هذا حديث سوف ينكره كثيرون من المثقفين والعلمانيين، لأنهم يودّون أن يسمعوا ما يوافق أهواءهم، فالنفس تأنس لما تهواه وتتشبّث بما اعتادت عليه، ويصعب عليها أن تستوعب غيره حتى لو تبيّن لها أنه حق أو تَوسمت فيه الحقيقة. وأسوأ ما قد يفعله قارئ هذه السطور أن يشرع فيها وهو مسبق العداء أو متقوقع على أحكامه المسبقة، وأسوأ منه أن يرفضها مع سبق الإصرار على تعطيل العقل والمنطق.
هذا حديث ما كان أغنانا عنه لولا أن أصواتاً كثيرة تتنادَى اليوم بالعلمانية الخالصة في مرحلة تسيل فيها الدماء في الشوارع، ويعلو فيها هدير الفوضى على أي صوت آخر. وقد قصدت أن أكون فيه صريحاً كل الصراحة، واضحاً كل الوضوح، بعد أن تجمعت في مجراه روافد المزايدة وروافد التحسب لكل الاحتمالات. وحسبي أنني أقول ما أراه حقاً، ولا أبتغي إلا أن يُحاكَم هذا القول بميزان العقل لا بميزان الهوى.
في واقع سوريا المنهارة على كافة الأصعدة، حين يتفكك القانون المركزي وتعمّ الفوضى، يطفو على السطح جدل حاد: هل يكون الإنقاذ عبر سلطة ذات مرجعية دينية تضبط الشارع، أم عبر مشروع علماني خالص يُقصي الدين تماماً عن المعادلة؟ ينتقد العلمانيون بشدة خيار اللجوء إلى الدين، معتبرين أنه قد يفتح الباب أمام دولة ثيوقراطية قمعية أو يؤجج الانقسامات الطائفية، لكن السؤال الأهم: هل يمكن لمجتمع يتنفّس بالدين أن ينجو بإقصائه عن معادلة الإنقاذ؟
لكن الواقع الميداني يقول شيئاً آخر، عندما تنهار مؤسسات الدولة وينعدم الوقت لتطبيق حلول بطيئة، قد يكون توظيف القوة الروحية للدين هو الخيار العملي الأسرع.
سنقدم هنا رداً فكرياً جريئاً على انتقادات العلمانيين، مسلطين الضوء على أسباب تفوّق الخطاب الديني في ترويض المقاتلين وتوفير التماسك الاجتماعي السريع في ظروف الانهيار، مع عدم إغفال المخاطر وكيفية التحصّن بقيم الدين السمحة لتجنب تلك المخاطر.
في الدول التي انهارت مؤسساتها وتعطّلت سلطة القانون، غالباً ما تتراجع الهوية الوطنية الجامعة لتحل محلها الولاءات الأولية كالطائفة أو العشيرة. إن عودة الناس للانقسامات المذهبية ليست مجرد نكوص بل هي استجابة اضطرارية لفشل الدولة، فعندما تضعف البُنى الوطنية، يبحث الأفراد عن الأمان في الانتماءات الدينية أو الإثنية، ما يزيد من تفتت النسيج الوطني وفي هذا الواقع المتشرذم حيث الكل متقوقع ضمن طائفته تبدو الحلول العلمانية التقليدية (كإطلاق مشروع قومي جامع أو بناء مؤسسات دولة محايدة دينياً) عاجزة عن النفاذ إلى عقول و قلوب الناس سريعاً.
فكيف تقنع مقاتلاً شرساً بالتخلي عن سلاحه لمجرّد وعود بمواطنة متساوية ودستور علماني، بينما يشعر أن انتماءه الطائفي هو ملاذه الوحيد في الفوضى؟
بالتأكيد يطمح أي مجتمع إلى بناء هوية وطنية تتجاوز الانقسامات، لكن هذا البناء يستغرق زمناً طويلاً واستقراراً مفقوداً في الحالة السورية المنهارة.
في غضون ذلك، يصبح السؤال: هل نراهن على نظريات مثالية طويلة الأمد، أم نستثمر فيما يفهمه الناس فعلاً ويحرك ضمائرهم و مشاعرهم فوراً؟ هنا يبرز الدين كخيار واقعي يفرض نفسه بحكم الأمر الواقع مهما تحفظ البعض عليه، وذلك مهما رفضناه لكنه يبقى أفضل من أي خيارات أخرى في هذا الحال المتشظّي.
