Kurd

English

15 مايو، 2026

في استعادة السياسة وتأسيس الجمهورية

تجتاز سوريا اليوم مرحلةً انتقاليةً بالغة الدقة، تتقاطع فيها الفرص مع المخاطر، وتتزاحم على أعتابها الأسئلة الكبرى حول شكل الدولة المنشودة، وطبيعة العقد الذي سيجمع أبناءها ويُلزمهم. إنها لحظةٌ لا تحتمل الارتجال ولا تقبل الإقصاء، بل تفرض استدعاء السياسة بوصفها الأداةَ الأرقى لإدارة الاختلاف وتنظيمه، والحوارَ بوصفه السبيلَ الأجدى لتفكيك التعقيدات وتجاوزها، والنقدَ البنّاء بوصفه شرطًا لازمًا لتصويب المسار وصونه. ففي مثل هذه اللحظات الفارقة، لا تُبنى الدول بالقوة وحدها، ولا تُدار بالتوافقات الهشة والتسويات المؤقتة، بل بتكريس فضاءٍ عامٍ حيٍّ تتفاعل فيه الآراء وتتقاطع فيه المصالح، ويُصاغ فيه المستقبل بإرادةٍ جماعيةٍ واعيةٍ ومسؤولة. في هذا السياق، تصدر “جَمْهَرة” لا بوصفها إضافةً إعلاميةً إلى مشهدٍ مزدحم، بل استجابةً لحاجةٍ وطنية ملحّة لا تحتمل التأجيل: الحاجة إلى منبرٍ يُعيد الاعتبار للسياسة كممارسةٍ وفكرٍ ومنهج، ويمنح الحوار مكانته اللائقة في صناعة القرار، ويُؤسّس لثقافةٍ جديدة تقوم على الاختلاف المسؤول لا الانقسام، وعلى الشراكة لا الإقصاء. إننا نكتب في زمنٍ تُعاد فيه صياغة المفاهيم وتُختبر فيه قدرة السوريين على الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق التوافق، ومن إدارة الصراع إلى فن بناء الحلول. لقد عانت سوريا طويلًا من تغييب السياسة وتجريد المجال العام من مضمونه، حتى غدت الخلافات تُدار خارج أطرها الطبيعية الشرعية، وتبدّد النقاش العام لصالح القرارات المغلقة التي تتخذها النخب بمعزلٍ عن المجتمع. وفي غياب أدوات التعبير الحر وتكميم أفواه المعارضة، تفاقمت الأزمات وتعمّقت الفجوات بين الدولة والمجتمع حتى باتت هوّةً سحيقة. من هنا، فإن استعادة السياسة ليست ترفًا فكريًا ولا رفاهيةً نخبوية، بل ضرورةٌ وجودية لإعادة تنظيم الاختلاف وتحويله من مصدر تهديدٍ دائم إلى طاقةٍ خلّاقة وإنتاجية. السياسة رافعةً للوعي الوطني إن تفعيل حضور السياسة في المجتمع ليس شأنًا نخبويًا ولا اشتغالًا أكاديميًا مجردًا، بل هو الرافعة الأجدى والأنجع في مواجهة التحديات التي تعترض طريق الانتقال وتُهدِّد مساره. فحين تنزل السياسة من أبراجها إلى فضاء المجتمع وتغدو شأنًا مشتركًا يتداوله المواطنون ويتفاعلون مع مساراته، تتحول من أداةٍ في يد القلة إلى طاقةٍ تُعبّئ الأكثرية وتُنظّم إرادتها الجمعية. وفي هذا التحول تكمن الإجابة عن أعقد التحديات التي تواجهها المجتمعات في مراحل التحول الكبرى، إذ لا يمكن لأي قوةٍ خارجية أن تُعوّض غياب الوعي السياسي المجتمعي، ولا لأي سلطةٍ مهما بلغت من الكفاءة أن تحلّ محلَّ مجتمعٍ مستنير يُشارك في صناعة قراره ويُحاسب ممثليه. وإذا كانت السياسة هي الإطار الذي تُدار في رحابه التباينات وتُحتوى التوترات، فإن الإعلام الحر هو المساحة التي تُعبَّر فيها عن هذه التباينات وتُناقَش وتُعالَج. فلا يمكن لحوارٍ وطني أن يبلغ نضجه في ظلِّ إعلامٍ مُقيَّد، ولا يمكن للنقد أن يؤدي وظيفته الإصلاحية في بيئةٍ تُجرّمه أو تُهمّشه وتُحاصره. إننا نؤمن بأن تحرير الصحافة هو المدخل الطبيعي لبناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وهو الضمانة الحقيقية لشفافية الأداء العام، والشرط الذي يجعل من المواطن شريكًا فعليًا في الرقابة والمساءلة لا متفرجًا صامتًا على قرارات تمسّه. حرية الصحافة طريقًا إلى تحرير المواطن إن تعزيز مكانة سوريا على مؤشر حرية الصحافة في العالم ليس مجرد مؤشر رقمي يُحسّن صورة الدولة أمام المجتمع الدولي، بل هو إنارةٌ حقيقية لطريق إعادة تحرير المواطن من المحمولات الأيديولوجية المتراكمة وإعادة تشكيل الوعي الوطني على أسسٍ جديدة. فالصحافة الحرة لا تنقل الأخبار