدولة، وأتت على أعصاب المجتمع، حتى بات الجسد السوري يتآكل في صمت موجِع.
واليوم، مع بزوغ فجر جديد، تجد الدولة السورية الناشئة نفسها أمام تحديات جسيمة، داخلية وخارجية، تتطلب وعياً جماعياً، وحكمة في القيادة، وصبراً في البناء.
فعلى الصعيد الداخلي، تبرز الحاجة الماسّة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وترميم الثقة بين المواطن والحكم، وإنعاش الاقتصاد الوطني المنهك من جراء سنوات عجاف من الحرب والعقوبات، وتحريك عجلة الإنتاج باتجاه الاكتفاء والاستقرار.
ولم تكن هذه التحديات داخلية فقط، بل تطوق الدولة كذلك قوى خارجة عن القانون، متصلة بأجندات خارجية، لا هدف لها سوى زعزعة الأمن، وضرب وحدة البلاد، وإفشال المرحلة الانتقالية، في محاولة يائسة لبعث الفوضى من جديد.
من رحم المعاناة يولد الأمل
ورغم كل ما سبق، فإنّ سورية الجديدة تقف على أعتاب مستقبل واعد. فالأرض التي صبرت طويلاً، واحتملت ما لا يُحتمل، باتت اليوم مهيّأة للنهوض من جديد، وفتح أبواب الاستثمار والإعمار، وبناء جسور التنمية والازدهار.
ولأنّ الرفاه لا يتحقّق دون أمن، فإن الأمن يظل الركيزة الأولى لبناء الغد. وقد قال الله تعالى: “الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف”.
فحين يسود الأمان، تزدهر الحياة، ويطمئن الإنسان إلى يومه وغده، ويجد الوطن متسعاً لأحلامه وطموحاته.
بين الأمن والحزم: مقولة من التاريخ
كما قال الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل الملقب بصقر قريش، في لحظة كان يؤسس فيها لدولة الأندلس بعد أن فر من القتل وشق طريقه في المنفى: “لا رفاه بغير أمن. ولا أمن بغير حزم. هو السيف لبناء الدولة، وفصل الدم لدواء العلل”.
تختصر هذه المقولة فلسفة قيام الدول: فلا تعليم، ولا صحة، ولا استثمار، بلا أمن. ولا أمن بلا حزم وعدالة. ليس المقصود بالقوة هنا القسوة، بل الصرامة في محاسبة من يعبث بالأمن، وردع من يعتاش على آلام الشعب أو يتسلّق على أكتافه.
فبناء الدولة لا يتم بالشعارات، بل بالأفعال، وبالقرارات التي قد تكون قاسية أحياناً، لكنها ضرورية للشفاء من علل الماضي وبدء عهد جديد.
جناحان لطائر واحد: الأمن والازدهار
لا يطير طائر بجناحٍ واحد، كذلك لا تنهض دولة بالأمن وحده دون ازدهار، أو بالازدهار دون أمن. السوريون اليوم لا يريدون فقط أن “يبقوا على قيد الحياة”، بل يتطلعون إلى أن “يعيشوا بكرامة”. أن يتعلم أبناؤهم، ويتعالج مرضاهم، ويجد شبابهم عملاً يحفظ كرامتهم ويصون مستقبلهم.
وهذا لا يتحقق إلا في ظل بيئة مستقرة، ونظام قانوني عادل، وإدارة كفؤة نزيهة. وهنا يبرز دور الشعب: في المشاركة لا الانسحاب، في النقد البناء لا التحريض، في الرقابة لا الفوضى. فالدولة التي يسندها وعي مواطنيها لا تسقط.
فرصة لا تُقدر بثمن
الفرص التاريخية لا تأتي كثيراً، وإن جاءت، لا تنتظر طويلًا. وسورية اليوم، في عام 2025، تمر بمرحلة انتقالية دقيقة، تحمل في طياتها إمكانيات عظيمة لبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً. إنها لحظة نادرة، تتطلب من الجميع أن يكونوا على قدر المرحلة.
ما عاشه السوريون من معاناة، وما قدّموه من تضحيات، يجب أن يكون منطلقاً للبناء والتكافل، لا محطة للتنازع أو التراخي. فنجاح هذه المرحلة لا يتوقف على مؤسسة أو جهة بعينها، بل هو ثمرة تفاعل وطني شامل، تتكامل فيه الأدوار، وتتوحد فيه النيات والجهود.
إن الوقوف خلف الدولة السورية الجديدة اليوم هو وقوف مع مصلحة الوطن بأسره، وهو ما يضمن عبور المرحلة الانتقالية بسلام، ويُمهّد الطريق نحو دولة مستقرة، قوية، وراعية لكل أبنائها.
الدولة التي نحلم بها تُبنى
إنّ الدولة التي ننتظرها لن تهبط من السماء، ولن تُمنح كجائزة، بل تُبنى على أكتاف شعبها، بالحكمة والإرادة، وبالإيمان بأن ما مضى من الألم يجب أن يتحول إلى درس، لا إلى لعنة.
في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ سورية، لا مجال للتردد، ولا وقت للتشكيك. كل تراجع عن دعم الدولة الناشئة هو خطوة نحو المجهول، وكل يد تُمدّ للبناء هي لبنة في جدار وطن يليق بتضحيات أبنائه.
فلنُغلق أبواب العبث، ونفتح نوافذ الأمل.
ولنجعل من هذه المرحلة بداية حقيقية لسورية التي نحلم بها: حرة، عادلة، آمنة، وعزيزة.
المصدر: العربي الجديد
