الجزيرة السورية قبل الهجرات الحديثة
عند مقاربة واقع الجزيرة السورية في عام 1900، ينهار تلقائياً أي افتراض بوجود خريطة قومية مسبقة أو ملكية هوياتية ثابتة للأرض. ففي لحظة الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، لم تكن الجزيرة مجالاً سياسياً بالمعنى الحديث، بل فضاءً جغرافياً مفتوحاً تحكمه أنماط الحركة لا أنماط الاستقرار. الدولة العثمانية نفسها لم تتعامل مع الجزيرة بوصفها إقليماً قابلاً للإدارة العمرانية أو التنظيم المدني، بل باعتبارها نطاقاً حدودياً منخفض الكلفة، يُدار بأقل قدر من التدخل، ويُترك ضبطه الفعلي لتوازنات القوة العشائرية.
غياب المدن هنا ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو المفتاح التفسيري الأهم لفهم طبيعة المكان. فلا الحسكة، ولا القامشلي، ولا المالكية كانت موجودة كحواضر، ولا حتى كبلدات بالمعنى الإداري. ما كان قائماً آنذاك هو نقاط ماء، خرائب أثرية، أديرة معزولة، ومراكز تجمع موسمية تتغير وظائفها بتغير الفصول. هذا الغياب الحضري يعني، بالضرورة، غياب السجل المدني، وغياب الملكية القانونية للأرض، وغياب أي تصور للأرض بوصفها إقليماً سيادياً مرتبطاً بهوية لغوية أو إثنية محددة.
من هنا، لم تكن الديمغرافيا في الجزيرة عام 1900 ديمغرافيا سكان مستقرين، بل ديمغرافيا مستخدمي مجال. العشائر العربية الكبرى لم تنتمِ إلى الجزيرة بوصفها موطناً دائماً، بل باعتبارها جزءاً من مسار رعوي أوسع، يتبدل بتبدل المطر والكلأ. السيطرة على الأرض لم تكن سيادة دولة، بل نفوذاً مؤقتاً، يُقاس بالقدرة على الوصول إلى مصادر الماء وحماية القطيع، لا بتسجيل الملكيات أو تثبيت الحدود.
في المقابل، عاشت الجماعات الكردية في الشمال والشمال الشرقي نمطاً قريباً من ذلك، قائماً على الاستقرار المؤقت. فالنزول الموسمي إلى سهول الجزيرة لم يكن هجرة بالمعنى السكاني أو السياسي، بل جزءاً من دورة اقتصادية–بيئية مرتبطة بالجبال. الأرض لم تكن وطناً بالمعنى الحديث، بل محطة في حركة سنوية متكررة، وهو ما ينسف من أساسه أي محاولة لقراءة هذه التحركات بمنطق التوسع القومي أو الاستيطان المبكر.
أما الجماعات السريانية والآشورية الصغيرة، فقد مثّلت بقايا استقرار زراعي أقدم، لكنها كانت معزولة ومحدودة العدد، وتعيش في وضع هش يعتمد على التفاهم مع القوى العشائرية المحيطة. وجودها لم يكن تعبيراً عن سيادة ديمغرافية أو حضور سياسي، بل عن نجاة تاريخية في جيوب ضيقة حافظت على بقائها في ظروف بالغة الهشاشة.
في هذا السياق، يصبح مفهوم الأرض القومية مفهوماً مستحيلاً تاريخياً. الأرض لم تكن موضوع حيازة سياسية، بل مورداً مشتركاً تُنظمه القوة والعرف، لا القانون والهوية. طرق الرعي لم تكن تعترف بلغة أو عرق، بل بالماء والمسافة والسلاح. والولاء لم يكن موجهاً إلى فكرة مجردة، بل إلى جماعة حماية ملموسة: قبيلة، عشيرة، شيخ.
الأهم من ذلك أن الدولة العثمانية لم تترك وثائق تعداد سكاني أو سجلات ملكية حقيقية في هذه المنطقة، ما يجعل كل ادعاء لاحق بالأغلبية أو الأسبقية مجرد بناء أيديولوجي رجعي، لا يستند إلى معطيات زمنه.
