منذ اللحظات الأولى التي تلت سقوط نظام الأسد البائد وبروز سلطة سورية جديدة في المشهد السياسي، سارعت بعض الأطراف إلى اتهام عملية التحرير بأنها لم تكن سوى نتيجة تسوية شاملة، جوهرها – وفق هذا الخطاب – مشروع التطبيع مع العدو الإسرائيلي.
وقد جرى الترويج لهذا الادعاء على نطاق واسع؛ لا بوصفه قراءةً سياسيةً جادة تستند إلى الوقائع، بل بوصفه أداةً ممنهجة للتشويه والتخوين، هدفها تقويض شرعية التحول التاريخي الذي شهدته البلاد. وغالبًا ما كان يُستخدم هذا الخطاب لإقحام كل إنجاز أو بارقة أمل في الواقع السوري ضمن سردية “المؤامرة الكونية”، في محاولة فجة لمصادرة إرادة السوريين، وتجريد تضحياتهم، ونفي أي فاعلية أو أثر حقيقي لأي فعل وطني سوري مستقل.
غير أن مرور عام كامل على تلك الأحداث يفرض إعادة النظر في هذه السردية، ليس من باب الدفاع المجاني، بل انطلاقًا من الوقائع الملموسة التي تكشّفت على الأرض. فإذا كان التطبيع هو معيار الاتهام، فإن الوقائع تشير بوضوح إلى أن المنخرطين في قنوات التواصل مع إسرائيل، أو الساعين إلى التحالف معها، لم يكونوا ضمن بنية السلطة السورية الجديدة، بل في مواقع أخرى من الجغرافيا والسياسة السورية.
لقد ظهرت خلال العام المنصرم أدلة موثقة – من شكرٍ علني، وصورٍ، وتسريبات – تُظهر تواصل مجموعات وشخصيات محلية من الجنوب السوري مع إسرائيل، قدّم بعضها نفسه شريكًا محتملاً أو طرفًا قابلًا للتعاون، بالتوازي مع استمرار القصف الإسرائيلي على دمشق ومحيطها دون أن يقابل ذلك أي تنسيق أو تفاهم مع السلطة الجديدة، كما يروّج خصومها.
إلى جانب ذلك، كشفت تسريبات حديثة عن تواصل فلول النظام البائد – الذين ارتبط اسمهم تاريخيًا بشعارات “المقاومة والممانعة” – مع طرفٍ ظنوا أنه إسرائيلي، وصولًا إلى الاستجداء العلني الفاضح للدعم والمساندة، مع كيل الشتائم والحنق للفلسطينيين في غزة، في مفارقة فاضحة بين الخطاب السابق والممارسة الحالية.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل العلاقة المعروفة بين “قسد” وإسرائيل، سواء على مستوى التصريحات غير المباشرة، أو القنوات المفتوحة عبر وسطاء إقليميين ودوليين، وهي علاقة لم تعد محل إنكار في الأوساط السياسية والإعلامية.
في المقابل، لم يُسجَّل خلال عام كامل أي دليل واحد يُظهر تحالفًا، أو حتى إشارةً إيجابية صادرة عن السلطة السورية الجديدة تجاه إسرائيل، لا علنًا ولا سرًا. إن الإصرار على اتهام السلطة السورية الحالية بأنها جاءت تنفيذاً لمشروع عنوانه التطبيع، في ظل غياب أي دليل، ومقابل توافر شواهد واضحة على تواصل أطراف أخرى مع العدو، يكشف أن القضية ليست موقفًا وطنيًا بقدر ما هي أداة صراع سياسي داخلي ومزاودة، يُستخدم فيها شعار “التطبيع” كسلاح تخوين لا أكثر.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه اليوم ليس: هل تمت عملية التحرير عبر تسوية مع إسرائيل؟ بل: من الذي يتواصل فعلًا؟ ومن الذي يتحالف؟ ومن الذي يشيد بقصف دمشق؟
فالسياسة لا تُقاس بالشعارات، بل بالأفعال؛ والوقائع – حتى اللحظة – تشير بوضوح إلى أن التطبيع لم يكن في موقع السلطة الجديدة، بل في أماكن أخرى من المشهد السوري.
