تتطلب إرادة التغيير ـ نحو بناء مجتمع ديمقراطي وتماسك عقد مجتمعي حرـ قرارًا جمعيًّا واعيًا، والتزامًا متبادلًا في شرعية تعدد مسارات البناء، وإرساء الأساسات القانونية والسياسية والمجتمعية التي تخصب الحقل العام بثقافة التنظيم والانخراط في العمل السياسي والمدني المنظم.
تتضاعف أهمية هذه الأولويات في المراحل الانتقالية التي تعقب الحروب والانهيارات التاريخية، حيث لا تنحصرالسياسة في هياكل مؤسساتيّة، بل تتحوّل إلى سؤال وجودي حول البقاء المشترك، وشروط إعادة بناء الفضاء العام.
في سوريا، حيث تغوّل الاستبداد عبر عقود، ثم تناثرت تناقضاته في حرب مُدمّرة وانقسامات مجتمعية، وفي انهيارات بنيوية طالت الدولة والمجتمع معًا، غاب الفضاء السياسي الحر، ليس فقط نتيجة القمع، بل بسبب تفكك البنى التي تحفظ إمكانيات السياسة نفسها. فتسلط نظام الأسد لم يكتفِ بإغلاق المجال العام، بل تحكّم بطبيعة الروابط المجتمعية، وهمّش الحياة السياسية، وساهم في تذرّر الاجتماع الوطني واغترابه عن السياسة، فغزت المجال العام ايديولوجيات كانت تُقنّع الانقسامات وتستدعي هويات جزئية كملاذٍ في لحظات الهشاشة الوطنية الشاملة.
في هذا الفراغ الهائل ـ بعد أن خلّف النظام دولة بلا مؤسسات، ومجتمعًا هش البنيان، وجماعات مسيّسة الانتماءات ـ تترنّح الهوية الوطنية تحت ثقل التصدعات وغياب الفاعلين المنظمين، السياسيين منهم والمدنيين، ويغدو بناء أفق وطني مشترك مسألة مؤجلة، إن لم نقل مهددة.
في هذا السياق، يأتي تأسيس حزب “الجمهورية” كمحاولة تراكمية للإجابة عن أسئلة جوهرية: كيف نعيد السياسة إلى المجتمع؟ كيف يمكن لحزب سياسي أن يكون أداة لإحياء الفضاء العام، وبناء الحس الجماعي، وتحويل مطالب الناس إلى مشاريع تغيير؟ كيف يمكن لحزب وطني أن يُعيد ملء الحقل السياسي ويعمل كمنصة تفتح مجال التعاون مع المجتمعات المحلية وتمكّن المواطنين من المشاركة في صياغة الحياة العامّة؟
وذلك لأنّ الأحزاب ليست مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، بل هي ضرورة لتجسيد التمثيل، وتحويل الصوت الاجتماعي إلى موقف سياسي، والانفعال الحماسي إلى برنامج، والتفكك إلى تنظيم. وعندما تغيب الأحزاب، كما هو الحال في سوريا، يصبح الواقع مفتوحًا على الهويات ما دون الوطنية، وتُترك الفئات المهمشة لمصيرها، ويتعزز التطييف والتذرر، في ظل غياب الأطر التمثيلية الجامعة.
في ظل النظام الأسدي، تحوّلت الأحزاب إلى هياكل شكلية أو خلايا سرية تتآكل من الداخل. أما اليوم، في زمن التحلل والانكشاف، فإن العمل السياسي المنظم لم يعد فكرة طوباوية، بل ضرورة وجودية للسياسة. الحزب هو المساحة التي تتوازن فيها العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويتبلور فيها التمثيل، وتُعاد صياغة دلالات المشاركة والمحاسبة. والحزب ليس الشكل الوحيد للانخراط في بناء المجال العام، ولكنه من أكثر الأشكال أهمية في تفعيل الحقل السياسي، وفي تكوين البنى اللازمة للتفاوض والتأثير والتغيير. وبهذا المعنى فإن الحزب يتكامل في طبيعة أدائه مع قوى المجتمع المدني في أدوار بنائية وتنظيمية متنوعة تؤسس لثقافة التعدد والتوازن في أشكال الممارسة السياسية والمساءلة وصنع القرار.
إنّ اختيار اسم “الجمهورية” ذو دلالة معرفية ـ سياسية تعيد الاعتبار إلى الفضاء العام كملكية مجتمعية مشتركة. فالجمهورية ليست إرثًا سلطويًا، بل مشروعًا يُبنى بالتشاركية، يتجاوز فكرة الدولة كجهاز فوقي، ويرتكز على المسؤولية المتبادلة بين المواطن والمؤسسة. وبهذا المعنى نرى”الجمهورية” نقيضاً لاختزال الوطن في العائلة أو الطائفة أو الحزب المغلق. إنها طموح هادف للمشاركة في بناء حقل سياسي جديد، تكون مبادئ “العدالة، المواطنة والديمقراطية” هي منطلقات تحترم كل حقوق كل مواطني ومواطنات سوريا.
يطرح حزب “الجمهورية” مسؤولية تأسيسية واضحة: أن يكون للحياة السياسية بنى وأدوات، وأن يكون للفعل الجماعي صوت واضح وفاعل.
نأمل بتواضع أن نكون حزب الطموح والرؤية، حزب البرنامج والمسؤولية، حزباً يؤمن بالعمل على مستوى البنى والأدوات ويساهم في تحويل العمل الجماعي المنظم إلى فاعل وطني يتفاعل مع مختلف الأطراف الوطنية في إعادة بناء الدولة والمجتمع.
ننطلق من الإيمان بأن التغيير يبدأ من التنظيم، من وضوح المبادئ، من احترام السياقات، من الصدق في العمل، ومن التواضع أمام تعقيد التحديات. لهذا نرى أنفسنا طرفاً مسؤولاً ضمن فسيفساء وطنية تتشكّل، وشركاء في إعادة بناء السياسة، وبناء الثقة، وبناء الجمهورية.
” لماذا الجمهورية؟”:
لأن استعادة السياسة لا تتم إلا عبر التنظيم.
لأن سوريا لا تُبنى إلا بشراكة كل مواطنيها.
لأن الفضاء العام لا يعودُ حيّاً إلا بوجود أحزابٍ تحمل مشروعاً وطنياً، تتحدث بلغة الناس، وتصوغ الأمل بممارسة الفعل.
نحن نفتح باب “الجمهورية”: فإن كنت ترى مثلنا أنّ مانخسره كل يوم من أواصر الهوية الوطنية الجامعة لا يمكن استعادته إلى بفعل جماعي منظم،
فانضم إلينا وشاركنا الطريق، فالجمهورية لا تُبنى إلا بأبنائها كافّةً.
