ملخص تنفيذي
يمثل انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024 فرصة تاريخية لسوريا، ولكنه يضع البلاد في الوقت ذاته أمام تحديات جسيمة. ففي خضم هذه المرحلة الانتقالية الهشة، التي تتسم بالفراغ الأمني وتصاعد التوترات الطائفية، يبرز دور العدالة الانتقالية ليس كخيار أخلاقي فحسب، بل كضرورة استراتيجية لمنع الانزلاق مجدداً إلى دوامة العنف وتأسيس سلام دائم. لا يمكن بناء دولة جديدة على أنقاض المظالم المتراكمة؛ بل يتطلب الأمر مواجهة شجاعة وممنهجة مع إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
يستعرض هذا التقرير تحليلاً نقدياً للرؤى الأولية التي طرحتها كيانات سياسية جديدة، ويقترح خطة بحث عالمية تستخلص الدروس من التجارب الدولية في مجال العدالة الانتقالية. ويكشف التحليل المقارن عن دروس حاسمة: ففي حين تُظهر تجربة العراق الكارثية في “اجتثاث البعث” وتجربة تونس في “التخريب السياسي” للعدالة مخاطر العدالة المسيسة وغير المكتملة، فإن تجربة كولومبيا تقدم نموذجاً ملهماً لنهج متكامل يضع الضحايا في صميمه ويربط بين المساءلة والمصالحة وبناء الدولة.
بناءً على هذه الدروس، يقدم التقرير نموذجاً هجيناً ومرحلياً للعدالة الانتقالية مصمماً خصيصاً للسياق السوري. يركز هذا النموذج على تحقيق الاستقرار الفوري عبر لجان سلام محلية، وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة من خلال هيئة وطنية للمفقودين، مع بناء الأسس لآليات أكثر تعقيداً في المراحل اللاحقة، مثل هيئة الحقيقة والكرامة ومحكمة جنائية خاصة ذات اختصاص محدود. كما يقترح نهجاً ذكياً لإصلاح المؤسسات يتجنب أخطاء العراق، عبر التمييز بين النظام القمعي والأفراد العاملين فيه.
وأخيراً، يربط التقرير بشكل مباشر بين هذا الإطار المقترح للعدالة الانتقالية وبين المتطلبات الأساسية لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، مؤكداً أن العدالة الانتقالية ليست عقبة أمام العملية السياسية، بل هي الأداة التنفيذية التي تمنح مفاهيم مثل “الحكم الخاضع للمصداقية والشامل وغير الطائفي” مضموناً حقيقياً. ويخلص التقرير إلى أطروحته المركزية: إن تبني مسار موثوق للعدالة الانتقالية ليس مجرد شرط لتحقيق انتقال سياسي مستدام، بل هو المفتاح الأساسي لفتح الدعم الدولي اللازم لإعادة إعمار سوريا. فالعدالة ليست تكلفة، بل هي الاستثمار الأكثر أهمية في مستقبل سوريا.
القسم الأول: التحليل التأسيسي والسوابق العالمية
لوضع استراتيجية فعالة للعدالة الانتقالية في سوريا، لا بد أولاً من فهم المبادئ المعترف بها دولياً في هذا المجال، ثم استخلاص الدروس العميقة من تجارب الدول الأخرى التي خاضت مسارات انتقالية مماثلة. يقدم هذا القسم تقييماً للرؤى الأولية المطروحة، ويضع إطاراً نظرياً للعدالة الانتقالية، ويجري تحليلاً مقارناً دقيقاً لدراسات حالة عالمية رئيسية لتحديد العوامل الحاسمة للنجاح والفشل.
1.1 تقييم نقدي لرؤية “حزب الجمهورية” للعدالة الانتقالية
إن مبادرة “حزب الجمهورية” في طرح رؤية لمعالجة قضية العدالة الانتقالية الشائكة هي خطوة جديرة بالثناء، وتدل على وعي بأحد أهم التحديات التي تواجه سوريا الجديدة. إن التحليل التالي لا يهدف إلى التقليل من شأن هذه الرؤية، بل إلى إثرائها والبناء عليها من خلال مقارنتها بالمعايير القانونية الدولية الراسخة والدروس المستفادة من تجارب مجتمعات أخرى خرجت من أتون الصراع.
عند تقييم الرؤية المطروحة، تبرز عدة أسئلة جوهرية تستند إلى الركائز الأساسية للعدالة الانتقالية:
- شمولية النهج: هل تتبنى الرؤية نهجاً شاملاً يوازن بين الركائز الأربع للعدالة الانتقالية (الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار)؟ أم أنها تركز بشكل مفرط على ركيزة واحدة، مثل المحاكمات الجنائية، على حساب الركائز الأخرى؟ إن الإفراط في التركيز على المحاكمات قد يؤدي إلى تصورات بأنها “عدالة المنتصر” أو أنها عملية انتقام سياسي، في حين أن إهمالها بالكامل يقوض سيادة القانون. إن التجربة الدولية أثبتت أن هذه الركائز مترابطة؛ فالمحاكمات دون كشف الحقيقة قد تبدو انتقاماً، والحقيقة دون إصلاح مؤسسي قد تُعتبر مجرد كلمات جوفاء.
- مفهوم المساءلة: كيف تعرف الرؤية “المساءلة”؟ هل تقتصر على العدالة الجزائية (المحاكمات والعقوبات)، أم أنها تتضمن عناصر العدالة التصالحية (جلسات الاستماع للحقيقة، والمصالحة المجتمعية)؟ في مجتمع ممزق بعمق مثل سوريا، قد تكون آليات العدالة التصالحية، التي تركز على الاعتراف بالضرر وإصلاحه، لا تقل أهمية عن الإجراءات العقابية التقليدية لتحقيق الشفاء المجتمعي.
- مركزية الضحايا: ما هو الدور الذي تخصصه الرؤية للضحايا؟ هل هم فاعلون أساسيون في تصميم وتنفيذ عمليات العدالة الانتقالية، كما تتطلب أفضل الممارسات الحديثة، أم أنهم مجرد متلقين سلبيين لمبادرات تقودها الدولة؟ إن وضع الضحايا وكرامتهم في صميم العملية هو ما يمنح العدالة الانتقالية شرعيتها ويحولها إلى عقد اجتماعي متجدد.