فحسب، بل تُعيد بناء المخيلة المجتمعية وتُفكّك الأطر التفسيرية الضيقة التي أحكمت قبضتها على العقل الجمعي السوري لعقودٍ متطاولة. ونحن إذ ندعو إلى صحافةٍ حرة ومسؤولة، إنما ندعو في جوهرنا إلى إعادة بناء المواطن بوصفه فردًا حرًا وعاقلًا مستقلًا، يحكم على الأمور بميزان العقل والمصلحة الوطنية الجامعة، لا بما تمليه عليه انتماءاته الضيقة ومحمولاته الموروثة. فالمواطن الذي يقرأ صحافةً متنوعةً وحرةً ويتعرض لآراء مختلفة ومتباينة، يكتسب بالتدريج قدرةً على التفكير النقدي تُمكّنه من تجاوز حواجز الهوية الفرعية والانعتاق من أسر التعصب الطائفي والعرقي والعشائري والفصائلي. من مجموعاتٍ متعايشة إلى شعبٍ من المواطنين إن الغاية القصوى التي تنشدها “جَمْهَرة” وتجعلها النجم الهادي لمسيرتها، هي أن يصبح المواطن الفرد الحر هو الركيزة التي تقوم عليها الجمهورية الجديدة، لا المجموعات الطائفية أو العرقية أو العشائرية أو الفصائلية التي تُجزّئ الوطن وتُضعف نسيجه. فالدولة التي تُبنى على وحدة الأفراد الأحرار المتساوين أمام القانون أمتن كثيرًا وأكثر استدامةً من تلك التي تقوم على تسويات بين مجموعات هشة قابلة للانفراط في أي لحظة. نريد أن نكون شعبًا من مواطنين لا مجموعاتٍ متعايشة تتساكن على الأرض ذاتها دون أن تشترك في رؤية مشتركة للمستقبل. نريد وطنًا تكون فيه الهوية الوطنية أوسع من كلِّ هوية فرعية وأرسخ من كلِّ انتماء جزئي. وهذا الوعي الجامع لا يُفرض بالقوة ولا يُسنّ بالقوانين وحدها، بل يُؤسَّس له تأسيسًا حقيقيًا عبر الإعلام الحر والخطاب السياسي الرصين اللذين يُعيدان صياغة ما يعنيه أن تكون سوريًا في هذا الزمن. فحين يتحدث الإعلام الحر إلى المواطن بوصفه عقلًا مستقلًا لا بوصفه عضوًا في قبيلة، وحين يُقدّم الخطاب السياسي البرامجَ والحججَ عوضًا عن الولاءات والعصبيات، عندئذٍ تبدأ ثقافة المواطنة الحقيقية في التجذّر في أعماق المجتمع وتنتقل من جيلٍ إلى جيل. وهذا التحول الثقافي العميق هو الذي يجعل من الديمقراطية منظومةً حيةً ومُستدامة لا مجرد إجراءاتٍ شكلية يمكن تفريغها من مضمونها في أي وقت. ومن هنا، فإننا نرى أن إعادة تأسيس الجمهورية في سوريا لا يمكن أن تتمّ من دون إعادة بناء المجالين السياسي والإعلامي معًا، في تلازمٍ عضوي لا انفصال فيه. فالأحزاب الحقيقية تُنتج البرامج وتُقدّم البدائل وتحمل مشاريع للمستقبل، والصحافة الحرة تختبر هذه البرامج في فضاء النقاش العام وتُساهم في تطويرها عبر النقد الجاد والتفاعل الخلاق. إنهما معًا يُشكّلان ركيزتين أساسيتين لأي نظامٍ يسعى إلى الاستقرار الدائم والتقدم المنشود. وفي هذا الإطار، تكتسب الصحف الصادرة عن الأحزاب دورًا محوريًا في العصر الحديث. فهي لم تعد مجرد أدواتٍ للتعبئة والاستنهاض، بل أضحت منصاتٍ للفكر السياسي وحواضن للنقاش الجاد وجسورًا حقيقية بين الحزب والمجتمع. إنها تُترجم الرؤية السياسية إلى خطابٍ حيٍّ قابل للنقاش والمراجعة، وتفتح المجال أمام الجمهور للمشاركة في صياغة هذه الرؤية وإغنائها، بما يُعزّز حيوية الحياة السياسية ويحول دون انغلاقها على ذاتها. وليس هذا الدور غريبًا عن التجربة السورية أو دخيلًا عليها. فقد عرفت البلاد في بدايات تأسيسها صحافةً حيوية كانت تنبض بنبض الشارع وتواكب تحولات الدولة الوليدة. لعبت صحف من قبيل “القبس” و”الأيام” و”ألف باء” أدوارًا بارزةً في نقل هموم الناس ومساءلة السلطة والمساهمة في تشكيل وعيٍ وطنيٍ جامع. كانت تلك الصحف جزءًا أصيلًا من المجال العام لا هامشًا على حوافّه، وساهمت في ترسيخ فكرة أن الكلمة الحرة شريكٌ لا غنى عنه في بناء الدولة وصون مسيرتها. إن استحضار هذا الإرث اليوم ليس نوستالجيا ثقافيةً أو استرجاعًا رومانسيًا لماضٍ مضى، بل ضرورةٌ سياسية تفرضها طبيعة المرحلة. فكما نجحت […]

