المرحلة الانتقالية والقضايا الراهنة
(من أوائل ديسمبر 2024 إلى أوائل مايو 2025)
1- مقدمة: الثورة السورية وإسقاط نظام الأسد
2- السلطة الجديدة في سوريا
3- رؤيتنا إلى المرحلة الانتقالية ومؤتمر الحوار الوطني
أ- رؤيتنا إلى المرحلة الانتقالية
- تشكيل هيئة حكم انتقالي
- المؤتمر الوطني السوري
ب- مؤتمر الحوار الوطني
4- العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
5- السلم الأهلي والجرائم المرتكبة في الساحل السوري
6- التحديات الأمنية العسكرية وتغليب الحلِّ السياسي
7- التحديات الاقتصادية ومستقبل الاقتصاد السوري
- تحديات اقتصادية
- التوجّه الاقتصادي
- الاستعداد لمرحلة ما قبل رفع العقوبات عن سوريا
- إعادة الإعمار
- عودة اللاجئين والنازحين
8- التحديات الخارجية
- بناء العلاقات مع المحيطين الإقليمي والدولي
- الاعتراف الدولي ورفع العقوبات
- العدوان الإسرائيلي
9- الإعلان الدستوري والدستور الجديد
- الإعلان الدستوري
- الدستور الجديد
10- قانون الانتخابات والعملية الانتخابية
11- إعادة إنتاج السياسة في المجتمع
- الحراك السياسي بعد الثامن من ديسمبر
- نحو قانون أحزاب عصري وديمقراطي
- فهمنا للعمل السياسي
كانت الثورة السورية أهمَّ حدثٍ في تاريخ سوريا المعاصر، قام بها الشعب السوري لاسترجاع وعيه وإرادته وثقته بنفسه، والتحوّل إلى ذاتٍ حاضرةٍ وفاعلةٍ بعد عقودٍ من إقصائه وتهميشه. فمنذ انطلاقتها شرع السوريون بالتعرّف على بعضهم بعضًا من دون حواجز، وصاروا يتواصلون ويتفاعلون مُنهين حقبةً طويلةً من الانعزال والجهل ببعضهم، وأخذوا يتبادلون معاناتهم وآلامهم، ويستردّون ذواتهم التي بدَّدها القمع والاستبداد. هدفت هذه الثورة إلى التّغيير البنيوي الشامل الذي لا يعني إسقاط النظام وحسب، بل يعني أيضًا تفكيك بنية الدولة الشموليّة وإعادة بنائها عبر تأسيس عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ أساسُه المواطن السوري.
لقد حكم سوريا نظام استبدادي قام على منطق الغلبة والقهر والعصبيّة، تغلغل فسادُه طولًا وعرضًا وعمقًا في جميع المناحي، وهيمنت سلطتُه على الدولة، وألغت وظائفها وأدوارها، وحوّلتها إلى أخطبوطٍ مهيمنٍ على الحياة السياسية والتعليمية والثقافية والاجتماعية ومؤسّسات المجتمع المدني والنقابات، وعملت على تدمير مختلف الفئات الاجتماعية، وألغت سائرَ أشكال التضامن الاجتماعي، وحوّلت المجتمع السوري إلى سديمٍ بشريٍّ مفكّكٍ ومهلهلٍ، وإلى أفرادَ منعزلين ومحاصرين بالخوف والرعب من أجهزتها الأمنيّة، وجرى تخفيضُ "المواطنة" إلى مستوى الولاء الحزبي أو الشخصي، والشعب إلى مستوى "الرعيّة" التي أراد لها النظام أن تكون متفرِّجةً وصامتةً ومباركةً لجميع ممارساته فحسب.
اعتمد نظام الأسد آليةً وحيدةً في التعاطي مع السوريين تقوم على القتل والقمع والاعتقال. وهو لم يتعامل معهم، في أيِّ لحظةٍ، بوصفهم شعبًا، أي كمواطنين أحرارًا، بل كجماعاتٍ إثنيّةٍ وطائفيّةٍ ومذهبيّةٍ، يجمع بينها بالقوة العسكرية والأمنية، ولذا لم يخلق هُويَّةً وطنيّةً جامعةً، بل إنَّه حطَّم جنين الدولة الوطنيّة التي كانت آخذة في التشكُّل بعد الاستقلال.