- معالجة الأسباب الجذرية: هل تتناول الرؤية الأسباب الجذرية للنزاع، بما في ذلك الانتهاكات المنهجية للحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي غذت الصراع على مدى عقود ؟ أم أنها تركز فقط على أعراض النزاع، أي أعمال العنف التي وقعت منذ عام 2011؟ إن أي عملية عدالة انتقالية لا تعالج المظالم الهيكلية التي أدت إلى الانهيار ستكون مجرد حل مؤقت، وستترك بذور الصراع المستقبلي كامنة.
بناءً على هذا التقييم الأولي، يمكن تقديم توصيات أولية للحزب لتعزيز رؤيته، عبر الدعوة إلى تبني إطار شامل، محوره الضحايا، ومصمم خصيصاً للسياق السوري. يجب أن تتجاوز الرؤية مجرد محاسبة الجناة لتشمل الاعتراف بمعاناة الضحايا، وإصلاح المؤسسات التي أتاحت حدوث الانتهاكات، ومعالجة المظالم العميقة التي مزقت النسيج الاجتماعي السوري.
1.2 ركائز العدالة الانتقالية: إجماع دولي
العدالة الانتقالية ليست مفهوماً غامضاً، بل هي مجال متطور له تعريفاته ومكوناته المعترف بها دولياً. تعرفها الأمم المتحدة بأنها “المجموعة الكاملة من العمليات والآليات المرتبطة بمحاولة مجتمع ما التصالح مع إرث من الانتهاكات الجسيمة واسعة النطاق التي وقعت في الماضي، من أجل ضمان المساءلة وتحقيق العدالة والمصالحة”. الجوهر هنا هو أن العدالة الانتقالية ليست شكلاً خاصاً من العدالة، بل هي “عدالة تتكيف مع المجتمعات التي تمر بمرحلة تحول” بعد فترة من القمع أو الصراع.
يقوم هذا المفهوم على إطار شامل يضم أربع ركائز أساسية مترابطة، بالإضافة إلى عنصر خامس يكتسب اعترافاً متزايداً:
- كشف الحقيقة: يمثل هذا الحق الأساسي للضحايا والمجتمع ككل في معرفة الحقيقة الكاملة حول الأحداث الماضية. تشمل الآليات لجان الحقيقة والمصالحة، ولجان التحقيق، وجهود التوثيق الرسمية. هذه الركيزة ليست مجرد تمرين أكاديمي، بل هي أساس للاعتراف الرسمي بالجرائم، وتكريم الضحايا، وبناء حصن متين ضد تكرارها في المستقبل.3
- العدالة (الملاحقات القضائية): تتضمن التحقيقات والمحاكمات القضائية لأولئك الذين يتحملون المسؤولية الكبرى عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. تخدم هذه الركيزة غرضاً مزدوجاً: فهي رادعة تمنع الانتهاكات المستقبلية، وتعويضية للضحايا. كما أنها تمثل التزاماً أساسياً للدولة بموجب القانون الدولي لمكافحة الإفلات من العقاب.
- جبر الضرر (التعويضات): هي مبادرات ترعاها الدولة لإصلاح الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بالضحايا. يتجاوز جبر الضرر التعويضات المالية ليشمل مجموعة واسعة من التدابير، مثل إعادة التأهيل (الرعاية الطبية والنفسية)، ورد الحقوق، والتدابير الرمزية كالاعتذارات الرسمية، وإعادة الاعتبار للضحايا.
- ضمانات عدم التكرار: هي الإجراءات التي تتطلع إلى المستقبل، وتهدف بشكل أساسي إلى إصلاح المؤسسات التي كانت أدوات للقمع والفساد، مثل قطاع الأمن والقضاء والإدارة العامة. تتضمن هذه الإصلاحات مراجعة القوانين، وتدريب الموظفين، وإنشاء آليات رقابة مدنية لضمان خضوع مؤسسات الدولة لسيادة القانون وحقوق الإنسان. هذه هي الركيزة التي تربط بشكل مباشر بين معالجة انتهاكات الماضي ومنعها في المستقبل.
- إحياء الذاكرة: يُعترف بهذه الركيزة بشكل متزايد كعنصر خامس حيوي. تشمل بناء المتاحف والنصب التذكارية، وتحديد أيام وطنية للذكرى، وتضمين تاريخ الانتهاكات في المناهج التعليمية. تهدف هذه الجهود إلى الحفاظ على الذاكرة العامة، وتكريم الضحايا، وترسيخ الالتزام المجتمعي بعبارة “لن يتكرر هذا أبداً”.
إن حتمية اتباع نهج شامل تكمن في أن هذه الركائز تعزز بعضها بعضاً. فبدون تكاملها، تفقد العملية فعاليتها. فالمحاكمات دون كشف الحقيقة قد يُنظر إليها على أنها انتقام، والحقيقة دون إصلاح مؤسسي قد تُرفض باعتبارها مجرد كلمات، والتعويضات دون عدالة قد تبدو محاولة لشراء الصمت. لذلك، يجب أن تقوم أي استراتيجية ناجحة على مزيج مدروس ومتوازن من هذه الآليات، يتم تصميمه بعناية ليناسب السياق الفريد لكل بلد.
1.3 التجارب العالمية: دراسة مقارنة في النجاح والفشل
إن النظر إلى تجارب الدول الأخرى ليس من أجل استنساخ نماذجها، بل لاستخلاص دروس استراتيجية يمكن تكييفها مع الواقع السوري. يقدم التحليل التالي دراسة متعمقة لحالات دولية محورية، تتجاوز التلخيصات البسيطة لتقدم رؤى قابلة للتطبيق مباشرة.
1.3.1 جنوب إفريقيا: مخاطر الوعود التي لم تتحقق
كانت لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا (TRC) نموذجاً عالمياً رائداً، حيث استخدمت آلية كشف الحقيقة مقابل العفو لتسهيل انتقال سلمي من نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) إلى الديمقراطية. تمثل نجاحها الأكبر في إنشاء سجل عام للفظائع من خلال شهادات الضحايا العلنية، مما جعل أهوال الماضي مسموعة ومرئية لأول مرة. لكن إخفاقاتها كانت مدوية بالقدر نفسه. فبعد انتهاء عمل اللجنة، أحجمت الحكومات المتعاقبة عن ملاحقة أولئك الذين لم يتقدموا بطلب العفو أو الذين رُفضت طلباتهم، كما فشلت بشكل شبه كامل في تنفيذ برنامج جبر الضرر الذي أوصت به اللجنة.