في استعادة السياسة وتأسيس الجمهورية قراءة المزيد »

خطاب الكراهية؛ من النخب التي تصنعه إلى النخب التي تكافحه

لا يُولد المرء حاملًا معه مشاعر الكراهية، فهو يكتسبها من البيئة والمحيط؛ فالكراهية صناعة لها أرباب يحملونها على عاتقهم، يصنِّعونها ويعتنون بها وينشرونها، لتدخل عقول وأرواح البشر تدريجًا، ولتصبح، بمرور الزمن، وفي المآل، سلاحًا تدميريًا للذات والآخر. لا يوجد تعريف نهائي أو معتمد لخطاب الكراهية، لكن يمكن القول إنه يشمل أنماطًا متنوعة من التعبير العام التي تنشر أو تعزِّز أو تبرِّر الكراهية أو التمييز أو العداوة ضد فرد أو مجموعة، على أساس الأصل الديني أو العرقي أو الجنسية أو اللون أو النسب أو الجنس أو المهنة، بهدف تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو معنوية. ويمكن أن تكون أي فئة اجتماعية عُرضة لخطاب الكراهية، على الرغم من أن الفئات الأقل حظًا في المجتمع هي الأكثر عرضة له، مثل الأقليات القومية والدينية، كما تواجه النساء وبعض المهن أنواعًا أخرى من خطاب الكراهية. خطاب الكراهية: صناعة نخبوية يميل البشر، عمومًا، نحو التجمع والتضامن والتكافل والتعايش والتشارك والتفاعل الإنساني، لكنهم يتعرضون، في سياق الحياة، إلى ألوان عديدة من الخطاب المؤثِّر الذي تطلقه الجماعات النافذة التي تمسك بمقاليد السلطة في المجتمع بمستوياتها المختلفة، سياسيًا ودينيًا وثقافيًا واقتصاديًا؛ السلطة السياسية وأجهزتها الملحقة، قيادات الأحزاب الحاكمة والمعارضة، التشكيلات المسلحة، رجال الدين، المثقفون، الإعلاميون. يميل أولئك جميعهم إلى تحشيد وتعبئة البشر خلفهم لتحقيق مصالحهم السياسية أو الاقتصادية أو المعنوية، وفي سياق ذلك، قد يلجأ بعضهم إلى استثمار التنوع القومي والديني في المجتمع بصورة سلبية وعدائية، فينتج نمطًا كارثيًا من الخطاب والسلوك، جوهره الكراهية، ليدخل جزء من الجمهور حينها، بوعي أو من دونه، في معركة وهمية ليست معركته، ما يزيد، بالتالي، من بؤسه وفقره وشقائه. هذه النخب، عمومًا، تصنع الرأي العام والميل العام في كل لحظة، وعندما تفتقد إلى الأرضية الإنسانية أو الوطنية، فإنها تنتج خطاب الكراهية، قصدًا، وفي بعض الأحيان جهلًا. فالدكتاتوريات والأنظمة الفاسدة والنخب السياسية والثقافية والدينية التقليدية والإعلام الرديء، كلهم يساهمون في بناء منظومة الكراهية والعداء الاجتماعي على أساس قومي وعرقي وطائفي ومذهبي أو قبلي أو مناطقي، وهي التي تجد لها سوقًا قابلة في كثير من بلدان المنطقة المثقلة بالأزمات المركبة. خطاب الكراهية وحرية التعبير يُعدّ موضوع التمييز بين خطاب الكراهية وحرية التعبير، أحد الموضوعات المثيرة للجدل فعلًا؛ فالسؤال الحاضر دومًا في هذا الشأن هو: متى تنتهي حدود حرية التعبير المصونة وتصبح شكلًا من خطاب الكراهية؟ يجب التمييز، مثلًا، بين التعبير عن الرأي والتحريض ضد أتباع دين أو مذهب ما؛ إذ إن نقد الخطاب الديني السائد، أو نقد بعض رجال الدين، يفترض ألا يُوضع، بالضرورة، في خانة التحريض على الكراهية ضد أتباع هذا الدين أو المذهب، لكن يبقى الحاسم هو طريقة النقد وألفاظه ومفرداته وأهدافه، ما يعني فعليًا صعوبة التمييز، بصورة مباشرة وسريعة، بين الخطاب النقدي وخطاب الكراهية، في بعض المحطات أو الحالات، وهذا يعطي أهمية كبيرة لنقاش المسألة هذه تفصيلًا. ثمة نصوص عديدة تصون حرية التعبير في الإعلانات والقوانين والمواثيق الدولية، خصوصًا ما جاء في المادة التاسعة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأيضًا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لكن ظلت الثغرة الأكبر، حتى اللحظة، هي غياب القوانين الرادعة للتعامل مع خطاب الكراهية؛ إذ تخشى الدول الديمقراطية مثلًا من أن التوسع في تعريف “خطاب الكراهية”، وربطه بعقوبات قانونية صارمة، قد يمثل قيدًا على حرية التعبير، أو يمكن أن