بعد أشهر من سقوط النظام، بدا وكأن السياسة عادت أخيرًا إلى السوريين. أحزاب جديدة، وجوه شابة، نقاشات تمتد حتى منتصف الليل حول مستقبل البلاد. دخل الناس إلى العمل السياسي وهم يحملون رغبة حقيقية في بناء شيء مختلف. وكان من الطبيعي أن يكون الأمر كذلك، فالسوريون لم يُمنحوا هذه الفرصة من قبل، أو مُنحوا منها نسخة مشوّهة طويلًا.
لكن الحماسة، وحدها، لا تبني حزبًا.
هذه ليست ملاحظة نقدية موجّهة لأحد بعينه. هي حقيقة يكتشفها كلُّ من عمل داخل أي تنظيم سياسي ناشئ، في أي بلد، في أي مرحلة انتقالية. بين لحظة الانخراط الأولى المشحونة بالأمل، وبين تحويل هذا الانخراط إلى عمل تنظيمي متراكم وقادر على الاستمرار، ثمة مسافة أطول مما يبدو. وفي هذه المسافة تحديدًا تواجه الأحزاب السورية الجديدة اليوم اختبارها الحقيقي.
المشكلة ليست في النيّات، ولا في الأفكار، ولا حتى في الظروف الصعبة التي يعمل فيها الجميع. المشكلة أعمق من ذلك: إنها مشكلة الانتقال من نمط سياسي إلى نمط آخر مختلف كليًا. فالسياسة كما مارسها السوريون خلال سنوات الثورة والحرب كانت في جوهرها سياسة استجابة: موقف أخلاقي حاد، تعبئة في لحظة أزمة، ردّة فعل على حدث. وقد كان لهذا النمط مبرره الكامل في سياق الصراع المفتوح. لكن الانتقال من هذا النمط إلى العمل الحزبي المؤسّساتي ليس مجرّد تعديل في الأسلوب، بل تحوّل في المنطق كله. فالمؤسّسة لا تعمل بطاقة الطوارئ، ولا تنتج قيمة مستدامة من موجات الحماسة المتقطعة. تحتاج إلى شيء أصعب وأبطأ: تنظيم، وأدوار موزّعة، وعمل يسير حتى في الأيام الرتيبة التي يغيب فيها الإحساس بالتقدم.
هذا ما يجعل التجربة الحزبية السورية اليوم مثيرة للاهتمام ومقلقة في آنٍ معًا؛ مثيرة للاهتمام لأن كثيرًا من الأحزاب الجديدة تضم أشخاصًا أكفاء وأصحاب نيات صادقة وأفكارًا جديرة بالبناء عليها. ومقلقة لأن القدرة على تحويل هؤلاء الأفراد إلى مؤسّسة حقيقية تبقى هي العقبة التي لم تُتجاوز بعد.
داخل هذه الأحزاب، يظهر نمط متكرِّر يكاد يكون قانونًا عامًا في تجارب العمل التنظيمي الناشئ: عدد محدود من الأشخاص يحملون الحمل الأكبر، بينما تبقى بقية الأعضاء في موقع المتابع أو المنتظر. ليس لأن هؤلاء كسالى أو غير مبالين، بل لأن العلاقة بين العضو والحزب لم تُبنَ بصورة تجعل مساهمته ضرورة وليس خيارًا. يأتي كثيرون بتوقّع ضمني بسيط: أن يكونوا جزءًا من مشروع يسير في الاتجاه الصحيح، أن يتلقّوا المواقف، أن يشعروا بالانتماء. وهذا مفهوم إنسانيًا، لكنه يحوّل الحزب بالتدريج من مؤسّسة تُنتج العمل السياسي إلى مؤسّسة ينتظر أعضاؤها منها كل شيء.
الفرق كبير. فالحزب الذي يعمل بهذه الطريقة يُنتج متابعين أكثر مما يُنتج فاعلين. أما الحزب الذي يعمل كمؤسّسة فيُنتج كوادر، ويراكم خبرة، ويبني علاقة حقيقية مع المجتمع. الأول يحتاج إلى محتوى. الثاني يحتاج إلى بنية.
والأخطر أن هذا النمط لا يظهر بوضوح منذ البداية. الحزب يبدو نشيطًا من الخارج، والأسماء في القوائم كثيرة، والاجتماعات تُعقد. وأحيانًا تظهر المشكلة في تفاصيل صغيرة تبدو عابرة: اجتماع يُدعى إليه عشرون شخصًا، يؤكد معظمهم الحضور، ثم ينتهي الأمر بعددٍ قليلٍ يصل في الموعد ويكمل العمل حتى النهاية. ليست المشكلة هنا في اجتماع واحد، بل في نمط كامل من العلاقة مع العمل التنظيمي نفسه، بوصفه أمرًا يمكن تأجيله دائمًا أمام أي أولوية أخرى. العمل الفعلي يظلُّ محمولًا على عددٍ محدود، وهؤلاء يتآكلون تدريجًا تحت ثقل ما يحملون. يُنتج ذلك إحباطًا صامتًا على الجانبين: المُرهَق من كثرة ما يُلقى عليه، والمُهمَّش من غياب دور حقيقي يشعر فيه بالجدوى. ومع الوقت، يبدأ الطرفان بالشعور أن الحزب لا يتحرك بالسرعة التي تخيّلوها، على الرغم من أن المشكلة ليست دائمًا في غياب الجهد، بل في طريقة توزيع هذا الجهد أصلًا.
وتوزيع الجهد لا يتحسن بالنيّات، بل بشيء أبسط وأصعب في آنٍ معًا: وضوح الأدوار. كثير من الجمود التنظيمي الذي يُفسَّر بضعف الحماسة هو في الحقيقة نتاج غياب التكليف الواضح. حين لا يعرف العضو تحديدًا ما المطلوب منه، ولا كيف يُتابَع ما يفعله، ولا أين تذهب مبادرته إن أراد أن يبادر، يشيع شعور من نوع خاص: ليس الكسل، بل عدم الجدوى. وهو شعور أخطر، لأنه يصيب الناس الجادين قبل غيرهم. المؤسّسات تحتاج إلى وضوح، لا إلى حماسة إضافية. وما يبدو تفصيلًا إداريًا ثانويًا، كمحضر الاجتماع الموثَّق والقرار المتابَع والمهمة ذات الاسم والموعد، هو في الواقع ما يحوّل الطاقة البشرية من مشاعر متقطعة إلى عمل متراكم.
وهنا تبرز مسألة تُغفَل في أغلب النقاشات عن بناء الأحزاب الجديدة: أصحاب الخبرة. ثمة في كلِّ تجربة حزبية ناشئة أشخاص يملكون رصيدًا فكريًا وتنظيميًا حقيقيًا، لكنهم يُفضّلون الوقوف في مسافة آمنة من العمل اليومي بكلِّ ما ينطوي عليه من بطء وتفاصيل وأخطاء. يُراقبون، وينتقدون، وأحيانًا يُقدّمون تحليلات ثاقبة. لكن الحزب يحتاج منهم إلى شيء أصعب: أن يمشوا داخل العملية. لأن الفجوة التي يخلقها بُعدهم لا تُعوَّض بالتعليقات من خارجها، بل تتّسع مع الوقت بين الخبرة المتراكمة والأجيال الجديدة التي تحتاج إلى من يعمل معها لا إلى من يقيّمها. ولأن الخبرة التي لا تدخل في عملية البناء تتحوّل مع الوقت إلى معرفة معزولة أكثر من كونها قوة تنظيمية حقيقية.
والسؤال الذي يكشف هشاشة أي مؤسّسة بسرعة هو: ماذا يحدث حين يغادر هذا الشخص أو ذاك؟ إذا كان الجواب “يتوقف كثير من العمل”، فالمشكلة ليست في الشخص. المشكلة في أن الحزب بنى قدرته حول أفراد لا حول بنية. والفرق بين المؤسّستين هو تحديدًا هذا: واحدة تعيش بقدر ما يعطيه أفراد بعينهم، والأخرى تعيش بقدر ما أنتجت من بدائل وراكمت من خبرة. والمشكلة أن بناء الكوادر لا يحدث وحده مع مرور الوقت. الأحزاب التي عملت داخل بيئة غابت عنها السياسة لعقود لا تستطيع انتظار الخبرة كي تتشكل تلقائيًا. الكوادر تُبنى بالتدريب، وبنقل الخبرة، وبإعطاء الأعضاء فرصة حقيقية للتجربة وتحمّل المسؤولية تدريجًا. أما الحزب الذي لا يفعل ذلك، فيبقى عالقًا في الحلقة نفسها: الأشخاص أنفسهم يحملون العبء نفسه، مرة بعد أخرى.
بناء مؤسّسة سياسية في سوريا اليوم يعني كلَّ ذلك معًا: وضوح الأدوار، وتوثيق التجربة، والاستثمار الجاد في تطوير الكوادر، وثقافة تنظيمية تجعل نقل المسؤولية ممارسة اعتيادية لا أزمة. وهو عمل أبطأ وأقل بريقًا من كتابة البيانات والظهور الإعلامي، لكنه العمل الوحيد الذي يجعل الحزب حيًّا بعد أن تهدأ موجات التعبئة الأولى.
الأحزاب التي نجحت في التحوّل إلى مؤسّسات حقيقية في تجارب الانتقال المختلفة لم تفعل ذلك لأنها كانت أكثر حماسة. فعلت ذلك لأنها أدركت في لحظة ما أن الحماسة مادة خام، والمؤسّسة ما تُصنع منه. وبين المادة الخام والمنتج النهائي عمل طويل لا اختصار فيه.
وربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي أمام الأحزاب السورية الجديدة اليوم: ليس عدد الأشخاص الذين استطاعت أن تجذبهم، بل هل نجحت في تحويل نفسها إلى مؤسّسة حقيقية؟