إن صفقة “الحقيقة مقابل العفو” لا تكتمل إلا بتنفيذ شقيها. عندما تفشل الدولة في الوفاء بالتزاماتها – أي ملاحقة من هم خارج إطار العفو وتوفير جبر الضرر للضحايا – يفقد الإطار بأكمله شرعيته. تحولت لجنة الحقيقة والمصالحة إلى “قطعة متحف خاملة” لأن الإرادة السياسية لمواصلة عملها تلاشت بعد المرحلة الانتقالية. لقد استند نموذج اللجنة إلى تسوية واضحة: يعترف الجناة بالحقيقة ويحصلون على العفو، بينما يواجه الآخرون القضاء. شارك الضحايا على أمل الحصول على الحقيقة والإنصاف معاً. إلا أن حكومة المؤتمر الوطني الإفريقي الجديدة، لأسباب سياسية متعددة، لم تتابع الملاحقات القضائية بجدية. والأهم من ذلك، أن الفشل في تنفيذ جبر ضرر حقيقي أبقى على التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي خلفها نظام الفصل العنصري – وهي السبب الجذري للصراع – دون معالجة. هذا الإخفاق المزدوج ولّد شعوراً عميقاً بالخيانة لدى الضحايا وسمح للمستفيدين من النظام القديم بالهروب من المساءلة. الدرس المستفاد لسوريا واضح وحاسم: أي عملية عدالة انتقالية لا تدعمها إرادة سياسية مستدامة لتنفيذ جميع مكوناتها، خاصة الأجزاء الصعبة مثل المحاكمات وجبر الضرر، ستفشل في نهاية المطاف في تحقيق المصالحة وقد ترسخ نفس المظالم التي أشعلت الصراع في المقام الأول.
1.3.2 كولومبيا: مخطط للعدالة المتكاملة التي ترتكز على الضحايا
أنشأ اتفاق السلام لعام 2016 في كولومبيا نظاماً شاملاً ومبتكراً يُعرف باسم “النظام المتكامل للحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار” (SIVJRNR)، والذي يضم آليات متعددة ومتشابكة: هيئة قضاء خاصة من أجل السلام (JEP) لتحقيق العدالة، ولجنة للحقيقة، ووحدة للبحث عن المفقودين. تُعد هيئة القضاء الخاصة من أجل السلام (JEP) محكمة جديدة ذات توجه تصالحي، تقدم عقوبات بديلة (مثل الخدمة المجتمعية مع تقييد الحرية) مقابل الكشف الكامل عن الحقيقة والمساهمة في جبر الضرر. يضع هذا النظام الضحايا في مركزه، حيث يسهل مشاركتهم الفعالة وحوارهم مع الجناة. وقد حققت الهيئة تقدماً ملحوظاً في محاسبة كبار ضباط الجيش وقادة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC) السابقين عن جرائم مثل القتل خارج نطاق القضاء (“الإيجابيات الكاذبة”) وتجنيد الأطفال.
يمكن تصميم العدالة الانتقالية ليس فقط لمعالجة الماضي، بل كمحرك لبناء الدولة والإصلاح الاجتماعي. من خلال إنشاء نظام يحفز على كشف الحقيقة ويعترف بأشكال مختلفة من الضرر (بما في ذلك الأضرار التي لحقت بمجتمعات السكان الأصليين والبيئة)، يحاول النموذج الكولومبي بفعالية نسج عقد اجتماعي جديد وأكثر شمولاً. لقد كان الصراع الكولومبي طويلاً ومعقداً، وشارك فيه العديد من الأطراف المسلحة وخلف ملايين الضحايا. لذلك، كان من المستحيل تطبيق نموذج عقابي بحت، كما أنه لم يكن ليعالج الجراح المجتمعية العميقة. ابتكر المصممون نظاماً متكاملاً حيث يعزز كل جزء الأجزاء الأخرى. تقدم لجنة الحقيقة السردية العامة، وتوفر هيئة القضاء الخاصة المساءلة الفردية، وتعالج وحدة البحث عن المفقودين معاناة أسرهم المحددة. يكمن الابتكار الأساسي لهيئة القضاء الخاصة في “نظام المشروطية” : فالعقوبات المخففة ليست عفواً مجانياً، بل هي مشروطة بمساهمات جوهرية في كشف الحقيقة وجبر الضرر. هذا يغير الديناميكية من عقابية بحتة إلى تصالحية. يتطلب هذا النظام قدرة مؤسسية هائلة، بما في ذلك فرق متعددة التخصصات من المحامين وعلماء النفس والأنثروبولوجيا لتسهيل الحوار بين الضحايا والجناة بطريقة تراعي الصدمات النفسية. تقدم كولومبيا لسوريا نموذجاً قوياً لكيفية الموازنة بين السلام والعدالة، وتوضح كيف يمكن تصميم نظام يعطي الأولوية لاحتياجات الضحايا ويستخدم آليات المساءلة لتوليد الحقيقة والإصلاح، بدلاً من مجرد العقاب.
1.3.3 تونس: دراسة حالة في التخريب السياسي
تأسست هيئة الحقيقة والكرامة (IVD) في تونس بعد ثورة 2011 بولاية واسعة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والفساد المالي من عام 1955 إلى 2013. على الرغم من جمعها لأكثر من 62,000 شكوى من الضحايا وإصدارها تقريراً ضخماً من 2000 صفحة، إلا أن عملها تعرض لعرقلة ممنهجة من قبل الحكومة والنخب السياسية التي أعقبت الثورة. شملت هذه العرقلة منع الوصول إلى أرشيف الدولة (خاصة وزارة الداخلية)، وتصويت البرلمان ضد تمديد ولايتها، ورفض رئيس الوزراء استلام التقرير النهائي رسمياً، ورفض الشرطة تنفيذ أوامر الاستدعاء للمتهمين للمثول أمام المحاكم المتخصصة.