تسيء استخدامه الأنظمة الديكتاتورية أو العنصرية، مثلًا، فتتحول المطالبة برفع ظلم النخب أو الطبقات أو الأعراق الحاكمة إلى “خطاب كراهية” في عيون قضاء الأنظمة الديكتاتورية والعنصرية. مع ذلك، تجرأ المجتمع الدولي ووضع بعض القيود القانونية على حرية التعبير، مثل الخطاب الذي يؤيِّد، أو يدعو إلى “الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية”، و”يشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف”. بيئة وخطر خطاب الكراهية تزدهر مشاعر الكراهية، ويتعاظم تأثير خطاب الكراهية، في البيئات والمجتمعات غير المستقرة أو التي تعاني انقسامات إثنية وطائفية ومذهبية، وتغيب فيها ثقافة التنوع وقبول الآخر؛ أي تلك التي تحكمها أنظمة استبدادية، وتغيب فيها الحريات والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنظم القانونية الحديثة. فالكراهية تنمو بفاعلية في بيئة الاستبداد والرأي الواحد والتهميش الاجتماعي، كما هو الحال في بلدان المنطقة العربية. وتستخدم النخب المسيطرة، عمومًا، في البيئات والمجتمعات هذه، خطاب الكراهية في الداخل وتجاه الخارج في آن معًا، بما يعزِّز نفوذها وهيمنتها واستمرار تدفق مصالحها أو بما يساهم في تبرير عجزها والتغطية على فشلها. تزداد حدّة تأثير خطاب الكراهية عندما يأتي في سياق الأزمات والفقر الاقتصادي والأوضاع المتوترة والاحتقان المجتمعي على الصعيد السياسي أو الاجتماعي، إذ ترتفع درجة حساسية البشر في الأحوال هذه، وتصبح إساءة الفهم والتأويل واردة جدًا، وكثيرًا ما يأتي هذا الخطاب على لسان متحدث فاعل ومؤثِّر، يُنشر حديثه على نطاق واسع، بصورة مقصودة غالبًا، وفي لحظة يكون فيها الجمهور على صفيح ساخن، يتقبَّل ما يُعرض عليه ويتجاوب معه سريعًا. يُشكِّل خطاب الكراهية أرضية خصبة وملائمة لأعمال العنف وجرائم الكراهية التي قد تصل في مداها إلى الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة، خصوصًا ضد الجماعات الضعيفة أو الصغيرة أو المهمَّشة؛ ففي راوندا مثلًا، قُتل في عام 1994، بسبب خطاب الكراهية الذي بثّه إعلاميون في قنوات إذاعية مختلفة، نحو 800 ألف شخص خلال مئة يوم فقط، ليمثل أخيرًا، ولأول مرة، عددٌ منهم أمام محكمة الجنايات الدولية، بتهمة التحريض على الكراهية. من أخطار خطاب الكراهية، رفض دعاة الكراهية الاعتراف بالجرائم التي ترتكب في حق جماعة أخرى لا ينتمون إليها، وإصرارهم على نفيها، أو ربما إلقاء اللوم على الضحايا أنفسهم، واعتبارهم المسؤولين عنها. وأحيانًا يؤدي خطاب الكراهية إلى انسحاب أبناء الجماعة المستهدفة من الحياة العامة وانغلاقهم على أنفسهم، ويتوقفون عن أداء أي دور إيجابي في الحياة العامة، ويدفعهم الشعور المتزايد بالاضطهاد والاستهداف والتمييز ضدهم، إلى التحول إلى عنصر خطر حقيقي، وممارسة العنف ضد الآخرين في أول فرصة قد تسنح بذلك. أما خطاب الكراهية الموجّه ضد الخارج، فقد حرم المنطقة وأبناءها من فرصة التقدم؛ حدث هذا عندما استخدمت الأنظمة والنخب السياسية العربية، القومية واليسارية والدينية، خطاب الكراهية في مواجهة الغرب، وجرت تعبئة الرأي العام في المنطقة العربية ضد الغرب بوصفه العدو المطلق ومصدر الشرور كلها والطرف المتربص دائمًا بمصالح شعوب المنطقة، وكان الهدف من هذا الخطاب التعمية على آلية الاستبداد والفساد في الداخل، أو التغطية على إخفاق الأنظمة، أو عدم رغبتها، في تحقيق ما تطمح إليه شعوب المنطقة من ديمقراطية وعدالة اجتماعية ورخاء اقتصادي، أو بسبب نقص وعي النخب أساسًا، وشعورها بعقدة النقص تجاه الغرب المتفوق، أي بسبب هيمنة التقليد على وعيها عمومًا. اعتمدت الأنظمة الاستبدادية على تضليل الرأي العام باعتماد خطاب كراهية موجه ضد الغرب بكليته، يختزل الغرب في ظاهرة الاستعمار، ويخلط بين الغرب الاستعماري والغرب الحضاري، جهلًا أو قصدًا، ما حال بين العرب وشعوب المنطقة

