Kurd

English

منطق الردّة السياسية وإعادة إنتاج الصراع: أزمة المواطنة في سوريا الجديدة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

يناقش هذا التحليل سوسيولوجيا المواطن السوري بين الجماعة والدولة في ظل الحكم الجديد، مع تسليط الضوء على أزمة الولاءات الأولية – الدينية والطائفية والعشائرية – في مقابل مفهوم الدولة الوطنية الجامعة. ويهدف إلى تقديم قراءة نقدية لأبرز الأفكار المفسّرة لهذه الأزمة، عبر استعراض الخلفية التاريخية التي أسهمت في تشكيل الذهنية السياسية السورية، وتقييم تحديات الواقع الانتقالي بعد سقوط نظام الأسد وتولي أحمد الشرع مقاليد الحكم. كما يركّز على إشكالية الخلط بين الولاء للجماعة والولاء للدولة، وما ينطوي عليه ذلك من مخاطر تهدد السلم الأهلي. وفي الختام، يقترح مساراً لبناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات التقليدية، باعتباره الخيار الضروري لتجنّب إعادة إنتاج الصراع.

مقدمة

شهدت سوريا تحوّلاً جذرياً في أواخر عام 2024 بسقوط نظام الأسد بعد أكثر من خمسين عاماً من الحكم الدكتاتوري الوراثي

هذا التحول فتح فصلاً جديداً في الحياة السياسية والاجتماعية للسوريين، وأثار تساؤلات عميقة حول سوسيولوجيا المواطن السوري وعلاقته بالدولة والجماعة بعد انهيار القبضة الحديدية للنظام.

فعقود الاستبداد والصراع الطويل أعادت تشكيل وعي الأفراد وهوياتهم، تاركةً آثاراً نفسية وانتمائية ستؤثر على طريقة تفاعلهم مع الدولة ومع الجماعات الدينية والقومية المختلفة في مرحلة ما بعد الأسد.

تركّز هذه الدراسة على تحليل علاقة المواطن السوري بالدولة وبالجماعة في الفترة التي أعقبت سقوط النظام، مع التركيز على البنية النفسية للمواطن (بما في ذلك مشاعر الخوف والمظلومية تجاه “الآخر”) والانتماءات الدينية والطائفية ومصادرها التاريخية.

كما تبحث الدراسة أثر تولي قيادة جديدة ذات مرجعية إسلامية للحكم – متمثلة في أحمد الشرع على ديناميات هذه العلاقة

وتناقش كيف تفاعلت المكونات السورية المتعددة (من سنّة وعلويين ومسيحيين ودروز وكرد وغيرهم) مع هذه المرحلة الانتقالية الحساسة.

إن فهم السلوك الاجتماعي والسياسي للمواطن السوري بعد حقبة الأسد يتطلّب مزجاً بين الأدوات السوسيولوجية والتاريخية والسياسية. فمن ناحية، هناك حاجة للنظر في الإرث التاريخي للهويات الدينية والقومية في سوريا وكيف شكّلت علاقة الفرد بالجماعة وبالدولة، ومن ناحية أخرى، لا بدّ من تحليل الآثار النفسية لعقود القمع وللحرب الدموية على ثقة المواطنين بعضهم ببعض وبالدولة. وتكمن أهمية هذه الدراسة في تقديم رؤية شاملة مدعومة بأطر نظرية للسؤال المحوري: كيف سيعيد المواطن السوري تعريف انتماءاته وعلاقته بالدولة والجماعة في حقبة ما بعد الاستبداد، خاصة في ظل حكم انتقالي ذي مرجعية إسلامية؟

العقيدة والدولة: الخلفية التاريخية للولاءات

لفهم أنماط الولاء والانتماء في المجتمع السوري المعاصر، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية والثقافية التي شكّلت العلاقة بين الجماعة والدولة في المجال العربي–الإسلامي. فقد أنتج التراث السياسي الإسلامي تصورات خاصة عن السلطة والشرعية والولاء، ما زالت تلقي بظلالها على الذهنية السياسية حتى اليوم. هذه التصورات لم تتكون في فراغ، بل نشأت في سياق اجتماعي وديني وسياسي ميّز بين نوعين من التهديد: الخروج العقدي عن الجماعة (الردّة)، والظلم السياسي من داخلها.

تاريخياً، في المجتمعات العربية والإسلامية التقليدية، تكوَّنت الجماعة السياسية على أساس وحدة العقيدة الدينية.

فانبثق مفهوم الأمة كمجتمع المؤمنين، بحيث اعتُبرت الردّة عن الدين تهديداً وجودياً يتجاوز كونها انحرافاً فردياً. هذا ما يفسر لماذا نظر التراث الإسلامي إلى المرتد (الخارج عن الدين بعد اعتناقه) باعتباره مُفككاً للعقد الاجتماعي الديني بين أفراد الجماعة، فعوقب تاريخياً بأشد من الفاسق أخلاقياً.

بالمقابل، كان الظلم السياسي من حاكم مسلم يُقابل بتساهل نسبي؛ إذ فضّل الفقه الصبر على حاكم جائر من داخل الجماعة على الخروج عليه، درءاً لخطر الفتنة والفوضى. والقول المشهور «إمام غشوم خير من فتنة تدوم» يجسد هذه الفكرة، أي أن وجود سلطة مركزية ولو ظالمة أفضل من غياب السلطة وانتشار الفتنة التي قد تهدد وحدة الجماعة والدين.

هذه النظرة أسست لثقافة سياسية تتسامح مع الاستبداد من داخل الجماعة وتبرّره باعتباره أهون الشرّين، بينما تضخّم خطر الخروج العقدي أو الولاء الفكري البديل. ومن منظور نقدي، أدت هذه الأولوية التاريخية إلى إشكالية تغليب الولاء الديني على قيم العدالة والمساءلة، فهي تبرّر بقاء حاكم ظالم “مادام منا”، وتشيطن أي اختلاف عقدي أو سياسي جوهري ووسمه بالردّة والخيانة.

هذا الإرث لا يزال يلقي بظلاله على الواقع المعاصر في المنطقة، حيث يختلط المقدس بالدنيوي في الشرعية السياسية – وهو ما نرى آثاره في الحالة السورية.

بين الجماعة والدولة في التجربة السورية الحديثة

منذ استقلال سوريا وحتى سقوط نظام الأسد ، فشلت التجربة السورية في بناء دولة حديثة محايدة تعلو على الولاءات الأوّلية الضيقة. حيث بقي انتماء المواطن العميق لصالح الجماعة – سواء أكانت طائفة دينية أم قومية أم عشائرية أو مناطقية – أكثر قوة من ولائه للدولة.

