بعد سقوط النظام، دخل كثير من السوريين غمار السياسة بحماسة غير مسبوقة. ولأول مرة منذ عقود، لاح في الأفق أمل بأن تصبح السياسة مساحة طبيعية للمشاركة والعمل العام، لا غابة للخوف والتهديد كما عهدناها. ظهرت مبادرات وأحزاب جديدة، وانخرط الشباب وأصحاب الكفاءات بدافع الرغبة في بناء سوريا دولةً للقانون والمؤسّسات والمواطنة.
لكن، وبعد مضي أشهر على هذه التجربة، اصطدمنا بحقيقة قاسية: إن رغبة السوريين في التغيير لا تكفي وحدها لبناء حزب أو مؤسّسة سياسية قادرة على الاستمرار. نحن لا نبني أحزابًا في بيئة مستقرة، بل داخل مجتمع خرج مثخنًا من عقود الاستبداد، وأكثر من أربعة عشر عامًا من الحرب والانقسام والانهيار. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التشوهات على العمل الحزبي وطريقة تفكيرنا في التنظيم. لا نهدف هنا إلى توزيع اللوم، بل إلى محاولة الفهم: لماذا يبدو بناء العمل الحزبي غاية في الصعوبة؟
إرث الاستبداد والخوف المتجذر
على مدى عقود، لم تكن السياسة في سوريا تعني تنظيم المصالح المشتركة، بل ارتبطت عضويًا بالملاحقة والعقاب. لم يكتفِ الاستبداد بتدمير الأحزاب، بل شوّه العلاقة الطبيعية بين المجتمع والسياسة. بات السوري يتعامل مع العمل العام كبؤرة للخطر، وهذا الأثر النفسي لم يختفِ بسقوط النظام؛ فما زال الحذر وسوء الظن مسيطرين، وينسحب كثيرون عند أول خلاف أو شعور بعدم الجدوى.
أولوية البقاء في زمن الانهيار
أضافت الحرب طبقات عميقة من الإنهاك. فبعد سنوات من التهجير والانهيار الاقتصادي، انحصرت هموم السواد الأعظم من السوريين في تأمين شروط البقاء (العمل، السكن، الغذاء، والأمان المعيشي). في هذا الواقع، تبدو السياسة ترفًا بعيدًا عن اليوميات، على الرغم من أن هذه الهموم المباشرة هي في جوهرها قضايا سياسية بامتياز. كما أدى الاستقطاب إلى تآكل الثقة، وتحول النقاش أحيانًا إلى ساحة للتخوين بدلًا من العمل المشترك.
غياب التقاليد والفجوة بين الحماسة والمؤسّسة
حُرم السوريون طويلًا من اختبار الحياة الحزبية المستقرة، فغابت ثقافة العمل الجماعي، وإدارة الخلاف، وبناء المؤسّسات طويلة النفس. ونتيجة لذلك، طفت إلى السطح أمراض ناشئة كالشخصنة، وتوقّع النتائج السريعة، والانتقال الحادّ بين الحماسة المفرطة والإحباط السريع. الخطأ الأكبر كان في التوقّعات؛ فقد تعامل البعض مع الأحزاب الوليدة وكأنها كيانات راسخة، متناسين أنها لا تزال في طور بناء هياكلها، وصوغ رؤاها، وتدريب كوادرها. المؤسّسات لا تُبنى بالحماسة وحدها، بل تحتاج إلى تراكم، وتجربة، وقدرة على الاستمرار حتى في فترات غياب الإنجاز الملموس.
حقل الألغام: الفراغ القانوني والانفلات الأمني
إلى جانب المعوِّقات النفسية والاقتصادية، يصطدم العمل الحزبي في الداخل السوري بواقع ميداني معقد. ففي ظل غياب قانون ينظِّم عمل الأحزاب، يبقى أي تحرك في دائرة المساءلة القانونية والاجتماعية. يُضاف إلى ذلك الانفلات الأمني الذي يخلق حالة من الترهيب ويجعل الانتماء الحزبي مخاطرة شخصية، ولا سيَّما في بيئة تقصي الآخر وتعتبر السياسة معادلة صفرية (إما معي كليًا أو ضدّي). هذا الواقع يجبر الأحزاب على حصر نشاطها غالبًا في الفضاء الافتراضي حفاظًا على سلامة الأعضاء، وهو ما يدخلنا في حلقة مفرغة: فغياب الأمان يمنع بناء تجربة ميدانية ناجحة، وغياب هذه التجارب يجعل البيئة الحالية طاردة للعمل المنظّم، ليبقى كثيرون في مقاعد المتفرجين تحت شعار “السياسة ما شغلتنا”.
السياسة بوصفها خبزًا يوميًا وضمانةً للمستقبل
إذًا، كيف نكسر هذه الحلقة المفرغة، ونتحدّث في السياسة مع مواطن يطحنه الهمّ المعيشي من دون أن نبدو نخبة منفصلة عن واقعها المأساوي؟ تكمن الإجابة عن هذا السؤال في إنزال السياسة من أبراج التنظير العاجية إلى يوميات المواطن المنهَك. لا يمكننا إقناع السوريين بجدوى العمل الحزبي إلَّا إذا أدركوا أن السياسة هي في جوهرها “سعر ربطة الخبز” و”تكلفة ليتر المازوت”. إن نشر الوعي السياسي اليوم يتطلّب ربطًا مباشرًا وواضحًا بين العمل الحزبي المنظّم والتأثير الفعلي في تحسين شروط الحياة، بحيث يلمس المواطن أن معالجة معاناته الشخصية تمرُّ حكمًا عبر بوابة التغيير السياسي.
إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة الماسّة إلى رد الاعتبار للعمل الحزبي بوصفه عملًا وطنيًا يخدم البلاد، وليس تهمة أو مغامرة غير محسوبة. فالوطنية متجذرة في وجدان السوريين ولا تحتاج إلى من يختلقها، بل إلى من ينظِّمها ويوجِّهها نحو بناء مؤسّسات حقيقية.
وفي الحصيلة، ينبغي لنا جميعًا إدراك حقيقة لا لبس فيها: إن التحول من فوضى الحماسة إلى رصانة العمل المؤسّساتي، وبناء أحزاب سياسية وطنية وفاعلة، ليس مجرّد ترف فكري، بل هو الضمانة الوحيدة والمناعة الحقيقية لعدم عودة الاستبداد أو إعادة إنتاجه من جديد.