خطاب الكراهية؛ من النخب التي تصنعه إلى النخب التي تكافحه قراءة المزيد »

العقد الاجتماعي: خطوة لا بدَّ منها

ظهرت فكرة الدولة الوطنية في أوروبا حوالى منتصف القرن السابع عشر، حيث بدأت تتشكل بعض الدول الحديثة غير المرتبطة بالإمبراطوريات الكبيرة، واستمرت الفكرة بالتطور والتوسع لتشمل، مع بداية القرن التاسع عشر، معظم أنحاء العالم، حيث ظهرت دول جديدة بالارتكاز على أسس وروابط مشتركة جديدة لم تكن معروفة في العصور السابقة؛ فقد اعتمدت (العقد الاجتماعي) أساسًا لبنائها. لقد تأخر وصول هذه الأفكار الحديثة إلى منطقتنا حتى بدايات القرن العشرين، حيث كثر الحديث عن أهمية العقد الاجتماعي وضرورة قيام الدولة على أسس المواطنة والمساواة بعيدًا عن الاثنية أو الطائفة، وبدأت محاولات بناء الدولة على أسس وطنية أو قومية ساعية لصياغة عقد اجتماعي يربط أفراد المجتمع بروابط لم تشكل في ما مضى أي أساس في بنائها. وكثرت الحوارات والمناقشات حول أهمية بناء الدولة الوطنية الحديثة المستندة إلى عقد اجتماعي تستمدّ شرعيتها منه، وكان المفكر السوري الياس مرقص مثلًا يرى أنّ العقد الاجتماعي ليس مجرد علاقة بين الفرد والدولة وحسب بل هو علاقة اجتماعية وثقافية عميقة تتطلب توافقًا عامًّا، وعلى هذا العقد أن يضمن الحقوق المتساوية لجميع الأفراد، ذكورًا وإناثًا، ولذلك كان يرى أن العقد الاجتماعي (الدستور) يجب أن يكون أداة للحرية لا وسيلة لاحتكار السلطة من النخبة الحاكمة. غير أننا في حالتنا السورية، أسوةً بمعظم جوارنا، لم نتمكن من بناء الدولة الوطنية على الرغم من كل محاولات ادعاء البناء من جانب إعلاميي ونخب النظام السابق؛ فالاستبداد والقمع يُنتجان سلطة قد تخلق إحساسًا ببناء دولة قوية ومتماسكة، لكنه يبقى مجرد وهم في المآل (في سلطة الأسد كان الدستور مجرد حبر على ورق يمكن تعطيل أي بند من بنوده بمرسوم رئاسي بسيط من دون أي اعتبار لمصلحة أبناء الشعب من هذا المرسوم). واليوم، بعد رحيل الأسد، تمت صياغة إعلان دستوري مؤقت كان لا بدّ منه كخطوة أولى، غير أن الخطوة لم تكتمل بعد؛ فالإعلان الدستوري قد يمتلك مبررًا قانونيًّا مؤقتًا لكنه لا يلقى إجماعًا داخليًا، وكلما طال البقاء ضمنه ازدادت المخاطر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فمن دون دستور محدّد وواضح ستتفاقم الخلافات بين الفرق والمكونات، وقد يصبح الاتفاق مستحيلًا. إنّ غياب العقد الاجتماعي (الدستور) يؤدي إلى فراغ قانوني يُعقّد الدخول في عملية بناء الدولة الوطنية، ويزعزع الثقة بين أبناء المجتمع، ويُفقِد أيّ سلطة شرعيّتها. إن لغياب الدستور وسلطة القانون دورًا كبيرًا في ما حدث من أحداث في الساحل والسويداء، أو حتى في ما حصل بين السلطة وقسد، وما يحدث من جرائم أحيانًا في مختلف أنحاء البلاد كلها تحت ذريعة المظلومية أو الانتقام من أبناء النظام السابق في ظل غياب قانون للمحاسبة والعدالة الانتقالية. إنّ البدء ببناء الدولة الوطنية لا يمكن أن يكون بغير دستور متوافق عليه من جميع المكونات الاجتماعية والسياسية، ما دمنا متفقين على أنّ الدستور ليس مجرد نص قانوني وإنّما هو الإطار السياسي والاجتماعي الذي ينظم علاقة السلطة بأفراد المجتمع. ومن هنا تأتي ضرورة الدعوة إلى حوار وطني شامل وشفاف (سلطة – أحزاب وأطياف سياسية – مجتمع مدني وأهلي)، حوار لا يتم فيه إقصاء أي مكون من المكونات السورية، غايته تخفيف الاحتقان، وتوفير بيئة ملائمة لعقد مؤتمر وطني حقيقي مهمته الرئيسة وضع حجر الزاوية للوصول إلى دستور دائم للبلاد. إن كل تأخير لهذا الحوار إنّما يصب في مصلحة إعادة إنتاج الاستبداد. كذلك، فإن هذه الدعوة لا تتحمل مسؤوليتها السلطة الحاكمة فحسب بل هي مسؤولية جميع مكونات الشعب السوري بأطيافه كافة. لا يحق لأي طرف الاستئثار بصياغة دستور للبلاد مهما كانت صفته، ويجب ألَّا يغيب أي طرف عن المشاركة، وإلا تحول الدستور حينها من أداة للحرية إلى وسيلة لتكريس الاستبداد.