إن التهديد الأكبر لعملية العدالة الانتقالية لا يأتي في كثير من الأحيان من بقايا النظام القديم، بل من المؤسسة السياسية الجديدة التي تشعر بالتهديد من نتائجها. عندما تبدأ آليات العدالة الانتقالية في كشف تواطؤ أصحاب السلطة الحاليين أو تحدي إفلات المؤسسات القوية مثل الأجهزة الأمنية من العقاب، يمكن للدولة نفسها أن تصبح العقبة الرئيسية. لقد تأسست هيئة الحقيقة والكرامة بولاية قانونية قوية، وكان لديها القدرة على أن تكون أداة قوية للتغيير. لكن مع تقدم تحقيقاتها، بدأت تمس فاعلين ومؤسسات قوية داخل هيكل الدولة ما بعد 2011. وقد قاومت الأجهزة الأمنية على وجه الخصوص أي محاولة للتدقيق في ممارساتها. عملت الطبقة السياسية، بما في ذلك رئيس الوزراء والبرلمان، بنشاط لتقويض مصداقية الهيئة وقدرتها التشغيلية، حتى أنهم أصدروا قانون “مصالحة” موازياً لحماية المسؤولين الفاسدين. أدت هذه العرقلة السياسية إلى شل مكون “العدالة” بالكامل، حيث توقفت المحاكمات في الدوائر المتخصصة لأن المتهمين، ومعظمهم من مسؤولي الأمن، رفضوا الحضور، ورفضت الدولة إجبارهم على ذلك. الدرس التونسي لسوريا قاسٍ: الولايات القانونية والدعم الدولي غير كافيين. تتطلب عملية العدالة الانتقالية الناجحة جدار حماية ضد التدخل السياسي وكتلة حرجة من القادة السياسيين الملتزمين حقاً بنجاحها. وبدون ذلك، حتى أفضل اللجان تصميماً ستصبح عاجزة، مما يؤدي إلى إحباط عميق لدى الضحايا وترسيخ الإفلات من العقاب. وبالتالي، فإن دور المجتمع المدني القوي والموحد كرقيب ومدافع يصبح لا غنى عنه
1.3.4 العراق: كارثة اجتثاث البعث
في أعقاب غزو عام 2003، طبقت سلطة الائتلاف المؤقتة (CPA) سياسة “اجتثاث البعث”، على غرار سياسة اجتثاث النازية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. أصدرت السلطة المؤقتة الأمرين 1 و 2، اللذين قضيا بفصل كبار أعضاء حزب البعث (الدرجات الأربع العليا) من الوظائف العامة وحل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية بالكامل. أثر هذا القرار على مئات الآلاف من الأفراد، بما في ذلك ما يصل إلى 100,000 موظف مدني و 40,000 معلم، انضم الكثير منهم إلى الحزب لأسباب عملية وليس عن قناعة أيديولوجية.
يتحول إصلاح المؤسسات، وهو ركيزة أساسية للعدالة الانتقالية، إلى محرك لانهيار الدولة والصراع عندما يتم تنفيذه كأداة فظة للعقاب الجماعي بدلاً من عملية دقيقة للتدقيق الفردي. إن عمليات التطهير المسيسة والطائفية لا تفشل في تحقيق العدالة فحسب، بل تخلق بفعالية الظروف الملائمة للتمرد والحرب الأهلية. استندت السياسة إلى فرضية خاطئة مفادها أن العضوية في الحزب تعادل تلقائياً التورط في الفظائع، وفشلت في التمييز بين المؤدلجين والتكنوقراط. وبضربة واحدة، أدت هذه السياسة إلى “قطع رأس” البيروقراطية الحكومية، وتجريد الوزارات والمستشفيات والمدارس من مديريها وخبرائها الفنيين الأكثر خبرة، مما شل قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية. وفي الوقت نفسه، خلقت مجموعة هائلة من الرجال العاطلين عن العمل والمسلحين والمهمشين بشدة من خلال حل الجيش دون خطة لنزع السلاح أو إعادة الإدماج. ولأن السنة كانوا مهيمنين في دولة البعث، فقد نُظر إلى هذه السياسة (وطُبقت في كثير من الأحيان) على أنها عملية تطهير طائفي من قبل القوى الشيعية الجديدة، مما عمق الانقسامات المجتمعية. خلق هذا الوضع عاصفة كاملة: فراغ في السلطة، دولة منهارة، غياب للأمن، ومجموعة كبيرة من الرجال المدربين والمظلومين الذين ليس لديهم ما يخسرونه. كان هذا حافزاً مباشراً للتمرد. بالنسبة لسوريا، هذا هو أهم درس سلبي على الإطلاق. يجب أن يكون أي نهج للتعامل مع حزب البعث ومؤسسات أمن الدولة جراحياً ومبنياً على المساءلة الفردية، وليس الهوية الجماعية، لتجنب تكرار هذا الفشل الكارثي.
1.3.5 كمبوديا: محدودية المحاكم الهجينة
كانت الدوائر الاستثنائية في محاكم كمبوديا (ECCC) محكمة هجينة أُنشئت لمحاكمة كبار قادة الخمير الحمر، المسؤولين عن مقتل أكثر من 1.5 مليون شخص. على مدى 15 عاماً وبتكلفة تزيد عن 330 مليون دولار، لم تحاكم سوى خمسة أفراد وأدانت ثلاثة فقط. عانت المحكمة من عيوب هيكلية، وتدخل سياسي مستمر من الحكومة الكمبودية (التي ضمت أعضاء سابقين في الخمير الحمر)، وجدل إجرائي أدى إلى انتقادات لأحكامها ونزاهتها.
