يمثّل النظام المصرفي أحد الأعمدة الأساسية لأي عملية إصلاح اقتصادي في مرحلة ما بعد النزاع، إذ يعكس مدى قدرة الدولة على إدارة مواردها واستعادة الثقة بالقطاع المالي. وفي السياق السوري، يُعدّ القرار الصادر عن مصرف سوريا المركزي بتاريخ 22 أيلول/سبتمبر 2025 خطوة مفصلية في هذا الاتجاه، لما يتضمنه من إلزامٍ للبنوك الخاصة بتكوين مخصصات كاملة مقابل خسائرها الناتجة عن الأزمة اللبنانية، وتقديم خطط إعادة هيكلة خلال ستة أشهر.
شهد القطاع المصرفي السوري خلال السنوات الأربع عشرة الماضية تدهورًا عميقًا نتيجة الحرب والعقوبات وانكماش النشاط الاقتصادي. وقد تفاقم هذا التدهور بفعل الانكشاف الكبير على المصارف اللبنانية، حيث أودعت البنوك السورية خلال سنوات الحرب مبالغ تقدّرها التقارير المالية بنحو 1.6 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل تقريبًا ثلث إجمالي الودائع في المصارف التجارية السورية.
ومع انهيار النظام المالي اللبناني عام 2019، تجمّدت هذه الأموال فعليًا، لتتحول إلى خسائر محتملة أضعفت ميزانيات البنوك السورية وأفقدتها القدرة على الإقراض والتشغيل. في هذا السياق، جاء قرار المصرف المركزي كمحاولة لإغلاق هذا الملف عبر الاعتراف بالخسائر وإعادة تقييم الأصول على نحوٍ “شفاف”.
لكن المهلة الزمنية المحددة بستة أشهر تثير إشكاليات تتعلق بمدى واقعية التنفيذ وقدرة المصارف على امتصاص الأثر المالي دون انهيار مؤسسي أو انكماش ائتماني.
تنصّ المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية IFRS 9 على مبدأ الاعتراف بالخسائر الائتمانية المتوقعة بطريقة تدريجية تعتمد على درجة تدهور الأصول، بحيث يتم احتساب الخسائر على مدى 12 شهرًا على الأقل، وقد تمتد لتغطي كامل مدة العقد. بناءً عليه، فإن إلزام المصارف السورية بالاعتراف بخسائرها الكاملة خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر يُعد مخالفًا لروح ومعايير IFRS 9، ويُضعف مبدأ الحيطة المحاسبية الذي يوازن بين الواقعية والقدرة التشغيلية للمؤسسات المالية.
يؤدي تطبيق القرار بهذه الصيغة إلى مخاطر نظامية محتملة، منها إفلاس بعض المصارف أو اضطرارها إلى البيع أو الاندماج القسري، فضلًا عن انكماش الائتمان نتيجة تجميد الرساميل لتغطية المخصصات. وبذلك يتحول القرار، من منظور مالي صرف، إلى عبءٍ هيكلي يهدد الاستمرارية التشغيلية للقطاع.
تتوزع الودائع الحكومية في سوريا على عدة مستويات:
- ودائع لدى بنكي التسليف والتجاري السوري المرتبطين ببنوك لبنانية، مما يعرض الأموال العامة لخطر الانكشاف.
- ودائع مودعة عبر مصرف سوريا المركزي، وهي نظريًا مضمونة، لكن دون آليات تنفيذ واضحة.
- الودائع خارج المركزي، وهي حسابات غير مصرح بها رسميًا يحيط بها غموض كبير وشبهات تتعلق بغسل الأموال أو التمويل غير المشروع.
إن غياب الشفافية في تصنيف هذه الودائع ومصادرها يجعل من الصعب تحديد الحجم الحقيقي للتعرض المالي، ويجعل أي إصلاح مالي ناقصًا ما لم يُقرن بإصلاح رقابي مؤسسي يعالج مصادر الخلل البنيوي والحوكمة الضعيفة.