العقد الاجتماعي: خطوة لا بدَّ منها قراءة المزيد »

فلسفة العدالة في الرواية العربية

أمسكت قلمي، وقررت أن أكتب مقالةً عن الرواية العربية الحديثة، وكيف تناول الروائيون العرب الفكرة الرائعة الشاعرية للعدالة وتغنو بها، ولكني ما إن هممت بالكتابة تجمدت يدي، وبدأت صور الأشخاص الذين دافعت عنهم بحكم عملي كمحامية بالتدفق إلى رأسي، فتسمرت في مكاني وخانتني الكلمات التي كانت دائما هي سلاحي الأقوى. فكيف سأستطيع أن أكتب عن العدالة وأنا أرى الظلم كل يوم من حولي في جميع أصقاع الأرض بدءًا من بلدي وانتهاءً بأبعد نقطة عنها، كيف أستطيع أن أتغنى برواية تقول “في النهاية قد حق الحق وأخذت العدالة مجراها وانتصر بطل القصة؟”. فلطالما كنت من عشاق القراءة منذ صغري، وأحاول أن أقرأ أي كتاب يقع بين يدي؛ كتب عن روايات رومانسية حالمة، وكتب عن جرائم وألغاز تجعل عقلي في حالة ترقب واستنفار وكأنني أعيش بين صفحات القصة التي أقرأها، أنفصل بها عن عالمي وأعيش ضمن العالم الذي يقوم الكاتب برسمه لي، أشعر كما يشعر أبطال القصة، أبكي عندما يحزنون، وأضحك عندما يفرحون، وأتسمَّر في مكاني عند الوصول إلى ذروة أحداث القصة، أنتظر بشغف وتلهف معرفة الحدث التالي، وكيف سيقوم البطل بإنقاذ من هم في عهدته. إلى أن جاء اليوم الذي قام أحدهم بإهدائي رواية ليست ككل الروايات. تلك الرواية التي أصبحت وأمسيت وأنا أقرؤها، لم أستطع أن أتخلى عن الكتاب من يدي إلا عندما يغلبني النعاس، فأسقط أسيرة النوم وهي بين أصابعي. لم تكن بالنسبة لي مجرد رواية أخرى مشوقة بل كانت عالمًا كاملًا أعيش فيه بين أوراقها وسطورها ومع شخصياتها. حاولت أن أقوم بإسقاطها إسقاطًا تاريخيًا ودينيًا كما فعل كارهوها، ولكني رأيتها أعمق من ذلك، حاولت أن أسقطها على واقعي الذي أعيشه يوميًا، ولكني رأيتها أجمل وأسمى من ذلك، وحتى الآن لم أستطع أن أصنف ذلك العمل العظيم الذي قام به الأديب نجيب محفوظ في رواية “أولاد حارتنا”. كانت تلك الرواية هي مدخلي إلى عالم كامل جديد تمامًا، عالم عشت فيه بين الحارات الشعبية المصرية القديمة حيث العادات والتقاليد التي كانت قانونًا يعيش على أساسه المجتمع المصري آنذاك، فيه “فتوات” و”أبطال”، فيه من تحاول كسر حاجز العادات التي تمنعها كأنثى من التعلم والعمل، وفيه من يحاول أن يقوم بثورة على الظلم على الرغم من آلاف المعوقات التي تواجهه حتى من أولئك الذين يقوم بالدفاع عنهم، وفيه من الأشخاص من كونوا أسطورة لهم عبر الزمن جعلت من اسمهم كابوسًا للظالمين على الرغم من اختفائهم، فيه من المستغلين والسارقين والمجرمين من جميع أطياف المجتمع. رواية جعلتني أرى العالم من حولي بشكل مختلف تمامًا، وجعلتني أرى نفسي بطريقة أخرى، فكانت السبب الرئيس الذي جعلني أحاول أن أدخل مجال القانون والدفاع عن المظلومين في مهنة المحاماة التي أعمل بها لأكون أنا نفسي “عرفة” الواقع. ومن هنا بدأت قصتي مع الرواية العربية التي تحمل طابعًا سياسيًا واجتماعيًا، والتي تحاول ترسيخ مفهوم العدالة الاجتماعية. فثلاثية نجيب محفوظ كانت هي الأشهر في هذا المجال، حاول فيها استعراض الحياة السياسية في الفترة الانتقالية من الحكم الملكي إلى الثورة، مصوِّرًا تأثير السياسية على المجتمع وأفكاره وعاداته بشكل كبير، محاولًا أن يحث المجتمع المصري على القيام بثورة على العادات الاجتماعية أسوة بالثورة السياسية. ولكن، أمام واقع عربي مليء بالصراعات والحروب، كان من الطبيعي للرواية العربية الحديثة أن تكون انعكاسًا لهذه الصراعات، فالكاتب غالبًا ما يتناول الواقع الذي يعيشه محاولًا أن يحدث تغييرًا في المجتمع عبر أدبه وبحسب تصوراته وبأسلوبه الخاص. فرواية غسان كنفاني “رجال في الشمس” مثلًا كانت من أروع الروايات العربية التي صورت الضياع والتقهقر في نفسية العربي عمومًا والفلسطيني خصوصًا، حاول من خلالها أن يجعلنا نعيش مشاعر الأسى والحسرة على الماضي والصراع بين الغربة والقهر الذي عانى ولا زال يعانيه الإنسان الفلسطيني، فكانت تمثيلًا أدبيًا رائعًا للواقع الفلسطيني. أما رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، فكانت تصويرًا سيرياليًا لقوانين الطوارئ والمحاكم الاستثنائية التي ألغت روح القانون، وجعلت إرادة الجلاد هي القانون الأسمى في الدولة. بالطبع عندما قرأتها لم أكن أتخيل يومًا ما أن هذا هو الواقع الذي يقبع بعيدًا عني بضعة كيلومترات في سجن من أعتى السجون في العالم (صيدنايا)، ولكن جميع تلك الصور عادت إلى رأسي بعد أن انكشفت وسائل التعذيب في ذلك السجن اللعين. العدالة الشاعرية: حينما ينصفنا الورق لقد وجدت الرواية العربية متسعًا لتضميد جراح الواقع، فقد حاول الكاتب العربي تجاوز حدود المنطق الجامد ليحقق توازنًا كونيًا يفتقده المظلومون في حياتهم اليومية. هنا لا تقاس العدالة بمواد القانون أو بنفوذ الفتوات، بل بمدى انتصار القيم الإنسانية في نهاية المطاف. إنها تلك اللحظات التي أمسك فيها بالكتاب بشغف، أنتظر بلهفة تلك اللحظة التي ينصف فيها البطل من هم في عهدته، وكأن النص الروائي قد تحول إلى محكمة بديلة تصدر أحكامًا عادلة تمنحنا نوعًا من الراحة الزائفة التي عجزنا عن نيلها في الواقع الصاخب بالظلم. وقد تجلت هذه العدالة في أبهى صورها عند عميد الأدب العربي طه حسين في روايته دعاء الكروان. ففي مجتمع تحكمه أعراف قاسية تجعل من الضعيف ضحية سهلة، تبدأ القصة بظلم اجتماعي صارخ يقع على هنادي (وهو اسم والدتي التي أطلقته عليها جدتي بسبب تأثرها بالرواية وحزنها على البطلة)، لنجد أنفسنا بعدها أمام صراع مرير تخوضه شقيقتها آمنة. هنا لم تتحقق العدالة عبر قاعة المحكمة أو النصوص القانونية، بل عندما تتحول آمنة من ضحية مكسورة إلى قوة تتحكم في الأحداث، وبهذا استطاع عميد الأدب العربي ببراعة أن ينتقم من الظالم، لا بالدم بل بترويض الجاني وإخضاعه لسلطان الحب والندم. إن انتصار آمنة في نهاية المطاف هو الحكم الذي أصدرته المحكمة الأدبية، وهو ذلك النوع من الانتصارات الذي يجعل القارئ ينفصل عن عالمه الحقيقي ليعيش لحظة من الرضا النفسي والانتشاء باستعادة الحق السليب تغول الاستبداد: عندما يهزم الحق في الزيني بركات وعلى النقيض تمامًا من تلك النهايات الحالمة، نجد نوعًا من الروايات التي آثرت أن تضعنا أمام مرآة الواقع العربي المليء بالصراعات والحروب. ففي رواية الزيني بركات للكاتب جمال الغيطاني، نجد أنفسنا أمام لوحة معقدة لغياب العدالة، حيث تتلاشى الحدود بين الحق والباطل في دهاليز السلطة وأجهزة الاستخبارات. هنا لا ينتصر البطل النبيل بل ينتصر الزيني بركات تلك الشخصية التي تتقن فن التلاعب بالشعارات الأخلاقية الرنانة لترسيخ النظام القمعي الذي لا يرحم. في هذا العمل يُهزم المثقفون، وتُسحق كرامة الإنسان تحت وطأة البصاصين والمخبرين، تمامًا كما تتجمد يدي حين أريد الكتابة عن العدالة بينما تتدفق إلى رأسي صور المظلومين الذين دافعت عنهم. إنها الرواية التي ترفض العدالة الشاعرية وتكشف كيف يمكن للظلم أن يتحول إلى قانون يعيش به المجتمع، تاركة القارئ في حالة من الأسى والخذلان والتحسر على واقع لا تأخذ فيه العدالة مجراها. بين ميزان المحاماة وقلم الكتابة أدرك في نهاية هذا الطواف

