هذا السؤال هو، في جوهره، سؤال عن السياسة بوصفها فنًّا لا سلطة، وعن الشروط التي تجعل السوريين يرغبون في العيش معًا ضمن وطن مشترك. وهو سؤال يحتاج إلى إجابات متعددة المستويات، تتكامل ولا يحلّ أحدها محل الآخر.
1- العدالة الانتقالية: الشرط الصفري
لا يمكن لأي حديث عن تعزيز الرغبة في العيش المشترك أن يتجاوز الحقيقة الصارخة: لا وحدة وطنية من دون عدالة. والعدالة هنا لا تعني الانتقام، بل الاعتراف والمحاسبة والإنصاف. فالضحية التي لم يُعترف بما تعرّضت له، ولم يُحاسَب المسؤول عن ظلمها، لن توقّع عقدًا اجتماعيًا مع من يعيدها إلى الصمت مرة أخرى.
كتب الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي في سجنه: «”تحدث الأزمة حين يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد بعد”، ونحن في سورية نعيش هذه اللحظة بالضبط، وما يقرّر إن كان الجديد سيولد سليمًا هو الخيار الآتي: هل نواجه الماضي أم نكفّنه؟
ولا تعني العدالة الانتقالية الحقيقية المحاكمات العقابية وحدها، بل تشمل أيضًا الاعتراف الرسمي بالمظالم، وجبر الضرر، وإعادة تأهيل ضحايا التهميش الثقافي والهوياتي، وإعادة كتابة الرواية التاريخية بما ينصف كل من أُقصي منها. فعندما يجد الكردي السوري نفسه في كتاب التاريخ الوطني شريكًا لا طارئًا، ويجد المسيحي السوري تاريخه الحضاري حاضرًا لا مهمّشًا، تبدأ الرغبة في الانتماء بالتشكّل من تلقاء نفسها، بدلًا من أن تُفرض من الخارج.
2- الدستور: عقد الحد الأدنى المشترك لا وثيقة غالب ومغلوب
كانت الدساتير الناجحة في تجارب إعادة البناء الوطني وثائق تفاوضية حقيقية، لا إملاءات تفرضها جهة منتصرة. فعندما صاغت جنوب أفريقيا دستورها سنة 1996، شارك ممثلو مكوّنات المجتمع المختلفة في العملية، فنتج دستور عُدّ من أكثر دساتير العالم ضمانًا للحقوق.
والسوريون، بكل تنوّعهم، يحتاجون إلى دستور يجعل كل فرد يشعر بأنه ليس ضيفًا في بلده، بل مالكًا حقيقيًا له. ولن يتحقق ذلك ما دامت صياغة الدستور محتكرة بيد أغلبية تشعر بأن الوطن ملك لها وحدها.
ويرى يورغن هابرماس أن الشرعية الديمقراطية لا تُستمد من نتائج التصويت وحدها، بل من جودة الحوار الذي سبقها. وهذا يعني أن الدستور السوري القادم لن يكتسب شرعيته لمجرد صدوره عن أغلبية، بل من كونه ناتجًا من حوار حقيقي أُتيح فيه لكل صوت أن يُسمع وأن يؤثر.
3- المواطنة بوصفها هوية فوق الهويات
قال أمارتيا سن في كتابه الهوية والعنف إنَّ العنف يُؤجَّج حين يُختزل البشر في هوية واحدة. والسوري لا يحمل هوية واحدة، بل طيفًا متشابكًا من الانتماءات. وقد آن الأوان لبناء نظام تعليمي يكرّس هذا التعقيد بدلًا من تبسيطه أو إنكاره.
نحتاج إلى مناهج تقدّم التاريخ السوري في تنوّعه الحضاري والثقافي، وتدرّب الأجيال على التعامل مع الاختلاف بوصفه ثروة لا تهديدًا. وهذا الاستثمار في الوعي هو أطول مشروعات بناء الرغبة في العيش المشترك وأعمقها.
ولا يقتصر التحول التعليمي على المناهج، بل يمتد إلى تكوين المعلم نفسه؛ فالمعلم الذي يحمل تحيزات طائفية أو عرقية سيُمرّرها إلى طلابه، حتى لو كان الكتاب المقرر يقول عكسها. إن بناء جيل سوري جديد قادر على قبول الآخر يبدأ من إعداد معلم مختلف في وعيه وممارسته اليومية.
4- اللامركزية بوصفها أداة للمواطنة لا للتقسيم
تنبع كثير من المظالم التي تغذّي الرغبة في الانفصال أو الانعزال من الإحساس بالتهميش والإقصاء عن الموارد والقرار. لذلك تمثّل اللامركزية الحقيقية، التي تمنح المناطق صلاحيات فعلية في إدارة شؤونها ضمن إطار وطني جامع، أحد الحلول الممكنة.
واللامركزية بهذا المعنى ليست ضدّ الوحدة، بل إنَّها تعزِّزها. فعندما يشعر المواطن في دير الزور أو الحسكة أو السويداء بأن القرارات المحلية تعود إليه حقًا، تتحول الدولة المركزية من عبء مفروض إلى مظلة مختارة. وهذا التحول في العلاقة بين المواطن والدولة هو ما يحوّل الانتماء من إكراه إلى رغبة.
5- العقل السياسي المتساوي المسافة
ما ينقص الفضاء السياسي السوري هو عقل سياسي يضع المواطنين على مسافة متساوية من الدولة، ويدير التنوع بحياد يُنتج الثقة. فالديمقراطية ليست حكم الأغلبية على الأقلية، بل هي نظام للتداول بين أصوات متعددة ومتساوية في الكرامة.
والسياسي الوطني الحقيقي ليس من لا هوية له، بل من يحسن إدارة هويته بحيث لا تتحول إلى أداة لإقصاء هوية الآخر. وهذه مهارة تحتاج إلى مؤسسات ترسخها، وقضاء مستقل، وقوانين عادلة، وثقافة سياسية تشجع على الاعتراف المتبادل.
6- الإعلام وبناء الرغبة المشتركة
لا يمكن تعزيز الرغبة في العيش المشترك من دون الانتباه إلى دور الإعلام، الذي ظل في كثير من التجارب العربية معمّقًا للانقسام بدلًا من أن يكون جسرًا للتواصل. فالإعلام الذي يغذّي خطاب الاستعلاء، أو يقدّم الآخر المختلف في صورة مشوّهة، أو يحوّل الأزمات المحلية إلى سرديات طائفية وعرقية، يصنع يوميًا تصدعات صغيرة في جدار الوحدة الوطنية.
في المقابل، يستطيع إعلام يقدّم التنوع بوصفه حكايات إنسانية مشتركة، ويبني جسورًا بين السرديات المختلفة، ويتيح للآخر أن يتحدث بصوته لا أن يُتحدث عنه، أن يساهم في بناء الرغبة في العيش المشترك، وربما يؤثر في الوجدان الجمعي أكثر مما تفعله الخطب السياسية مجتمعة.
إن تحوّل السوريين إلى شعب لا يتحقق بإلغاء اختلافاتهم، بل ببناء شروط تسمح لهم بأن يختلفوا من دون خوف أو عنف. فالعدالة والدستور والمواطنة واللامركزية والسياسة والإعلام ليست شعارات منفصلة، بل أسس لقيام وطن يشعر فيه كل سوري بأنه شريك كامل لا تابع ولا ضيف.
