Kurd

English

12 يونيو، 2026

المثقف في زمن الاضطراب؛ بيان في حماية معنى الثقافة

لا يُختبر المثقف، في الأزمنة المضطربة، بما يكتبه عن الحرية في رخائه، بل بما يجرؤ على الدفاع عنه حين يغدو ثمن الكلمة فادحًا، معنويًّا وماديًّا. وفي المجتمعات التي تتشظّى تحت مطارق الخوف، والطائفية، والتحريض، تصبح مهمة المثقف انتحاريّة؛ لأنَّه يختار الوقوف وحيدًا عند الحدِّ الفاصل بين الحقيقة والامتثال الأعمى، بين الضمير والدعاية، وبين الإنسان والانصياع الجمعي الأعمى. لقد عانت سورية استبدادًا سياسيًّا طويلًا، لكنَّ عُقمها الأكبر تدفَّق من انهيار المعنى العام للوطن. حينها، تحوّلت الهُويّات الفرعية من تنوّع ثقافي يُثري الجسد، إلى جدران صماء وخنادق نفسية وأخلاقية مفخّخة. وفي مثل هذه اللحظات، يسوقنا الواقع إلى حقيقة أنَّ القلم يسقط إن لم يرتفع بصاحبه؛ فلا يعود المثقف مجرّد كاتبٍ أو معلِّقٍ على حوادث الواقع، بل يصبح مسؤولًا عن الدفاع عن فكرة المجتمع نفسها، والخطَّ الدفاعي الأخير لحماية اللغة من أن تتحوّل إلى أداة كراهية ومخزن للذخيرة الحية. المثقف الحقيقي لا يُعرَّف بطائفته، ولا يُقاس بمدى تمثيله لجماعته المغلقة، بل بقدرته على تجاوز انتماءاته الضيقة، والقفز فوق الأسلاك الشائكة، نحو المجال الإنساني الأرحب. فحين يتحوّل المثقف إلى ناطق باسم العصبية، تفقد الثقافة جوهرها نفسه؛ لأنَّ الثقافة، في معناها العميق، تمرينٌ دائمٌ على الخروج من السجن، لا إعادة تزيين جدرانه. ولذلك، فإنَّ أخطر ما يصيب وعيَ المثقف هو رضوخه لوثن الهُويّة وازوراره عن سلطة الحقيقة؛ أي أن ينشغل بسؤال الهُويّة الضّال والمضلِّل بدلًا من سؤال الحقيقة، وأن يصبح ولاؤه لجماعته أعلى من ولائه للإنسان، وأن يطرب لصراخها ضدّ صوت العقل بدلًا من دعوتها إلى التأمل والتفكّر والتبصّر. فالثقافة لا تُقاس بقدرتها على تسويغ خوف الجماعات، بل بقدرتها على نقد هذا الخوف وكشف آلياته وتحويله إلى معرفة قادرة على التغيير. المثقف الذي يكتب دفاعًا عن طائفته أو إدانةً لطوائف أخرى لا يختلف في شيءٍ عن أمير حربٍ يرتدي سترة مدنية؛ كلاهما يُطلق النار على الفضاء الوطني المشترك، وكلاهما يقتات من الجثة نفسها. ليست وظيفة المثقف أن يرضي الناس، ولا أن يربّت على أكتافهم، بل أن يساعدهم في رؤية ما لا يريدون رؤيته أو ما يخافون النظر إليه. وليست مهمته تكرار يقينيّات الجمهور، بل وضع تلك اليقينيات على مشرحة المساءلة. فالحقيقة لا تُولد من التصفيق، ولا تنمو داخل الجماعات المغلقة والمتكوّرة على نفسها، بل تلمع في ثلاث مواجهات ضارية؛ في مواجهة الجماعة حين تخطئ وتنجرف، وفي مواجهة السلطة حين تستبد وتطغى، وفي مواجهة الذات حين تميل إلى التسويغ والتغطية. ولهذا، فإنَّ المثقف الذي يخشى خسارة جمهوره أكثر من خشيته خسارة الحقيقة، ينتهي به المطاف إلى أن يصبح موظفًا برتبة محرِّض في جهاز الكراهية العامة، حتى لو ارتدى قناع الثائر أو عباءة المناضل. الثقافة الحقيقية هي الضمير الذي يرفض أن يتحوّل إلى بوق، والعقل الذي يرفض الاختزال في راية، واللغة التي تأبى أن تصبح سلاحًا في حرب أهلية. وفي سورية اليوم، وفي كلِّ وطنٍ جريحٍ، لا تكمن حاجتنا الجوهرية في هندسة تسويات سياسية هشّة أو صوغ خططٍ استثمارية فوقية، بل في إعادة بناء المعنى الإنساني والأخلاقي لفكرة الوطن. وهذه المهمة لا تملكها السلطة، أي سلطة، ولا تستطيع إنجازها وحدها مهما خلُصت نياتها، وتعجز عنها الأحزاب السياسية أيًّا تكن مواقفها ورؤاها وأحجامها، ولا تقدر عليها الجماعات المغلقة حتى لو شاءت أن تسير في طريقٍ مغايرٍ لطبيعتها التي تجعل منها عقبة كأداء في طريق إنجاز مثل هذه المهمة أصلًا. إنَّها تبدأ من استعادة المثقفين لدورهم بوصفهم حراسَ المسافة النقدية، لا قادةً أو جنودًا في حرب الهُويّات. فالوطن لا يبنيه الذين يتفنّنون في تقسيم الناس وتصنيفهم، بل من يملكون شجاعة النظر إليهم بوصفهم بشرًا متساوين في الكرامة، وفي الخوف، وفي الأمل. والثقافة لا تكون عظيمة حين تدافع عن جماعة ضدَّ أخرى، بل حين تدافع عن الإنسان ضدَّ التوحش أيًّا كان مصدره، وتقف مع الضحايا في مواجهة الجناة، بلا أدنى اعتبارٍ للأصول أو الانتماءات أو المواقع أو المواقف. وإذا كانت السياسة تسعى أحيانًا إلى إدارة القوة، فإنَّ الثقافة، في أنبل معانيها، تسعى إلى حماية المعنى. وحين يفقد المجتمع مثقفيه الأحرار، يصبح أكثر قابلية لأن يُقاد بالخوف، وأكثر استعدادًا لأن يُساق بالكراهية. لذلك، فإنَّ المثقف الذي ينحاز إلى الإنسان قبل الطائفة، وإلى الحقيقة قبل الجمهور، وإلى الضمير قبل الاصطفاف، لا يؤدي دورًا معرفيًّا وحسب، بل يدافع عن إمكان بقاء المجتمع نفسه في قيد الحياة أيضًا.