فلسفة العدالة في الرواية العربية قراءة المزيد »

السلطة والفنّ: علاقة تاريخيّة سامّة

أدركت أجهزة السلطة منذ نشوء الحضارة الدور المهمّ للفن في تشكيل الوعي الجمعيّ، والقدرة على التأثير في المزاج الجماهيريّ، فدأبت على ترويض الفنانين، واستمالتهم بغية صياغة بروباغندا تخدم سرديّة نظام الحكم، ولطالما شكّلت هذه العلاقة جدليّةً معقّدة، ولا سيَّما حين تكون أمام نتاجٍ فنيّ مبهر لفنانٍ ارتضى أن يكون بوقاً للسلطة، أو صدىً للديكتاتور. قديماً كان الفنّ أشبه بأداةٍ لنظام الحكم بسلطتيه السياسية والدينية، ورأينا جيداً كيف سخّر الفراعنة الفنّ والعمارة لتمجيد الفرعون وتخليد عظمته، وقد تجلّى ذلك واضحاً في تماثيل الملك رمسيس الثاني في أبو سمبل؛ كذلك طوّع الامبراطور الروماني أغسطس قيصر الفنونَ وعلى رأسها النحت لصناعة بروباغندا متينة تظهره بصورةٍ لا تقهر، وقد بدا ذلك واضحاً في تمثال “بريما بورتا” الذي جعل منه إلهاً لا يُضاهي قوّته أحدٌ. في عصر النهضة في أوروبا نعلم جيدًا كيف سخّرتِ الكنيسة مايكل آنجلو وليوناردو دافنشي وآخرين لتعزيز هيبة الكنيسة الكاثوليكية وعظمتها عبر أعمالهم الفنية التي كلّفهم البابا يوليوس الثاني شخصيًا بها في روما، إضافةً للعائلة الحاكمة في فلورنسا التي حرصت على رعاية فنّهما لإيمانها أن ذلك يعكس قوة الحاكم نفسه. كذلك، مع بدايات القرن التاسع عشر قدّم الرسام الفرنسي الشهير جاك لويس داڤيد أقوى الأمثلة على التماهي الطّوعي للفنان مع السلطة الحاكمة، إذ تحول إلى أداةٍ لتلميع الإمبراطور نابليون بونابرت، ولعبت لوحاته، بحسب تحليل كثيرين، دورًا قويًا في ترسيخ صورة نابليون في العقل الجمعي للفرنسيين، وإعطائه الشرعية أيضًا لدى الأجيال اللاحقة التي لم تجرّمه كما فعل الألمان مع هتلر مثلًا رغم أن مشروع نابليون في بناء الدولة القومية وتصفيته لمناوئيه، واحتلاله لما استطاع من دول الغير لا يختلف كثيرًا عن المشروع المتطرّف للنازية. بالحديث عن هتلر، نرى بعدًا آخر لعلاقة السلطة بالفن يتجاوز الأحياء منهم، وهو: اجترار إرث من مات. وعلاقة آدولف هتلر بموسيقى ريتشارد ڤاغنر مثالٌ جليّ على ذلك، لا سيما أنّ ڤاغنر مات قبل صعود الحزب النازي للسلطة، لكن هتلر وجد في ملاحمه الأوبرالية الزيت الذي يصبّه على نار الأيديولوجيا النازية لأن ڤاغنر كان يعزز في أعماله المستلهمة من أساطير الجرمان فكرة التفوق العرقي، وهذا ما وجد فيه هتلر مادةً مناسبة لاستغلالها سياسيًا. في الحقبة الزمنية ذاتها، وبالقفز إلى روسيا سنجد أن قسطنين ستانسلافسكي اضطر إلى تقديم عديدٍ من التنازلات وإدراج مسرحيات تمجّد ستالين للحفاظ على مسرح موسكو الفني والعاملين فيه من قمعه. كل ما سبق، وأكثر يوضح جيدًا كيف أن السلطة سعت دائمًا لتدجين الفن، واستغلاله، وتحويله إلى أداة لخدمتها، كما فعلت تمامًا مع رجالات الدين عبر العصور. ولكن، لا يمكن إغفال أن كثيرًا من الفنانين رفضوا لعب هذا الدور، وتنوّع نضالهم بين الصمت من جهة، والتورية والمشاكسة من جهة أخرى، فيما انبرى قلّةٌ للتحريض المباشر ضد السلطة. ولعلّ “غورنيكا” لبيكاسو إحدى أبرز الأمثلة على تمرّد الفنّان ضد إجرام السلطة، تلك اللوحة التي أعقبت قصف مدينة غورنيكا على أيدي تحالف فرانكو مع النازيّة والفاشيّة. في سوريا كان لنظام حافظ الأسد استراتيجية مختلفة، إذ أنه قلّص دعمه للفنون جميعًا، وهذا ما يفسّر إغلاق عديدٍ من المسارح ودور السينما والمنتديات الثقافية ومعارض الرسم في عهده، وحَصَر دعم الحركة الثقافية في المؤسسات التي تتبع لحزب البعث (الطلائع والشبيبة واتحاد الطلبة وغيرها) لوأد أي محاولات للفن المستقل. في عهد بشار الأسد تم التركيز على دعم الدراما التلفزيونية دون غيرها، وبات للممثل التلفزيوني مكانةٌ أكبر من وزنه الحقيقي لأنه الواجهة الفنية الوحيدة للدولة، وتم تمرير عديدٍ من الأعمال التي توحي أن المناخ قد تغيّر وبأنه بات من الممكن الاعتراض أو التعبير، كما ظهرت أعمالٌ أيضًا توحي أن الفساد موروث لكن رأس السلطة يعمل جاهدًا على اجتثاثه. تم تمرير عديدٍ من حيل “التّنفيس” والتي رافقها التأكيد على تبرئة رأس السلطة من الفساد الحاصل في الدولة عبر المسرح (مسرح همام حوت أنموذجًا) أو عبر الدراما التلفزيونية (الكثير من مسلسلات كوميديا الموقف). وعلى الرغم من أن الممثل في جوهر مهنته ليس صاحب مشروعٍ ثقافيّ كالكاتب أو المخرج، إلا أن فقاعة الدراما التلفزيونية في سوريا تضخمت كثيرًا إلى الوقت الذي بدأ الشعب فيه بالتظاهر ضد نظام الحكم، وهنا اتضح للشارع أن كثيرًا من الممثلين لم يكونوا أكثر من أدوات بيد السلطة، وكثيرون منهم، اليوم، لم يغيّروا شيئًا في سلوكهم، فقط استبدلوا النظام بآخر، وتابعوا الاستراتيجية ذاتها. سوريا بلدٌ مليئةٌ بنجوم الدراما التلفزيونية، وخالية من صناعة السينما، وإنتاج الموسيقا، ودعم الرسم والنحت وباقي الفنون. هذه الجملة كفيلة أن تعطي فكرةً عن المشهد الفني الذي كان الأسدان حريصين على طمسه في سوريا. يُتبَع…

السلطة والفنّ: علاقة تاريخيّة سامّة قراءة المزيد »