الدولة في المخيال الجمعي السوري غالباً ما ظهرت كمُلكٍ لجماعة مهيمنة لا كمؤسسة وطنية لجميع المواطنين. فمنذ عهد الأسد الأب، اتسمت بنية السلطة بطابع طائفي-أمني مغلق؛ حيث هيمن أقارب الأسد وطائفته على المواقع الحساسة، خصوصاً في الجيش والأجهزة الأمنية

تشير التقديرات مثلاً إلى أن نحو 90% من قيادات الجيش في عهدي الأسد كانوا من طائفة الأسد و الموثوق بولائهم

بينما همّشت الأغلبية السنية أو استبعدت العناصر غير مضمونة الولاء للنظام. كما اعتمدت السلطة على شبكة محسوبيات وتحالفات لضمان الولاء، ما عزز لدى الجمهور الانطباع بأن الدولة = النظام = الجماعة الحاكمة.

هذه البنية عمّقت الشكوك في مفهوم المواطنة المتساوية؛ إذ ربط كثيرون ولاءهم للدولة بمدى تمثيلها لمصالح جماعتهم. فإذا شعر مواطن أن نظام الحكم من جماعته أو طائفته، اعتبر الدولة “دولته” ومال للدفاع عنها؛ أما إن كانت السلطة بيد جماعة مغايرة، ضعُف الولاء بل وربما انقلب إلى معارضة دفينة. وهذا ما جعل الهوية الوطنية السورية هشّة أمام الاستقطاب.

كل طرف ينظر للدولة كغنيمة الجماعة الأقوى وليس عقداً اجتماعيا شاملاً. حتى الشعارات القومية والبعثية عن الوحدة الوطنية لم تتجاوز السطح، لأن الممارسة السلطوية الفعلية كرّست تحالفاً طائفياً-أمنياً ضيقاً.

جدير بالذكر أيضاً أن حقبة حكم البعث والأسد رفعت لافتات أيديولوجية (قومية عربية، علمانية شكلية) تدعو لوحدة الشعب، لكنها تزامنت مع تهميش للتنوع ومنع لأي تعبير مستقل عن الهويات الفرعية. هذا خلق تناقضاً في وعي المواطن فمن جهة يُطالَب بولاء نظري لدولة ، ومن جهة أخرى يرى واقعاً من المحاصصة والاستئثار السلطوي.

النتيجة كانت حالة انفصام بين الهوية الوطنية المعلنة والهوية الجماعاتية الفعلية. بعبارة أخرى، لم يشعر السوريون عموما أن الدولة تمثلهم جميعاً، بل إن ولاء الدولة انتزعته فئة معينة لنفسها. وأي حديث عن مواطنة متساوية بقي خطاباً نظرياً ضعيف التأثير أمام العصبيات الطائفية والعشائرية الراسخة.

الذهنية الجمعية بين مفهومي “الأمة” و”الدولة”

تشكّلت الذهنية السياسية السورية عبر قرن من التأرجح بين مرجعيتين: إرث الدولة السلطانية/الأمّة الدينية من العهد العثماني، وتجربة الدولة الحديثة القومية/الأمنية في عهد الاستقلال ثم البعث ، مروراً بالاحتلال الفرنسي الذي قسم البلاد لدويلات على اساس طائفي .

الإرث العثماني عزز مفهوم الرعية المرتبطة بهوية دينية أو طائفية، حيث كانت الطوائف تتمتع بكيانات ملية داخل الدولة؛ أي أن الانتماء الديني كان محدّد الحماية والهوية. أما دولة البعث والأسد، فرفعت شعارات القومية العربية والاشتراكية، ظاهرياً تفصل الدين عن السياسة، لكنها فعلياً اعتمدت على هندسة طائفية للسلطة .

هذان العاملان أورثا السوريين ميلاً للنظر إلى الدولة كأداة بيد الجماعة المهيمنة أكثر من كونها حكماً محايداً أعلى من الجميع. فالفرد السوري اعتاد تاريخياً البحث عن الحماية والأمان عبر جماعته الأولية (الطائفة أو العشيرة أو المنطقة)، وليس عبر دولة المواطنة المجردة. وعندما يدّعي النظام الحاكم تمثيل “الإرادة الوطنية” الجامعة، كثيراً ما يكون ذلك غطاءً أيديولوجياً لهيمنة فئة معينة.

فكانت الدولة السورية المعاصرة تمارس نقضاً بنيوياً للعقد الاجتماعي عبر تحويل مفهوم الإرادة العامة إلى إرادة وطنية مزيّفة تُستخدم لتبرير إقصاء الآخرين , أي يتم إفراغ فكرة الوطن من مضمونها التعددي لتصبح مرادفاً لإرادة الجماعة الحاكمة وحدها. هذا يفسّر لماذا ينظر كثير من السوريين بعين الشك لأي خطاب رسمي عن الوحدة؛ فهم يلمسون أن المشاركة الحقيقية غائبة، وأن الكفاءة والمؤسساتية مجرد شعارات، بينما التوزيع الفعلي للمناصب مبني على الولاء الأيديولوجي والطائفي.

هكذا تترسخ ذهنية عامة مفادها: “الدولة ليست كياناً محايداً، بل هي ملك لجماعة ما , هذه النظرة الجمعية عقبة كبرى أمام بناء عقد اجتماعي جديد، إذ تغذي انعدام الثقة وتسوّغ حتى تبرير الاستبداد إذا كان “استبدادنا” مقابل رفض أي حكم من “الآخرين”.

البنية النفسية بعد عقود الاستبداد والحرب – هواجس الأمان والتهديد و الخوف من الآخر وانعدام الثقة

خرج المجتمع السوري من حرب مدمّرة (2011–2024) مثقلاً بذاكرة جماعية دامية وانعدام ثقة عميق في الدولة كمظلة جامعة.

في زمن الصراع، كانت الجماعة الأولية (الطائفة/العشيرة) هي خط الدفاع الأول عن البقاء.

كثير من السوريين لجأوا إلى دوائر انتمائهم الضيقة طلباً للحماية في مواجهة عنف طائفي ومجازر و عمليات تهجير مارستها أطراف الصراع.

لا يمكن فهم سلوك المواطن السوري في هذه المرحلة بدون النظر إلى الآثار النفسية العميقة لحكم الأسد الطويل وللصراع الدموي الذي تلاه. فعلى المستوى الفردي والجماعي، يُعاني السوريون من صدمة جماعية تجلّت في صورتين:

الخوف من الآخر  وانعدام الثقة

الخوف من الآخر أصبح جزءاً لا يتجزأ من الوعي الجمعي السوري نتيجة سنوات الحرب وما رافقها من فظائع متبادلة.

