Kurd

English

فلسفة العدالة في الرواية العربية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

أمسكت قلمي، وقررت أن أكتب مقالةً عن الرواية العربية الحديثة، وكيف تناول الروائيون العرب الفكرة الرائعة الشاعرية للعدالة وتغنو بها، ولكني ما إن هممت بالكتابة تجمدت يدي، وبدأت صور الأشخاص الذين دافعت عنهم بحكم عملي كمحامية بالتدفق إلى رأسي، فتسمرت في مكاني وخانتني الكلمات التي كانت دائما هي سلاحي الأقوى.
فكيف سأستطيع أن أكتب عن العدالة وأنا أرى الظلم كل يوم من حولي في جميع أصقاع الأرض بدءًا من بلدي وانتهاءً بأبعد نقطة عنها، كيف أستطيع أن أتغنى برواية تقول “في النهاية قد حق الحق وأخذت العدالة مجراها وانتصر بطل القصة؟”.
فلطالما كنت من عشاق القراءة منذ صغري، وأحاول أن أقرأ أي كتاب يقع بين يدي؛ كتب عن روايات رومانسية حالمة، وكتب عن جرائم وألغاز تجعل عقلي في حالة ترقب واستنفار وكأنني أعيش بين صفحات القصة التي أقرأها، أنفصل بها عن عالمي وأعيش ضمن العالم الذي يقوم الكاتب برسمه لي، أشعر كما يشعر أبطال القصة، أبكي عندما يحزنون، وأضحك عندما يفرحون، وأتسمَّر في مكاني عند الوصول إلى ذروة أحداث القصة، أنتظر بشغف وتلهف معرفة الحدث التالي، وكيف سيقوم البطل بإنقاذ من هم في عهدته.
إلى أن جاء اليوم الذي قام أحدهم بإهدائي رواية ليست ككل الروايات.
تلك الرواية التي أصبحت وأمسيت وأنا أقرؤها، لم أستطع أن أتخلى عن الكتاب من يدي إلا عندما يغلبني النعاس، فأسقط أسيرة النوم وهي بين أصابعي. لم تكن بالنسبة لي مجرد رواية أخرى مشوقة بل كانت عالمًا كاملًا أعيش فيه بين أوراقها وسطورها ومع شخصياتها.
حاولت أن أقوم بإسقاطها إسقاطًا تاريخيًا ودينيًا كما فعل كارهوها، ولكني رأيتها أعمق من ذلك، حاولت أن أسقطها على واقعي الذي أعيشه يوميًا، ولكني رأيتها أجمل وأسمى من ذلك، وحتى الآن لم أستطع أن أصنف ذلك العمل العظيم الذي قام به الأديب نجيب محفوظ في رواية “أولاد حارتنا”.
كانت تلك الرواية هي مدخلي إلى عالم كامل جديد تمامًا، عالم عشت فيه بين الحارات الشعبية المصرية القديمة حيث العادات والتقاليد التي كانت قانونًا يعيش على أساسه المجتمع المصري آنذاك، فيه “فتوات” و”أبطال”، فيه من تحاول كسر حاجز العادات التي تمنعها كأنثى من التعلم والعمل، وفيه من يحاول أن يقوم بثورة على الظلم على الرغم من آلاف المعوقات التي تواجهه حتى من أولئك الذين يقوم بالدفاع عنهم، وفيه من الأشخاص من كونوا أسطورة لهم عبر الزمن جعلت من اسمهم كابوسًا للظالمين على الرغم من اختفائهم، فيه من المستغلين والسارقين والمجرمين من جميع أطياف المجتمع.
رواية جعلتني أرى العالم من حولي بشكل مختلف تمامًا، وجعلتني أرى نفسي بطريقة أخرى، فكانت السبب الرئيس الذي جعلني أحاول أن أدخل مجال القانون والدفاع عن المظلومين في مهنة المحاماة التي أعمل بها لأكون أنا نفسي “عرفة” الواقع. ومن هنا بدأت قصتي مع الرواية العربية التي تحمل طابعًا سياسيًا واجتماعيًا، والتي تحاول ترسيخ مفهوم العدالة الاجتماعية.
فثلاثية نجيب محفوظ كانت هي الأشهر في هذا المجال، حاول فيها استعراض الحياة السياسية في الفترة الانتقالية من الحكم الملكي إلى الثورة، مصوِّرًا تأثير السياسية على المجتمع وأفكاره وعاداته بشكل كبير، محاولًا أن يحث المجتمع المصري على القيام بثورة على العادات الاجتماعية أسوة بالثورة السياسية. ولكن، أمام واقع عربي مليء بالصراعات والحروب، كان من الطبيعي للرواية العربية الحديثة أن تكون انعكاسًا لهذه الصراعات، فالكاتب غالبًا ما يتناول الواقع الذي يعيشه محاولًا أن يحدث تغييرًا في المجتمع عبر أدبه وبحسب تصوراته وبأسلوبه الخاص.
فرواية غسان كنفاني “رجال في الشمس” مثلًا كانت من أروع الروايات العربية التي صورت الضياع والتقهقر في نفسية العربي عمومًا والفلسطيني خصوصًا، حاول من خلالها أن يجعلنا نعيش مشاعر الأسى والحسرة على الماضي والصراع بين الغربة والقهر الذي عانى ولا زال يعانيه الإنسان الفلسطيني، فكانت تمثيلًا أدبيًا رائعًا للواقع الفلسطيني.
أما رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، فكانت تصويرًا سيرياليًا لقوانين الطوارئ والمحاكم الاستثنائية التي ألغت روح القانون، وجعلت إرادة الجلاد هي القانون الأسمى في الدولة. بالطبع عندما قرأتها لم أكن أتخيل يومًا ما أن هذا هو الواقع الذي يقبع بعيدًا عني بضعة كيلومترات في سجن من أعتى السجون في العالم (صيدنايا)، ولكن جميع تلك الصور عادت إلى رأسي بعد أن انكشفت وسائل التعذيب في ذلك السجن اللعين.