يرى العلمانيون أن الحكم الديني أو الاستناد إلى المرجعية العقائدية يشكّل خطراً على مدنية الدولة وتنوعها، وتقوم حججهم على مخاوف من استبداد رجال الدين، واحتمال قمع الحريات باسم المقدّس، وإذكاء النزاعات الطائفية بين مكوّنات المجتمع. هذه الانتقادات، على المستوى النظري، مفهومة ولها وجاهتها.
لكن السؤال الحاسم هنا: هل تملك المقاربة العلمانية بديلاً عملياً وفعّالاً في سياق دولة فاشلة انهارت مؤسساتها أمام أعيننا؟
العلمانية اليوم، في هذا الواقع، غالباً ما تبدو جسماً غريباً عن وجدان الأغلبية في المجتمع السوري المتقوقع في طوائفه، مهما ادّعى البعض غير ذلك. وهذه ليست مجرد وجهة نظر، بل توصيف لواقع ملموس: فالفكر العلماني في مجتمعات متدينة كثيراً ما يظهر كجسم دخيل ترفضه مناعة الثقافة الجمعية، ولهذا السبب، يفشل المشروع العلماني غالباً في كسب ولاء العامة بسرعة، خاصة في أوقات الأزمات، حين يبحث الناس عن معنى أعلى وأمان روحي وسط الانهيار.
على الجانب الآخر، يُتَّهَم توظيف الدين في السياسة بأنه يفاقم الانقسام إذا انحاز لطائفة ضد أخرى، وهذا نقد صحيح حين يُستغل الدين بأسلوب متعصّب ومُسيَّس لخدمة فئة بعينها. غير أن الطرح الذي نقدّمه هنا لا يدعو إلى دولة ثيوقراطية طائفية، بل إلى استثمار القيم الجامعة في الدين لضبط النزاعات وكبح الانفلات. فالفارق جوهري بين توظيف الدين كوقود لحرب أهلية، وبين توظيفه كإطار أخلاقي جامع يوجّه سلوك المجتمع ويحمي تماسكه.
في الحالة الأولى يكون النقد العلماني في محلّه، أما في الثانية فإن هذا الانتقاد يضع المثاليات النظرية فوق سلامة الناس وأمنهم. وسنبيّن كيف يمكن للمرجعية الدينية المعتدلة أن تنتقل من عبء مثير للخلاف إلى ركيزة أساسية في الحل.
هناك عدة عوامل تمنح الطرح الديني قدرة أكبر على ضبط الأطراف أو المقاتلين وتهدئة العنف بسرعة، مقارنة بالنظريات غير الدينية، ولا سيما في مجتمع متدين:
التعبئة الفورية عبر القيادة الروحية: يمتلك الزعماء الدينيون رأس مال رمزي وتأثير مباشر على أتباعهم يجعل من ندائهم قوة تعبئة هائلة. فنداء ديني واحد قادر على حشد الجموع خلال ساعات، كما شهدنا من أطراف متعددة، في حين تحتاج خطط الدولة إلى شهور أو سنوات حتى تؤتي ثمارها. وحين تكون الدولة ضعيفة والهوية الوطنية مهزوزة، يصبح النداء الديني الأقدر على إيقاظ الولاء الأعمق الكامن في النفوس واستنهاضها للتحرك الفوري.
جاهزية البُنية التحتية الاجتماعية للدين بخلاف أي أيديولوجيا أو نظرية جديدة، الدين موجود ومتجذر في بنية المجتمع أصلاً. المؤسسات الدينية (كالمساجد والكنائس…إلخ) قائمة وتعمل ولها جمهور واسع. يمكن توصيل الرسائل سريعاً عبرها.
خطب الجمعة أو عِظات رجال الدين الموثوقين، الحكومة المنهارة لا تملك ترف بناء جهاز دعائي أو تربوي جديد من الصفر، بينما المنابر الدينية جاهزة وتعمل منذ مئات السنين.