إن السعي لتحقيق العدالة الجنائية الدولية من خلال المحاكم الهجينة، على الرغم من أهميته الرمزية، يمكن أن يكون استثماراً ضعيف العائد من حيث التكلفة والوقت وعدد الأفراد الذين تتم محاسبتهم. إن قابليتها لتدخل الحكومة المضيفة يمكن أن يقوض شرعيتها ويحد من نطاق عملها، مما يفشل في تلبية احتياجات العدالة الأوسع للسكان الضحايا. كان حجم جرائم الخمير الحمر هائلاً، مما خلق “فجوة إفلات من العقاب” ضخمة تكافح أي محكمة لمعالجتها. كما أن الهيكل الهجين، الذي كان يهدف إلى بناء القدرات المحلية، خلق أيضاً مدخلاً للضغط السياسي من حكومة غير راغبة في رؤية التحقيقات تتوسع إلى ما بعد دائرة صغيرة من المتهمين المعتمدين مسبقاً. تثير التكلفة والوقت الهائلان (330 مليون دولار لثلاث إدانات) سؤالاً جوهرياً حول تخصيص الموارد: هل كان من الممكن إنفاق هذه الأموال بشكل أفضل على برنامج شامل لجبر الضرر أو إصلاح قضائي محلي أوسع نطاقاً يؤثر على عدد أكبر من الضحايا؟. إن التركيز على حفنة من القادة المسنين، على الرغم من أهميته القانونية، قد لا يوفر شعوراً بالعدالة للغالبية العظمى من الضحايا الذين كان مرتكبو جرائمهم المباشرون من الكوادر الدنيا الذين لن يواجهوا محكمة أبداً. تحذر التجربة الكمبودية سوريا من تعليق كل آمالها على محكمة واحدة دولية رفيعة المستوى. وتشير إلى أن استراتيجية أكثر فعالية قد تتضمن نهجاً متعدد المسارات يجمع بين محكمة محلية أو هجينة محدودة ومركزة للغاية للقيادة العليا، مع آليات عدالة أخرى يسهل الوصول إليها على المستوى المحلي، إلى جانب برامج قوية لكشف الحقيقة وجبر الضرر.
| الدولة | السياق | الآليات الرئيسية المستخدمة | أبرز النجاحات | أبرز الإخفاقات | الدرس الأساسي لسوريا |
|---|---|---|---|---|---|
| جنوب إفريقيا | انتقال تفاوضي من نظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية. | لجنة الحقيقة والمصالحة (TRC) مع عفو مشروط بكشف الحقيقة. | كشف الحقيقة على نطاق واسع، وإنشاء سجل عام للانتهاكات، وتسهيل انتقال سلمي. | غياب شبه كامل للملاحقات القضائية بعد انتهاء عمل اللجنة، وفشل في تنفيذ برنامج جبر الضرر. | الإرادة السياسية لتنفيذ جميع الركائز (خاصة العدالة وجبر الضرر) غير قابلة للتفاوض لضمان مصداقية العملية. |
| كولومبيا | اتفاق سلام لإنهاء صراع مسلح طويل الأمد متعدد الأطراف. | نظام متكامل (SIVJRNR) يشمل هيئة قضاء خاصة (JEP)، ولجنة للحقيقة، ووحدة للبحث عن المفقودين. | مركزية الضحايا، عقوبات تصالحية مبتكرة، ربط المساءلة بالحقيقة وجبر الضرر، مشاركة مجتمعية واسعة. | لا يزال قيد التنفيذ ويواجه تحديات سياسية وأمنية مستمرة. | يمكن أن تكون العدالة التي ترتكز على الضحايا محركاً لبناء الدولة والمصالحة، وليس مجرد عقاب. |
| تونس | انتقال بعد ثورة شعبية أطاحت بنظام استبدادي. | هيئة الحقيقة والكرامة (IVD) ومحاكم متخصصة. | توثيق شامل للانتهاكات على مدى 60 عاماً، وإعطاء صوت للآلاف من الضحايا. | تخريب سياسي ممنهج من قبل الدولة، عرقلة عمل المحاكم، غياب الإرادة السياسية لتنفيذ التوصيات. | العدالة الانتقالية تتطلب حماية قوية من التدخل السياسي؛ وبدونها، حتى أفضل الآليات تصميماً ستفشل. |
| العراق | انتقال بعد غزو خارجي وإسقاط نظام شمولي. | “اجتثاث البعث” (تطهير واسع النطاق) وحل مؤسسات الدولة. | إزالة النخبة الحاكمة القديمة من السلطة. | تأجيج التمرد، انهيار قدرات الدولة، ترسيخ الانقسامات الطائفية، خلق فراغ أمني كارثي. | يجب أن يكون إصلاح المؤسسات جراحياً ودقيقاً ومبنياً على المساءلة الفردية، وليس العقاب الجماعي. |
| كمبوديا | محاولة محاسبة قادة نظام إبادة جماعية بعد عقود من الجرائم. | محكمة هجينة (دولية-محلية) (ECCC). | إدانة ثلاثة من كبار قادة الخمير الحمر، وتطوير السوابق القضائية الدولية. | تكلفة باهظة جداً، عدد محدود للغاية من الإدانات، بطء شديد في الإجراءات، تدخل سياسي من الحكومة. | يجب الحذر من التكاليف والمخاطر السياسية للمحاكم الهجينة؛ قد يكون النهج متعدد الآليات أكثر فعالية. |
القسم الثاني: تصميم نموذج عدالة انتقالية مخصص لسوريا
بالاستفادة من المبادئ التأسيسية والدروس العالمية، يبني هذا القسم نموذجاً للعدالة الانتقالية مصمماً خصيصاً لمواجهة الحقائق الفريدة والخطيرة في سوريا ما بعد عام 2024. إنه نموذج عملي ومرحلي وقابل للتكيف، يعالج الاحتياجات الأكثر إلحاحاً أولاً بينما يضع الأساس لآليات أكثر شمولاً في المستقبل.
2.1 البوتقة السورية: التعامل مع حقائق ما بعد 2024
يبدأ التحليل بتوصيف المشهد السوري الحالي بعد انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024. توصف المرحلة الانتقالية بأنها “على حافة الهاوية” ، وتتسم بالتشرذم السياسي، والفراغ الأمني، وخطر تصاعد العنف الطائفي. تحاول الحكومة المؤقتة الجديدة بقيادة أحمد الشرع توطيد سلطتها، لكن سيطرتها محدودة وشرعيتها موضع نزاع.
إن التهديد المباشر والأكثر إلحاحاً هو انتشار أعمال القتل الانتقامية والاشتباكات الطائفية. تشير التقارير الواردة من المناطق الساحلية ذات الأغلبية العلوية (اللاذقية وطرطوس) إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء، وتعذيب، وتشويه للجثث، وهي أفعال قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. وقد ترك هذا الوضع الطائفة العلوية تعيش في خوف، وتواجه عمليات خطف ومصادرة للممتلكات. وفي حين دعا بعض الشخصيات العلوية إلى العفو، تفتقر الطائفة إلى قيادة موحدة وخبرة في العمل المدني، مما يجعلها عرضة للخطر بشكل خاص.