هذا الخوف متبادل على نحو خطير: فكل جماعة لديها آخر تخشاه. السنّي العربي الذي فقد أهله في مجازر البراميل أو في سجون التعذيب يخشى كل علوي أو شيعي باعتبارهم داعمين لنظام قتله، ويخشى أيضاً القوى الكردية الانفصالية أو التنظيمات الجهادية التي قد تنافسه على مناطق نفوذه. العلوي البسيط الذي شهد قتل شباب قريته في المعارك أو ذبح مدنيين علويين على يد متشددين ، بات ينظر بريبة وذعر لأي حديث عن حكم سنّي إسلامي ويخشى أن يكون سقوط الأسد إيذاناً بمقتله أو تهجيره مع جماعته المسيحي أوالدرزي قلقان من فقدان الحماية التي تمتعوا بها نسبياً في ظل النظام السابق ومن إمكانية تغوّل التيار الإسلامي الجديد على حرياتهم الدينية والاجتماعية. أما الكردي فيخشى عودة سياسات التعريب والإقصاء التي عانى منها تاريخياً على يد الحكومات المركزية، ويخشى أيضاً الجماعات العربية (سواء إسلامية أم قومية) التي قد ترى في طموحه الذاتي خطراً على وحدة البلاد.

هذا المناخ النفسي المشحون يعني أن التصرف الافتراضي لكثير من السوريين الآن هو الحذر وسوء الظن تجاه الآخر المختلف، أي غياب حسن النية المجتمعي.

تأتي انعدام الثقة كنتيجة لما سبق . فلم يعد السوريون يثقون ببعضهم بسهولة ، كما تزعزعت ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها إلى حد بعيد. لقد مرّ السوري بتجارب مريرة – سواء كمعارض تعرض للغدر والتعذيب من أجهزة الدولة، أو كمؤيد شعر بأن دولته تخلت عنه وهُزمت، أو كمحايد وقع ضحية الفوضى – وكلها رسخت قناعة داخله بأن لا أحد يمثله أو يحميه سوى أهله ومحيطه الضيق.

كما نشأ عن ذلك تهديد وجودي مستحكم لدى كل طيف ، هذه المخاوف تعزّزها ذاكرة الأحداث الوحشية من مجازر طائفية هنا أو هناك، إلى خطابات إعلامية شيطنت جماعات بعينها، وصولاً إلى التغيير الديمغرافي في بعض المناطق. ونتيجة لهذه التجربة القاسية، بات الفرد السوري يمتحن الآخر من منظور التهديد أو الأمان الجماعي.

فسؤاله الأول “هل ينوي إيذاء جماعتي؟” قبل أن يفكر “هل سيسهم في استقرار الدولة؟”.

فمثلاً، لدى الكثير من العلويين اليوم هاجس من هيمنة سنية إسلامية قد تقصيهم؛ وبالمقابل هناك مخاوف سنية متجذرة من انتقام الأقليات إذا انقلبت الأدوار، أو من تقسيم البلاد على أسس عرقية. كما يشعر الأكراد بقلق مستمر من أي سلطة مركزية عربية قد تنكر حقوقهم أو تستهدف مشروعهم الذاتي.

جانب آخر من البنية النفسية للمواطن السوري هو الإحساس بالظلم المتراكم. فكل فئة لديها سردية مظلوميتها: السنّة يتحدثون عن عقود من حكم أقلوي قمعهم، والعلويون يستذكرون تاريخاً طويلاً من الاضطهاد والتهميش قبل صعودهم مع الأسد، والمسيحيون يستشعرون خطر التهميش في أي نظام إسلامي ، والدروز يرون أنهم دفعوا ثمن الحياد النسبي خلال الحرب بمحاولات حصار اقتصادي وأمني. هذا الشعور العام بالغبن يجعل النزعة للانتقام كامنة وتنتظر الشرارة.

هذه الهواجس المتبادلة تجعل الثقة المجتمعية شبه معدومة فكل طرف يتوجس من نوايا الآخر ويستحضر أسوأ السيناريوهات. انعكاس ذلك على نفسية المواطن هو ميله لـلانكماش ضمن جماعته وتفضيل الولاء الضيق، لأن التجربة علّمته أن مؤسسات الدولة (جيش، شرطة، قضاء) إما غائبة أو منحازة أو عاجزة عن حمايته بحياد.

وللأسف، حتى بعد زوال النظام السابق، لم تُكتسب تلك الثقة سريعاً؛ فالدولة الانتقالية الجديدة وَرَثت هذا الإرث الثقيل من الشكوك.

كمثال واقعي حديث يجسّد هذه النفسية: موقف الإدارة الذاتية الكردية من الحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع. فقد أعلنت بوضوح أن التشكيلة الحكومية الجديدة “لم تأخذ التنوع بعين الاعتبار” ورأت أنها مستأثرة من طرف واحد وتقصي بقية المكونات وذهبت أبعد من ذلك بقولها إنها غير معنية بقرارات هذه الحكومة. هذا الموقف نابع من خوف الأكراد من هيمنة الإسلاميين العرب وإقصاء مشروعهم الذاتي، أي شعور بتهديد وجودي لهويتهم وحقوقهم. بالمقابل، نجد الأكثرية السنية المتدينة (التي عانت تهميشاً طويلاً تحت حكم الأقلية العلوية) ترى في صعود الشرع “فرصة لاستعادة التوازن” وعودة “الدولة لهم”، مما يبعث نوعاً من الطمأنينة في نفوسهم بأن زمن تهميشهم انتهى. إذاً، نفس الحدث (تولي إسلامي سني للحكم) يُنظر إليه بأنه مصدر أمان جماعي لفئة، وتهديد جماعي لفئات أخرى. هذه المعادلة الصفرية في المشاعر الجمعية هي التحدي الأكبر أمام تأسيس استقرار مستدام في سوريا الجديدة.

الخلط بين مفهوم الجماعة والدولة في الواقع اليومي

تجذّر الولاء الجماعاتي في الوعي السوري جعل الحدود بين الدولة والجماعة ضبابية في الحياة اليومية. فالدولة ومؤسساتها كثيراً ما تُرى كامتداد لشخص الحاكم أو الفئة الحاكمة، وليس ككيانات محايدة فوق الجميع.

إذا كان الحاكم من الجماعة التي أنتمي إليها أُسبغ على الدولة طابع القداسة والواجب الديني/الأخلاقي بالطاعة؛ أما إن جاء من جماعة مغايرة فإن الولاء له يصبح مشروطاً وحذراً، وربما ينقلب إلى رفض مبطن. هذا الخلط بدا جلياً خلال المرحلة الانتقالية الحالية .

