Kurd

English

غيّاث مطر.. غاندي الصغير

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

غيّاث تيسير مطر، ابن داريّا في غوطة دمشق الغربيّة و«غاندي الصغير»، وأحد أشهر شهداء الثورة السورية وأعمقهم تأثيرًا فيها.

 

وُلد غيّاث في داريّا عام 1986 ونشأ فيها لأسرة عاملة، وكان رياضيًّا واعدًا لم يثنِه حصوله على المركز الثاني في بطولة الجمهورية وعمله مع والده عن الانضمام لركب التظاهرات مطلع الثورة ثم قيادتها، وتأسيس «تنسيقية داريّا» رفقة أقرانه يحيى شربجي ومجد خولاني وإسلام الدبّاس ومحمّد قريطم وأسامة نصّار وآخرين، وعُرفوا بانتهاج مبدأ اللاعنف في كلّ تحرّكاتهم اقتداءً بأستاذهم الشهيد الشيخ عبد الأكرم السقّا، فكان غيّاث يتقدّم صفوف التظاهرات مهديًا الورود وعبوات المياه لعناصر أمن نظام الأسد وجيشه، قاصدًا إبراز الجانبين الإنساني والوطني للاحتجاجات، وهو ما لم ينجح بتليين موقف النظام واعتماده القمع والاعتقالات والرصاص العشوائي ضدّ معارضيه.

استمرّ غيّاث في الاحتجاج السلميّ حتى مع تصاعد عنف النظام ومخابراته، وشكّل ورفاقه حالةً فريدةً من الرقيّ والعناية بالمرافق العامّة وتنظيفها، والتوجّه إلى جميع أطياف السوريّين، وطبعت الوحدة الوطنية جميع نشاطاتهم، من الهتافات إلى اللافتات بأيديهم المبدعة وبلغاتٍ عدّة، وكان منها أيضًا تعاونهم مع مسيحيّي مدينتهم داريّا لتأمين حماية المتظاهرين عند محاولة قوات النظام ملاحقتهم، قبل أن تشتدّ الظروف قسوةً ويُضطر إلى الاختباء من عيون النظام رفقة يحيى شربجي لأسابيع.

وفي السادس من أيلول/ سبتمبر 2011 اعتقل نظام الأسد شقيق يحيى، معن، واستغلّ الموقف لتهديده وإجباره على الاتصال بيحيى والطلب إليه المجيء بزعم أنه مصاب، فأسرع إليه رفقة غيّاث ليُقبض عليهما. وبعد ثلاثة أيام أبلغت قوّات النظام والدي غيّاث باستشهاده، وسلّمتهما جثمانه في اليوم التالي وعليه آثار تعذيب شديدة وطلق ناري وجروح، وفجّر خبر استشهاده غضبًا وحزنًا عارمًا في تشييعه عمّ سوريا ودفع دولًا كبرى لاستنكار الجريمة، وشارك سفراء بعضها (منها اليابان وألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا) في عزائه، ما أثار حنق النظام الذي بادر حتى لمهاجمة مجلس العزاء.

ترك غيّاث مطر خلفه أسرةً مفجوعة، وشقيقين شهيدين هما أنس وحازم، ورسالةً خالدة في وجدان السوريّين بقي كثرٌ منهم يحملها حتى ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، فاستحقّ أن يكون رمزًا لثورة مدنيّة نبيلة ضدّ أحد أكثر أنظمة العالم همجية، همجيةٌ أدمت مدينته الرائدة ونكبت بلاده، واشتهر بلقب «غاندي الصغير»، الذي أصبح عنوان فلمٍ أُنتج عنه سنة 2016 الذي فاز بجوائز عالميّة وعُرض في محافل دولية تذكيرًا بسيرته، وكُرِّمت أسرته بعد سقوط النظام وعودة أهالي مدينة داريّا إليها من تهجيرٍ دام ثماني سنوات.

كان غيّاث شجاعًا مدركًا لخطورة نهجه عليه على الرغم من سلميّته، وآمن ليس بصوابيّته فحسب، بل بانتصاره على نهج الأسد الأمني الإرهابي، ومن آخر ما قاله واشتُهر وتحقّق بعد سقوط حكم بشار في 8 كانون الأوّل/ ديسمبر 2024: «تذكَّروني عندما تحتفلون بسقوط النظام، وتذكَّروا أنني أعطيتُ روحي ودمي من أجل هذه اللحظة».

آخر المقالات

Scroll to Top