المثقف في زمن الاضطراب؛ بيان في حماية معنى الثقافة قراءة المزيد »

ما بعد الحماسة الأولى؛ كيف تواجه الأحزاب السورية الجديدة اختبار التحول إلى مؤسّسات؟

بعد أشهر من سقوط النظام، بدا وكأن السياسة عادت أخيرًا إلى السوريين. أحزاب جديدة، وجوه شابة، نقاشات تمتد حتى منتصف الليل حول مستقبل البلاد. دخل الناس إلى العمل السياسي وهم يحملون رغبة حقيقية في بناء شيء مختلف. وكان من الطبيعي أن يكون الأمر كذلك، فالسوريون لم يُمنحوا هذه الفرصة من قبل، أو مُنحوا منها نسخة مشوّهة طويلًا. لكن الحماسة، وحدها، لا تبني حزبًا. هذه ليست ملاحظة نقدية موجّهة لأحد بعينه. هي حقيقة يكتشفها كلُّ من عمل داخل أي تنظيم سياسي ناشئ، في أي بلد، في أي مرحلة انتقالية. بين لحظة الانخراط الأولى المشحونة بالأمل، وبين تحويل هذا الانخراط إلى عمل تنظيمي متراكم وقادر على الاستمرار، ثمة مسافة أطول مما يبدو. وفي هذه المسافة تحديدًا تواجه الأحزاب السورية الجديدة اليوم اختبارها الحقيقي. المشكلة ليست في النيّات، ولا في الأفكار، ولا حتى في الظروف الصعبة التي يعمل فيها الجميع. المشكلة أعمق من ذلك: إنها مشكلة الانتقال من نمط سياسي إلى نمط آخر مختلف كليًا. فالسياسة كما مارسها السوريون خلال سنوات الثورة والحرب كانت في جوهرها سياسة استجابة: موقف أخلاقي حاد، تعبئة في لحظة أزمة، ردّة فعل على حدث. وقد كان لهذا النمط مبرره الكامل في سياق الصراع المفتوح. لكن الانتقال من هذا النمط إلى العمل الحزبي المؤسّساتي ليس مجرّد تعديل في الأسلوب، بل تحوّل في المنطق كله. فالمؤسّسة لا تعمل بطاقة الطوارئ، ولا تنتج قيمة مستدامة من موجات الحماسة المتقطعة. تحتاج إلى شيء أصعب وأبطأ: تنظيم، وأدوار موزّعة، وعمل يسير حتى في الأيام الرتيبة التي يغيب فيها الإحساس بالتقدم. هذا ما يجعل التجربة الحزبية السورية اليوم مثيرة للاهتمام ومقلقة في آنٍ معًا؛ مثيرة للاهتمام لأن كثيرًا من الأحزاب الجديدة تضم أشخاصًا أكفاء وأصحاب نيات صادقة وأفكارًا جديرة بالبناء عليها. ومقلقة لأن القدرة على تحويل هؤلاء الأفراد إلى مؤسّسة حقيقية تبقى هي العقبة التي لم تُتجاوز بعد. داخل هذه الأحزاب، يظهر نمط متكرِّر يكاد يكون قانونًا عامًا في تجارب العمل التنظيمي الناشئ: عدد محدود من الأشخاص يحملون الحمل الأكبر، بينما تبقى بقية الأعضاء في موقع المتابع أو المنتظر. ليس لأن هؤلاء كسالى أو غير مبالين، بل لأن العلاقة بين العضو والحزب لم تُبنَ بصورة تجعل مساهمته ضرورة وليس خيارًا. يأتي كثيرون بتوقّع ضمني بسيط: أن يكونوا جزءًا من مشروع يسير في الاتجاه الصحيح، أن يتلقّوا المواقف، أن يشعروا بالانتماء. وهذا مفهوم إنسانيًا، لكنه يحوّل الحزب بالتدريج من مؤسّسة تُنتج العمل السياسي إلى مؤسّسة ينتظر أعضاؤها منها كل شيء. الفرق كبير. فالحزب الذي يعمل بهذه الطريقة يُنتج متابعين أكثر مما يُنتج فاعلين. أما الحزب الذي يعمل كمؤسّسة فيُنتج كوادر، ويراكم خبرة، ويبني علاقة حقيقية مع المجتمع. الأول يحتاج إلى محتوى. الثاني يحتاج إلى بنية. والأخطر أن هذا النمط لا يظهر بوضوح منذ البداية. الحزب يبدو نشيطًا من الخارج، والأسماء في القوائم كثيرة، والاجتماعات تُعقد. وأحيانًا تظهر المشكلة في تفاصيل صغيرة تبدو عابرة: اجتماع يُدعى إليه عشرون شخصًا، يؤكد معظمهم الحضور، ثم ينتهي الأمر بعددٍ قليلٍ يصل في الموعد ويكمل العمل حتى النهاية. ليست المشكلة هنا في اجتماع واحد، بل في نمط كامل من العلاقة مع العمل التنظيمي نفسه، بوصفه أمرًا يمكن تأجيله دائمًا أمام أي أولوية أخرى. العمل الفعلي يظلُّ محمولًا على عددٍ محدود، وهؤلاء يتآكلون تدريجًا تحت ثقل ما يحملون. يُنتج ذلك إحباطًا صامتًا على الجانبين: المُرهَق من كثرة ما يُلقى عليه، والمُهمَّش من غياب دور حقيقي يشعر فيه بالجدوى. ومع الوقت، يبدأ الطرفان بالشعور أن الحزب لا يتحرك بالسرعة التي تخيّلوها، على الرغم من أن المشكلة ليست دائمًا في غياب الجهد، بل في طريقة توزيع هذا الجهد أصلًا. وتوزيع الجهد لا يتحسن بالنيّات، بل بشيء أبسط وأصعب في آنٍ معًا: وضوح الأدوار. كثير من الجمود التنظيمي الذي يُفسَّر بضعف الحماسة هو في الحقيقة نتاج غياب التكليف الواضح. حين لا يعرف العضو تحديدًا ما المطلوب منه، ولا كيف يُتابَع ما يفعله، ولا أين تذهب مبادرته إن أراد أن يبادر، يشيع شعور من نوع خاص: ليس الكسل، بل عدم الجدوى. وهو شعور أخطر، لأنه يصيب الناس الجادين قبل غيرهم. المؤسّسات تحتاج إلى وضوح، لا إلى حماسة إضافية. وما يبدو تفصيلًا إداريًا ثانويًا، كمحضر الاجتماع الموثَّق والقرار المتابَع والمهمة ذات الاسم والموعد، هو في الواقع ما يحوّل الطاقة البشرية من مشاعر متقطعة إلى عمل متراكم. وهنا تبرز مسألة تُغفَل في أغلب النقاشات عن بناء الأحزاب الجديدة: أصحاب الخبرة. ثمة في كلِّ تجربة حزبية ناشئة أشخاص يملكون رصيدًا فكريًا وتنظيميًا حقيقيًا، لكنهم يُفضّلون الوقوف في مسافة آمنة من العمل اليومي بكلِّ ما ينطوي عليه من بطء وتفاصيل وأخطاء. يُراقبون، وينتقدون، وأحيانًا يُقدّمون تحليلات ثاقبة. لكن الحزب يحتاج منهم إلى شيء أصعب: أن يمشوا داخل العملية. لأن الفجوة التي يخلقها بُعدهم لا تُعوَّض بالتعليقات من خارجها، بل تتّسع مع الوقت بين الخبرة المتراكمة والأجيال الجديدة التي تحتاج إلى من يعمل معها لا إلى من يقيّمها. ولأن الخبرة التي لا تدخل في عملية البناء تتحوّل مع الوقت إلى معرفة معزولة أكثر من كونها قوة تنظيمية حقيقية. والسؤال الذي يكشف هشاشة أي مؤسّسة بسرعة هو: ماذا يحدث حين يغادر هذا الشخص أو ذاك؟ إذا كان الجواب “يتوقف كثير من العمل”، فالمشكلة ليست في الشخص. المشكلة في أن الحزب بنى قدرته حول أفراد لا حول بنية. والفرق بين المؤسّستين هو تحديدًا هذا: واحدة تعيش بقدر ما يعطيه أفراد بعينهم، والأخرى تعيش بقدر ما أنتجت من بدائل وراكمت من خبرة. والمشكلة أن بناء الكوادر لا يحدث وحده مع مرور الوقت. الأحزاب التي عملت داخل بيئة غابت عنها السياسة لعقود لا تستطيع انتظار الخبرة كي تتشكل تلقائيًا. الكوادر تُبنى بالتدريب، وبنقل الخبرة، وبإعطاء الأعضاء فرصة حقيقية للتجربة وتحمّل المسؤولية تدريجًا. أما الحزب الذي لا يفعل ذلك، فيبقى عالقًا في الحلقة نفسها: الأشخاص أنفسهم يحملون العبء نفسه، مرة بعد أخرى. بناء مؤسّسة سياسية في سوريا اليوم يعني كلَّ ذلك معًا: وضوح الأدوار، وتوثيق التجربة، والاستثمار الجاد في تطوير الكوادر، وثقافة تنظيمية تجعل نقل المسؤولية ممارسة اعتيادية لا أزمة. وهو عمل أبطأ وأقل بريقًا من كتابة البيانات والظهور الإعلامي، لكنه العمل الوحيد الذي يجعل الحزب حيًّا بعد أن تهدأ موجات التعبئة الأولى. الأحزاب التي نجحت في التحوّل إلى مؤسّسات حقيقية في تجارب الانتقال المختلفة لم تفعل ذلك لأنها كانت أكثر حماسة. فعلت ذلك لأنها أدركت في لحظة ما أن الحماسة مادة خام، والمؤسّسة ما تُصنع منه. وبين المادة الخام والمنتج النهائي عمل طويل لا اختصار فيه. وربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي أمام الأحزاب السورية الجديدة اليوم: ليس عدد الأشخاص الذين استطاعت أن تجذبهم، بل هل نجحت في تحويل نفسها إلى مؤسّسة حقيقية؟