و مع انتقال السلطة إلى ائتلاف تقوده قوة إسلامية نجد منتسبي أجهزة الدولة الجدد لم يخلعوا انتماءاتهم الضيقة. على سبيل المثال، في المواجهات التي شهدتها محافظة السويداء ، لوحظ أن العديد من العسكريين والأمنيين من أبناء العشائر خلعوا بزّاتهم الرسمية وارتدوا الملابس القبلية لينضموا للقتال إلى جانب أبناء عشائرهم .

هذا المشهد المعبّر يؤكد أن الهوية الجمعية (قبلية أو طائفية) لا تزال تتقدم على هوية الدولة لدى الأفراد، حتى وهم في مؤسسات “وطنية” كالمؤسسة العسكرية. بمعنى آخر، لا يزال السوري يرى نفسه سنّياً أو درزياً أو كردياً… ضمن كيان الدولة أكثر مما يرى نفسه سورياً مجرداً.

كذلك، إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد الأسد وحدها لن تكفي لتحقيق التحوّل المنشود إذا لم تترافق مع إعادة تعريف دور الدولة في الوعي العام.

إن تشكيل وزارات جديدة أو ضمّ بعض الشخصيات من أقليات لن يعالج الجوهر ما لم تُكسر قاعدة النظر إلى الدولة كمغنم للجماعة.

في الحالة السورية، ورغم تغيير القيادة، نرى استمرار بعض أنماط الهيمنة الأحادية تحت غطاء جديد. فالحكومة الانتقالية رفعت شعار الكفاءة والتخصص ورفضت المحاصصة الطائفية، وأعلن الرئيس الشرع أنه “راعينا تنوع المجتمع ورفضنا التقسيم السياسي… وتشاركنا جميعاً”

غير أن الانتقادات (سواء من الأكراد أو غيرهم) تشير إلى أن الواقع ليس بهذا المثالية؛ إذ يرون أن طرفاً واحداً ما زال يهيمن ويقرر.

هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يعزّز خلط الجماعة والدولة: فبدل أن تؤدي المشاركة المعلنة إلى شعور كل الجماعات بأنها ممثلة في الدولة، يتكرس الشعور القديم بأن هناك جماعة مستترة تستحوذ على الدولة.

إجمالاً، الخلط البنيوي بين الولاءين يتجلى يومياً في مواقف الناس واتجاهاتهم , فالمواطن السوري العادي ما زال يسأل نفسه أولاً “من يحكم؟ أمن جماعتنا أم لا؟” قبل أن يسأل “ما برنامج الحكم؟”. وما زالت المؤسسات الحكومية في الأذهان موسومة بلون طائفي/حزبي معين. لذا فإن التحدي الحقيقي يتمثل في فصل رمز الدولة عن انحيازات الجماعة، أي أن يصبح الانتماء الوطني هو المظلة الأوسع التي تتوارى تحتها الانتماءات الأخرى إلى حيز الخصوصية الفردية أو الثقافية غير المُسيّسة.

النظرة إلى “الآخر” ومرجعيته

تَرَسُخ الاستقطاب الديني والطائفي في سوريا جعل تصوّر “الآخر” مشحوناً بالريبة والتنافس فالآخر ليس مجرد مختلف في الرأي؛ بل غالباً منافس على الشرعية وعلى البقاء .

في مجتمع متعدد المذاهب والإثنيات أضحى الاختلاف العقدي أو الفكري يعني لدى الكثيرين تهديداً لمنظومتهم بأكملها. فالتيار الإسلامي الحاكم مثلاً قد ينظر إلى العلماني أو ذي المرجعية الدينية المختلفة كمنافس على تعريف الهوية والنظام الأمثل للحكم (أي منافس عقدي)، بالإضافة لكونه منافساً سياسياً على السلطة والموارد. وبالمقابل، تنظر الأقليات الدينية (مسيحيين، علويين، إسماعيليين…) إلى مشروع الأكثرية الإسلامية كتهديد لوجودها إذا ما فُرضت مرجعية دينية واحدة على الجميع. هذا الإدراك المتبادل يحكم الكثير من التفاعلات: فحين تتعاون فئات مختلفة، يتم ذلك بمنطق براغماتي حذر أي تحالفاََ موقتاً ضد خطر أكبر، لكنها لا تثق ببعض تماماً ، وحين تتعايش جماعات في منطقة ما بسلام نسبي، يُشترط ضمنياً ألا يسعى أحد لفرض رموزه أو قوانينه الخاصة على الآخرين. أما إذا حاول طرف ما فرض مرجعيته أحادياً، فسرعان ما يرتفع الاستقطاب إلى مستوى الصدام أو الانغلاق.

لقد رأينا ملامح من ذلك في الفترة الأخيرة : تحالفات ظرفية برزت مثلاً بين فصائل سنية عربية وبعض القوى الكردية في وجه بقايا تنظيم “داعش” وهذا التحالف مبني على مصلحة مشتركة أكثر منه رؤية مشتركة، لذلك يبقى هشاً.

أيضاً حصل نوع من التعايش الحذر بين السلطة الانتقالية وعدد من زعماء العشائر الكبيرة: فالعشائر دعمت الشرع في معارك ضد فلول الأسد حفاظاً على مكاسبها، والشرع بدوره غض الطرف عن نفوذهم المحلي.

لكنه تَعايُش تحكمهُ مصالح متبادلة وقد ينقلب إذا تغيرت الظروف. في المقابل، شهدنا مواجهة صارخة في السويداء بين فصائل درزية محلية وقوات موالية للحكومة , كذلك أعلنت قوى كردية أنها ستقف موقف المعارض (السلمي حالياً) ما دامت تشعر أنها مقصاة عن الحكم.

هذه الأمثلة تؤكد ما ورد سابقا : كل مكوّن سوري سيختار التحالف أو التعايش أو المواجهة بحسب إحساسه بأن وجوده مهدد أو مطمئن مع الآخر. باختصار، صورة “الآخر” لدى السوريين مشروطة بمدى احترامه لمرجعية كل جماعة وحقوقها. إن اعترف بها وتعامل بنديّة قد نقبله شريكاً (وإن بحذر)، وإن همّشها أو هددها واجهناه. وهنا يظهر خطر مفهوم «الردّة السياسية» حين يُنظر للخصم السياسي ليس كمنافس طبيعي في إطار وطني جامع، بل كخائن مرتد خرج عن الجماعة ويجب استئصاله.

هذا المفهومُ إنْ سادَ الخطابَ العامَّ، فَتحَ أبوابَ صراعٍ وجوديٍّ جديدٍ بدلًا من بناءِ شراكةٍ وطنية. وللأسف نلمسُ بوادرَه حين يَصِمُ بعضُ الأطرافِ المعارضينَ بـ«عملاء» أو «انفصاليين» لمجرّدِ اختلافِ رؤاهم , وتقعُ مسؤوليةٌ كُبرى على النُّخبِ السوريةِ اليوم في نَبذِ ثقافةِ التخوينِ وقَبولِ الآخر ضمنَ إطارٍ وطنيٍّ يتّسعُ للجميع، بعيدًا عن التخوينِ أو التكفيرِ السياسي.