الوضع في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية لا يقل تقلباً. فالاشتباكات بين الميليشيات الدرزية والقوات الموالية للحكومة، التي اندلعت بسبب حوادث محلية، تصاعدت إلى عنف طائفي شمل القبائل البدوية، بل وجذب أطرافاً خارجية مثل إسرائيل. وقد أدى ذلك إلى تصلب موقف الدروز الرافض للاندماج في دولة سورية مركزية، وأحدث شرخاً في قيادة الطائفة. وعلى الرغم من ظهور مبادرات مصالحة مدنية محلية، إلا أنها تواجه عقبات هائلة وتعمل في ظل العنف والنزوح.
في مقابل هشاشة الدولة، يظهر المجتمع المدني السوري نشاطاً وتنظيماً، ولديه مطالب واضحة للمرحلة الانتقالية. فقد قدمت عشرات المنظمات بالفعل مذكرات قانونية إلى الحكومة الجديدة تدعو إلى الحفاظ على الأدلة (خاصة المقابر الجماعية)، وإنشاء هيئة وطنية للمفقودين، وعملية عدالة انتقالية شاملة ومحددة زمنياً. وبدأت هذه المنظمات تتحول من توثيق الانتهاكات إلى تقديم الدعم المباشر للناجين.
في البيئة السورية المباشرة بعد الصراع، ينقلب التسلسل التقليدي للعدالة الانتقالية “الحقيقة ثم العدالة”. الحاجة الأكثر إلحاحاً هي لركيزة “ضمانات عدم التكرار”، وتحديداً في شكل توفير الأمن الفوري ومنع أعمال القتل الانتقامية. إن آليات العدالة الرسمية هي هدف متوسط المدى؛ أما البقاء على قيد الحياة وتحقيق الاستقرار الفوري فهما الأولوية القصوى. ترسم التقارير صورة من الهشاشة الشديدة، والعنف المستمر، والخوف المتجذر بين الأقليات. إن وعود الحكومة الجديدة بحماية الأقليات تتناقض مع تقاعسها أو تمكينها الضمني للعنف الطائفي. هناك عجز هائل في الثقة والأمن. إن إطلاق لجنة للحقيقة أو محكمة خاصة في هذه البيئة سيكون مستحيلاً وخطراً. سيخشى الشهود الإدلاء بشهاداتهم، وأي إجراء قضائي قد يُنظر إليه على أنه طائفي، مما يثير المزيد من العنف. تركز المطالب الفورية للمجتمع المدني السوري على الحفاظ على الأدلة والعثور على المفقودين – وهي إجراءات حاسمة ولكنها تسبق المحاكمات الرسمية. تركز لجان المصالحة المحلية في السويداء على “رأب الصدع” و”إعطاء الأمل”، وليس على المساءلة الفورية. لذلك، يجب أن يكون أي نموذج مقترح للعدالة الانتقالية في سوريا مرحلياً، ويعطي الأولوية لتدابير تحقيق الاستقرار وبناء الثقة على الأرض قبل العمليات القضائية الطموحة التي تُفرض من الأعلى. يجب أن تركز المرحلة الأولى على كسر حلقة العنف.
2.2 نموذج هجين ومرحلي مقترح لسوريا
تم تصميم هذا النموذج ليكون متسلسلاً وقابلاً للتكيف وواقعياً، حيث يعالج الاحتياجات الأكثر إلحاحاً أولاً مع وضع الأساس لآليات أكثر شمولاً في وقت لاحق.
- المرحلة الأولى : تحقيق الاستقرار والعمل التأسيسي
- الهدف: منع العنف الانتقامي الجماعي، وبناء ثقة أولية، والحفاظ على الأدلة.
- الآليات:
- لجان السلام والأمن المحلية: إنشاء لجان متعددة الطوائف في المناطق المتقلبة مثل الساحل والسويداء، تتألف من شيوخ محليين محترمين وقادة المجتمع المدني وشخصيات دينية. ستكون مهمتها التوسط في النزاعات المحلية، ونزع فتيل التوترات، والعمل كرقابة مدنية على الجهات الأمنية. هذا استجابة مباشرة للعنف الموصوف في التقارير.
- الهيئة الوطنية للمفقودين والمختفين قسرياً: إنشاء هذه الهيئة على الفور، كما طالب المجتمع المدني السوري. ستكون ولايتها إنسانية بحتة: تلقي المعلومات من العائلات، ومركزية السجلات، والبدء في العمل الفني لتحديد مواقع المقابر الجماعية وتأمينها. يوفر هذا “مكسباً” ملموساً وغير سياسي للضحايا في وقت مبكر من العملية.
- وحدة حفظ الأدلة والتوثيق: إضفاء الطابع الرسمي ودعم العمل الذي تقوم به بالفعل منظمات المجتمع المدني السورية. ستقوم هذه الوحدة، التي تعمل بمساعدة فنية دولية، بتأمين المحفوظات الرسمية وشهادات الشهود والأدلة الجنائية وفقاً لمعايير القانون الجنائي، مما يضمن قبولها في الإجراءات المستقبلية.
- المرحلة الثانية (متوسطة المدى): الحقيقة والمساءلة والتدقيق
- الهدف: إرساء سردية وطنية للصراع، ومحاسبة المسؤولين الرئيسيين عن أسوأ الجرائم، والبدء في عملية الإصلاح المؤسسي.
- الآليات:
- هيئة الحقيقة والكرامة السورية (STDC): على غرار هيئة الحقيقة والكرامة التونسية ولكن مع حماية أقوى ضد التدخل السياسي، مع استيعاب الدروس من التجربة التونسية. ستكون مهمتها التحقيق في أنماط الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف منذ عام 2011 وتقديم تقارير عنها، وعقد جلسات استماع علنية لإعطاء صوت للضحايا. سيقودها شخصية ذات سلطة أخلاقية لا جدال فيها، مثل ديزموند توتو أو سهام بن سدرين، لحمايتها من الهجمات السياسية.
