سمعت سيدة تتحدث عن رفضها لفكرة نشوء أحزاب في سوريا في الوقت الراهن وربطت إنشاء أي حزب بانقلاب على الدولة والرئيس الشرع وبـ”الأقليات”، استوقفني ما عرّفت نفسها به في ختام الحديث، بعبارة غير مألوفة: “أنا سنية أموية”.
لا أتحدث هنا عن رأيها بإنشاء الأحزاب، إنما عن عبارتها الأخيرة وهي عبارة بسيطة ظاهريًا، لكنها توقفنا عند مفترق الهوية، والانتماء، والتيه السياسي الذي تعيشه فئات واسعة من السوريين وبالأخص من المكون السنّي الذي استشعر فقدان التمثيل السياسي لعقود.
مثل هذه العبارات، التي بدأت تتكرر بأشكال مختلفة على ألسنة بعض السوريين، تعكس نكوصاً إلى التاريخ كملاذ في ظل الفراغ السياسي، والانتماء إلى رموز غابرة حين تغيب الدولة كمشروع جامع.
هل بنو أمية هوية؟
بنو أمية تاريخياً هم سلالة حاكمة من قريش أسّست أول دولة وراثية في الإسلام، واتخذت من دمشق عاصمة لها. لم يكونوا طائفة دينية، بل عائلة سياسية حكمت باسم الإسلام ووسّعت الدولة، ودخلت في حروب داخلية وصراعات على الشرعية والحكم.
الانتماء إلى بني أمية اليوم، بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، لم يعد يحمل مضمونًا دينيًا أو عرقيًا حقيقيًا، بل هو في الغالب نوع من الحنين إلى لحظة تاريخية ارتبطت في ذهن بعضهم بالقوة والتمثيل السني، يستدعيها بعضهم كمرجعية رمزية، لا كمشروع سياسي واضح المعالم.
وحيث أن تاريخ الدولة الأموية لم يكن ناصعاً، فقد شابته ممارسات وسلوكيات لا تنسجم مع القيم الإسلامية، ولا تتوافق مع متطلبات الدولة العادلة أو معايير التطور الحضاري، والتعلّق بمجد بني أمية، في كثير من حالاته، لا يعكس بالضرورة اعتزازًا بتاريخ منجز، بقدر ما يكشف عن أزمة عجز عن إنتاج أي نموذج حضاري معاصر، قادر على التفاعل مع روح العصر وتحدياته المتجددة.
التشبث ببني أمية لا يأتي فقط من الحنين إلى الماضي، بل أيضًا كرد فعل على الخطاب الشيعي الذي يركّز على مظلومية تاريخية مرتبطة بالصراع مع الأمويين. فيستخدم بعض السنّة رمزية بني أمية لإبراز هوية سياسية مقابلة، يرون فيها امتدادًا لتاريخهم ومكانتهم في دمشق والعالم الإسلامي، في مواجهة ما يعتبرونه سعياً لنفوذ إيراني شيعي كان السوريون قد دفعوا أثماناً باهظة له في الماضي القريب نتيجة دخول الإيرانيين في سوريا بشكل مباشر في خطوط المواجهة لدعم نظام الأسد البائد.
لكن في الجوهر، النسبة إلى أي عائلة سياسية تظل شكلاً من أشكال شخصنة السلطة، وتعبيرًا عن الابتعاد عن مفهوم الدولة الحديثة المبنية على المواطنة والمؤسسات، لا على السلالة والانتماء.
حين يغيب المشروع الوطني، يصبح التاريخ بديلاً، وتتحول الأمجاد التاريخية والانتماءات الفرعية إلى هوية، فبعض العلويين لجأوا إلى الأسدية كرمز للحماية، وتحول التكني ببني معروف عند أبناء الطائفة الدرزية إلى نوع من الهوية الأخلاقية لا تقتصر على العقيدة فقط، كذلك يجد بعض السنّة في الأموية نوعاً من التعويض النفسي في ظل الشعور بالتهميش السياسي أو الثقافي علماً بأن السنّة لا يتخذون من بني أمية مرجعية دينية رغم أن تاريخهم كان حاضرًا في الذاكرة السنية بدرجة متفاوتة، دون أن يتحوّل يوماً إلى محور هوية.
نحو تجاوز الرمزية لا إنكارها
لا تكمن المشكلة في أن تقول سيدة إنها أمويّة، أو أن يتغنى شاب بهوية بني معروف. بل المشكلة حين تتحوّل هذه الانتماءات الرمزية إلى بديل عن الهوية الوطنية، أو حين تعيق عن بناء مشروع جامع يتجاوز الطوائف والعشائر والعائلات.
الرد ليس في المواجهة أو الإنكار، بل في تقديم بديل حقيقي: دولة حديثة، مرجعية سياسية وأحزاب تمثّل السوريين دون أن تفرقهم، وخطاب يؤمن بأن المواطنة فوق الانتماءات، وأن التاريخ يُستأنس به ولكن لا يكون مصدراً للحكم.
سوريا اليوم ليست بحاجة إلى إحياء أموي في زمن تتنازع فيه الانتماءات، بل تحتاج إلى وعي يتعالى على الرموز، لا ينكرها، بل يعيدها إلى حجمها الطبيعي: جزء من تراث غني، لا أكثر… ولا أقل.
ربما آن الأوان أن نعيد التفكير بعلاقتنا مع رموز التاريخ، لا كأنظمة بديلة أو خلاصات مطلقة، بل كما تعامل معاوية نفسه مع الناس: بشَعرة لا تُشدّ حتى تنقطع، ولا تُترك حتى تهمَل. فالرمز قد يُلهم، لكنه لا يكفي ليبني دولة.
من بني أمية إلى بني معروف… وعلى شَعرة معاوية نقف ونسأل: من نكون؟
هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

متخصص في تنظيم الفعاليات الثقافية على المستوى الدولي، وناشط في الشأن العام والسياسي السوري

وسام الحريري
متخصص في تنظيم الفعاليات الثقافية على المستوى الدولي، وناشط في الشأن العام والسياسي السوري