حكومة أحمد الشرع: تحديات الهوية الوطنية والاحتواء

مثّل تولّي أحمد الشرع – ذو الخلفية الإسلامية السنّية – منصب الرئاسة الانتقالية محطة مفصلية تُعيد طرح سؤال الهوية الوطنية السورية: هل يكون الحكم الجديد بداية لصياغة عقد اجتماعي جامع أم مجرد استبدال هيمنة بهيمنة؟

من منظور الأغلبية السنية المحافظة، حَملَ مجيء الشرع آمالاً باستعادة وزنهم في القرار بعد عقود من حكم أقلوي .

هذه الشريحة ترى في الشرع القادر على رد الاعتبار لهم، فتتعاطف معه وتمنحه ثقتها مبدئياً.

في المقابل، كثير من الأقليات الدينية والقومية ينظرون بريبة إلى حكومة الشرع باعتبارها عودة محتملة لـ هيمنة إسلامية سنّية على الدولة. فالمسيحيون يتساءلون عن مصير حرياتهم وحقوقهم المدنية في ظل قيادة إسلامية خاصة إذا تم أسلمة بعض القوانين أو المناهج.

والعلويون المهزومون سياسياً بانهيار نظامهم يعيشون هاجس الانتقام والتهميش؛ إذ يخشون أن يعاقَبوا جماعياً أو يُزاحوا تماماً من المشهد تحت شعار تصفية إرث الأسد.

أيضاً الأكراد – وهم ثاني أكبر قومية – يخافون أن الحكم الإسلامي الجديد لن يعترف بطموحاتهم القومية والإدارية، بل ربما يحاول إضعاف إدارتهم الذاتية بالقوة إن سنحت الفرصة.

إزاء هذه المخاوف، نجد الشرع وقادته يطلقون خطاب طمأنة : ففي خطاب عيد الفطر 2025، أكد الرئيس الشرع أنهم : “راعوا تنوع المحافظات وتشاركوا جميعاً دون محاصصة” ، وشدد أن “جميع أطياف الشعب اجتمعت تحت قبة واحدة لنثبت أننا شعب واحد”

هذه الرسائل تهدف إلى احتواء المخاوف وبناء هوية جامعة تشمل الكل. لكن على الأرض سيُحكم على الشرع بأفعاله لا بأقواله , نجاحه مرهون بقدرته على توسيع تعريف الجماعة الوطنية لتضم كافة الإثنيات والطوائف كشركاء متساوين، لا مجرد رعايا في دولة ذات صبغة أحادية.

كذلك عليه فصل المرجعيات الدينية عن مؤسسات الدولة – أو على الأقل تحييدها – بحيث لا يشعر غير السنّة بأن الدولة ضدهم.

فعلى سبيل المثال إبقاء قانون الأحوال الشخصية على صيغته المتعددة للطوائف، وعدم فرض قيود دينية على غير المسلمين، والإبقاء على التنوع الثقافي في المناهج التعليمية، كلها خطوات سترسل رسائل إيجابية. كما أن إشراك شخصيات تمثل الأقليات في مناصب وازنة سيكون ضرورياً لطمأنتهم أنهم جزء من العقد الجديد. وقد لاحظنا بالفعل ضغوطاً دولية وعربية على قيادة الشرع لتشكيل حكومة أكثر شمولاً لمختلف الطوائف العرقية والدينية.

في المحصلة يقف الشرع أمام معادلة دقيقة: كيف يُرضي قاعدته الشعبية الإسلامية التي ترى في مشروعه تحقيقاً لهويتها، وفي نفس الوقت يطمئن المكونات الأخرى بأن هذا المشروع ليس إقصائياً؟ إذا تمكن من تبديد مخاوف الأقليات عبر سياسات احتوائية وضمانات دستورية , فهو يخطو نحو ترسيخ هوية وطنية جامعة فعلياً. وإن أخفق أو تجاهل تلك المخاوف، فقد يدفع المكونات المهمشة إلى المعارضة الصامتة أو حتى العمل الانفصالي، مما يهدد وحدة البلاد واستقرارها.

أنماط التفاعل المجتمعي المحتملة مع الحكم الجديد

هناك ثلاثة أنماط رئيسية لتفاعل الجماعات السورية مع النظام الجديد، وهي سيناريوهات غير حتمية ولكنها مرتبطة بدرجة الاحتواء أو التهميش التي يشعر بها كل طرف:

تحالف مؤقت: بعض المكونات قد تدخل في تحالفات براغماتية مع الحكم الجديد إذا رأت مصلحة مشتركة أو ضمانات محددة. فمثلاً قطاعات من السنّة والأكراد المعتدلين يمكن أن يتعاونوا إذا مُنحت المناطق الكردية حكماً لا مركزياً وضمانات ثقافية , أيضاً المسيحيون قد يدعمون الحكومة لو قدّمت لهم ضمانات راسخة لحرياتهم الدينية والمدنية (كحرية التعليم الكنسي والأحوال الشخصية الخاصة). هذه التحالفات تظل مشروطة: فهي قائمة ما دام الشرع يوازن بين تطبيق مشروعه وحماية تنوعهم. ويمكن تسميتها تحالف “طمأنة مقابل ولاء” فكل طرف يقدّم بعض الدعم مقابل شعوره بالأمان ضمن الهوية الوطنية.

تعايش حذر: مكونات أخرى قد لا تتحالف بحماس، لكنها تقبل بالأمر الواقع بحذر. العلويون – كمثال – يدركون ميزان القوى الجديد؛ كثيرون منهم قد يختارون البقاء في البلاد والتعايش مع حكم الشرع شريطة تبني خطاب تصالحي معهم وضمان أمنهم وعدم ملاحقتهم جماعياً.

المسيحيون أيضاً ربما ينتهجون مراقبة حذرة: إذا بقيت المرجعية الإسلامية رمزية وغير مفروضة بالقانون – كأن يذكر الدستور دين الدولة الإسلام دون إلزام الشريعة كمصدر وحيد – فسيفضلون التعايش على مواجهة غير مضمونة العواقب. هذا النمط هو هدنة اجتماعية مشروطة لا ولاء حقيقي ولكن لا تمرد صريح، انتظاراً لما ستؤول إليه سياسات الحكومة.