التحول الذي غيّر طبيعة الجزيرة لم يكن تطوراً داخلياً، بل صدمة حداثية خارجية. ترسيم الحدود الدولية قطع فجأة مسارات الرعي الممتدة قروناً، وحوّل الحركة إلى مشكلة قانونية. خط سكة الحديد خلق نقاط جذب عمرانية لم تكن موجودة، فبدأ الاستقرار حول الوظيفة لا حول التاريخ. ثم جاءت المذابح الكبرى في الأناضول، فدفعت بموجات بشرية ضخمة إلى الجنوب، ليس لأن الجزيرة وطنهم التاريخي، بل لأنها كانت الفراغ الأقرب خارج آلة القتل.
بهذا المعنى، لم تتشكل الجزيرة السورية الحديثة بفعل تراكم قومي، بل بفعل تراكم أزمات: حدود، قطارات، لجوء، وإدارة استعمارية تحاول ضبط المجال بأدوات حديثة. الهوية هنا لم تكن سبب التشكّل، بل نتيجته المتأخرة.
الجزيرة السورية في عام 1900 لم تكن أرضاً متنازعاً عليها، بل أرضاً بلا تعريف سياسي ثابت. لم يكن فيها شعبٌ يطالب، ولا دولةٌ تُسجّل، ولا هويةٌ تُقصي. هي مساحة أعادت الحداثة القسرية إنتاجها في القرن العشرين، ثم جرى لاحقاً تحميلها صراعات لم تكن تعرفها.
من هنا، فإن كل خطاب يدّعي ملكية قومية تاريخية للجزيرة لا يخطئ فقط في القراءة، بل يرتكب خطأً منهجياً: إسقاط مفاهيم الدولة القومية المتأخرة على واقع رعوي سيّال لم يكن يعرفها، ولا ينتظم وفقها.
الهجرات الأرمنية والسريانية والآشورية: العنف الديني المُسيَّس ودور الفاعلين المحليين
لم تكن الهجرات الأرمنية والسريانية والآشورية إلى الجزيرة السورية نتيجة صراعٍ طبيعي بين جماعات متجاورة، ولا ثمرة احتكاك اجتماعي طويل، بل كانت حصيلة عنفٍ منظّم جرى تبريره دينياً وتنفيذه سياسياً، في لحظة انهيار الإمبراطورية العثمانية وصعود منطق الدولة القومية الإقصائية. إن فهم هذه الهجرات يقتضي الخروج من ثنائية الضحية/الجلاد المبسّطة، والدخول في تحليل مركّب يوضح كيف تداخلت الدولة، والدين، والعشيرة، والمصالح المحلية في إنتاج المجازر.
مع الحرب العالمية الأولى، تبنّت حكومة الاتحاد والترقي سياسة ترحيل قسري بحق الأرمن، سرعان ما تحوّلت إلى إبادة جماعية. القرار كان مركزياً، غير أن التنفيذ جرى بصورة لامركزية، وهنا يبرز دور الفاعلين المحليين. ففي ولايات ديار بكر، وماردين، وأورفا، ووان، شاركت وحدات من الجيش العثماني، إلى جانب ميليشيات غير نظامية (بقايا الكتائب الحميدية)، ضمّت في عدد من المناطق عشائر كردية مسلّحة، جرى تسليحها أو تحريضها أو التغاضي عن أفعالها من قبل السلطة المركزية.
الدافع الأساسي الذي استُخدم لتعبئة هذه العشائر لم يكن قومياً بالمعنى الحديث، بل دينياً في المقام الأول. صُوِّر الأرمن بوصفهم كفاراً، وطابوراً خامساً مسيحياً، وخطراً داخلياً على دار الإسلام في زمن الحرب. هذا الخطاب الديني، الذي ساهم بعض رجال الدين المحليين في ترويجه، سمح بتحويل الجريمة السياسية إلى واجب ديني، ومنح الفاعلين المحليين شعوراً بالشرعية الأخلاقية والإفلات من المحاسبة داخل مجتمعاتهم.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الصراع القومي الكردي-الأرمني كان قد بدأ بالتشكّل منذ أواخر القرن التاسع عشر، ولا سيما منذ تمرّد عبيد الله النهري، حيث تداخلت للمرة الأولى مشاريع الحكم الذاتي الكردي مع خرائط أرمينيا الكبرى في فضاء جغرافي واحد. غير أن هذا التداخل القومي، على أهميته التاريخية، لم يكن الإطار المحرّك للمجازر عام 1915، بل جرى توظيفه لاحقاً ضمن سياق ديني-سياسي أوسع، استثمرته دولة عثمانية منهارة لتحريك عشائر مسلّحة ضمن منطق التعبئة الدينية، لا ضمن مشروع قومي كردي متكامل.