- المحكمة الجنائية الخاصة لسوريا (SCCS): دائرة متخصصة ذات نطاق محدود داخل النظام القضائي السوري المحلي، مع دعم فني دولي. بالتعلم من تكلفة وبطء محكمة كمبوديا، سيتم تركيز اختصاصها بشكل ضيق على عدد صغير من الجناة رفيعي المستوى (من جميع الأطراف) الذين يتحملون المسؤولية الكبرى عن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. هذا يتجنب تصور وجود عملية تطهير واسعة النطاق مع ضمان تحدي الإفلات من العقاب على أعلى المستويات.
- لجنة التدقيق الفردي: ستبدأ هذه الهيئة عملية الإصلاح المؤسسي “الذكي” (انظر 2.3)، بمراجعة ملفات كبار المسؤولين في قطاعات الأمن والقضاء والخدمة المدنية على أساس كل حالة على حدة.
- المرحلة الثالثة (طويلة المدى: 5+ سنوات): جبر الضرر والإصلاح العميق
- الهدف: توفير إنصاف شامل للضحايا واستكمال الإصلاحات المؤسسية لضمان عدم التكرار.
- الآليات:
- البرنامج الوطني لجبر الضرر: بناءً على توصيات هيئة الحقيقة والكرامة السورية، سيقدم هذا البرنامج مزيجاً من التعويضات المادية والرمزية. بالتعلم من فشل جنوب إفريقيا 5، يجب تأمين تمويله وتخصيصه في وقت مبكر، وربطه ربما بمساعدات إعادة الإعمار واسترداد الأصول من النظام السابق.
- التنفيذ الكامل للإصلاحات المؤسسية: استكمال عملية التدقيق وتنفيذ إصلاحات أوسع، بما في ذلك التعديلات الدستورية، وإعادة هيكلة قطاع الأمن، وتغيير المناهج التعليمية، لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع.1
2.3 نهج ذكي لإصلاح المؤسسات
يرفض هذا القسم صراحةً النموذج العراقي للعقاب الجماعي. يجب أن يكون المبدأ التوجيهي لسوريا هو التمييز بين نظام البعث القمعي والأفراد الذين عملوا فيه. الهدف هو تفكيك بنية القمع مع الاحتفاظ بالقدرة التكنوقراطية اللازمة لعمل الدولة.
- عملية تدقيق متدرجة:
- المستوى الأول (الفصل التلقائي والملاحقة القضائية): عدد صغير جداً من المسؤولين رفيعي المستوى الذين كانوا مهندسي القمع (مثل رؤساء فروع المخابرات الرئيسية، وأعضاء خلية إدارة الأزمة المركزية). إن تورطهم الفردي واضح.
- المستوى الثاني (المراجعة الفردية): كبار المسؤولين والمسؤولون من المستوى المتوسط في قطاعات الأمن والجيش والقضاء. ستقوم لجنة تدقيق مستقلة (من المرحلة الثانية) بمراجعة سجلاتهم. سيقع عبء الإثبات على عاتق الدولة لإثبات التورط الفردي في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. يمكن لمن تثبت براءتهم البقاء في مناصبهم، مع الخضوع لإعادة التدريب. هذا يتجنب خطأ العراق في تفريغ وزارات بأكملها.
- المستوى الثالث (العفو وإعادة التأهيل): الغالبية العظمى من موظفي الخدمة المدنية والمعلمين وأعضاء الحزب من الرتب الدنيا الذين انضموا لأسباب مهنية أو للبقاء على قيد الحياة (كما في العراق). سيتم منحهم عفواً عاماً مقابل إعلان الولاء للدستور الجديد والخضوع لبرامج تثقيف مدني إلزامية.
هذا النهج يمنع بشكل مباشر إنشاء كتلة معارضة ضخمة ومهمشة وذات خبرة يمكن أن تغذي تمرداً جديداً. إنه يحافظ على قدرة الدولة، وهو أمر ضروري لإعادة الإعمار، مع تحقيق هدف العدالة الانتقالية في تفكيك الهياكل القمعية.
2.4 تمكين الشعب: الدور المركزي للضحايا والمجتمع المدني
بناءً على نجاح كولومبيا وتحديات تونس، يجب أن تكون العدالة الانتقالية في سوريا عملية تشاركية. يجب أن يكون لجماعات الضحايا ومنظمات المجتمع المدني دور رسمي ومؤسسي.
- آليات المشاركة:
- التمثيل في هيئات العدالة الانتقالية: النص على أن نسبة كبيرة من أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة السورية والمجالس الإشرافية لبرنامج جبر الضرر ولجنة التدقيق يجب أن يتم ترشيحهم من قبل جماعات الضحايا والمجتمع المدني وأن يكونوا من بينهم.
- المشاورات الوطنية: قبل إقرار أي قانون للعدالة الانتقالية، يجب على السلطة الانتقالية إجراء عملية تشاور وطنية واسعة النطاق لضمان أن الآليات النهائية تعكس احتياجات وأولويات الشعب السوري، وخاصة الناجين. هذا يبني الشرعية والملكية للعملية.
- الدعم والحماية: يجب على الدولة توفير الموارد الكافية والحماية للضحايا ومنظمات المجتمع المدني المشاركين، بما في ذلك الدعم النفسي والاجتماعي (درس من أوجه القصور في تونس) والأمن الجسدي للشهود. إن منظمات المجتمع المدني السورية منظمة بالفعل ومستعدة للشراكة، ويجب على الدولة تمكينها، وليس تهميشها.
القسم الثالث: التكامل الاستراتيجي وإعادة الإعمار والطريق إلى الأمام
يضع هذا القسم الأخير نموذج العدالة الانتقالية السوري المقترح ضمن السياق الدولي الأوسع، مجادلاً بأنه المفتاح الذي لا غنى عنه لتحقيق تسوية سياسية مستدامة والحصول على الموارد المالية اللازمة لإعادة إعمار البلاد.
3.1 محور قرار مجلس الأمن 2254: مواءمة العدالة مع خارطة الطريق السياسية
يُعد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 (2015) خارطة الطريق الوحيدة المتفق عليها دولياً للانتقال السياسي في سوريا. وتشمل مطالبه الرئيسية إنشاء “حكم يتمتع بالمصداقية وشامل وغير طائفي”، وعملية لصياغة دستور جديد، وانتخابات بإشراف الأمم المتحدة.
