مقدمة
ليس الإنسانُ أول كائنٍ ابتكر اللغة أداةً للتواصل مع أقرانه، سبقتْهُ إلى ذلك جميع الحيوانات. كما أنَّه ليس أوّلَ من ابتدع اللهجات، سبقتْهُ إلى ذلك الحيتان، إذ لا يمكن لقطيعٍ من حيتان الأوركا أن يفهم على نقرات عشيرةٍ من حيتان العنبر الأشبه بشيفرة مورس، وكذلك لا يمكن لحيتان العنبر أن تفهم نداءات وصفير بكيع الأوركا.
ولكن؛ يُحسب للإنسان اختراعه الموسيقى، تلك اللغة التي يستطيع البشر جميعًا على اختلاف ثقافاتهم، ولغاتهم، وأجناسهم فهمها والتفاعل معها.
وأعتقد أنَّ البشريّ صعد أولى درجات الأنسنة حين اكتشف الزراعة وطوّر آلياتها، فتحوَّل من كائنٍ مستهلكٍ إلى كائنٍ منتج، ثمّ صعد أخرى حين اخترع اللغة، وأخرى حين صاغ الفلسفة، وأخرى حين اخترع القانون، وأخرى حين اخترع الفنون، ثمّ هبط إلى أسفل الدرج حين غاص في الانتماءات الإثنية، وابتدع الطوائف.
الطوائفُ لسنَ بناتِ الدين
أتتنا الأديان من عند الله، فهل أتت الطوائف من عنده؟
لا، الطوائف اخترعها الإنسان، وقد برزتْ لأسبابٍ مرتبطة بالنفوذ والسلطة كأدواتٍ سياسيّة بديلةٍ للأحزاب، في الوقت الذي لم تعرف البشرية فيه الشكل الحالي للأحزاب.
لذلك لا أستطيع أن أرى الطوائف إلَّا كحركاتٍ سياسيّة مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالسلطة والنفوذ، وقد تمّ إلحاقها بالجانب الديني لإعطائها القدسية وشرعيَّةَ الوجود ولضمان الحفاظ على وجودها فيما بعد.
وربّما ليست المشكلة في الطائفة من حيث فكرة تمايز البشر وحاجتهم إلى تشكيل تيار يجمعهم وفق تقاطعات معينة، وهنا أقصد الطائفة بمعناها المجرّد كطيف من الأطياف لا بمعناها الاصطلاحي المتعارف عليه كانتماءٍ مذهبيّ، ولكنَّ المشكلة تكمن في أنَّ الطوائف قامت على أساس الانقسام والتحريض على الآخر المختلف، وراحت كلُّ طائفةٍ تقول عن نفسها إنَّها الأفضل وإنَّ غيرها أقل شأنًا.
إنَّ الطائفة ليست ابنة الدّين، بل هي كائنٌ طفيليّ يعتاشُ عليه، ثم إنّها تستمدّ قوتها من صلابة قوقعتها، وتحاول قطع سبل التواصل مع الطوائف الأخرى باختراع الأساطير والسرديات الواهمة لتبقي أتباعها داخل القمقم منعًا من التقاء وجهات النظر، واختفاء حاجة الإنسان إلى وجودها.
ما يحدثُ في سوريا ليس تطرفًا دينيًا
كشخص ينحدرُ من بيئةٍ إسلامية، ويمتلك الكثير من الفضول الذي دفعه دومًا إلى البحث بغية فهم تركيبة المجتمع، وإدراك الفوارق بين البيئات والثقافات؛ ليست المشكلة في سوريا اليوم هي التطرّف الديني، وليس ما نشهده من اصطفافات فئوية قائمٌ على أي أساسٍ دينيّ.
هناك تكتلٌ ذكوريّ لأشخاصٍ يمارسون أفعالًا لا علاقة لها بالتطرّف الديني، وتحوي من البذاءة الكثير.
لقد تم إنتاج الصفاقة وتحصينها بلبوس الاصطفاف الطائفيّ من أشخاص أغلبهم كانوا مؤيدين لنظام الأسد، وفي أفضل الأحوال صامتين، وهنا لا أُدين موقف أحدٍ إذ إنّني أؤمن بحرية الإنسان في التزام الصمت، لكنني أقوم بتشريح المشهد لا أكثر.
إذًا هو تكتل طائفي لا يقوم على الاصطفاء الديني ولا يمتُّ للدين بصلة، لم تخلقه السلطة لكنَّها استفادت من وجوده وقامت باستثماره.