جذور الوطنيّة السوريّة التي نسيناها أو أُنسيناها

بينما يبدو الشعب السوريّ غارقًا في شدّ وجذب وانقسامات هي الأعمق في تاريخه، ويقف السواد الأعظم منه حائرًا من أين ينطلق وإلام يستند، ظهرت من جديد -وفي بعض الحالات للمرة الأولى- أفكار راديكالية حملت قطيعةً غير مسبوقة مع ثوابت كان السوريّون في مطلع الثورة السورية عام 2011 شبه مجمِعين عليها، واعتمد أصحابها على أفكار مكرّرة غير صحيحة أعادوا تعليبها لنسف فكرة سوريا من أساسها، أي فكرة الوطن السوريّ الذي تأسّس ثم أعلن نفسه للعالم قبل أكثر من قرن في مثل هذا الربيع من العام 1920 ليلمّ شتات الشعوب السوريّة كما وصفها الآباء المؤسسون أنفسهم. فعلى عكس الدعاية التي تقول إن الكيان السوري مصطنع أو بدعة غربيّة (فرنسية خاصةً)، أو نتاج قرار خارجي بين أطراف الحرب العالمية الأولى، فإن عودةً أبعد في الزمن إلى سبعينيّات القرن التاسع عشر توضح مشهدًا مغايرًا اتسم بيقظة عربية «شامية» تبلورت تدريجيًّا بعشرات الصحف والحركات والمنتديات في دمشق وحلب وبيروت والقدس (آنذاك عرف الغرب والعثمانيون كلّ هذه المنطقة باسم «سوريا»)، ووصل المشهد السياسي والثقافي السوري ليس فقط إلى التنظير لمبادئ حديثة بمقياس ذاك العهد كالمشروطية (الديمقراطية) وفصل السلطات والمواطنة تحت سقف السلطنة العثمانية بعد إجراء الأخيرة إصلاحات مهمة بضغوط خارجية وداخلية ابتداءً من «التنظيمات» وصولًا إلى إصدار الدستور العثماني سنة 1876، وقد أدى التراجع عن بعض هذه المكتسبات إلى حراك سياسي استقلالي في معظم الولايات العثمانية تركّز أساسًا في دمشق، تمظهر بعدّة أشكال منها “الجمعية العربيّة الفتاة” التي قادت إلى مؤتمر باريس عام 1913 وأعلنت مطالبتها بالحكم الذاتي العربي ووقف سياسة التتريك التي شدّدها العثمانيون في عقب سيطرة “جمعية الاتحاد والترقي” القومية على الحكم، وكما لا تزال معظم النخب السوريّة تتذكّر فإن الصدام بين الطرفين واستخدام جنرالات الاتحاد والترقي للقمع الدموي والتجويع وحتى الإبادة في سنوات الحرب العالمية الأولى، الذي تجلّى بإعدام جمال باشا السفاح كوكبةً من المفكّرين السوريّين العرب في دمشق وبيروت في السادس من أيّار/ مايو عام 1916 أشعل الثورة العربيّة الكبرى من مكّة المكرّمة وجعل إجلاء الحكم التركي العثماني لا مناص منه، وهو ما تحقق فعلًا بدعم بريطانيّ بعد عامين. أدى طرد القوات العثمانية من سوريا وإنشاء أوّل حكومة سوريّة في دمشق في تشرين الأوّل/ أكتوبر 1918 إلى تحرّك سياسي وأهليّ مكثّف نحو ترسيخ دعائم دولة سوريّة حديثة بجميع المعايير، أولًا بالتئام المؤتمر السوريّ العام في العام التالي، وقد كان أول مجلس تمثيلي سوريّ وأحد أول البرلمانات في الشرق الأوسط، وضمّ أعضاءً من كل نواحي بلاد الشام بما فيها جبل لبنان وأنطاكية ومعان، وكلّ طوائفها ومكوّناتها بمن فيها اليهود السوريّون. تولّى المؤتمر التواصل مع لجنة كينغ-كرين التي أرسلها الأميركيّون لتقصّي رغبات سكان بلاد الشام، وقدّمت تقريرًا أكّد فيه رغبة السوريين وأعيانهم العارمة في الاستقلال عن القوى الغربية في كنف دولة موحّدة مدنية حديثة، وهو ما منعت فرنسا وبريطانيا كشفه للرأي العامّ العالمي، وعلى الرغم من ذلك أقرّ نوّاب المؤتمر السوريّ -استجابةً لشبه الإجماع في سوريا- إعلان الاستقلال في 8 آذار/ مارس عام 1920 وأقرّ حكومة جديدة برئاسة علي رضا الركابي قبل أن تسحب الثقة منه وتمنحها لخليفتها حكومة الرئيس الراحل هاشم الأتاسي، وناقش المؤتمر عبر عدّة أشهر مشروع دستورٍ نصّ على أن تكون بلادنا ملكيةً مدنيةً نيابيةً لا مركزية إداريًّا، دين ملكها -فحسب- الإسلام، وعلى تنصيب الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكًا دستوريًّا عليها. هكذا قامت سوريا، لتصبح أوّل كيانٍ سياسيّ يجمع سكّانه على أسس ما زال بعضهم يجادل فيها إلى هذا اليوم، ثمّ أتى الاجتياح الفرنسي بعد إقرار الدستور الأوّل بأيام وإلغائه، وحلّ المؤتمر والحكومة وتقسيم سوريا عدّة مرّات، وحكمها بشكل مباشر معظم فترة الانتداب الذي طبّقه الفرنسيون قسرًا طوال ربع قرن، إلى أن تمّ الجلاء بعد نضال سوريّ طويل وتوافر ظروف سانحة أدّيا إلى ولادة الجمهورية السوريّة حرّة صاعدة على الرغم مما لحق بها سابقًا وتاليًا. قد يسأل القارئ، ما مغزى استدعاء هذه اللمحة التاريخية في العام 2026، والسوريّون في أصعب مراحلهم ويخوضون مرحلة انتقالية غير مستقرّة تعتريها الآلام؟ جزء من الجواب في كون الحلّ السوري لا يمكن أن ينطلق من مقدّماتٍ مفترضةٍ خاطئة، كما لا يمكن أن يكون على أساس رغبوي آني، وإنما يبدأ من فهم الماضي وقراءته والاسترشاد به بدل تجاهله، مع تجنب عثراته وأخذ العبرة منها. وعندما نفعلها، سنصل في كلّ مرّةٍ إلى أن سوريا ليست حالة طارئة، ولا كعكة تُعدّ وتُجزَّأ بحسب الهوى؛ هي فكرة نبيلة وحلم مستحقّ لنا، نحن أبناءها، يصون مصالحنا ويُعلي شأننا ويجبر نقص كلٍّ منّا، وإنَّ معاناتنا المشتركة الطويلة من الاستبداد والقمع والتخويف عاملُ وحدةٍ لا فرقة، إذ نصدّق ضمنًا أن السوريّ يفهم مواطنه بعد لقاءٍ واحد على طاولة حوار صادق مستقلّ، وأننا بكل تصنيفاتنا نشترك بأكثر كثيرًا مما نختلف، وأنه يمكننا أن نحاول، وأن ننهض من جديد كما فعلنا مرتين من قبل، لنجد لنا مكانًا تحت شمس الربيع، ونعيد تدشين كتابة الحكاية السوريّة من جديد، بلا وسيط ولا متسلّط محدود الأفق!

جذور الوطنيّة السوريّة التي نسيناها أو أُنسيناها قراءة المزيد »

Scroll to Top