إن إطار العدالة الانتقالية المقترح ليس منفصلاً عن عملية القرار 2254، بل هو تجسيده العملي.
- الحكم ذو المصداقية: لا يمكن لحكومة تحمي الجناة وتتجاهل الضحايا أن تكون ذات مصداقية. إن عملية التدقيق [2.3] والمحكمة الخاصة [2.2] ضروريتان لإنشاء جهاز دولة جديد وجدير بالثقة.
- الحكم الشامل: إن التركيز على المشاورات الوطنية والدور المركزي للمجتمع المدني والضحايا [2.4] يحقق بشكل مباشر شرط العملية “الشاملة”.
- الحكم غير الطائفي: إن لجان السلام المحلية [2.2] والتركيز على المساءلة الفردية وليس الجماعية [2.3] هما أداتان أساسيتان لمكافحة الطائفية التي غذت الصراع وتعاود الظهور بعد عام 2024.
- العودة الآمنة للاجئين: يؤكد القرار على “الحاجة الماسة لتهيئة الظروف للعودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين داخلياً”. هذه الظروف مستحيلة دون المساءلة عن الجرائم الماضية، وإعادة الممتلكات، وضمان إصلاح الأجهزة الأمنية التي اضطهدتهم بشكل جذري. إن عملية العدالة الانتقالية هي التي تخلق هذه الظروف.
تحول العدالة الانتقالية قرار مجلس الأمن 2254 من مجموعة من المبادئ السياسية المجردة إلى مشروع ملموس لبناء الدولة. فهي توفر الآليات التي يمكن من خلالها تلبية “التطلعات المشروعة للشعب السوري”، والانتقال من المفاوضات السياسية على مستوى النخبة إلى عملية تحول على مستوى المجتمع بأسره. يوفر القرار 2254 إطاراً سياسياً رفيع المستوى ولكنه يفتقر إلى تفاصيل التنفيذ المحددة. إن مصطلحات مثل “ذو مصداقية” و”شامل” و”غير طائفي” مفتوحة للتأويل ويمكن أن تستغلها الجهات الفاعلة السياسية بسهولة. تمنح عملية العدالة الانتقالية القوية هذه المصطلحات معنى ملموساً: “ذو مصداقية” يعني محاسبة الجناة، و”شامل” يعني تركيز أصوات الضحايا، و”غير طائفي” يعني رفض العقاب الجماعي. بدون آليات العدالة الانتقالية هذه، ستبقى أي تسوية سياسية يتم التوصل إليها في جنيف أو دمشق اتفاقاً سطحياً بين النخب، وستفشل في معالجة المظالم المجتمعية العميقة التي ستؤدي حتماً إلى صراع مستقبلي. لذلك، فإن الدعوة إلى نموذج العدالة الانتقالية هذا هي الطريقة الأكثر فعالية لـ “حزب الجمهورية” والسلطة الانتقالية لإثبات التزامهما الحقيقي بتنفيذ القرار 2254 نصاً وروحاً أمام الشعب السوري والمجتمع الدولي.
3.2 العدالة كشرط مسبق لإعادة الإعمار
يقدم هذا القسم أدلة واضحة على أن المانحين الدوليين الرئيسيين، وخاصة الاتحاد الأوروبي وبالتالي البنك الدولي، قد جعلوا مساعدات إعادة الإعمار مشروطة صراحةً بانتقال سياسي حقيقي وشامل يتماشى مع قرار مجلس الأمن 2254. يرتبط الدعم الدولي لإعادة الإعمار بشكل صريح بـ “التقدم السياسي والشفافية وآليات العدالة الانتقالية”.
تقدر تكلفة إعادة بناء سوريا بما يتراوح بين 250 و 400 مليار دولار، وهو ما يتجاوز بكثير قدرة البلاد أو قدرة حلفائها. وكان الاتحاد الأوروبي، وهو أكبر مانح محتمل، واضحاً: لا شيكات على بياض لحكومة لم تتصالح مع ماضيها.
يعيد التقرير صياغة النقاش: إن الإنفاق على العدالة الانتقالية ليس تكلفة تنتقص من إعادة الإعمار؛ بل هو دفعة أولى ضرورية لفتح مئات المليارات من الدولارات اللازمة لذلك. إن عملية العدالة الانتقالية الموثوقة ترسل إشارة إلى الشركاء الدوليين بأن استثماراتهم لن تستخدم لإعادة بناء هياكل القمع والفساد ذاتها التي دمرت البلاد في المقام الأول. لطالما جادلت مراكز الفكر مثل معهد بروكينغز بأن الفشل في الاستثمار في “الحكم والمجتمع المدني والعدالة التصالحية” سيعيد ببساطة خلق الظروف لصراع مستقبلي، مما يجعل أي استثمار في إعادة الإعمار عديم الجدوى.
إن الربط بين العدالة وإعادة الإعمار يخلق نفوذاً قوياً للمجتمع المدني السوري والجهات الفاعلة السياسية ذات التوجه الإصلاحي. فهو يحول الحجة الأخلاقية للعدالة إلى حجة اقتصادية عملية لا يمكن حتى للمتشددين في الحكومة الجديدة تجاهلها بسهولة. تواجه الحكومة السورية الجديدة خياراً صارخاً: إما تبني عملية عدالة انتقالية ذات مصداقية والحصول على أموال إعادة الإعمار، أو السعي وراء الإفلات من العقاب ومواجهة العزلة الدولية والانهيار الاقتصادي. هذا الديناميكية تمكن الجهات الفاعلة المحلية التي تدعو إلى العدالة. لم تعد مطالبهم تتعلق بالحقوق المجردة فحسب؛ بل أصبحت تتعلق بالمستقبل الملموس لاقتصاد البلاد وبنيتها التحتية وخدماتها العامة. يجب على “حزب الجمهورية” أن يستخدم هذا الربط استراتيجياً. يجب أن يجادل داخلياً بأن الطريق إلى إعادة بناء حلب وحمص يمر مباشرة عبر قاعة محكمة في دمشق ولجنة حقيقة تكرم الضحايا. العدالة هي السياسة الاقتصادية الأكثر واقعية المتاحة لسوريا الجديدة.