النتيجة كانت واحدة: إبادة الأرمن واقتلاع من تبقى منهم في مسيرات موت باتجاه الجنوب. الناجون الذين وصلوا إلى الجزيرة السورية لم يأتوا وهم يحملون مشروع أرض بديلة، بل حملوا ذاكرة إبادة دينية صريحة. ولهذا تشكّل وعيهم في سوريا حول الأمان، وإعادة بناء الحياة، والاحتماء بالدولة الجديدة، لا حول تحدّيها أو إعادة إنتاج الصراع.
الحالة السريانية لا تختلف في منطقها العميق، وإن كانت أقل حضوراً في السرديات العالمية. السريان اليعاقبة والكلدان تعرّضوا لما عُرف بمجازر سيفو، وهي سلسلة مذابح طالت طور عبدين، وماردين، ونصيبين، وسهل نينوى. هنا أيضاً كان المحرّك الأساسي دينياً؛ إذ وُضع المسيحيون خارج الجماعة السياسية–الدينية الشرعية. شاركت في هذه المجازر وحدات عثمانية، إضافة إلى عشائر محلية، من بينها عشائر كردية، في ظل تفويض ضمني للعنف وانهيار تام لمفهوم القانون.
الهجرة السريانية إلى سوريا كانت اقتلاعاً جذرياً من الأرض والذاكرة، لا حركة تمدّد. ولهذا تشكّل وعيهم السياسي في سوريا على قاعدة الحذر والانكفاء، لا على قاعدة المطالبة السياسية. اندمجوا في المدن الوليدة، وأسهموا في الإدارة والتعليم والاقتصاد، من دون إنتاج أي خطاب انفصالي أو قومي عابر للحدود، لأن تجربتهم التاريخية علّمتهم أن تسييس الهوية الدينية يعني الإبادة.
أما الهجرة الآشورية، فهي حالة أكثر تعقيداً، لأنها تجمع بين العنف الديني القديم والخديعة السياسية الحديثة. فالآشوريون تعرّضوا لمجازر خلال الحرب العالمية الأولى بدوافع دينية مشابهة لتلك التي استُخدمت ضد الأرمن والسريان، ثم جرى لاحقاً توظيفهم من قبل الانتداب البريطاني ضمن ما عُرف بقوات الليفي. ولم تكن هذه القوات جيشاً وطنياً ولا قوة دفاع ذاتي، بل تشكيلاً عسكرياً مساعداً وُضع تحت قيادة ضباط بريطانيين، وأُنيطت به مهام حماية القواعد والمصالح الاستعمارية ومراقبة الحدود وقمع الاضطرابات.
اختيار الآشوريين تحديداً جاء نتيجة هشاشتهم الوجودية بعد المجازر، وإيهامهم بإمكانية حماية خاصة أو حكم ذاتي مستقبلي، من دون أي التزام قانوني فعلي. هذه السياسة عزلتهم عن محيطهم الاجتماعي، وقدّمتهم لاحقاً بوصفهم أداة استعمارية مسلّحة في نظر الدولة العراقية الناشئة. وعند أول اختبار سيادي حقيقي، تخلّى البريطانيون عنهم، لتقع مجزرة سميل عام 1933 بوصفها ذروة هذا المسار.
في سميل، لم يكن العنف دينياً خالصاً، بل مزيجاً من القومية والدين معاً. صُوّر الآشوري بوصفه خائناً، وأداة استعمارية، وغريباً دينياً. أعيد إنتاج منطق الإبادة، ولكن هذه المرة باسم الدولة الوطنية. وحين لجأ الآشوريون إلى الجزيرة السورية، كانوا جماعة مكسورة الثقة بالدين المسلّح وبالوعود الدولية معاً، ولذلك فضّلوا الاستقرار الريفي الهادئ في الخابور، بعيداً عن السياسة وعن أي مشروع قومي صدامي.