لقد أصبح واضحًا، بعد انطلاق الثورة السورية، أنَّ النظام لا يَصلُح ولا يُصلِح ولا يُصلَح. إنَّه ليس أكثر من سلطةٍ ضيِّقةٍ مستعدةٍ لسفك دماء السوريّين واضطهادِهم دون هوادة للإبقاء على هيمنتها على البلاد، ولا تتردَّد أبدًا في استثارة العنف والطائفية والتدخلات الأجنبية كي تبقى.
بعد نحو أربعة عشر عامًا من نضال دامٍ، أسفر عن مئات آلاف القتلى، وملايين المهجرين والنازحين، ودمار واسع لحق البنية التحتية، والممتلكات العامة والخاصة، سقط نظام عائلة الأسد، في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، الذي حكم البلاد أكثر من نصف قرن. وقد انهار النظام، المتهالك أصلًا، بعد أن أطلق تحالف من فصائل المعارضة السورية، ضمَّ "هيئة تحرير الشام"، وفصائل من "الجيش الوطني" الذي تدعمه تركيا، يوم 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، عملية عسكرية كبيرة تحت اسم "ردع العدوان" استغرقت 11 يومًا، تمكنت في نهايتها من دخول دمشق، من دون قتال، بعد أن هرب رأس النظام إلى القاعدة العسكرية الروسية في حميميم، وتلاشت أجهزته الأمنية وفرقه العسكرية.
لكن هذا السقوط لنظام الأسد ليس لحظة معلقة في الفراغ، بل على العكس تمامًا، فالحامل الموضوع له هو الشعب السوري، ما يعني أن لحظة السقوط كانت تتويجًا لنضالات الشعب السوري وتضحياته خلال العقود الماضية، على أهمية عملية ردع العدوان العسكرية، والعوامل الإقليمية والدولية الممهِّدة والمرافقة للعملية.
مع إسقاط نظام الأسد، خطا السوريون خطوة مهمة نحو الخروج من حقبة مظلمة في تاريخهم المعاصر، قدَّموا خلالها تضحياتٍ جسامًا أظهرت تطلّع الشعب السوري نحو الحرية والكرامة، ودخلت سوريا في مرحلة جديدة تواجه فيها تحديات كبرى في شتى المجالات؛ نظرًا إلى التركة الثقيلة التي خلّفها النظام السابق، تلك التي تركت آثارًا عميقة في بنية الدولة والنسيج الاجتماعي، ودمارًا كبيرًا في البلاد نتيجة سياسات العنف والقهر التي اتبعها على مدى أكثر من نصف قرن.
تمثّل المرحلة الانتقالية فرصةً لإرساء أسس نظام سياسي جديد لا يتجاوز إرث نظام الاستبداد الذي عرفته سوريا طوال أكثر من نصف قرن وحسب، بل يمنع نشوء أيّ نوع من الاستبداد أيضًا، ويستند إلى مبادئ الحكم الرشيد والمشاركة الشعبية واحترام حقوق المواطن وحرياته والتعددية السياسية والثقافية للمجتمع السوري. وتتطلب هذه المرحلة مواجهة التحديات الكبيرة المتمثلة بضعف مؤسسات الدولة، وانهيار بعضها (الجيش والأمن)، وانعدام الثقة بين مختلف الفئات الاجتماعية، والتدخلات الخارجية، والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، ما يعني ضرورة وجود خطة واضحة للانتقال تسمح بالتغلب على هذه التحديات.
إن نجاح أي حكومة في مواجهة هذه التحديات سوف يكون رهن قدرتها على تحقيق أوسع إجماع سياسي ممكن، بمشاركة أطياف واسعة من القوى السياسية التي قاومت النظام السابق، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد السلاح وحصر العنف الشرعي في يد الدولة. يعتمد ذلك أيضًا إلى حد بعيد على كسب ثقة الناس وتعاونهم، واحترام حرياتهم الفردية، وعدم فرض توجه سياسي وثقافي معين عليهم؛ فالمجتمع السوري مجتمع منفتح، متعدد الأديان والثقافات، وإنَّ محاولة القيام بذلك سوف يدفع السوريين إلى الانفضاض عن الحكم الجديد، وهذا يعني المخاطرة بتكرار تجارب مؤلمة عرفها العالم العربي بعد ثورات عام 2011.
