Kurd

English

ياسين الحافظ ومأزق الأكثرية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقف حزب الجمهورية.

هل ينجح ميثاق الأوقاف في فك الارتباط بين التدين والأدلجة؟
لطالما شخّص المفكر السوري ياسين الحافظ المعضلة السورية بعبارته الصادمة:
(( مشكلة الأقلية هي في جوهرها مشكلة الأكثرية . . ))
لم يكن يقصد بذلك تحميل الأكثرية عبئاً أخلاقياً، بل كان يضع إصبعه على خللٍ بنيوي: حين تعجز الكتلة الأكبر عن إنتاج مشروع وطني حديث يتجاوز الروابط الأولية، تتحول الهويات الفرعية إلى ملاجئ دفاعية، ويتحوّل الوطن إلى مساحة قلق متبادل لا إلى فضاء ثقة.
من هذه الزاوية يمكن قراءة ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي بوصفه حدثاً يتجاوز طبيعته الإدارية. فالإعلان عن منع توظيف الدين لمصلحة حزب أو جماعة، والدعوة إلى تجاوز خلافات عمرها قرون لصالح أولويات الحاضر، لا يعكسان مجرد رغبة في ضبط المنابر، بل يشيران إلى محاولة لإعادة تعريف موقع الدين في المجال العام، وفكّ الارتباط بين التدين كقيمة روحية وبين الأدلجة كأداة تعبئة سياسية.
كان الحافظ يرى أن الحداثة ليست قطيعة مع الإيمان، بل قطيعة مع تحويل العقيدة إلى أساس للسيادة السياسية. الدولة الحديثة، في تصوّره، لا تقوم على غلبة عددية، بل على عقد قانوني يُنتج مواطنة متساوية. لذلك فإن السؤال الذي يطرحه الميثاق اليوم لا يتعلق بتنظيم الخطاب الديني فحسب، بل بمدى قدرة الأكثرية على الانتقال من منطق التمثيل الهوياتي إلى منطق المسؤولية الوطنية.
فاستقرار سوريا، كما كان الحافظ يلمّح، لا يُصان عبر إدارة الأقليات ككيانات تحتاج حماية استثنائية، بل عبر نجاح الأكثرية في تقديم نموذج دولة لا نموذج جماعة. الأمان الحقيقي لا تمنحه الغلبة، بل تُنتجه بنية قانونية يتساوى تحت سقفها الجميع. وعندما تُعاد صياغة العلاقة بين الدين والسياسة بحيث لا يصبح الأول أداة تنافس حزبي، فإن ذلك يشكّل خطوة في اتجاه تحرير المجال العام من الاستقطاب الذي استنزف المجتمع طوال سنوات.
غير أن الحافظ كان يحذّر دائماً من الاكتفاء بالشعارات. فالمعيار ليس في إعلان الوحدة، بل في كيفية إدارة الاختلاف بعدها. هل سيبقى الاجتهاد متاحاً ضمن إطار مؤسسي منفتح، أم يتحول توحيد الخطاب إلى تضييقٍ للتنوع باسم الاستقرار؟ وهل يُفهم المرجع الديني بوصفه إطاراً قيمياً يغني التشريع داخل برلمان المواطنة، أم كسلطة فوق دستورية تحدّد سقوفه؟
التحوّل الحقيقي، وفق منطق الحافظ، لا يُقاس بمدى انضباط المنابر، بل بمدى استعداد الأكثرية لمساءلة ذاتها وإعادة تموضعها داخل دولة القانون. فالمشكلة لم تكن يوماً في وجود التنوع، بل في غياب المشروع الجامع الذي يطمئن الجميع. وإذا كان الميثاق يشير إلى بداية مراجعة لهذا الوعي، فإن نجاحه سيتوقف على قدرته في ترجمة مفردات الوسطية والوحدة إلى ممارسات تحمي التعدد بدل أن تختزله.
بين مبضع ياسين الحافظ وواقع اليوم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام لحظة تعيد فيها الأكثرية إنتاج نفسها كرافعة دولة حديثة، أم أمام إعادة ترتيب داخل الإطار ذاته؟ الإجابة لن تتحدد في بيانات المؤتمرات، بل في كيفية صون سيادة القانون، وضمان المساواة، وتحويل الوحدة من شعار إلى بنية سياسية جامعة.

  • رواد دحدول

    ناشط سياسي ومدني، خريج جامعة حلب – كلية العلوم الكيمياء التطبيقية، عضو مجلس إدارة في إحدى المؤسسات الإنسانية السورية. شارك في عدة مبادرات ثورية (ومنها تنسيقية المغتربين لدعم الداخل) ومنظمات مجتمع مدني.

  • رواد دحدول

    ناشط سياسي ومدني، خريج جامعة حلب – كلية العلوم الكيمياء التطبيقية، عضو مجلس إدارة في إحدى المؤسسات الإنسانية السورية. شارك في عدة مبادرات ثورية (ومنها تنسيقية المغتربين لدعم الداخل) ومنظمات مجتمع مدني.

آخر المقالات

Scroll to Top