الخوف من الله كرادع داخلي: على المستوى النفسي، يمتلك الدين سلطة على الضمير لا يملكها القانون الوضعي، خاصة عند غياب تطبيقه. فكثير من المقاتلين في النزاعات الأهلية ينفلتون لغياب الرقيب، فينهبون ويقتلون بلا وازع. لكن استدعاء رقابة الإيمان يمكن أن يلجم هذه الفوضى بسرعة، فـالخوف من العقاب الإلهي عامل شديد الفاعلية في تعزيز السلوك الأخلاقي والتعاون الاجتماعي، إذ يميل الذين يوقنون بعقوبة الله من الانتهاكات إلى التحلي بالإنصاف. وبمعنى آخر، حين يخشى الفرد أن يلقى جزاءه من السماء إذا تمادى في العنف أو الظلم، فإنه يلجم نفسه بنفسه. وهذا بالضبط ما نحتاجه لكبح جماح المقاتلين في وضع تنهار فيه الشرطة والقضاء.
فالدين، في جوهره، يوفّر “شرطة داخلية” في ضمير المؤمن، لا تحتاج إلى تدريب عسكري أو تجهيزات مادية، بل تعمل ذاتياً بقوة الإيمان، فتردع الفرد عن الانفلات وتضبط سلوكه حتى في غياب القانون. وفي الوقت نفسه، يمكن للدين – في غياب هوية وطنية جامعة وصلبة – أن يقدّم هوية فوق طائفية تجمع أطرافاً متباينة تحت مظلة واحدة، مانحاً إياهم إطاراً رمزياً ومعنوياً يعلو على الانتماءات الضيقة، ويذكّرهم بروابط أوسع من العشيرة أو الطائفة، مما يفتح الباب أمام خطاب يوحّد بدلاً من أن يفرّق. وعندما يقترن هذا الإطار القيمي بالعمل الميداني للقيادات الدينية المعتدلة، يتحوّل الدين من عامل شحن واستقطاب إلى أداة لضبط المجتمع وحماية السلم الأهلي.
صحيح أن الطائفية قسّمت الناس، لكن لنتذكر أن الطوائف المتصارعة تشترك في الأصل الديني نفسه. يمكن لخطاب ديني ذكي يركز على المشتركات أن يذكّر الجميع بأنهم إخوة وأن عدوهم الحقيقي هو الفوضى والفساد وليس بعضهم البعض.
التوظيف الواعي لتعاليم الدين يمكن أن يخلق أرضية مشتركة يتلاقى فيها أبناء الوطن الواحد بدل أن يتذابحوا.
وليس هذا مجرد تنظير
خلال الفوضى، غالباً ما تصبح المساجد والكنائس مراكز تنظيم أهلي توفر الدعم والإرشاد، حيث يغيب دور الوزارات الرسمية، توظيف هذه الطاقة الكامنة أكثر واقعية من انتظار تخريج دفعات جديدة من الشرطة والجيش في خضم الانهيار والغرق. فالتدريب العسكري الاحترافي يتطلب سنوات من البناء والميزانيات وهي عوامل غير متوفرة بينما استدعاء الوازع الديني فعّال على الفور وبدون كلفة تُذكر.
هذه العوامل مجتمعة تفسّر لماذا يتبنّى الناس الدين أسرع من غيره في الظروف الحرجة. المجتمع المتدين أساساً لا يحتاج أن يتعلم الولاء لفكرة عليا جديدة، فهو يعرف ولاءه لله مسبقاً، في المقابل النظريات الوضعية تتطلب إقناعاً فكرياً ومنطقاً بارداً قد لا يصمد أمام عواطف الخوف والغضب خلال الحروب.
من الناحية النفسية، الدين يرتبط بالمعنى العميق والقيم الروحية التي يحتاجها الإنسان خاصة وقت الأزمات. حين تنهار الحياة المادية والنظام من حول الفرد، يبحث تلقائياً عن معنى أعلى يعطيه سبباً للصمود والأمل. الإيديولوجيات العلمانية قد تعد بالحرية أو الرخاء مستقبلاً، لكنها تعجز عن إجابة تساؤلات الفرد القلقة في لحظته الراهنة: لماذا أقاتل؟ ماذا لو متُّ غداً؟ هنا يقدم له الإيمان إجابات شافية (أنه يجاهد في سبيل الله، أو يدافع عن عرض وكرامة أهله بدافع ديني، ويوقن أن الموت في هذه السبيل شهادة مكرّمة). هذه العوامل الوجدانية تصنع تماسكاً نفسياً للمقاتل المؤمن يصعب تحقيقه عبر خطاب وطني جاف أو وعود سياسية.