ماذا لو؟
ولكن، ماذا لو كان المؤتمر الذي عُقدَ وطنيًا؟
ماذا لو تم تمثيلنا كشعب على اختلاف مشاربنا بحقّ، وتُرِكَتْ لنا حرية العتاب والهجاء والصراخ والخصام، وبعد ذلك كلّه: حرية الجلوس إلى الطاولة لصوغ عقدٍ اجتماعيٍّ عماده العدالة الانتقالية؟
تلك العدالة التي لن تتيح لمخلوقٍ سوريّ استثمار مظلوميّته.
ما الذي كانت ستخسره السلطة لو كان إخراج المسرحية أفضل، وفيه احترامٌ للجمهور؟
هل كان ينبغي لنا أن نحضر عرضًا رديئًا كالذي شاهدناه؟
ثمَّ ماذا لو نهضت الجموع وعارضتْ قتل الأبرياء في الساحل والسويداء؟
ما الذي كنّا سنخسره لو وقفنا ضدّ القتل؟
لا زلتُ أذكر أنَّ عناصر الأمن العامّ الذين كشفوا ما حدث في الساحل، وعارضوا القتل بڤيديوهات صوروها من جوالاتهم، كانوا جميعًا ملتحين، وأغلبهم من إدلب.
ما يحدث اليوم ليس تطرفًا دينيًا، فنحنُ نعرف جيدًا أنَّ السلفيّ لا يرفع يده على امرأة في تظاهرة أو اعتصام فيضربها ويشتمها.
هذا مصنعٌ للبذاءة، وعلينا أن نختمه بالشمع الأحمر إذا ما أردنا المضيّ قدمًا نحو حياةٍ أفضل، وعلينا أن نرفض خطاب الكراهية تجاه خصومنا قبل أصدقائنا.
ماذا بعد؟
لا تُدار البلاد بالنكايات، ولا بالدعوات إلى النباح، ولا بطقطقة المقصّات، ولا بجسّ النبض عن طريق صفحات السوشال ميديا، لأنَّه بقدر ما يمكن أن يخلقه ذلك من بروباغندا قوية، يبقى وهمًا يسهل تحطيمه في ليلة واحدة.
إنَّ تأجيل العمل بشكل جديّ على ملف العدالة الانتقالية سيتيح المجال لمزيدٍ من الفوضى، وإنَّ الاستثمار في الفوضى ينفع في ثقافة الميليشيات لأنَّ رهانها يكون على المرحلة الآنيّة، أما في السياسة المعنية بالنهوض بدولةٍ من تحت الركام فإنَّ هذا يزيدُ الأنقاضَ دمارًا.
كما أنَّ تجاهل تفشي خطاب الكراهية من دون تفعيل دور المحاكم الإلكترونية التي تحدّ من انتشاره سيحيلنا على واقع أكثر سوداويّة.
ثمّ ماذا لو اعتذر رئيس البلاد من أهل الساحل والسويداء، باللغة نفسها التي اعتذر بها من أهالي دير الزور؟ ما الذي كان سينقصنا؟
لماذا دفعنا بالجموع خارج الدائرة، ثمّ أخذنا نتذمّر من وقوفهم خارجها؟
نحن من دفعناهم بأيدينا حين صمتنا عن دفعهم من الشرفات (لن أنسى هذا المشهد ما حييت).
القصاص الجمعيّ مقتلة للبلاد، وشعور فئاتٍ من المجتمع أنَّها مهزومةٌ ومكسورةٌ إنّما هو تكديسٌ للجمر تحت الرماد، الجمر الذي سيحرق البلاد عند أول عاصفة تزيل الرماد عنه، وهذا ما لا نتمنّاه جميعًا.
ختامًا: ما يؤسفني حقًا أننا اشترينا الكراهية مجانًا، إذا كان بالإمكان تفادي كلّ ما حدث، وجميع ما حدث لم يجلب فائدةً لأي طرف.
كم كنتُ أتمنى لو توقف الزمن عند الأسبوع الذي هرب فيه الأسد، ذلك الأسبوع الذي تشارك فيه السوريون جميعًا -باستثناء القتلة- شعورًا حقيقيًا واحدًا، ثم افترقنا بعدها.
وإلى أن نلتقي مجددًا على طاولة واحدة، أُمنِّي النفس أن نتحلَّى بنزاهة الخصومة، على أقلّ تقدير.