نحدِّد في ما يأتي رؤيتنا ومواقفنا تجاه عدد من القضايا الراهنة والمسائل الرئيسة المتعلقة بالمرحلة الانتقالية والتحديات المزامنة، الداخلية والخارجية، ولا سيَّما بعد تعيين السيد أحمد الشرع رئيسًا انتقاليًا:
هناك نقطتان رئيستان خلقتا قبولًا نسبيًا، على المستوى الداخلي والخارجي، لقائد العمليات العسكرية، ولولاهما لكانت القوة العسكرية المستخدمة في إسقاط النظام بلا قيمة، بل ووبالًا على السوريين خلال الفترة من 27 نوفمبر حتى 8 ديسمبر الماضي، وهما: أولًا، خطاب التطمينات في الداخل؛ كان الخطاب المرافق لاستخدام القوة العسكرية مقبولًا نوعًا ما على المستوى الداخلي والخارجي، ولا سيَّما عندما أكَّد على تحرير السوريين من النظام السابق، وعلى الحرية لجميع السوريين. ولو أن العمليات العسكرية جرت بالتزامن مع استخدام الخطاب المعتاد للفصائل الذي يرتكز على الخطاب الجهادي، والوعيد والثأر، لكانت العمليات العسكرية بلا قيمة، وما كان للقسم الأكبر من السوريين أن يتفاعل إيجابيًا مع الحراك العسكري الذي حصل، ولما سمحت أميركا وروسيا على نحو خاص باستمرار العملية العسكرية وإسقاط النظام. وثانيًا، الخطاب المتوازن تجاه الدول الإقليمية والكبرى؛ كان الخطاب المرافق لاستخدام القوة العسكرية خطابًا إيجابيًا تجاه الدول كلها على العموم، فهو لم يكن عصابيًا أو متشنجًا أو شعبويًا، ولم يُناصب أي دولة العداء، ولم يدخل في أي محاور إقليمية أو دولية، بما فيها الدول التي ارتكبت جرائم واضحة في حق الشعب السوري (إيران وروسيا) لإدراكه بأن سوريا في وضعيتها وأحوالها الراهنة تحتاج إلى الجميع الآن أو غدًا. لذلك، أيضًا لو كان الخطاب المرافق للعملية العسكرية خطابًا عدائيًا على المستوى الدولي لما تكللت العملية بالنجاح.
انطلقت الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، واستمرت بضع سنوات واضحة المعالم (شعب في مواجهة سلطة شمولية)، ثم أصبحنا أمام حالة صراع عسكري بين الثورة وسلطة نظام الأسد، ثم ضاقت مساحة الثورة إلا من بعض الجزر الصغيرة، وأصبحنا أمام قوى مسلحة كان يُطلق عليها، في السنوات الأخيرة على أقل تقدير، "سلطات الأمر الواقع"، وكانت هذه مرتبطة بأجندات إقليمية ودولية، معظمها متهم بأنه أخذ الثورة إلى غير أهدافها وطموحاتها، ومنها "الجيش الوطني السوري" و"هيئة تحرير الشام"، وغيرها.
فجأة، وفي لحظة استثنائية، وخارج إطار جميع التحاليل والتوقعات، سقطت سلطة نظام الأسد، وأصبحت "هيئة تحرير الشام" و"الجيش الوطني السوري" في السلطة، وهي لحظة مهمة في تاريخ سوريا جلبت فرحًا سوريًا عامًا.
واعتُبرت "هيئة تحرير الشام" قوة ثورية أو تنتمي إلى الثورة السورية، على عكس ما كان سائدًا على نطاق واسع، وأخذ قطاع متزايد يذهب باتجاه تسويغ أداء السلطة الحالية استنادًا إلى مصطلح "الشرعية الثورية"، على الرغم من أنه لم يكن هناك توافق سوري قبل 8 ديسمبر الماضي على أن "هيئة تحرير الشام" تمثِّل الثورة وتنتمي إليها.
إن السلطة الحالية موجودة في موقعها اليوم بحكم إنجازها العسكري بإسقاط نظام الأسد، إضافة إلى توازنات إقليمية ودولية مستجدة، لكن أداءها لا يحتاج إلى تسويغ استنادًا إلى مبدأ "الشرعية الثورية". وفي المقابل، لا يمكن إنكار أنها، على الأقل قياسًا على أيديولوجيتها، تحاول أن تقترب من أهداف الثورة السورية، وأن أداءها أفضل كثيرًا مما هو متوقع منها استنادًا إلى ما هو معروف من توجهاتها وممارساتها السابقة.
