عندما تنهمر القذائف وتشتعل الطرقات، يظن من يراقب الأحداث بشكل سطحي أن أثر العنف ينتهي بانتهاء الحرب أو بانتهاء القصف والتفجيرات، أو بدفن الضحايا ومواراتهم الثرى.
لكنَّ الحقيقةَ أكثر رعبًا وعمقًا من ذلك، لأن العنف لا يكتفي بهدمِ الجدران الخارجية والبنى التحتية، بل يقتحمُ الحصونَ الداخلية للإنسان ليعيد هندسة خلاياه العصبية ويغير من جغرافية الدماغ ويتحول من حدثٍ طارئٍ إلى بيئةٍ بيولوجيةٍ بديلة تعيدُ صياغة الهوية والوعي.
وفي السياقِ السوري قد طال أمد الحرب، وتجذَّرت الفاجعة، ولم يعد العنفُ مجرد سلوك شاذ بل أصبح بنيةً تحتيةً تشكلُ أدمغةَ جيلٍ كامل، وتعيد تشكيل نفسها بطرائق مختلفة في الأجيال المقبلة.
أولًا – تطبيع الجحيم
إذا قمنا مثلًا بإسقاطِ رؤية الفيلسوفة “حنا ارندت” على الواقع السوري، نجد أن العنف قد تدخل كأداة تدمير لفرض واقع جديد بالقوة، وذلك بسبب غياب السياسة وانهيار المنطق. فقد تخطّى العنف في سورية عتبة خطرة، ليدخل في مرحلة أخرى تمامًا وهي مرحلة تطبيع الجحيم. فبعد أن تآكلت الصدمة الأولى، وتحولت الأهوال اليومية إلى خلفيةٍ اعتيادية للحياة، أصبح تكيف الانسان السوري مع العنف علامةً على التدمير النفسي، فاضطر إلى تخفيض عتبةِ انسانيتهِ وعطلَ وظائفه العليا ليتمكن من التأقلم والبقاء بيولوجيًا في بيئةٍ مشبعةٍ بالخطر.
ثانيًا – التشريح العصبي للخوف
لنفهم عمق الأثر الذي يتركه الخوف فينا، علينا أن نتخلّى عن النظرة الحالمة للمشاعر، وننظر إلى الدماغ كعضو مادي يعاد تشكيله بناءً على التجربة. فالعنف المزمن والمستدام يمارسُ ما يمكننا تسميته بـ الإرهاب العصبي، حيث نرى تغير توازن المراكز الحيوية في الدماغ بالطريقة الآتية:
1- تضخم اللوزة الدماغية:
تعمل اللوزة في الأحوال الطبيعية كجهازِ إنذارٍ يستشعر الخطر، ويحفز استجابة الكر أو الفر، ولكن تحت وطأة القصف المستمر والفقد المفاجئ والتهديد الوجودي الذي عاشه السوريون، دخلت اللوزة الدماغية في حالة استنفارٍ دائم.
وبمرور الوقت ومع استمرار التهديد تُصابُ اللوزة بفرط التضخم والنشاط، وتتحولُ إلى جهاز إنذارٍ معطوب يطلق صفاراتِ الرعبِ لأتفه الأسباب، فيفقد الناجي الشعور بالأمان، ويصبح العالم في عينيه عبارة عن حقل ألغام حتى وإن انتقل إلى أكثر بقاع الأرض سلمًا.
2- ضمور القشرة الجبهية:
يحدث تضخم اللوزة الدماغية على حساب القشرة الجبهية، والتي تشكل الرئيس التنفيذي للدماغ المسؤول عن التفكير العقلاني والتخطيط المستقبلي والمحاكمة المنطقية. وعندما تستهلك اللوزة كل طاقةِ الدماغ لمواجهة التهديدات الدائمة، يقل تدفق الدم والأوكسيجين إلى القشرة الجبهية، ما يؤدي حرفيًا إلى ضمور روابطها العصبية.
هنا يفقد الإنسان ميزته ككائنٍ عقلاني يفكر ثم يستجيب، ويتحول إلى كائن ينفعل مباشرةً استجابةً للغريزة، فيتآكل الصبر وينهار التعاطف وتصبح الاستجابات السلوكية حادةً وعنيفةً أو انسحابيةً مطلقة.
3- تسمّم الهيبوكامبوس:
يَفرِز الجسم في بيئة العنف المستمرة كمياتٍ سامةٍ من الكورتيزول والأدرينالين. هذا الارتفاع المزمن لهرمونات الإجهاد يؤثر تأثيرًا قاتلًا في خلايا الحصين (الهيبوكامبوس)، والذي بدوره هو المركز المسؤول عن أرشفة الذاكرة وتعلم المهارات الجديدة. ولذلك عندما يتضرر الحصين يفقد الدماغ قدرته على تصنيف الصدمة كحدثٍ ماضٍ انتهى، وبدلًا من ذلك تبقى ذكريات الموت والدمار طافيةً في وعي الناجي كحاضرٍ مستمر (وهو ما يشكل اضطراب ما بعد الصدمة).