يحمل القرار أبعادًا سياسية واضحة، إذ يسعى المصرف المركزي إلى استعادة الثقة بالقطاع المصرفي المحلي عبر فرض الانضباط بعد سنوات من الفوضى والعقوبات. غير أنّ التوقيت والآليات يشيران إلى محاولة لإعادة هيكلة القطاع ضمن رؤية “انضباط سياسي” أكثر من كونها مقاربة اقتصادية بحتة. كما أن الحديث عن إمكانية الشراكة مع مؤسسات دولية يعكس رغبة في الانفتاح أمام العالم، في إطار مشروع إعادة تموضع اقتصادي منضبط يخضع لرقابة الدولة.
بذلك يمكن فهم القرار كجزء من إصلاح قسري موجّه يهدف إلى تنظيف القطاع وإعادة هندسة تركيبته، لكنه يحتاج إلى بنية مؤسسية مستقلة قادرة على تطبيق المعايير الدولية بفعالية وشفافية.
يعتبر تعزيز إدارة المخاطر المصرفية محورًا لا غنى عنه لأي إصلاح حقيقي. فالقطاع المصرفي في سوريا يواجه تحديات متعددة تشمل المخاطر الائتمانية، السيولة، السوق، والامتثال القانوني. غياب نظم فعّالة لإدارة المخاطر يجعل أي قرار بإلزام المصارف بتكوين مخصصات في مهلة قصيرة محفوفًا بخطر الانهيار أو الانكماش المفاجئ للائتمان.
- مخاطر الائتمان: إعادة تقييم الأصول المكشوفة على لبنان وغيرها، مع اعتماد آليات تقدير مرنة للمخصصات على مراحل، بما يتوافق مع المعايير الدولية.
- مخاطر السيولة: ضمان توفر كفاية السيولة لتغطية المخصصات دون المساس بالقدرة التشغيلية أو الإقراض.
- مخاطر السوق: مراقبة تحركات أسعار العملات والودائع، خصوصًا في ظل تقلبات سعر الصرف ونقص التدفقات الدولارية.
- مخاطر العمليات: تبني أنظمة تقنية متقدمة لإدارة المخاطر، تشمل التحليل اللحظي، المراقبة الداخلية، وأنظمة الإنذار المبكر.
- مخاطر الحوكمة: تعزيز استقلالية مجالس الإدارة، فصل النفوذ السياسي والأمني عن القرارات التشغيلية، واعتماد معايير النزاهة والشفافية.
إن إدارة المخاطر لا تقتصر على حماية المصارف من الخسائر المالية، بل تُعدّ أداة استراتيجية لضمان استقرار القطاع، استعادة الثقة، وتمكين الدولة من استخدام القطاع المصرفي كرافعة للنمو الاقتصادي.
لتجنب الأثر الهيكلي السلبي للقرار، يمكن اعتماد مقاربة تدريجية تشمل:
- تمديد فترة تكوين المخصصات إلى 18–24 شهرًا لتقليل الصدمة على القطاع.
- إنشاء صندوق وطني لإعادة الرسملة بشراكة بين القطاعين العام والخاص.
- تفعيل هيئة رقابية مستقلة لضمان الشفافية في إعادة الهيكلة وإدارة المخاطر.
- وضع خطة لتأهيل الكوادر المصرفية وإحلال الكفاءة محل الولاء في المناصب العليا.
- الدفع باتجاه تأسيس مصرف سوري مشترك في أحد الدول المجاورة، للاستفادة من شبكة المراسلة وتنشيط حركة الأموال والتجارة.
يمثل القرار خطوة جريئة للاعتراف بالخسائر، لكنه محفوف بالمخاطر إذا لم يُدر ضمن إطار إصلاح شامل يربط بين الاعتراف المالي، إعادة هيكلة المؤسسات، وتعزيز إدارة المخاطر. الإصلاح الحقيقي لا يقوم على الصدمات المحاسبية فحسب، بل على تطوير بنية مؤسسية قوية، إدارة مخاطر متقدمة، وكوادر وطنية كفؤة. بهذه المقاربة، يمكن تحويل الأزمة الحالية إلى فرصة لإعادة بناء قطاع مصرفي وطني حديث، مستقل، وكفوء، يشكّل ركيزة أساسية لاقتصاد سوري متعافٍ ومستدام.