إن تعاملنا مع السلطة الحالية يجب أن يستند إلى ما تقدِّمه على صعيد بناء الدولة الوطنية الديمقراطية: هناك أشياء إيجابية قدَّمتها خلال الأشهر الثلاثة الماضية (ومنها قناعتها بمبدأ الحوار الوطني، واستخدامها لأدوات بناء الدولة الحديثة مثل "الإعلان الدستوري" و"مبدأ الانتخابات" و"المجتمع المدني"... إلخ، ومنها سعيها لتثبيت السلم الأهلي وحصر السلاح بيد الدولة، على الرغم من القصور الظاهر في جميع هذه الأمور)، وهناك أشياء سلبية لا بد من نقدها ومواجهتها من منظور المصلحة الوطنية السورية. يمكن للسلطة الحالية أن تكتسب الشرعية الوطنية، وهي الأهم، كلما اقتربت من معايير بناء الدولة الوطنية الحديثة بالشراكة مع جميع السوريين، ما يعني أن شرعيتها موجودة أمامها لا خلفها.
إن نقد السلطة القائمة عمل مطلوب في كل لحظة، وهو لمصلحة البلد وأهله ومصلحة أي سلطة، شريطة أن يكون مستندًا إلى المصلحة الوطنية السورية. والسلطة القائمة اليوم في سوريا تحتاج إلى النقد أكثر من أي سلطة أخرى بحكم المشكلات العميقة في البلد والتحديات القائمة، وإن آخر ما تحتاج إليه أي سلطة عاقلة هو المديح وتسويغ أفعالها. وهذا النقد لا يمنع إطلاقًا الإشارة إلى ما هو إيجابي عندما يكون موجودًا وإلا تحول النقد إلى حالة عصابية مشكوك في حصافته وأهدافه.
بعد إعلان الرئيس الانتقالي أحمد الشرع عن رؤيته لسوريا الجديدة في "إعلان النصر"، تتباين الإشارات الصادرة عن الإدارة الجديدة بين خطاب يدعو إلى الإصلاح والانفتاح، وممارسات تعكس استمرار هيمنة بعض الأطراف ذات الخلفيات الأيديولوجية الدينية المتشدِّدة، مثل: تعيين شخصيات إشكالية وغير مؤهلة في المناصب القضائية، وتشكيل جيش من فصائل ذات مصالح وأيديولوجيات وأجندات مختلفة، لكن من لون طائفي واحد، ومنح رتب عسكرية لشخصيات غير سوريّة، وتعيين عسكريين في مناصب مدنية، إضافة إلى تعيينات اللون الواحد في الحكومة بصورة عامة. هذا يعني أن خيارات السلطة ما زالت غير واضحة، ويكتنفها الغموض، مع وجود تباين واضح بين الخطاب المعلن والممارسات، وهو ما يعني أن الموقف السياسي النهائي الحاسم تجاهها ما زال يحتاج إلى بعض الوقت.
أ- رؤيتنا إلى المرحلة الانتقالية
بعد إسقاط نظام الأسد، هناك حاجة ملحة إلى توفير إجماع سياسي، تشارك فيه مختلف القوى، على إدارة المرحلة الانتقالية وشكلها، ليس منعًا لأي فراغ في السلطة وحسب، بل أيضًا لتجنيب سوريا وشعبها عودة أي نوع من الاستبداد. وكان ينبغي لفصائل عملية ردع العدوان عدم الوقوع في خطأ الاستئثار بالسلطة، وتهميش القوى السياسية التي ساهمت على مدى عقود في النضال ضد نظام الاستبداد. إن سياسات الإقصاء والتهميش، في حال اعتمادها نهجًا للحكومة الجديدة، تهدِّد بحصول انقسامات عميقة ليس ضمن قوى الثورة والمعارضة وحسب، بل أيضًا في المجتمع السوري نفسه، ولا سيَّما أن الدولة السورية حاليًا في أمس الحاجة إلى نظام سياسي يلتف حوله الشعب السوري.