بناءً على ما سبق، فإن الهجرات الأرمنية والسريانية والآشورية إلى الجزيرة السورية لم تكن نتيجة صراع إثني طبيعي، بل نتاج عنف ديني مُسيَّس نفّذته دولة منهارة ثم دول ناشئة، بمشاركة فاعلين محليين، من بينهم جماعات كردية جرى تحريضها أو استخدامها ضمن خطاب ديني يُكفّر الضحية ويُقدّس العنف. هذا التوصيف لا يحمّل جماعة بكاملها مسؤولية الجريمة، لكنه يرفض إنكار الدور أو تذويبه.
الأهم أن هذه الهجرات أنتجت وعياً سياسياً قائماً على الأمان والبقاء، لا على إعادة إنتاج الصراع. ولهذا اندمجت هذه الجماعات في سوريا، ولم تتحوّل إلى مشاريع سياسية انفصالية. وفهم هذا المسار شرطٌ أساسي لفهم لماذا أنتجت بعض الهجرات استقراراً، ولماذا تحوّلت هجرات أخرى لاحقاً، ذات وعي مختلف وسياق مختلف، إلى توترات سياسية.
الهجرة الأيديولوجية والجرح النرجسي: كيف انتقلت القومية الجريحة إلى الجزيرة السورية؟
التحول الأخطر في تاريخ الجزيرة السورية لم يبدأ مع انتقال الأجساد، بل مع انتقال الوعي الجريح. فالفرق الجوهري بين هجرة اقتصادية تبحث عن العمل، وهجرة أيديولوجية تبحث عن التعويض، هو أن الأولى تدخل المجتمع وتذوب فيه، بينما الثانية تدخل وهي تحمل صراعها معها، وتبحث عن مسرح جديد لإعادة تمثيله.
الأكراد الذين وفدوا إلى الجزيرة السورية بعد عشرينيات القرن العشرين لم يأتوا فقط من جغرافيا مختلفة، بل من تجربة وجودية صادمة. سقوط معاهدة سيفر، وقمع ثورة الشيخ سعيد عام 1925، لم يكونا مجرد حدثين سياسيين، بل شكّلا لحظة انهيار كبرى لصورة الذات الجماعية. هنا يتكوّن ما يمكن تسميته بالجرح النرجسي القومي: حين لا تُصاب الجماعة بخسارة مادية فحسب، بل بخسارة المعنى، والاعتراف، والحق في الحلم.
هذا الجرح لا ينتج حزناً صامتاً، بل يولّد آليات دفاع نفسية معقّدة. أولها الإحساس بالضحية المطلقة، حيث يُعاد تفسير التاريخ كله بوصفه مؤامرة مستمرة. ثانيها الحاجة الملحّة للتعويض، إذ يتحول حلم الدولة الضائع إلى فكرة يجب إنقاذها في أي مكان آخر. وثالثها الشك الوجودي، حيث يُنظر إلى كل آخر باعتباره تهديداً محتملاً، لا شريكاً في حياة مشتركة.
المعضلة الأساسية أن هذا الوعي القومي لم ينشأ داخل السياق السوري، بل تبلور كرد فعل عنيف على القومية التركية الطورانية. أي أنه وعي صدامي بطبيعته، صُمم للمواجهة لا للتعايش. وحين دخل هذا الوعي إلى الجزيرة السورية، دخل فضاءً مختلفاً جذرياً: مجتمع لم يكن قد حسم هويته القومية بعد، وكان يتشكل على أساس إداري-وطني مرن، لا على أساس صراع إثني حاد.