فالإنسان السوري المشبع بالعنف لا يتذكر الحرب بل يعيشها في كل لحظة، ويعيد إنتاجها في ردّات فعله اليومية.
– انهيار المعنى الوجودي: هذا التشوه البيولوجي يقودنا مباشرةً إلى انهيار المنظومة النفسية، فكل منا يولد محاطًا بدرعٍ نفسية، وهي أن الحياة تحمل قدرًا من الأمان والعدالة، ولكن في سورية للأسف تم سحق هذا الدرع تمامًا.
فعندما يرى الفردُ أن الموتَ يوزع بالمجان من دون تمييزٍ بين الأبرياء والمذنبين والصالحين والطالحين، يتحطم معيار المعنى لديه.. وحين يتقلص الوعي ليصبح مقتصرًا على البقاء البيولوجي الصرف، تصبح المبادئ الإنسانية العليا نوعًا من الترف الفكري، ويتحول الآخر داخل المجتمع الواحد إلى تهديدٍ محتمل أو منافسٍ على لقمة العيش، الأمر الذي يفسر التآكل الحاد في النسيج الاجتماعي وبروز سلوكيات مجتمعية قاسية كإفراز طبيعي لتروما جماعية غير معالجة.
4- توريث العنف عبر الأجيال:
الجريمةُ الكبرى للعنف أنها لا تتوقف عند حدود الجيل الذي عاصرها، بل لأن العنف يمتلك تذكرة سفرٍ عابرة للأجيال عبر مسارين مخيفين::
أولهما علم فوق الجينات، فقد أكدت الدراسات الحديثة في هذا العلم كأبحاث الدكتورة راشيل يهودا أن الصدمات النفسية العنيفة تترك علامات كيماوية على جيناتنا، هذه العلامات لا تغير الجين نفسه بل تغير طريقة استجابته للمحيط! فالآباء والأمهات في سورية الذين تعرضوا لأهوال الحرب سيورثون أبناءهم بيولوجيًا نظام استجابةٍ للتوتر مفرط الحساسية.
قد يحمل الطفل السوري اليوم في جيناته استعدادًا بيولوجيًا مسبقًا للقلق والاكتئاب وسرعة الانفعال، وذلك أن دماءَ والديه كانت محقونةَ بالكورتيزول أثناء تشكل النطاف والبويضة، فيولد حاملًا لندبةٍ بيولوجيةٍ لحربٍ لم يشهدها بنفسه.
ثانيهما التربية بالخوف، حيث ينضم المسار البيولوجي إلى المسار السلوكي بناءً على نظرية التعلم الاجتماعي لـ باندورا. فالآباء الذين يعانون من تضخم اللوزة وضمور القشرة الجبهية، يمارسون في منازلهم من دون وعيٍ منهم عنفًا منزليًا كبيرًا، أو يعانون من انفصالٍ عاطفي تام تجاه أبنائهم نتيجة الصدمة.
هنا يتربى الطفل في بيئة منزلية مشبعة بالتوتر والخوف، ويتعلم أن العنف هو اللغة الوحيدة لحل النزاعات وفرض الرأي والسيطرة. وهكذا ينتقل العنف كسردية ثقافية مشحونةٍ بالمظلومية والرغبة في الانتقام، لتصبح الأجيال الجديدة قنابل موقوتة تنتظر شعلةً لتنفجر من جديد.
– العدالة كضرورة علاجية:
لم تعد مواجهة العنف في سورية مجرد ترف فكري أو موضوع سياسي بل قضية وجودية ترتبط بإنقاذ الإنسان، لذلك يجب أن ندرك أن العدالة ليست مجرد نصوصٍ تشريعية أو مجرد قصاص انتقامي، بل هي جزءٌ لا يتجزأ مما يسمى الفقه العلاجي.
فالاعتراف المجتمعي بالانتهاكات وفتح مساحات حقيقية لشفاء الصدمات وتحقيق العدالة، هي الخطوات الوحيدة القادرة على إعادة التوازن العصبي للدماغ الجماعي السوري، ومن دون هذا الشفاء العميق سنظل ندور في حلقة مفرغة من العنف، حيث تولد تحت الرماد نارٌ جديدة تعيد العنف إلى الواجهة، وتجعله سيد الغرائز المتنقل عبر الأرواح والأجيال.
المراجع:
1– كتاب حنا أرندت ” في العنف”.
2– كتاب الجسد يحافظ على المتمسك – د. بيسل فان ديركوك.
3– كتاب الانسان يبحث عن المعنى – فيكتور فرانكل.