ما بعد الحماسة الأولى؛ كيف تواجه الأحزاب السورية الجديدة اختبار التحول إلى مؤسّسات؟ قراءة المزيد »

من حماسة التغيير إلى مأزق التنظيم: لماذا يبدو العمل الحزبي شاقًا في سوريا؟

بعد سقوط النظام، دخل كثير من السوريين غمار السياسة بحماسة غير مسبوقة. ولأول مرة منذ عقود، لاح في الأفق أمل بأن تصبح السياسة مساحة طبيعية للمشاركة والعمل العام، لا غابة للخوف والتهديد كما عهدناها. ظهرت مبادرات وأحزاب جديدة، وانخرط الشباب وأصحاب الكفاءات بدافع الرغبة في بناء سوريا دولةً للقانون والمؤسّسات والمواطنة. لكن، وبعد مضي أشهر على هذه التجربة، اصطدمنا بحقيقة قاسية: إن رغبة السوريين في التغيير لا تكفي وحدها لبناء حزب أو مؤسّسة سياسية قادرة على الاستمرار. نحن لا نبني أحزابًا في بيئة مستقرة، بل داخل مجتمع خرج مثخنًا من عقود الاستبداد، وأكثر من أربعة عشر عامًا من الحرب والانقسام والانهيار. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التشوهات على العمل الحزبي وطريقة تفكيرنا في التنظيم. لا نهدف هنا إلى توزيع اللوم، بل إلى محاولة الفهم: لماذا يبدو بناء العمل الحزبي غاية في الصعوبة؟ إرث الاستبداد والخوف المتجذر على مدى عقود، لم تكن السياسة في سوريا تعني تنظيم المصالح المشتركة، بل ارتبطت عضويًا بالملاحقة والعقاب. لم يكتفِ الاستبداد بتدمير الأحزاب، بل شوّه العلاقة الطبيعية بين المجتمع والسياسة. بات السوري يتعامل مع العمل العام كبؤرة للخطر، وهذا الأثر النفسي لم يختفِ بسقوط النظام؛ فما زال الحذر وسوء الظن مسيطرين، وينسحب كثيرون عند أول خلاف أو شعور بعدم الجدوى. أولوية البقاء في زمن الانهيار أضافت الحرب طبقات عميقة من الإنهاك. فبعد سنوات من التهجير والانهيار الاقتصادي، انحصرت هموم السواد الأعظم من السوريين في تأمين شروط البقاء (العمل، السكن، الغذاء، والأمان المعيشي). في هذا الواقع، تبدو السياسة ترفًا بعيدًا عن اليوميات، على الرغم من أن هذه الهموم المباشرة هي في جوهرها قضايا سياسية بامتياز. كما أدى الاستقطاب إلى تآكل الثقة، وتحول النقاش أحيانًا إلى ساحة للتخوين بدلًا من العمل المشترك. غياب التقاليد والفجوة بين الحماسة والمؤسّسة حُرم السوريون طويلًا من اختبار الحياة الحزبية المستقرة، فغابت ثقافة العمل الجماعي، وإدارة الخلاف، وبناء المؤسّسات طويلة النفس. ونتيجة لذلك، طفت إلى السطح أمراض ناشئة كالشخصنة، وتوقّع النتائج السريعة، والانتقال الحادّ بين الحماسة المفرطة والإحباط السريع. الخطأ الأكبر كان في التوقّعات؛ فقد تعامل البعض مع الأحزاب الوليدة وكأنها كيانات راسخة، متناسين أنها لا تزال في طور بناء هياكلها، وصوغ رؤاها، وتدريب كوادرها. المؤسّسات لا تُبنى بالحماسة وحدها، بل تحتاج إلى تراكم، وتجربة، وقدرة على الاستمرار حتى في فترات غياب الإنجاز الملموس. حقل الألغام: الفراغ القانوني والانفلات الأمني إلى جانب المعوِّقات النفسية والاقتصادية، يصطدم العمل الحزبي في الداخل السوري بواقع ميداني معقد. ففي ظل غياب قانون ينظِّم عمل الأحزاب، يبقى أي تحرك في دائرة المساءلة القانونية والاجتماعية. يُضاف إلى ذلك الانفلات الأمني الذي يخلق حالة من الترهيب ويجعل الانتماء الحزبي مخاطرة شخصية، ولا سيَّما في بيئة تقصي الآخر وتعتبر السياسة معادلة صفرية (إما معي كليًا أو ضدّي). هذا الواقع يجبر الأحزاب على حصر نشاطها غالبًا في الفضاء الافتراضي حفاظًا على سلامة الأعضاء، وهو ما يدخلنا في حلقة مفرغة: فغياب الأمان يمنع بناء تجربة ميدانية ناجحة، وغياب هذه التجارب يجعل البيئة الحالية طاردة للعمل المنظّم، ليبقى كثيرون في مقاعد المتفرجين تحت شعار “السياسة ما شغلتنا”. السياسة بوصفها خبزًا يوميًا وضمانةً للمستقبل إذًا، كيف نكسر هذه الحلقة المفرغة، ونتحدّث في السياسة مع مواطن يطحنه الهمّ المعيشي من دون أن نبدو نخبة منفصلة عن واقعها المأساوي؟ تكمن الإجابة عن هذا السؤال في إنزال السياسة من أبراج التنظير العاجية إلى يوميات المواطن المنهَك. لا يمكننا إقناع السوريين بجدوى العمل الحزبي إلَّا إذا أدركوا أن السياسة هي في جوهرها “سعر ربطة الخبز” و”تكلفة ليتر المازوت”. إن نشر الوعي السياسي اليوم يتطلّب ربطًا مباشرًا وواضحًا بين العمل الحزبي المنظّم والتأثير الفعلي في تحسين شروط الحياة، بحيث يلمس المواطن أن معالجة معاناته الشخصية تمرُّ حكمًا عبر بوابة التغيير السياسي. إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة الماسّة إلى رد الاعتبار للعمل الحزبي بوصفه عملًا وطنيًا يخدم البلاد، وليس تهمة أو مغامرة غير محسوبة. فالوطنية متجذرة في وجدان السوريين ولا تحتاج إلى من يختلقها، بل إلى من ينظِّمها ويوجِّهها نحو بناء مؤسّسات حقيقية. وفي الحصيلة، ينبغي لنا جميعًا إدراك حقيقة لا لبس فيها: إن التحول من فوضى الحماسة إلى رصانة العمل المؤسّساتي، وبناء أحزاب سياسية وطنية وفاعلة، ليس مجرّد ترف فكري، بل هو الضمانة الوحيدة والمناعة الحقيقية لعدم عودة الاستبداد أو إعادة إنتاجه من جديد.

من حماسة التغيير إلى مأزق التنظيم: لماذا يبدو العمل الحزبي شاقًا في سوريا؟ قراءة المزيد »