بدل أن تُقرأ سوريا بوصفها دولة ناشئة يمكن الاندماج فيها، قُرئت من خلال عدسة التجربة التركية: الدولة بوصفها أداة قمع، والقانون بوصفه أداة صهر، والمواطنة بوصفها خدعة. هذه القراءة المسبقة جعلت الاندماج في سوريا يُفهم بوصفه خطراً وجودياً، لا فرصة وطنية. وهنا تقع المفارقة الكبرى: الدولة السورية في بداياتها لم تكن تمارس سياسات تتريك أو تعريب قسري، لكنها وُوجهت بوعي لا يثق بأي دولة من حيث المبدأ.
من هذا التوتر النفسي-الأيديولوجي بدأت بذور العنصرية بالظهور. فالتعالي الهوياتي لم يكن نتيجة قوة، بل نتيجة هشاشة داخلية تبحث عن تعويض. جرى تمجيد النقاء و الحق التاريخي المطلق بوصفهما درعاً نفسياً ضد الإذلال السابق. ومع هذا التمجيد، بدأ تسييس الجغرافيا: إعادة تسمية المكان، وتأويل التاريخ المحلي بمنطق قومي وافد، وتحويل الفضاء المشترك إلى مجال نزاع هوياتي دائم.
هذا التسييس لم يمر بلا رد فعل. فالمكونات الأخرى في الجزيرة، التي كانت ترى المكان فضاءً مفتوحاً مشتركاً، شعرت بالإقصاء الرمزي، فظهر خطاب مضاد، عروبي أو محلي، اتخذ بدوره طابعاً دفاعياً وعنصرياً. وهكذا، لم تنشأ العنصرية من كراهية فطرية بين الجيران، بل من تصادم جروح غير معالجة، ومن انتقال أيديولوجيا صدامية عبر الحدود.
النتيجة النهائية كانت مأساوية الجميع خسر. الوعي الجريح رفض الاندماج خوفاً من الذوبان، والمجتمع المضيف ردّ بخطاب حماية ذاتي، والدولة فشلت في لعب دور الوسيط العاقل بين الاثنين. فتحولت الجزيرة، التي كانت فضاءً ما قبل قومي، إلى ساحة اختبار قاسٍ لفشل إدارة التنوع.
العنصرية في الجزيرة السورية لم تكن قدراً تاريخياً، ولا نتاج اختلاط السكان، بل كانت عدوى أيديولوجية حملتها هجرة جريحة لم تستطع الفصل بين جلادها الأصلي وبين دولة جديدة لم تُتح لها فرصة الثقة. لقد انتقلت سموم القومية الحادة التي أنتجتها التجربة الكمالية إلى فضاء سوري لم يكن مهيأً لها، فاختل توازنه.
فهم هذه الآلية لا يهدف إلى الإدانة، بل إلى العلاج؛ لأن الجرح الذي يُفهم يمكن احتواؤه، أما الجرح الذي يُقدّس فيتحول إلى مشروع صراع دائم.
النخبة الكردية وتهافت فرضيّة الدولة العنصرية
يكشف الاستقراء الدقيق لمرحلة الآباء المؤسسين والجمهورية السورية الأولى عن حقيقة يصعب القفز فوقها: الدولة السورية لم تُبنَ بوصفها دولة إثنية مغلقة، بل تشكّلت منذ لحظتها الأولى كدولة مواطنة حضرية، كان معيار الصعود فيها الكفاءة والحضور السياسي والاجتماعي، لا الأصل العرقي أو اللغوي. هذا المعطى ليس انطباعاً عاماً ولا قراءة انتقائية، بل حقيقة تاريخية موثّقة تُسقط من أساسها فرضيّة «العنصرية البنيوية» التي يُعاد إنتاجها بأثر رجعي.
قبل الدخول في سجل المناصب السياسية والعسكرية، لا بد من تأصيل الدور الفكري للنخب الكردية المدينية في صياغة مفهوم العروبة الثقافية بوصفها إطاراً حضارياً جامعاً، لا هوية عرقية إقصائية. فالعروبة التي تبلورت في دمشق وحلب لم تكن مشروع تعريب قسري، بل مشروع لغة وثقافة سياسية مفتوحة. والدليل الأبلغ على ذلك أن من صاغوا هذا المفهوم وحرسوه كانوا، في مواقع مفصلية، من أصول كردية.