مواجهة أو انكفاء: أي مجموعة تشعر بـتهديد وجودي مباشر من سياسات الشرع ستلجأ لأحد خيارين: إما المواجهة الصريحة (سياسية أو حتى مسلحة)، أو الانكفاء على ذاتها ورفض الاندماج بالدولة. تجلّى نمط المواجهة في حالة الدروز بالسويداء، الذين رأوا في تمدد نفوذ الفصائل الموالية للشرع واستقوائها بالقبائل تهديداً لوجودهم وخصوصيتهم، فاندلع صدام مسلح اضطر الحكومة لإعادة حساباتها هناك.

مثال آخر محتمل: هو الأكراد في الشمال الشرقي إن استمرت المركزية الشديدة و إقصاؤهم، قد لا يكتفون بالمعارضة السياسية بل ربما يعززون إدارة ذاتية موازية ويدافعون عنها بالقوة عند اللزوم.

حتى ضمن السنّة أنفسهم، أي تيار يشعر بالتهميش داخل البيت السني (كالسلفيين التقليديين أو العلمانيين السنة) قد يعتبر ذلك غدراً ويثور أو ينكفئ.

إذاً هذا السيناريو هو الأسوأ، حيث يتفتت المجتمع مجدداً إلى كانتونات متصارعة أو معزولة. والخيط الفاصل هنا هو سلوك الحكومة تجاه التنوع , كلما جنحت نحو الإقصاء وتضييق المشاركة، دفعت مزيداً من الفئات إلى حافة المواجهة من أجل البقاء.

محددات التفاعل: عوامل تعزيز الوحدة أو الانقسام

ثمة عوامل أساسية ستحدد أي السيناريوهات أعلاه سيغلب على المشهد السوري في ظل الحكم الإسلامي الجديد , هذه المحددات عبارة عن سياسات وقرارات مفصلية ستؤثر مباشرة على مواقف الجماعات المختلفة:

درجة أسلمة التشريع والمؤسسات:

كلما اقتربت الدولة من تطبيق تفسيرات تقليدية صارمة للفقه الإسلامي في القوانين والإدارة، ازداد توجس الأقليات الدينية (وأيضاً العلمانيين السنة). تطبيق الشريعة حرفياً – مثلاً في قانون جزائي إسلامي أو فرض قيود لباس وتعليم ديني إجباري – سيُفسَّر كاستهداف لغير المسلمين والنساء والفئات العلمانية , بالمقابل الاكتفاء بمرجعية أخلاقية إسلامية عامة دون فرض تفصيلي سيخفف المخاوف. حتى الآن أعلن الشرع أنه لا نية لإكراه أحد وأن سوريا ليست دولة دينية بالمعنى الثيوقراطي، لكن الأفعال هي المحك. في هذا السياق، يمكن للحكومة أن تتبنى نهجاً مدنياً مرناً في التشريع مع الإبقاء على هوية ثقافية إسلامية عامة لتهدئة المخاوف. كثير من الباحثين يؤكدون أهمية هذا التوازن للحفاظ على التعددية؛ فالدولة إذا “سيَّست العقيدة واحتكرت تمثيل الإسلام” فإنها ستخلق استقطاباً حاداً وخطيراً.

شكل النظام الإداري – المركزية مقابل اللامركزية: يشير الواقع السوري بوضوح إلى أن المركزية القسرية ستكون وصفة لمشكلات لا تنتهي.

سوريا متنوعة إثنياً ومذهبياً ومناطقياً؛ وبالتالي فإن إعطاء قدر من اللامركزية (إدارية وربما تشريعية محلية) يمكن أن يخفف الاحتكاك ويطمئن المكونات. مثلاً، السماح بإدارة محلية قوية في المحافظات ذات الأغلبية الكردية أو الدرزية، وإشراك المجالس المحلية المنتخبة في صنع القرار التنموي، سيجعل هذه المناطق تشعر بشيء من السيطرة على مصيرها. في المقابل، الإصرار على حكم مركزي مطلق من دمشق قد يولّد مقاومة في الأطراف. لقد ألمح الشرع إلى مراعاة انتشار المحافظات في تشكيل الحكومة، وربما يكون على دراية بأن تلبية التطلعات المحلية جزء مهم من نجاحه.

التجربة علمتنا أن نظاماً مركزياً شديد الصلابة في مجتمع متعدد قد يؤدي للانفجار (كما حصل سابقاً في العراق مثلاً). لذا فالخيار الذكي هو لا مركزية موسعة تضمن وحدة البلاد بسيادة مشتركة لجميع أبنائها.

لغة الخطاب السياسي والرموز المستخدمة: للخطاب السياسي أثر بالغ على تشكيل الهوية الوطنية. إن تبنّت القيادة لغة انتماء جامع – كتأكيدها المستمر على المواطنة المتساوية والتنوع كثراء وطني- فسيبعث ذلك برسائل تطمين. على سبيل المثال، استخدام مصطلح “الشعب السوري بكل مكوناته” مقابل “الأمة/الجماعة المؤمنة” سيُستقبل بشكل مختلف تماماً. كذلك اعتماد رموز وطنية جامعة (العَلم، النشيد، الأعياد الوطنية) بدل الرموز الفئوية الدينية البحتة يخلق شعوراً بأن الدولة ملك للجميع.

استمرار تغليب خطاب الوحدة الوطنية على التجييش الديني سيكون عاملاً حاسماً لكسب ثقة المترددين.

العدالة الانتقالية والمحاسبة: يواجه الحكم الجديد إرثاً ثقيلاً من الجرائم والانتهاكات خلال الحرب.

طريقة تعامله مع هذا الإرث سترسل إشارات مهمة للجميع. إن اتبعت العدالة الانتقالية نهجاً انتقامياً إقصائياً – كاستهداف طائفة معينة بعقاب جماعي أو إطلاق يد الثأر الشعبي – فسيولّد ذلك خوفاً ورد فعل لدى الفئة المستهدفة وربما يدفعها للعنف الدفاعي. بالمقابل، إن ساد إفلات كامل من العقاب (عفو شامل دون محاسبة أحد) فسيفقد الضحايا ثقتهم ويشعرون أن عدالتهم ضاعت، مما قد يدفعهم لأخذ الحق باليد أو حمل الضغينة.

إذن المطلوب هو توازن دقيق , محاسبة من تلطخت أيديهم بالدماء والجرائم الكبرى بشكل قانوني عادل دون توسع ليشمل الأبرياء من محيطهم الاجتماعي. يرى مراقبون أنه حتى الآن ليست هناك نية واضحة لإطلاق آليات مساءلة حقيقية؛ وقد حذر الباحثين أنه “في غياب نية وعمل واضح للمساءلة، قد تتزايد أعمال الانتقام وتتحول من عمليات فردية إلى أوسع”

هذه إشارة خطيرة: فالانتقام المتفلت يعني دورات عنف جديدة. لذا على الحكومة إنشاء هيئة عدالة انتقالية بمشاركة قضاة محايدين من كل المكونات، تضمن سماع أصوات الضحايا مع إعطاء تعويضات وجبر ضرر حيث أمكن.