على هامش الصراع الطائفي في سوريا

مقدمة ليس الإنسانُ أول كائنٍ ابتكر اللغة أداةً للتواصل مع أقرانه، سبقتْهُ إلى ذلك جميع الحيوانات. كما أنَّه ليس أوّلَ من ابتدع اللهجات، سبقتْهُ إلى ذلك الحيتان، إذ لا يمكن لقطيعٍ من حيتان الأوركا أن يفهم على نقرات عشيرةٍ من حيتان العنبر الأشبه بشيفرة مورس، وكذلك لا يمكن لحيتان العنبر أن تفهم نداءات وصفير بكيع الأوركا. ولكن؛ يُحسب للإنسان اختراعه الموسيقى، تلك اللغة التي يستطيع البشر جميعًا على اختلاف ثقافاتهم، ولغاتهم، وأجناسهم فهمها والتفاعل معها. وأعتقد أنَّ البشريّ صعد أولى درجات الأنسنة حين اكتشف الزراعة وطوّر آلياتها، فتحوَّل من كائنٍ مستهلكٍ إلى كائنٍ منتج، ثمّ صعد أخرى حين اخترع اللغة، وأخرى حين صاغ الفلسفة، وأخرى حين اخترع القانون، وأخرى حين اخترع الفنون، ثمّ هبط إلى أسفل الدرج حين غاص في الانتماءات الإثنية، وابتدع الطوائف. الطوائفُ لسنَ بناتِ الدين أتتنا الأديان من عند الله، فهل أتت الطوائف من عنده؟ لا، الطوائف اخترعها الإنسان، وقد برزتْ لأسبابٍ مرتبطة بالنفوذ والسلطة كأدواتٍ سياسيّة بديلةٍ للأحزاب، في الوقت الذي لم تعرف البشرية فيه الشكل الحالي للأحزاب. لذلك لا أستطيع أن أرى الطوائف إلَّا كحركاتٍ سياسيّة مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالسلطة والنفوذ، وقد تمّ إلحاقها بالجانب الديني لإعطائها القدسية وشرعيَّةَ الوجود ولضمان الحفاظ على وجودها فيما بعد. وربّما ليست المشكلة في الطائفة من حيث فكرة تمايز البشر وحاجتهم إلى تشكيل تيار يجمعهم وفق تقاطعات معينة، وهنا أقصد الطائفة بمعناها المجرّد كطيف من الأطياف لا بمعناها الاصطلاحي المتعارف عليه كانتماءٍ مذهبيّ، ولكنَّ المشكلة تكمن في أنَّ الطوائف قامت على أساس الانقسام والتحريض على الآخر المختلف، وراحت كلُّ طائفةٍ تقول عن نفسها إنَّها الأفضل وإنَّ غيرها أقل شأنًا. إنَّ الطائفة ليست ابنة الدّين، بل هي كائنٌ طفيليّ يعتاشُ عليه، ثم إنّها تستمدّ قوتها من صلابة قوقعتها، وتحاول قطع سبل التواصل مع الطوائف الأخرى باختراع الأساطير والسرديات الواهمة لتبقي أتباعها داخل القمقم منعًا من التقاء وجهات النظر، واختفاء حاجة الإنسان إلى وجودها. ما يحدثُ في سوريا ليس تطرفًا دينيًا كشخص ينحدرُ من بيئةٍ إسلامية، ويمتلك الكثير من الفضول الذي دفعه دومًا إلى البحث بغية فهم تركيبة المجتمع، وإدراك الفوارق بين البيئات والثقافات؛ ليست المشكلة في سوريا اليوم هي التطرّف الديني، وليس ما نشهده من اصطفافات فئوية قائمٌ على أي أساسٍ دينيّ. هناك تكتلٌ ذكوريّ لأشخاصٍ يمارسون أفعالًا لا علاقة لها بالتطرّف الديني، وتحوي من البذاءة الكثير. لقد تم إنتاج الصفاقة وتحصينها بلبوس الاصطفاف الطائفيّ من أشخاص أغلبهم كانوا مؤيدين لنظام الأسد، وفي أفضل الأحوال صامتين، وهنا لا أُدين موقف أحدٍ إذ إنّني أؤمن بحرية الإنسان في التزام الصمت، لكنني أقوم بتشريح المشهد لا أكثر. إذًا هو تكتل طائفي لا يقوم على الاصطفاء الديني ولا يمتُّ للدين بصلة، لم تخلقه السلطة لكنَّها استفادت من وجوده وقامت باستثماره. ماذا لو؟ ولكن، ماذا لو كان المؤتمر الذي عُقدَ وطنيًا؟ ماذا لو تم تمثيلنا كشعب على اختلاف مشاربنا بحقّ، وتُرِكَتْ لنا حرية العتاب والهجاء والصراخ والخصام، وبعد ذلك كلّه: حرية الجلوس إلى الطاولة لصوغ عقدٍ اجتماعيٍّ عماده العدالة الانتقالية؟ تلك العدالة التي لن تتيح لمخلوقٍ سوريّ استثمار مظلوميّته. ما الذي كانت ستخسره السلطة لو كان إخراج المسرحية أفضل، وفيه احترامٌ للجمهور؟ هل كان ينبغي لنا أن نحضر عرضًا رديئًا كالذي شاهدناه؟ ثمَّ ماذا لو نهضت الجموع وعارضتْ قتل الأبرياء في الساحل والسويداء؟ ما الذي كنّا سنخسره لو وقفنا ضدّ القتل؟ لا زلتُ أذكر أنَّ عناصر الأمن العامّ الذين كشفوا ما حدث في الساحل، وعارضوا القتل بڤيديوهات صوروها من جوالاتهم، كانوا جميعًا ملتحين، وأغلبهم من إدلب. ما يحدث اليوم ليس تطرفًا دينيًا، فنحنُ نعرف جيدًا أنَّ السلفيّ لا يرفع يده على امرأة في تظاهرة أو اعتصام فيضربها ويشتمها. هذا مصنعٌ للبذاءة، وعلينا أن نختمه بالشمع الأحمر إذا ما أردنا المضيّ قدمًا نحو حياةٍ أفضل، وعلينا أن نرفض خطاب الكراهية تجاه خصومنا قبل أصدقائنا. ماذا بعد؟ لا تُدار البلاد بالنكايات، ولا بالدعوات إلى النباح، ولا بطقطقة المقصّات، ولا بجسّ النبض عن طريق صفحات السوشال ميديا، لأنَّه بقدر ما يمكن أن يخلقه ذلك من بروباغندا قوية، يبقى وهمًا يسهل تحطيمه في ليلة واحدة. إنَّ تأجيل العمل بشكل جديّ على ملف العدالة الانتقالية سيتيح المجال لمزيدٍ من الفوضى، وإنَّ الاستثمار في الفوضى ينفع في ثقافة الميليشيات لأنَّ رهانها يكون على المرحلة الآنيّة، أما في السياسة المعنية بالنهوض بدولةٍ من تحت الركام فإنَّ هذا يزيدُ الأنقاضَ دمارًا. كما أنَّ تجاهل تفشي خطاب الكراهية من دون تفعيل دور المحاكم الإلكترونية التي تحدّ من انتشاره سيحيلنا على واقع أكثر سوداويّة. ثمّ ماذا لو اعتذر رئيس البلاد من أهل الساحل والسويداء، باللغة نفسها التي اعتذر بها من أهالي دير الزور؟ ما الذي كان سينقصنا؟ لماذا دفعنا بالجموع خارج الدائرة، ثمّ أخذنا نتذمّر من وقوفهم خارجها؟ نحن من دفعناهم بأيدينا حين صمتنا عن دفعهم من الشرفات (لن أنسى هذا المشهد ما حييت). القصاص الجمعيّ مقتلة للبلاد، وشعور فئاتٍ من المجتمع أنَّها مهزومةٌ ومكسورةٌ إنّما هو تكديسٌ للجمر تحت الرماد، الجمر الذي سيحرق البلاد عند أول عاصفة تزيل الرماد عنه، وهذا ما لا نتمنّاه جميعًا. ختامًا: ما يؤسفني حقًا أننا اشترينا الكراهية مجانًا، إذا كان بالإمكان تفادي كلّ ما حدث، وجميع ما حدث لم يجلب فائدةً لأي طرف. كم كنتُ أتمنى لو توقف الزمن عند الأسبوع الذي هرب فيه الأسد، ذلك الأسبوع الذي تشارك فيه السوريون جميعًا -باستثناء القتلة- شعورًا حقيقيًا واحدًا، ثم افترقنا بعدها. وإلى أن نلتقي مجددًا على طاولة واحدة، أُمنِّي النفس أن نتحلَّى بنزاهة الخصومة، على أقلّ تقدير.

