Kurd

English

طهران عند مفترق الطرق: تآكل الردع واستثمار “الاحتلال” للفراغ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

لم تعد عبارة “المنطقة على صفيح ساخن” كافية لتوصيف المشهد الراهن؛ فالشرق الأوسط يعيش مخاضاً عسيراً لإعادة تشكيل خرائط النفوذ. وفي قلب هذا التحول الجيوسياسي، تقف طهران أمام لحظة تاريخية فارقة، حيث تواجه تحديات وجودية تتجاوز العقوبات الاقتصادية، لتطال صلب عقيدتها الأمنية، في وقت يجيد فيه “الاحتلال الإسرائيلي” استغلال لحظة الانكشاف هذه، بينما ترقب أنقرة المشهد بعين “البراغماتية الحذرة”.

أزمة “الانكشاف الاستراتيجي” في طهران

 

تعيش إيران اليوم أزمة مركبة يمكن وصفها بانسداد الأفق. فبعد عقود من اعتماد استراتيجية “الدفاع المتقدم” ونقل المعركة إلى خارج الحدود، تصدعت هذه النظرية بشكل واضح. الاختراقات الأمنية العميقة التي طالت مفاصل حساسة، لم تكشف فقط عن هشاشة استخباراتية، بل ضربت “هيبة الردع” في مقتل. طهران التي كانت تفاوض الغرب من موقع قوة عبر أذرعها، تجد نفسها اليوم مضطرة للدفاع عن بقايا نفوذ منهك، مما وضعها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانخراط في حرب مباشرة لا تملك مقومات حسمها وتخشى تداعياتها على استقرار النظام، أو الصمت الذي يعني تآكل نفوذها الإقليمي ببطء. إن أسباب هذا التراجع لا تكمن فقط في التفوق التقني للخصوم، بل في الترهل البنيوي لنظام استنزف موارده في التمدد الخارجي على حساب البناء الداخلي.

الاحتلال.. استراتيجية “الاستفراد” وتوظيف الفرصة

 

على الجانب الآخر، يسعى الاحتلال الإسرائيلي -رغم أزماته الداخلية- إلى توظيف هذا الضعف الإيراني لفرض وقائع جديدة على الأرض. ما يجري حالياً هو محاولة لتفكيك مفهوم “وحدة الساحات” عبر الاستفراد بكل جبهة على حدة، وعزل طهران عن محيطها العملياتي. إن الفائدة التي يجنيها الاحتلال من مشاكل إيران الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تتعداها إلى أهداف استراتيجية؛ أهمها محاولة تقديم نفسه كشريك أمني “ضروري” في المنطقة لمواجهة ما يصفه بالخطر الإيراني، مستغلاً حالة الفوضى لشرعنة وجوده وتجاوز حقوق شعوب المنطقة، فضلاً عن استغلال تدمير منظومات الدفاع الجوي لفرض هيمنة مطلقة في سماء الإقليم.

أنقرة.. التوازن الدقيق بين الركام

 

في ظل هذا الاشتباك، يقف الموقف التركي في خانة بالغة التعقيد. تركيا، التي تتنافس جيوسياسياً مع إيران في عدة ملفات أبرزها الملف السوري، تنظر إلى الضعف الإيراني بمشاعر مختلطة. من جهة، لا تمانع أنقرة في انحسار النفوذ الإيراني الذي طالما أعاق تحركاتها في الشمال السوري، مما قد يفسح لها المجال لتعزيز أمنها القومي وترتيب أوراقها الحدودية. ولكن من جهة أخرى، تخشى القيادة التركية من “الفراغ” الذي قد يخلفه الانهيار المفاجئ للتوازن، لأن البديل قد يكون فوضى عارمة أو هيمنة غربية مطلقة قد تحاصر تركيا لاحقاً. لذا، تتبنى تركيا سياسة “إدارة المخاطر”: إدانة واضحة لجرائم الاحتلال ووحشيته، مع الحفاظ على القنوات الدبلوماسية، وعدم تقديم طوق نجاة لطهران، بل استثمار ضعفها لفرض شروط أفضل في ملفات الخلاف الثنائي، وتحديداً في مواجهة المشاريع الانفصالية التي تهدد البلدين.

خاتمة

 

إننا أمام مشهد يعاد فيه رسم موازين القوى. إيران تتحول قسراً إلى وضعية الدفاع للحفاظ على المكتسبات، والاحتلال يسعى لفرض واقع أمني بالنار. وفي هذا المخاض، تبقى الرسالة الأهم لنا كقوى وطنية: في عالم تتصارع فيه الأفيال، يجب أن نمتلك مشروعنا الوطني المستقل، حتى لا نكون ساحة بديلة لتصفية الحسابات، أو ورقة مساومة في بريد الرسائل الإقليمية.

إذا كان انهيار النفوذ الإيراني مسألة وقت، فالسؤال الأخطر الذي يجب أن يؤرقنا جميعاً: هل نحن مستعدون للتعامل مع شرق أوسط تحكمه الغطرسة الإسرائيلية المنفردة، أم أننا ننتظر ‘سايكس بيكو’ جديدة لنكتشف أننا كنا مجرد وليمة على طاولتها؟

  • يوسف الناشد

    مهندس وكاتب وباحث في الشأن السياسي، وعضو في حزب الجمهورية، من مدينة الباب، مهتم برصد التحولات الجيوسياسية وقضايا المنطقة.

  • يوسف الناشد

    مهندس وكاتب وباحث في الشأن السياسي، وعضو في حزب الجمهورية، من مدينة الباب، مهتم برصد التحولات الجيوسياسية وقضايا المنطقة.

آخر المقالات

Scroll to Top