العدالة المنصفة ستقنع كثيرين أن الدولة الجديدة لكل المواطنين وليست أداة انتقام فئة من أخرى.

العامل الإقليمي والدولي: لا يمكن عزل التفاعلات الداخلية عن تدخلات الجوار والقوى العالمية. فتركيا لها نفوذ قوي على فصائل الشمال وقد تضغط باتجاهات تخدم مصالحها (مثلاً كبح أي وضع كردي ذاتي، أو الدفع نحو حكومة إسلامية أكثر تشدداً أو اعتدالاً وفق حساباتها).

إيران من جهة أخرى خسرت حليفها الأسد لكنها ربما تحتفظ بخيوط مع بعض الميليشيات أو المجتمعات الشيعية في سوريا، ويمكن أن تؤجج توترات إذا رأت النظام الجديد معادياً لها.

دول الخليج ومصر والأردن تراقب أيضاً وتؤثر عبر الدعم السياسي والمالي المشروط. هذه التدخلات قد تؤثر في تشكيل التحالفات والصراعات الداخلية.

فمثلاً، إذا حصل تقارب بين الشرع وأنقرة قد يُترجم ذلك إلى ضغط على الأكراد (باعتبار تركيا تعتبرهم تهديداً)، مما سيدفع الأكراد لموقف أكثر تصلباً وربما تحالف مع خصوم الشرع. كذلك أي توتر سني–شيعي إقليمي سينعكس على تعامل الحكم مع بقايا النفوذ الإيراني المحلي وربما على طائفة الشيعة في سوريا. أيضاً التصعيد الإسرائيلي (كما حدث بقصف مواقع سورية في الجنوب) قد يستغل ولاءات محلية ويشعل فتناً – شهدنا كيف استغل هجوم إسرائيلي على السويداء حساسية قبلية فاندفعت العشائر نصرة لأبنائها.

إذن، الاستقرار الداخلي رهين أيضاً بتحييد هذه التدخلات أو ضبطها عبر التفاهمات الدولية. كلما استطاعت القيادة السورية أن تنأى بنفسها عن صراعات المحاور الخارجية وأن تطمئن الجيران إلى نهجها، خفّت فرص استغلال الانقسامات المحلية و العكس صحيح: أي ارتماء في أحضان محور ضد آخر سيفاقم الانقسام الأهلي بتأجيج الولاءات العابرة للحدود (طائفية كانت أم إثنية).

هذه المحددات الخمسة أشبه بمعايير أداء لحكومة الشرع: إذا أحسنت إدارتها بتوازن وانفتاح، فإنها تعزّز اللحمة الوطنية الناشئة , وإن أخفقت وجنحت للإقصاء أو التشدد، فإنها تغذي عوامل التفكك من جديد.

الخطوط الحمراء: ما يجب تجنّبه للحفاظ على السلم الأهلي

بناءً على ما سبق، يمكن تحديد خطوط حمراء ينبغي على القيادة الجديدة والقوى الاجتماعية عدم تجاوزها، لأنها إن حصلت ستنذر بإعادة إنتاج الصراع والعنف:

  • تسييس العقيدة أو احتكار تفسير الإسلام:

أي محاولة من الحكومة لجعل نفسها الناطق الرسمي باسم الدين الحق وتمييز جماعة على أساس أنها “حماة الإيمان”، ستكون فتيل فتنة.

استغلال منابر الدولة الدينية للتكفير السياسي أو التخوين العقدي خط أحمر خطير. يجب إبقاء الدين بعيداً عن المماحكات السياسية، والسماح بتعدد القراءات والاجتهادات في الإطار السلمي.

  • تشريع التمييز الديني أو الطائفي:

الدولة الجديدة يجب ألا تسنّ أي قانون ينتقص من حقوق مواطن على أساس دينه أو طائفته.

المواطنة المتساوية أمام القانون مبدأ لا يجوز المساس به. فإن أُقرَّ – لا قدّر الله – قانون يجعل غير المسلم مواطناً من درجة ثانية (مثلاً في تولي المناصب أو حقوق الشهادة والإرث)، فهذا سيقضي على ثقة الأقليات بالكامل ويعزلها عن الدولة. وكذلك أي تمييز ضد العرب السنة أو غيرهم مرفوض. المساواة الدستورية الكاملة خط أحمر يجب حمايته.

  • عدالة انتقالية انتقامية أو عفو شامل بلا محاسبة:

كما أسلفنا، تحويل العدالة الانتقالية إلى منصة لتصفية الحسابات الجماعية مع طائفة أو حزب سيعيد إنتاج المظلوميات ويؤسس لجولة قتال قادمة بالمقابل، إغلاق الملفات دون أي إنصاف سيشعر الضحايا بالغيظ ويخلق قنابل موقوتة من المرارة إذاً، يجب تفادي هذين النقيضين – لا ظلم ولا إفلات- أي تجاوز في هذا الملف يعتبر خرقاً خطيراً للسلم الأهلي.

  • عسكرة الفضاء الديني أو الأهلي:

ينبغي الحذر الشديد من إدخال السلاح في الخلافات الأهلية أو الدينية. مثلاً، تسليح ميليشيات على أساس عقائدي/طائفي أو غض الطرف عن مجموعات أهلية مسلحة خارج إطار الجيش الوطني سيحول الخلاف السياسي إلى اقتتال أهلي مباشر. لقد دفعت سوريا ثمناً فادحاً نتيجة تفلت السلاح خلال الحرب، وأي عودة لهذا المنحى خط أحمر واضح. الجيش وقوى الأمن يجب أن تكون ممثلة للجميع وتحت رقابة الدولة، وأي تحزيب لها دينياً أو فئوياً مرفوض.

بالالتزام بهذه الخطوط الحمراء، يمكن للحكومة وقادة المجتمع تفادي الانزلاق إلى منطق “الردّة السياسية” حيث يُعامل المعارض أو المختلف كعدو وجودي , أما تجاوز هذه الخطوط فسينذر بأن يعيد التاريخ نفسه في دورات من الصراع.

الخلاصة: نحو هوية وطنية تتجاوز الانقسامات

المواطن السوري اليوم يعيش ازدواجية الانتماء: يرى الجماعة مصدر الأمان الأول، ويرى الدولة مصدر النظام المشترك – ولكن بشرط أن تمثل تلك الدولة جماعته هو , هذا الوضع يعني أن أي مشروع سياسي جديد، لاسيما بقيادة ذات خلفية إسلامية كحكومة أحمد الشرع، يواجه امتحاناً مصيرياً إما النجاح في هندسة هوية وطنية جديدة تتجاوز الانقسامات التقليدية، أو الفشل في ذلك وإعادة إنتاج منطق الردّة السياسية الذي يحوّل الخلاف الفكري إلى خيانة، ويدفع بالجميع مجدداً إلى خنادق التصارع.