على هامش الصراع الطائفي في سوريا قراءة المزيد »

تجريم الطائفية في القانون السوري

تجريم الطائفية في القانون السوري بين النص والتطبيق في الدول التي يُرفع فيها شعار سيادة القانون، نجد أن النصَّ التشريعي هو الضابط لإيقاع المجتمع، أما السلطة التنفيذية فهي الحارس على تطبيقه. إلَّا أننا في سوريا نقدِّم مزيجًا فريدًا من التناقض بين الضابط والحارس، ففي حين أننا نجد نصوصًا صريحةً وواضحةً لا تقبلُ التأويل في تجريم الطائفية نجد أيضًا في المقابل أن الحارس لها يقوم بتكريس الطائفية بشكل واضح من ناحية التطبيق. أولًا: قانون العقوبات السوري بالعودة إلى قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949 نجد أن الجرائم الطائفية قد تم تصنيفها في باب الجرائم الواقعة على أمن الدولة وذلك لخطورتها على المجتمع والدولة في آن معًا. فأي شرخٍ أو تمزقٍ في وحدة المجتمع السوري من المؤكد أن نتائجه ستكون عبارةً عن حروبٍ أهلية، واقتتالاتٍ طائفية، وعصاباتٍ مسلحة وإشاعةٍ للفوضى في البلاد. بدايةً، نصت المادة رقم /185/ من قانون العقوبات على: “من قام في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بدعاوة ترمي إلى إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية عوقب بالسجن المؤقت”. في هذا النص نجد أن المشرِّع السوري اشترط وجود شرط تجريم محدّد، وهو: “زمن الحرب أو عند توقّع نشوب الحرب”، وبالتالي فإن هذه المادة تنصّ على إيقاع عقوبة السجن المؤقت بحقِّ كلِّ من يقوم بالدعوة إلى ما من شأنه إضعاف الشعور القومي أو إيقاظ النعرات العنصرية والمذهبية في هذه الظروف الاستثنائية. ثم عاد المشرع في المادة / 298/ وقام بتجريم الاعتداءات الطائفية من دون وجود شرط التجريم كما في المادة السابقة، فقد نصَّ على: “يعاقب بالاعتقال مؤبدًا الاعتداء الذي يستهدف إما لإثارة الحرب الأهلية أو الاقتتال الطائفي بتسليح السوريين، أو بحملهم على التسليح بعضهم ضدّ البعض الآخر، وإما بالحضّ على التقتيل والنهب في محلة أو محلات، ويقضى بالإعدام إذا تم الاعتداء”. إن المادة السابقة قد عدها المشرع السوري من جرائم الفتنة، والتي يتألف ركنها المادي من فعل الاعتداء أو التسليح أو الحمل على التسليح أو الحض على التقتيل والنهب، وركنها المعنوي هو القصد الجرمي الخاص الذي يستهدف فيه من الفعل إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي. وفي هذه المادة يمكننا أن نجد أن مجرّد الشروع يُعدُّ معاقبًا عليه بعقوبة الاعتقال المؤبد، أما في حال تم الفعل فإن العقوبة هي الإعدام. أي أنه إذا بدأتْ الأفعال الرامية إلى الاقتتال الطائفي وحال دون إتمامها شيءٌ خارجٌ عن إرادة الفاعل، فإن العقوبة تظلُّ السجن المؤبد. وذلك لأنه بمجرّد الشروع في إشعال حربٍ طائفية يجعل تداركها أمرًا صعبًا جدًا لما تخلِّفه من أثرٍ في الأنفس، فكيف الحال إذا أدى هذا الفعل إلى الاقتتال الطائفي فعلًا؟ في هذه الحالة يكون الانقسام المجتمعي والخراب هما مصيرنا المحتوم. وبما أن الحروب الطائفية هي من أخطر الحروب التي عانت منها البشرية نجد أن المشرع السوري عاد في المادة 307 من قانون العقوبات ونصَّ على: “كلُّ عملٍ وكلُّ كتابةٍ وكلُّ خطابٍ يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحضّ على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة يعاقب عليها بالحبس من ستة أِشهر إلى سنتين وبالغرامة من مائة إلى مائتي ألف ليرة سورية، وكذلك بالمنع من ممارسة الحقوق المذكورة في الفقرتين الثانية والرابعة من المادة 65. ويمكن المحكمة أن تقضي بنشر الحكم”. وبالتالي، فإن المشرع السوري قد جرَّم الأفعال والأقوال الطائفية، وهو ما جعل الطائفية في عهد النظام السابق تأخذ طابعًا مستترًا خوفًا من الحديث العلني عنها الذي يعرِّض صاحبه مباشرةً للمساءلة القانونية لتكون حجةً جديدةً وأداةً في يده لضرب كلِّ معارض له. ثانيًا: قانون الجرائم الإلكترونية إن قانون الجرائم الالكترونية رقم 20 لعام 2022 والذي جاء معدلًا لما قبله، أي القانون رقم 17 لعام 2012، قد تناول في المادة 31 منه الجرائم الطائفية الرقمية كما يلي: “يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 3000000 ثلاثة ملايين ليرة سورية إلى 6000000 ستة ملايين ليرة سورية كلُّ من أنشأ أو أدار موقعًا إلكترونيًا أو صفحة إلكترونية أو نشر محتوى رقميًا على الشبكة بقصد الإساءة إلى أحد الأديان أو أحد المقدسات أو الشعائر الدينية أو الحضّ على الكراهية أو التحريض على العنف “. وبهذا حاول المشرع إغلاق الباب على محاولة ارتكاب الجرائم الطائفية عن طريق الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ثالثًا: بين كم الأفواه سابقًا والسعار الطائفي حاليًا إن وجود هذه المواد القانونية، على الرغم من ضرورتها، يضعنا اليوم أمام مأساةٍ مزدوجة سابقة وحالية. ففي ظل النظام السابق، تم استخدام هذه النصوص على عكس الهدف منها، فبدلًا من استخدامها لحماية النسيج المجتمعي استخدمت كأداةٍ سياسيةٍ بامتياز. فكل انتقادٍ للفساد أو مطالبةٍ بالإصلاح كانت تُكيف قانونيًا على أنها جريمة إيقاظ النعرات المذهبية أو إضعاف الشعور القومي أو وهن عزيمة الأمة، ليُرمى بأصحاب الفكر داخل السجون بحجة حماية السلم الأهلي، بينما كان النظام فعليًا يُغذِّي تلك النعرات في الخفاء ليضمن بقاءه. أما اليوم فإننا نواجه الوجه الآخر لاستغلال هذه المواد القانونية، فمع سقوط النظام السابق وغياب سلطة الدولة القادرة على إنفاذ القانون في العديد من المناطق تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات إعدامٍ معنوية ومرتعًا لسعار طائفي غير مسبوق. فما نشهده اليوم من حروبٍ كلامية بين أكثريةٍ وأقلية، لم يتوقف عند شاشة الهاتف أو في الفضاء الافتراضي فقط، بل تحول إلى أداةِ تحريضٍ لارتكاب جرائم القتل والسلب والنهب على الهوية وأصبح الخطاب الطائفي هو الوقود اليومي لحالات الانقسام والانتقام بين أفراد المجتمع. رابعًا: الانتقائية في التطبيق المفارقة المؤلمة هي أننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى تطبيق المادة /298/ من قانون العقوبات التي تعاقب بالإعدام لإثارة الحرب الأهلية، ولكننا نجد أن هذه النصوص أصبحت إما معطلة أو أداةً في يد بعض الأشخاص مرةً أخرى، إضافة إلى أننا، في معظم الأحيان، نجد أن بعضًا ممن يتبوّؤون مقاعد السلطة هم أنفسهم من يقومون بإصدار تعليمات تنفيذية تخالف القوانين المذكورة أعلاه أو يقومون بتنفيذ القانون ضدّ أي جهةٍ تحاول انتقاد هذه التعليمات. وبالتالي، فإن غياب الجهة القادرة على لجم هذا السعار الطائفي الحالي جعل من النصّ القانوني مجرّد حبرٍ على ورق أو أداة قمع كما في السابق. في الختام، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم هو النتيجة الحتمية لسنواتٍ من التوظيف الخاطئ للقانون، أضف إلى ذلك أن الدولة التي تستخدم قوانينها لترهيب المصلحين بذريعة الطائفية ستجد نفسها يومًا بلا قانونٍ يحميها من الطائفية الحقيقية حين تنفجر. نحن الآن أمام مجتمع يتشظّى شيئًا فشيئًا، والحل لا يبدأ باستعادة هيبة النصّ القانوني وحسب، بل بإنهاء حالة السعار الطائفي التي حوّلت السوريين إلى جماعاتٍ طائفية وقبلية يترصّد بعضها بعضًا، وذلك لا يمكن تطبيقه بالردع وحسب بل يجب أيضًا على أصحاب المنابر الدينية والصالونات الثقافية والمجتمعات العلمية أن تأخذ دورها الحقيقي في محاولة إيقاظ