يبرز هنا محمد كرد علي، مؤسس مجمع اللغة العربية بدمشق وأول رئيس له، وهو كردي الأصل، تولّى موقع «حارس اللغة العربية» في لحظة تأسيسية للدولة السورية الحديثة. هذه الحقيقة وحدها كافية لتفكيك سردية الاضطهاد الثقافي: إذ لا يمكن لدولة تُوصَف بالعنصرية أن تضع لغتها المركزية ومؤسستها الثقافية الأعلى في عهدة رجل لا ينتمي عرقياً إلى الجماعة المفترضة المهيمنة. ويبرز كذلك خير الدين الزركلي، الموسوعي وصاحب كتاب «الأعلام»، أحد أعمدة الفكر والسياسة في سوريا الحديثة، الذي لم يرَ أي تناقض بين جذوره الكردية وانتمائه العروبي الثقافي.
وعلى مستوى الدولة والجيش، يتعزز هذا الاستنتاج بوضوح أكبر. فالقائمة لا تقتصر على أسماء متداولة عرضاً، بل تشمل طيفاً واسعاً من صُنّاع القرار في لحظات حاسمة من تاريخ سوريا. محمد علي العابد انتُخب أول رئيس للجمهورية السورية عام 1932 من دون أن يُطرح أصله القومي كإشكال سياسي. صبحي بركات تولّى رئاسة الدولة في بدايات التكوين السياسي. حسني الزعيم قاد أول انقلاب عسكري في تاريخ البلاد. أديب الشيشكلي حكم سوريا في مرحلة شديدة الحساسية. فوزي سلو شغل رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء. بهيج الخطيب تولّى رئاسة الدولة في عهد الانتداب الفرنسي. محسن البرازي كان في قلب صناعة القرار السياسي في الأربعينيات. ويبرز كذلك إبراهيم هنانو، قائد ثورة الشمال ضد الفرنسيين وأحد رموز الاستقلال، الذي تعامل معه الوجدان الشعبي السوري بوصفه بطلاً وطنياً جامعاً، لا ممثلاً لأصل إثني بعينه.
هذا الحضور لم يكن استثناءً عابراً، بل انعكس أيضاً في الحياة البرلمانية والاجتماعية. ففي برلمانات الثلاثينيات والأربعينيات لم تُطرح مسألة تمثيل الأقليات، لأن النخب الكردية كانت ممثلة بطبيعتها داخل النسيج السياسي. عائلات مدينية ذات أصول كردية في دمشق وحلب وحماة لم تُعرّف نفسها، ولم تُعامَل، بوصفها أقليات، بل كجزء من الأرستقراطية السياسية والاجتماعية التي قادت الشارع ومثّلت المصالح العامة من دون حساسية قومية.
إن تحليل المعيار الوطني في تلك المرحلة يقود إلى نتيجة حاسمة لو كانت سوريا محكومة بعقيدة عنصرية منذ لحظة التأسيس، لكان من المستحيل عملياً وسياسياً أن يصل هذا العدد من الشخصيات ذات الأصول الكردية إلى قمة الهرم السياسي والعسكري، ولما كانت النخب الكردية المدينية جزءاً أصيلاً من بنية الدولة والجيش والقضاء والإدارة.
إن اتهام الدولة السورية بالعنصرية تجاه المكوّن الكردي ليس قراءة تاريخية بقدر ما هو إسقاط سياسي متأخر لمشكلات نشأت في سياقات لاحقة، ولا سيما بعد عام 1960، حين تحوّلت الدولة تدريجياً من دولة مؤسسات إلى دولة أمن. ما جرى لاحقاً من سياسات وإجراءات استثنائية لا يجوز تعميمه على لحظة التأسيس، ولا تحويل الانحراف إلى قاعدة تاريخية.