علاوة على ذلك، الدين كمنظومة أخلاقية يوفر آليات للمصالحة والتسامح تحتاجها عملية إطفاء الحرب الأهلية.
مثلاً: فضيلة العفو والتسامح مع الخصم نجد أساسها متيناً في الإيمان، بينما في القومية أو الأيديولوجيات الوضعية قد تطغى نزعة الانتقام والثأر بدون كوابح روحية. أيضاً مفهوم التوبة يمنح المخطئين فرصة للاندماج من جديد، كثيراً ما يبادر مقاتلون إلى إلقاء السلاح إذا شعروا بتأنيب ضمير ديني وأن باب التوبة مفتوح لهم، بينما لو كان المنطق السائد دنيوياً محضاً قد يمعن في الجريمة و خاصة بغياب المساءلة.
من زاوية علم الاجتماع، يشكّل الدين شبكة تضامن اجتماعي فائقة القوة. فالشعائر الدينية تخلق تماسكاً جماعياً لأن الناس تشعر بوحدة الهدف والقيم أثناء ممارستها، هذا التماسك نراه في ساحات المعركة أيضاً، فالجندي الذي يؤمن أن رفاقه يتقاسمون معه الصلاة والدعاء نفسه سيكون أوثق بهم، في المقابل، الجيوش المبنية على ولاء وطني هش قد تنهار سريعاً تحت الضغط (كما شهدنا انهيار الجيش السوري و العراقي رغم تفوّقهم العددي، لأنه افتقد العقيدة القتالية الصلبة). لا غرابة أن الكثير من المحللين العسكريين يعتبرون العقيدة (الدينية أو الأيديولوجية) سلاحاً معنوياً قد يفوق أهمية السلاح المادي.
وينبغي ألا نغفل جانباً آخر أثبته الواقع: سهولة إعادة تأهيل المقاتلين المتطرفين عبر الخطاب الديني المعتدل مقارنة بمحاولات التأهيل الأخرى. حيث تعتمد برامج التأهيل على إشراك علماء الدين في الحوار مع المتطرفين لإقناعهم بنبذ العنف وتصحيح مفاهيمهم، لقد تبيّن أن كثيراً من حَمَلّة السلاح المنضوين تحت رايات دينية لا يتركون التطرف إذا واجهناهم بخطاب علماني معادٍ للدين، بل العكس قد يزيدون تشدداً. بينما عندما تأتيهم النصيحة من كتاب الله، وفتاوى علماء يوقرونهم، تلين قلوبهم أسرع ويتراجعون عن الغلو.
أن مخاطبة عقلية المقاتل المتدين بمنطقه المألوف (الدين) أجدى من محاولة اقتلاعه من قناعاته قسراً.
لا بد من الاعتراف بأن استخدام الخطاب الديني في سياق سياسي حساس لا يخلو من تحديات، وأبرزها خطر تحوّل التعبئة الدينية إلى فتيل يشعل الصراع الطائفي إذا قام كل طرف بتجييش أنصاره باسم الدين ضد الآخر.
وهي مخاوف مشروعة يجب التعامل معها بوعي وحذر. لكن الحل لا يكون برفض الدور الديني وترك الساحة فراغاً، بل بتوجيهه نحو خطاب جامع لا إقصائي، فالخطاب الديني يمكن أن يكون وطنياً توحيدياً إذا صدرت النية الصادقة بذلك، مع التركيز على القيم العليا المشتركة كالعدل والرحمة ووحدة الصف في مواجهة الفتنة وتجنّب الخطاب المذهبي الضيق أو التكفيري. بهذه الطريقة نحقق المعادلة الصعبة، تعبئة دينية فاعلة دون الانزلاق إلى حرب دينية.
ومن المخاوف الأخرى التي يطرحها العلمانيون خشيتهم من أن تقود السلطة ذات المرجعية الدينية إلى نظام ثيوقراطي استبدادي يضيّق على التنوع الفكري. وهذا التخوف في محله إن كنا نتحدث عن حكم ديني مغلق على غرار بعض النماذج القائمة، لكننا هنا نتحدث عن مرحلة إنقاذية انتقالية في ظل فوضى شاملة، لا عن شكل الدولة النهائي.