العدالة الشاعرية: حينما ينصفنا الورق
لقد وجدت الرواية العربية متسعًا لتضميد جراح الواقع، فقد حاول الكاتب العربي تجاوز حدود المنطق الجامد ليحقق توازنًا كونيًا يفتقده المظلومون في حياتهم اليومية. هنا لا تقاس العدالة بمواد القانون أو بنفوذ الفتوات، بل بمدى انتصار القيم الإنسانية في نهاية المطاف.
إنها تلك اللحظات التي أمسك فيها بالكتاب بشغف، أنتظر بلهفة تلك اللحظة التي ينصف فيها البطل من هم في عهدته، وكأن النص الروائي قد تحول إلى محكمة بديلة تصدر أحكامًا عادلة تمنحنا نوعًا من الراحة الزائفة التي عجزنا عن نيلها في الواقع الصاخب بالظلم.
وقد تجلت هذه العدالة في أبهى صورها عند عميد الأدب العربي طه حسين في روايته دعاء الكروان. ففي مجتمع تحكمه أعراف قاسية تجعل من الضعيف ضحية سهلة، تبدأ القصة بظلم اجتماعي صارخ يقع على هنادي (وهو اسم والدتي التي أطلقته عليها جدتي بسبب تأثرها بالرواية وحزنها على البطلة)، لنجد أنفسنا بعدها أمام صراع مرير تخوضه شقيقتها آمنة.
هنا لم تتحقق العدالة عبر قاعة المحكمة أو النصوص القانونية، بل عندما تتحول آمنة من ضحية مكسورة إلى قوة تتحكم في الأحداث، وبهذا استطاع عميد الأدب العربي ببراعة أن ينتقم من الظالم، لا بالدم بل بترويض الجاني وإخضاعه لسلطان الحب والندم.
إن انتصار آمنة في نهاية المطاف هو الحكم الذي أصدرته المحكمة الأدبية، وهو ذلك النوع من الانتصارات الذي يجعل القارئ ينفصل عن عالمه الحقيقي ليعيش لحظة من الرضا النفسي والانتشاء باستعادة الحق السليب

تغول الاستبداد: عندما يهزم الحق في الزيني بركات
وعلى النقيض تمامًا من تلك النهايات الحالمة، نجد نوعًا من الروايات التي آثرت أن تضعنا أمام مرآة الواقع العربي المليء بالصراعات والحروب. ففي رواية الزيني بركات للكاتب جمال الغيطاني، نجد أنفسنا أمام لوحة معقدة لغياب العدالة، حيث تتلاشى الحدود بين الحق والباطل في دهاليز السلطة وأجهزة الاستخبارات.
هنا لا ينتصر البطل النبيل بل ينتصر الزيني بركات تلك الشخصية التي تتقن فن التلاعب بالشعارات الأخلاقية الرنانة لترسيخ النظام القمعي الذي لا يرحم.
في هذا العمل يُهزم المثقفون، وتُسحق كرامة الإنسان تحت وطأة البصاصين والمخبرين، تمامًا كما تتجمد يدي حين أريد الكتابة عن العدالة بينما تتدفق إلى رأسي صور المظلومين الذين دافعت عنهم. إنها الرواية التي ترفض العدالة الشاعرية وتكشف كيف يمكن للظلم أن يتحول إلى قانون يعيش به المجتمع، تاركة القارئ في حالة من الأسى والخذلان والتحسر على واقع لا تأخذ فيه العدالة مجراها.

بين ميزان المحاماة وقلم الكتابة
أدرك في نهاية هذا الطواف بين صفحات الرواية العربية أن بحثي عن العدالة ليس مجرد ترف فكري، بل هو محاولة لترميم الشروخ التي أراها يوميًا في صميم عملي كمحامية. فبينما يطالبني القانون بنصوص جامدة وبراهين مادية، تمنحني الرواية فضاءً أوسع لفهم الروح الكامنة خلف المظالم البشرية. لقد تعلمت من نجيب محفوظ في أولاد حارتنا أن العدالة قد تكون علمًا ينير الظلام، ومن رجال في الشمس أن الصمت هو أبشع أنواع الظلم.
إنني اليوم أقف في تلك المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، أرى نفسي “عرفة” الذي يحاول تطويع المعرفة لخدمة المظلومين من خلال كتبي.
قد تخونني الكلمات أحيانًا حين تتزاحم صور من دافعت عنهم في ذاكرتي، وقد يهزمني الواقع الذي لا ينتصر فيه الخير دائمًا، لكني أستمد قوتي أحيانًا من أدب من سبقوني، فقد تعلمت أن قول الحق في ذاته هو نصرة للعدالة. وسأظل أكتب وأرافع متمسكة بالبحث عن الحق الذي تغنى به الكتاب العرب، لعلني أساهم يومًا في جعل العدالة هي الحقيقة التي نعيشها لا مجرد سطر جميل في خاتمة رواية.

آخر المقالات

Scroll to Top