فالجزيرة السورية، بوصفها تكويناً حديثاً، اصطدمت لاحقاً بوعي قومي وافد ومجروح تشكّل في سياق صراعات تركيا، لكن دمشق كعاصمة وكمركز تأسيس كانت بوتقة وطنية مفتوحة، تفتح أبوابها لمن يملك الكفاءة والشرعية السياسية، بغضّ النظر عن لغة أجداده أو أصولهم. هذا التفريق ليس دفاعاً عن الماضي، بل شرطاً لفهم الحاضر من دون تزييف، ومن دون تحميل التاريخ ما لم يكن فيه.الخلاصة الفكرية: الجزيرة مرآة الدولة السورية
إن تتبّع مسار الجزيرة السورية منذ مطلع القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة يقود إلى حقيقة تتجاوز السجالات القومية والاتهامات المتبادلة: الجزيرة لم تكن في أي مرحلة “مشكلة قائمة بذاتها”، بل كانت دائماً مرآة تعكس طبيعة الدولة السورية وأسلوب إدارتها للتنوّع. فهي لم تُنتج أزماتها من داخلها، بل استجابت، سلباً أو إيجاباً، لما كانت عليه الدولة في المركز.
تُظهر التجربة التاريخية بوضوح أن العلاقة بين الدولة والجزيرة خضعت لمعادلة شبه ثابتة. كلما تقدّمت دولة القانون والمؤسسات، واتّسعت مساحة المواطنة المتساوية، تراجعت الهويات الضيقة تلقائياً، لا قسراً. في تلك اللحظات، تحوّلت الجزيرة إلى رافعة اقتصادية حيوية، وسلة غذاء استراتيجية، وفضاء تنوّع ثقافي منتج لا يشعر بالحاجة إلى التحصّن أو الانغلاق. لم يكن التنوّع آنذاك شعاراً أخلاقياً، بل نتيجة طبيعية لوجود دولة عادلة تنظّم المصالح وتكبح العصبيات.
في المقابل، كلما تراجعت الدولة المدنية لصالح الدولة الأمنية، وضاقت المساحات القانونية، أُجبرت الهويات الاجتماعية على الانكفاء داخل منطق الدفاع الذاتي. هنا لم يعد التنوع خياراً، بل عبئاً، ولم تعد الهوية إطاراً ثقافياً مرناً، بل تحوّلت إلى خندق حماية. بهذا المعنى، لم تكن العنصرية تعبيراً عن “طبيعة المجتمع”، بل رد فعل على فراغ الدولة أو انحرافها عن وظيفتها الأساسية.
من هنا، يصبح من الضروري تفكيك فكرة العنصرية بوصفها قدراً اجتماعياً أو سمة بنيوية في التاريخ السوري. العنصرية، في السياق السوري، كانت خياراً سياسياً غير معلن، نشأ عند التقاء وعي قومي وافد ومجروح من جهة، مع سياسات أمنية إقصائية من جهة أخرى. وبما أنها نتاج قرار وسلوك، لا طبيعة ثابتة، فهي قابلة للتفكيك متى توفرت إرادة سياسية تعيد الاعتبار للمواطنة بوصفها الرابط الوحيد بين الفرد والدولة.
إن استعادة تاريخ التأسيس، واستحضار الدور المركزي للنخب الكردية وغيرها في قيادة الدولة والجيش والقضاء، لا يندرج في باب الحنين أو الدفاع العاطفي عن الماضي، بل يمثّل استحقاقاً معرفياً وسياسياً للمستقبل. فالتاريخ هنا لا يُستدعى للتزيين، بل ليؤدي وظيفة حاسمة: دحض فرضية العنصرية البنيوية، وإثبات أن العيش المشترك لم يكن استثناءً طارئاً، بل الأصل الذي قامت عليه الدولة السورية الحديثة.
في هذا المعنى العميق، يمكن القول إن الجزيرة السورية هي “سوريا المصغّرة”. نجاح الدولة في إدارتها بعدالة وقانون يعني نجاحها في حماية الهوية السورية الجامعة برمتها. أما تركها رهينة للأيديولوجيات الوافدة أو المقاربات الأمنية الضيقة، فلا يعني فشل منطقة بعينها، بل الحكم على المشروع الوطني بالتشظي.
النجاة المستقبلية لسوريا لا تبدأ من إعادة تعريف الهويات، بل من استعادة الدولة لوظيفتها الطبيعية: دولة قانون، لا دولة شبهة دولة مواطنة، لا دولة تصنيف. وفهم التاريخ، هنا، ليس ترفاً فكرياً، بل شرطاً أولياً لأي مستقبل قابل للحياة.