حتى من منظور براغماتي بحت، فإن استخدام الدين لضبط الأمن لا يعني بالضرورة قيام دولة دينية طويلة الأمد. وبعد استعادة الدولة لعافيتها يمكن العودة إلى المسار المؤسسي والقانوني الطبيعي مع الحفاظ على مكانة محترمة للدين في المجال العام.
وقد أثبت التاريخ أن كثيراً من الدول استعانت بالعاطفة الدينية في أوقات الأزمات دون أن تنزلق بالضرورة إلى حكم رجال الدين، ففي معظم حركات التحرر، لجأ قادة الثورة إلى تعبئة الشعب بالشعارات الدينية مثل “الله أكبر” و”جهاد التحرير” كعامل حاسم في مواجهة الاستعمار، لكنهم بعد النصر أسسوا دولاً حديثة تقوم على مؤسسات مدنية. والمقصود أن الدين يمكن أن يكون أداة إنقاذ حاسمة تعيد للمجتمع تماسكه وتوحّد صفوفه، ثم يُرشَّد دوره لاحقاً ضمن إطار الدستور والقانون بعد استعادة الاستقرار.
كما تُطرح مسألة جوهرية: ماذا لو كان المجتمع شديد التعدّد دينياً؟ هل يصح استخدام مرجعية دينية في هذه الحالة؟
الجواب أن لكل سياق خصوصيته، ففي مجتمع شديد الاختلاط قد يكون الأنسب التركيز على المشترك الإيماني العام – أي القيم الروحية والإنسانية المشتركة بين الأديان – أو إشراك الرموز الدينية من مختلف الأطراف في قيادة جهود المصالحة.
لكن في أغلب الدول العربية، حيث الغالبية الساحقة تدين بدين واحد (الإسلام) والأقليات الدينية محدودة نسبياً، يكون الدين الجامع للأغلبية ورموزه هم الأقدر على قيادة المصالحة الوطنية، مع الحرص على طمأنة المكوّنات الأخرى.
ففي ظروف الحرب الأهلية يكون لنداء يصدر عن عقلاء دينيين للتعايش وقعٌ أعمق على المقاتلين من مناشدات السياسيين العلمانيين، لأنه يخاطبهم بمنطق بسيط وحاسم: “خافوا الله في وطنكم وإخوتكم”.
يمكن لعلماء الدين والدعاة تبنّي خطاب يركّز على القيم الدينية الجامعة، مثل التسامح، والعفو، والرحمة، وصون الدماء، وهي قيم قادرة على تهدئة النفوس وكبح الرغبة في الانتقام حتى في ذروة الفوضى. هذه اللغة تخاطب الضمير الجمعي وتستنهض الوازع الأخلاقي العميق، وهو ما يعجز عنه الخطاب العلماني في مجتمع متديّن، فبينما يقدّم السياسي أو المثقف نداءً نظرياً بارداً، يقدّم الداعية خطاباً يلامس إيمان الناس ومخاوفهم، فيدفعهم إلى الانضباط والتعايش بقوة الإقناع الروحي لا بسلطة القانون وحدها.
يمكن استخدام النصوص الدينية نفسها لتصويب سلوك المقاتلين نحو السلم بدل الحرب. وبدل أن يستند كل طرف إلى نصوص يبرر بها عنفه – كما يفعل المتطرفون بليّ أعناق المعاني – يجب أن يتبنى الوسطاء النصوص التي تلجم العنف وتدعو لحقن الدماء. وهنا تبرز مسؤولية علماء الدين الوسطيين: الانخراط الميداني المباشر مع المقاتلين، وترسيخ رسالة واضحة أن “الله يأمركم بإصلاح ذات البين وحقن الدماء”. فحضور شيخ موثوق أو خطيب جامع قد يكون له وقعٌ على المقاتلين لا تحققه خطب السياسيين، إذ يكفي أن يبدأ حديثه بآية أو حديث حتى ينصت الجميع باحترام. وإذا نُسّقت هذه الجهود بوعي، تحوّل الدين من وقود للعنف إلى أداة لإصلاح النفوس.