إن تطوير فكرة الهوية الوطنية الجامعة هو الجوهر الذي تحتاجه سوريا للخروج من دوامة الولاءات الضيقة , معنى ذلك عملياً أن تصبح الدولة حياداً إيجابياً يستوعب كل أبنائه بانتماءاتهم المختلفة ضمن عقد اجتماعي حديث , فلا يكون هناك رابح ومغلوب بين المكونات، بل شراكة حقيقية في السلطة والثروة ورسم المستقبل , لتحقيق ذلك، لا بد من اتخاذ خطوات جريئة ومقاربات جديدة، منها:

  • إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس الاعتراف المتبادل:

يجب الاعتراف رسمياً وعملياً بتعدد الهويات المكونة لسوريا (عرب وكرد، مسلمين ومسيحيين ودروز… إلخ) على أنها كلها شرعية ومتساوية الشأن. يقتضي ذلك مثلاً تضمين الدستور نصوصاً واضحة عن التنوع اللغوي والثقافي والديني وضمان حقوق الجماعات في حفظ تراثها، إلى جانب التأكيد على المواطنة الموحدة ، فالجمهورية لا تُبنى على الولاء لجماعة بل على قدرة الدولة على تمثيل جميع مواطنيها كشركاء في السيادة هذا المبدأ يجب أن يكون حجر الأساس الدستوري.

  • تفكيك البنية الإقصائية للسلطة:

أي تغيير وجوه النظام القديم لا يكفي؛ المطلوب تفكيك منظومة الهيمنة الأحادية التي احتكرت تعريف الهوية الوطنية لعقود , ينبغي إدخال إصلاحات عميقة في المؤسسات الأمنية والإدارية لضمان تنوعها الداخلي وولائها للوطن لا للفئة.

على سبيل المثال، يمكن إعادة هيكلة الجيش والشرطة ليضم جميع المكونات بنسب عادلة ومتوازنة، مع تدريب على عقيدة عسكرية وطنية بدل العقائد السابقة , كذلك إصلاح المناهج التعليمية والإعلام الرسمي ليعكس رواية وطنية شاملة، تعترف بكل مكونات الشعب كمساهمين في التاريخ والثقافة السورية، وتنبذ أي سردية إقصائية.

  • آليات مشاركة سياسية لجميع الأطياف:

لا بد من إنشاء أو تعزيز مؤسسات تضمن مشاركة الجميع. قد يتضمن ذلك مجلس شيوخ أو هيئة عليا تمثل المكونات و تساهم في التشريع وحماية الحقوق الثقافية.

الأهم هو طمأنة كل فئة أن صوتها مسموع في صناعة القرار. في هذا السياق، لجنة الحوار الوطني التي أُعلن عنها يجب أن تكون ذات صلاحيات حقيقية وتضم مختلف التيارات (إسلاميين معتدلين، علمانيين، قوميين، ممثلي الطوائف والأعراق) لوضع رؤية مشتركة لسوريا الجديدة، لا مجرد واجهة شكلية.

  • سيادة القانون ومساواة الأفراد:

ينبغي ترسيخ مبدأ أن الفرد هو وحدة الانتماء الأولى للدولة – أي أن الدولة تحمي حقوق الفرد بغض النظر عن جماعته، وفي الوقت نفسه تحترم خصوصيات جماعته الثقافية. هذا يعني إصلاح القضاء ليكون مستقلاً ونزيهاً في حماية حقوق الإنسان وحقوق الأقليات على حدٍ سواء.

عندما يرى المواطن أن حقه مُصان بقوة القانون، سيتراجع اعتماده على الولاء الطائفي ليضمن حقوقه. كذلك مكافحة أي تمييز أو خطاب كراهية عبر قوانين صارمة سيعزز الشعور بالمواطنة.

  • التوافق على الهوية الرمزية الجامعة:

تحتاج سوريا إلى سردية وطنية متجددة تركز على المشتركات وتتجاوز الجراح. ربما يكون من المفيد صياغة ميثاق وطني جامع – على غرار وثيقة الاستقلال أو ميثاق وطني مؤقت – يوقّعه قادة كل المكونات، يتعهدون فيه بوحدة البلاد وسيادة القانون ورفض الإقصاء. كما يمكن تبنّي رموز وطنية تمثل الجميع.

الإبقاء على العلم الوطني المتفق عليه (مع تجنب رايات فئوية خلافية)، وإبراز الشخصيات التاريخية السورية من مختلف الطوائف كبطل جماعي (مثال: يوسف العظمة ، وإبراهيم هنانو، وفارس الخوري . . كرموز للوحدة). هذه الرموز تساعد في بناء شعور فخر مشترك بالوطن.

ختاماً، إن التحدي السوسيولوجي الأكبر لسوريا اليوم هو الانتقال من عقلية الجماعة المستأثرة بالدولة إلى عقلية الدولة الحاضنة لكل الجماعات.

التجربة المريرة السابقة أثبتت أن إقصاء أي مكوّن أو تصنيفه كـ“تابع” أو “خارج عن الجماعة” يزرع بذور صراع قادم.

في المقابل، احتضان التنوع وإدارته بمساواة هو الضمان لبقاء سوريا موحدة مستقرة. وبقدر ما ينجح السوريون في تشييد هويتهم الوطنية الجديدة – هوية تعترف بتعدد الألوان داخل اللوحة الواحدة – بقدر ما يتجاوزون عقلية الردّة السياسية والتخوين، ويدخلون حقبة الشراكة الوطنية.

إنها مهمة شاقة بلا شك، لكنها الخيار الوحيد لبناء مستقبل لا يعيد إنتاج صراعات الماضي بل يؤسس لسلم أهلي مستدام لكل أبناء سوريا، فوق كل الانقسامات.

  • رواد دحدول

    ناشط سياسي ومدني، خريج جامعة حلب – كلية العلوم الكيمياء التطبيقية، عضو مجلس إدارة في إحدى المؤسسات الإنسانية السورية. شارك في عدة مبادرات ثورية (ومنها تنسيقية المغتربين لدعم الداخل) ومنظمات مجتمع مدني.

  • رواد دحدول

    ناشط سياسي ومدني، خريج جامعة حلب – كلية العلوم الكيمياء التطبيقية، عضو مجلس إدارة في إحدى المؤسسات الإنسانية السورية. شارك في عدة مبادرات ثورية (ومنها تنسيقية المغتربين لدعم الداخل) ومنظمات مجتمع مدني.

آخر المقالات

Scroll to Top