تجريم الطائفية في القانون السوري قراءة المزيد »

الطائفية بعد الأسد: حين تصبح الجماعات بديلًا عن السياسة

لم يعد فهم الطائفية في سوريا أسير اختزالها في كونها انقسامًا دينيًا أو مذهبيًا داخل مجتمع تعدّدي، كما لم يعد التجييش الطائفي مجرّد خطاب كراهية تحريضي يطفو إلى السطح في أوقات التوتر أو العنف. فمنذ سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024 بات السوريون ينظرون إلى السياسة والخوف والانتماء أكثر فأكثر من خلال هواجس “الجماعات” وحدودها داخل مجتمع قطّعت الحرب روابطه من دون أن يتجاوز فعليًا مسببات التفكّك التي أنتجتها. تكمن حساسية اللحظة السورية الراهنة في أنَّ الطائفية ليست مجرّد آثار تاريخية متكلّسة ومتبقية من الماضي، وإنما هي عملية اجتماعية وسياسية جارية يُعاد عبرها إنتاج الجماعات و”الطائفيات” وفق التحوّلات السياسية والتاريخية، وتُرسم بها حدود الثقة: صياغةً لتصوّرات جديدة عن الحماية والتهديد والشرعية. ولهذا يبدو التجييش الطائفي الراهن أعمق من مجرّد استقطاب مذهبي أو سياسي عرضي، إذ يتسلَّل تدريجًا إلى الطريقة التي يبدأ المجتمع من خلالها بإدراك ذاته، واستيعاب جماعاته، وحدود العلاقات في ما بينها. فالمجتمعات الخارجة من الحروب الطويلة لا ترث الخراب المادي أو الانهيار الاقتصادي وحسب، وإنما تتجرّع أيضًا فائضًا من الخوف، وذاكرات مثقلة بالعنف، وقدرًا واسعًا من الريبة والاتهام المتبادل. ومع تداعي السلطة التي أدارت لعقود توازنات العنف والمجال العام، لم يظهر في سوريا إطار سياسي مستقرّ يستطيع أن يمنح الأفراد شعورًا عامًا بالأمان أو بالمواطنة المتساوية. ما برز بدلًا من ذلك كان مناخًا شديد التخلخل والاضطراب: سلطة انتقالية ما تزال قيد التشكّل، شبكات محلية وحكومية متنافسة، عنف يتراجع في مكان ليعود في مكانٍ آخر، اقتصاد منهك، ومجتمع يحاول استعادة تماسكه داخل مرحلة ما تزال حدودها ومآلاتها غامضة. وفي مناخ الانفراط هذا، ومع تشكّل قوى وعلاقات جديدة غير محسومة بعد، تشتدُّ حاجة الجماعات إلى مرتكزات وملاذات أكثر صلابة للانتماء والثقة، فتغدو الطائفة الدينية أو الرابطة الأهلية عمومًا إحدى المرجعيات القليلة القادرة على احتواء القلق الجمعي والمكان الأقرب إلى الاحتماء الذي يحيط بمجتمع فقد كثيرًا من توازنه الهش السابق. ولهذا، لا يقتصر تصاعد الطائفية على كونها تعبيرًا عن قناعات دينية أو أيديولوجية، وإنما تكمن قوتها في كونها وسيلة للأفراد والجماعات لتسمية مخاوفهم وتحديد مواقعهم الهُويّاتية في لحظةٍ تاريخيةٍ تبدو فيها الأطر السياسية والاجتماعية الجامعة عاجزة عن توفير الطمأنينة. ومن هنا تحديدًا يمكن فهم التحوّلات التي طرأت على الخطاب السوري بعد سقوط النظام. فعلى سبيل المثال، يستند جزء من التجييش الطائفي في أوساط “السنة العرب” إلى سردية ترى أنَّ الجماعة التي مثّلت “الأكثرية الضحية” خلال سنوات الثورة والحرب، باتت تمتلك اليوم مشروعية استعادة مكانتها ونفوذها السياسي، وذلك بعد عقود من الإقصاء والعنف الممنهج وتحويل حواضنها الاجتماعية إلى ساحات للحصار والتدمير والاستنزاف. وفي المقابل، يسود البيئة “العلوية” في الساحل شعورٌ متنامٍ بأنَّ سقوط النظام لم يقتصر على انهيار السلطة السياسية وحسب، وإنّما فتح الباب أيضًا أمام تحميل “الجماعة” بأكملها المسؤولية السياسية والجنائية، ما جعلها في موضع اشتباهٍ تاريخي وأخلاقي وسياسي، وسط تزايد المخاوف من الانتقام أو العزل أو فقدان الحماية. أما في الحالة “الدرزية” في السويداء، فتبدو المسألة أكثر تركيبًا، إذ تتداخل هواجس الحماية الذاتية والمخاوف من الانفلات الأمني مع تنامي القلق المتزايد من الانكفاء على الجغرافيا المحلية، في ظلِّ خطابٍ يركِّز على الخصوصية والقدرة على إدارة الشأن الداخلي بعيدًا عن مركز سياسي لا تزال شرعيته واستقراره موضع اتّهام وارتياب. وعلى السطح، قد تبدو هذه الحالات الثلاث مجرّد تجلّيات