في المحصّلة، الطرح هنا ينطلق من الواقعية، فقد يفضل البعض فصل الدين عن السياسة، وهذا رأي مفهوم في ظروف مستقرة، لكننا لا نتحدث عن سويسرا أو السويد، بل عن سوريا التي تنهار وتتفتت أمام أعيننا. في حالة الطوارئ هذه، لا وقت للتجريب بنظريات تحتاج عقوداً لتثمر بينما الدماء تُسفك الآن.
الدين هو القاسم المشترك الأقوى والأسرع نفاذاً إلى قلوب الناس، اللغة التي يفهمونها ويحترمونها فوراً، والخطاب الوحيد القادر على جعل المقاتل العنيد يلقي سلاحه خوفاً من الله أو ندماً على ذنب، بينما تعجز عن ذلك مائة محاضرة في فلسفة التنوير، هذه حقيقة قد لا تروق للعلمانيين الحالمين بمجتمع مثالي بلا مرجعيات غيبية، لكن إنكارها لا يغيّر من واقعها شيئاً. بل إن الإصرار على استبعاد الدين تماماً في خضم أزمة وجودية ليس إلا ضرباً من العناد الإيديولوجي، يُقدَّم فيه الولاء للنظرية على حساب دماء الناس وأمنهم.
الجرأة الحقيقية تكمن في مواجهة الواقع كما هو، واتخاذ ما يلزم من خطوات حتى وإن خالفت قناعاتنا المسبقة. فإن كان إنقاذ البلاد يتطلّب مدّ يد التعاون إلى العمامة والمنبر، فلنفعل ذلك بلا تردّد، فهو خير وأخف ضرراً من استمرار الاحتراب والفراغ الأمني.
ولكي يتحول هذا الإطار من فكرة نظرية إلى أداة عملية في السياق السوري، لا بد من وضع برنامج واضح للوسطاء الدينيين، يقوم على ثلاثة محاور متكاملة:
توحيد الخطاب الديني المعتدل: تشكيل هيئة موسّعة من علماء الدين الموثوقين من مختلف المذاهب، تتبنى بياناً جامعاً يحرّم استهداف المدنيين، وينبذ الانتقام الطائفي، ويدعو إلى المصالحة الوطنية، ويُعلن على أوسع نطاق حتى يترسخ في الوعي الجمعي.
النزول الميداني إلى مناطق النزاع: انتقال الشيوخ والدعاة إلى خطوط التماس و المخيمات للقاء المقاتلين مباشرة، وشرح حرمة الدماء وأولوية السلم، بأسلوب إيماني مباشر.
ربط العمل الديني بآليات المجتمع المدني: التنسيق مع لجان الصلح والمنظمات المحلية لترجمة الخطاب الأخلاقي إلى إجراءات عملية.
بهذه الطريقة، يتحول الدين من مجرد خطاب إلى قوة ضبط مجتمعي قادرة على كبح دوامة العنف بسرعة، تمهيداً لمرحلة إعادة بناء الدولة على أسس متينة.
ختاماً، إلى من يرفضون فكرة إشراك العمامة في حل الأزمة السورية، نقول بصراحة: أنتم تحاربون ظلّاً بينما النار تأكل البيت. قد لا يعجبكم تدخل رجل الدين، ولا طريقة خطابه، لكن الحقيقة أن كلمته اليوم تصل إلى المقاتل أسرع من أي قرار وزاري أو خطة أممية، فلتتركوا مثالياتكم جانباً الآن، ولتنظروا إلى ما يوقف النزيف فعلياً. نحن لا ندعو إلى دولة الملالي، ولا إلى حكم ثيوقراطي خانق، بل إلى استخدام أقوى سلاح متاح في هذه اللحظة: و هو الدين الذي يتنفسه معظم السوريين ويحترمونه أكثر من السياسيين والمنظّرين.
إذا كان إنقاذ الأرواح يتطلب أن يقف الشيخ في خط النار ليقول للمقاتلين: “حرام عليكم الدم السوري”، فليكن. هذا ليس تراجعاً عن المدنية، بل خطوة اضطرارية لحماية ما تبقى من الوطن. من أراد أن ينتصر للمدنية فليحفظ أولاً حياة المدنيين، وعندها، عندما تهدأ البنادق، يمكننا جميعاً أن نعود إلى طاولة النقاش لنقرر شكل الدولة. لكن إن واصلتم الإصرار على الحل العلماني الصرف في مجتمع يتنفس بالدين، فأنتم كمن يحاول إطفاء حريق بالهواء.
