المتابع للمواقف والتعليقات التي تناولت كلمة الشرع في ذكرى التحرير يلحظ أنّ كثيرًا منها قرأ عبارته «فأطيعوني ما…» قراءة انفعالية تفتقد الموضوعية والنزاهة في التحليل.
إنها استعارة لخطبة أبو بكر الصديق، يمكن مقاربة النص المجتزأ منها كما لو اجتزأنا من الآية الكريمة: «فلا تقربوا الصلاة»؛ في الظاهر يبدو الأمر أمرًا جامدًا، لكن المعنى الحقيقي يتحدد بشروطه وحدوده وغاياته. أي أنّ اجتزاء العبارة عن سياقها أدى إلى قراءة مغلوطة جعلتها تبدو كطلب للطاعة المطلقة بينما يمكن تفسيرها كوعد على نهج يلتقي مع قيم العدل والتسامح والأخوة التي يدعو لها رب العالمين.
فهم أي عبارة من هذا النوع، يتطلب موضوعيا مراعاة خلفية مطلقها، والسياق الزمني الذي صدر فيه. فمعناها لا يكتمل إلا باستحضار الظروف والسياق العام للخطاب، وخلفية قائلها، والجمهور الذي خاطبه.
في أي محاولة لفهم عبارةٍ ما أو تفسير موقفٍ صادر عن شخصية عامة، لا بدّ من مراعاة طبيعة الجمهور المتلقّي وثقافته، وما تراكم لديه عبر عقود طويلة من التشكيل السياسي والاجتماعي.
يظهر الشرع إتقانا في فهم طبيعة حاشيته والمجتمع الذي يتوجه إليه، ويسمعه ما تطرب آذانه إليه ويتوافق مع الثقافة السائدة فيه.
لقد عاش السوريون فترة طويلة تحت منظومة ممنهجة من التجهيل، واستثمر النظام البائد كثيرًا في الدين والثقافة والأعراف بخبثٍ، لا بهدف الارتقاء بالمستوى الثقافي والاجتماعي أو الحقوقي، بل بغرض التحكّم بالعقول وتبسيط وعيها وسهولة توجيهها. ومع مرور الوقت، افتقد المجتمع إلى ثقافة التنظيم واحترام القوانين؛ فالكثير من السلوكيات اليومية أصبحت طبيعية لا يتوقف عندها أحد — من قطع الشارع دون انتظار إشارة المشاة الخضراء، إلى تجاوز الدور، إلى السعي للاحتيال من أجل مزيد من المساعدات، أو ترك القمامة في الحدائق، أو تشويه المقاعد والجدران داخل المدارس والوسائط والمرافق العامة — كل هذه الممارسات وغيرها الكثير ما هي إلا انعكاس لغياب التربية المدنية والشعور بالانتماء والمشاركة، ولعجز مؤسسات التعليم وانحراف الخطاب الديني عبر دور العبادة عن أداء دورها في ترسيخ قيم الدين وجوهره وحدود الحرية الفردية واحترام الفضاء العام.
فهم الخطاب يقتضي أيضًا فهم شخصية المتكلّم نفسه؛ يعرف السوريون جميعًا المسار الفكري والعملي الذي مرّ به الشرع، والذي قاده لاحقًا إلى قيادة مجموعة من المقاتلين المؤدلجين والوصول بهم إلى الحكم. إنهم أبناء هذا البلد ونتاج بيئته الاجتماعية والثقافية، وما يحملونه من خطاب وأساليب تعبير هو انعكاس طبيعي للمحيط الذي نشؤوا فيه وللمرحلة التي شكّلت وعيهم خلالها.
ويقودنا هذا بدوره إلى طبيعة الجمهور الذي يخاطبه. فالجمهور السوري في عمومه جمهور عاطفي، لديه مفاهيم مشوّهة حول الكثير من المصطلحات، جمهور يخشى الحداثة وقيمها ويرى فيها تهديدًا وجوديًا، جمهور لم تتح لكثير من أفراده اختبار المواطنة وقيمها، وجمهور لا يمكن كسب ثقته ولا ضبط انفعالاته إلا بخطاب قريب من لغته المعتادة.
هذا ما تربّى السوريون على سماعه وألفوه، وهذه هي اللغة التي يتحمسون فيها ويتفاعلون معها. يتفاعل الكثيرون مع رجال الدين ومظاهر اللباس التي توحي بالتدين، دون أن يهمّهم المضمون. يجلس حاملو شهادات الدكتوراه والماجستير أمام شيخ أمي أو زعيم جاهل دون الجرأة على نقده أو مجادلته.
ذوق شعبي سائد يرى في «لبّت لبّت» أو في بيئة يعجبها صياح علي الديك أو وسط يفضل الانشاد الديني على موسيقي عالمي كمالك جندلي مثلاً
عقيدة تجعل من “غزة” هتافا للجيش السوري، بدل الالتزام بشعارات وطنية سورية خالصة في وقت ينتظر عدونا فيه أي مسوغات إضافية لتبرير اعتداءاته
للرموز الدينية والعرقية والعشائرية دور كبير في مجتمعنا، وهو ما يجعل المجتمع عُرضة لتسييس العاطفة أكثر من استنارة العقل.
إن إدراك هذا كله لا يُعدّ تبريرًا لأي خطاب، بل محاولة لقراءته ضمن واقع تشكّل عبر عقود، وصولًا إلى ممارسة سياسية أكثر نضجًا ورشدًا، تخاطب الناس بما يفهمونه، ثم ترتقي بهم تدريجيًا ربما نحو ما ينبغي أن يُفهم.
لقد أثبتت عدة تجارب عالمية حديثة أنّ القادة الأفراد يمكن أن يحدثوا تغييرات ثقافية واجتماعية جذرية في بلادهم:
فالحبيب بورقيبة في تونس، قاد إصلاحات تعليمية واجتماعية شاملة، ورفع من شأن المرأة، وأرسى قيم المواطنة والحداثة، وغيّر الثقافة العامة للمجتمع التونسي.
و القائد التركي مصطفى كمال أتاتورك، أسس دولة حديثة على قواعد التعليم المدني والعلماني، وأدخل إصلاحات لغوية وثقافية واسعة، رسخت الهوية الوطنية المدنية المتقدمة.
جواهر لال نهرو في الهند، ساهم في بناء دولة حديثة بعد الاستقلال، وعمل على تطوير التعليم، وتعزيز القيم الوطنية والمواطنة، وتشجيع الفكر التقدمي في المجتمع الهندي.
لي كوان يو في سنغافورة أو مهاتير محمد في ماليزيا…
مؤخرًا، يبرز محمد بن سلمان في السعودية، يقود تغييرات عميقة في البنية الثقافية والاجتماعية للمملكة، من تعزيز دور المرأة وتمكين الشباب، إلى تحديث التعليم وتوسيع الفضاء الثقافي، بما يرفع من مستوى الانفتاح الاجتماعي ويؤسس لرؤية حديثة للمجتمع السعودي.
ويبقى السؤال: هل يستطيع الرئيس الشرع، ببراغماتيته، أن يلعب دورًا حقيقيًا في رفع مستوى الوعي العام السوري؟ وهل سيتمكّن من توجيه المجتمع تدريجيًا نحو الانضباط المدني وتفعيل حس المواطنة، واستثمار شعبيته في تطوير الثقافة والارتقاء بالذوق العام؟