لانقسامات طائفية أو دينية متقابلة، لكن ما يكمن في جوهرها يتجاوز ذلك كثيرًا. إذ تكشف كيف يتم تحويل الخوف والذاكرة المثقلة والخذلان والانتكاسات السياسية المتراكمة إلى لغة جماعية تُستخدم للتعبئة والاستقطاب وإعادة الاصطفاف. وهنا تحديدًا تتجاوز الطائفية مفهومها التقليدي بوصفها مجرّد انقسامٍ بين جماعات دينية، لتصبح جزءًا من اقتصاد السلطة والخوف والبقاء داخل مجتمع لم تلتئم روابطه العامة بعد، ولا تزال عوامل استقراره السياسي والاجتماعي تتأرجح بين طيات الخوف والاضطراب. ولعلَّ أخطر ما في هذا التحول أنَّ التجييش الطائفي الراهن لا يستند في الغالب إلى بناء ايديولوجي متماسك، وإنما يقتات على إعادة تدوير الخوف وتغذية وتيرته عبر الصور والمقاطع الرقمية والشائعات والخطابات المجتزَأة والذاكرة المثقلة بالعنف. فقد أصبحت كلُّ حادثة محلية مهيّأةً للتحوّل سريعًا إلى دليل على “طبيعة جماعة بأكملها”، كما صار كلُّ توتّرٍ أمنيٍّ يُقرأ بوصفه نذيرًا بحرب كامنة. وبهذا المعنى، لم تعد الطائفية مجرّد انقسام مجتمعي عابر، بل تحوّلت إلى منطق ناظم تتشكّل في ضوئه نظرة الجماعات لبعضها بعضًا، وتُفكَّك عبره السياسة ومشاعر الخوف وشبكة الروابط الاجتماعية. وحين يترسّخ هذا المنطق، تنحسر السياسة عن كونها تنافسًا بين رؤى وبرامج ومصالح اجتماعية، ليتحوّل المجال العام، سواء أكان في الواقع اليومي أو الفضاء الرقمي، إلى ساحة مفتوحة لتغذية الريبة المتبادلة ومراقبة ديموغرافيا الجماعات، ورصد مخاوفها وتحالفاتها ومصادر تهديد بعضها لبعض. وفي ظلِّ غياب مؤسّسات مستقرة، ومسارات للعدالة الانتقالية، وقانون كفيل بإنتاج شعورٍ فعليٍّ بالحماية المتساوية، تسعى الجماعات لابتكار بدائل، نفسية وهُويّاتية وسياسية، للتعويض عن غياب الدولة. لذا، فإنَّ استمرار التجييش الطائفي بعد سقوط نظام الأسد لا يعكس مجرّد بقاء الانقسامات القديمة، وإنما يبرهن أيضًا على عمق الفراغ البنيوي والسياسي الذي خلّفه تداعي المنظومة السلطوية في ظلِّ تعثر بناء دولة بديلة قادرة على كسب الثقة العامة وإدارة الاختلاف ضمن إطار سياسي جامع. لا تقتصر معايير قياس هشاشة المجتمعات الخارجة من الحروب على عدد الضحايا أو حجم الدمار المادي فحسب، وإنما تمتدّ لتشمل مدى التصدّع في “العالم المشترك” الذي كان ينبغي أن يوفر للأفراد أفقًا سياسيًا موحّدًا. فحين يعجز الأفراد عن تعريف ذواتهم بعيدًا عن أطر الجماعات التي لجؤوا إليها، يتبدل جوهر السياسة، إذ لا تتداعى الدولة عندها كمؤسّسة إجرائية وحسب، بل تتبدد كفكرة جامعة أيضًا: أي كفضاء يُتيح للمختلفين مشاركة حياة عامة تتجاوز هواجس الخوف والنجاة والريبة المتبادلة. وما يتجلّى اليوم في سوريا يتجاوز مجرّد تصاعد النبرة الطائفية أو احتدام التوتّر بين “المكونات”، فثمة انكماش تدرّجي في المساحة التي كان يمكن للسوريين من خلالها التفاعل كمواطنين، بدلًا من كونهم حَمَلة لهُويّات قلقة مثقَلة بالندوب والخسارات. ومع هذا الانكماش، تسعى الجماعات لترتيب علاقتها بالعالم، حيث لم تعد الطائفة مجرّد انتماء اجتماعي أو ديني، وإنما تحوّلت إلى آلية للحماية، ومنظومةٍ لتفسير الأحداث، ومعيارٍ حاسمٍ لتحديد من يستحقّ الثقة أو الخوف أو الحماية. في مثل هذه المنعطفات، لا تنمو الطائفية من فائض قوة الجماعات، وإنما من انكفاء المجال الذي كان يفترض أن يجمعها. فكلُّ جماعة تنكفئ على ذاتها دفاعًا عن وجودها تبدأ، من حيث لا تدري، بإعادة إنتاج مخاوفها بشكلٍ مستدامٍ، إذ تتضخّم حساسيتها، وتصبح أكثر ميلًا لرؤية الآخرين كتهديد محتمل، بدلًا من النظر إليهم كشركاء في العيش المشترك. وهكذا، يكفّ الماضي عن كونه مجرّد ذاكرة، ليتحوّل إلى مادة يومية لإعادة ترتيب العلاقات وتوزيع تركات القرب والعداء والريبة. وعليه تبدو الأزمة السورية الراهنة أعمق من مجرّد انقسام

الطائفية بعد الأسد: حين تصبح الجماعات بديلًا عن السياسة قراءة المزيد »

Scroll to Top