من هنا كانت تأتي أهمية إشراك الجميع في مشاورات جدية حول إدارة المرحلة الانتقالية، وإشعارهم بأنهم جزء من المستقبل. ولأن سوريا دولة متعددة التوجهات السياسية، ومتنوعة الجماعات والانتماءات الدينية والإثنية، التي يفترض أن تُؤطَّر في المواطنة السورية، فيجب أن تكون الحكومة الانتقالية تمثيلية لأوسع طيف ممكن من الفضاء السياسي السوري، وأن تشمل الجغرافيا السورية كلها.
- تشكيل هيئة حكم انتقالي
تتوافق روحية القرار 2254 مع المصلحة الوطنية السورية على الرغم من صدوره في فترة النظام السابق، وكان يمكن إجراء بعض التعديلات الملائمة عليه التي تأخذ في الحسبان التطورات بعد الثامن من ديسمبر 2024. إذ يُعدُّ تشكيل هيئة حكم انتقالية بحسب القرار مخرجًا رئيسًا، فمن دونها يصعب فهم عملية صنع القرار في المرحلة الانتقالية أو إضفاء الشرعية القانونية عليها. وكان يمكن أن تتكوّن هذه الهيئة من شخصيات عسكرية ومدنية يجري اختيارها بناءً على معايير واضحة لضمان الكفاءة والقدرة على مواجهة تحديات المرحلة. وتعكس تركيبتها تضافر الجهود بين المقاتلين الذين كان لهم دور رئيس في إسقاط نظام بشار الأسد، ومجموعة من التكنوقراط أصحاب الخبرات المناسبة، والسياسيين من ذوي الشعبية والحضور، ممّن شاركوا في النضال ضد نظام الأسد، على أن يرأس قائد إدارة العمليات العسكرية هذه الهيئة.
وبالطبع كان يمكن وضع المسؤوليات التالية أمام هيئة الحكم الانتقالي هذه: توفير الأمن والاستقرار من خلال وضع أسس لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بطريقة احترافية، وإعادة بناء الجيش الوطني والإشراف على جمع السلاح، بما في ذلك من الفصائل المقاتلة، ودمج عناصرها في إطار الجيش الوطني الجديد، والإشراف على إدارة الشؤون الخارجية، والإشراف على تشكيل حكومة تسيير أعمال تتولى إدارة المهمات اليومية للدولة، بما في ذلك تقديم الخدمات الأساسية، وضبط الأمن، وممارسة صلاحيات تشريعية استثنائية: إعلان دستوري مؤقت، إلغاء القوانين القمعية، بما في ذلك قوانين الطوارئ ومكافحة الإرهاب، وأيّ قوانين استثنائية أخرى، وتشريع قوانين مؤقتة جديدة تتعلق بالمرحلة الانتقالية، مثل قانون الانتخابات المؤقت،
وقانون الأحزاب المؤقت، وقانون إنشاء هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، وسنّ تشريعات أساسية لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والقضائية بما يضمن حياديتها واستقلاليتها. وتتمثل معايير اختيار أعضاء الهيئة الانتقالية بـ: الكفاءة المهنية والخبرة، النزاهة والاستقلالية، الالتزام بمبادئ الثورة السورية في الحرية والكرامة والعدالة، وضمان تمثيل التنوع المجتمعي السوري، والالتزام بمبادئ الديمقراطية.
- المؤتمر الوطني السوري
أما الطريق الآخر فهو عقد مؤتمر وطني سوري عام، يكون أعضاؤه بمنزلة هيئة حكم انتقالية. ففي تاريخنا السوري مؤتمر مهم، قبل أكثر من مئة عام، هو "المؤتمر السوري الكبير الأول" الذي أعلن تأسيس سوريا في 8 آذار/ مارس 1920، بعد أن استمرت أعماله لمدة سنة وثلاثة أشهر. كان ذلك المؤتمر استجابة ملائمة للحظة استثنائية في تغير الواقع، مثلما كان استجابة لتحديات مستقبلية آنذاك. وتعيش سوريا اليوم لحظة مفصلية واستثنائية تتمثل بإنهاء نظام الحكم الشمولي، وبوجود تحديات وأخطار حالية ومستقبلية عديدة، وليس هناك ما هو أفضل من عقد مؤتمر سوري جديد يمكن باسم المؤتمر السوري الكبير الثاني.
كان يمكن لهذا المؤتمر أن يُطمئن السوريين بأنهم ذاهبون باتجاه نظام ديمقراطي تشاركي لا باتجاه نظام استبدادي جديد من لون آخر، وكان يمكن أن يكون إشارة إلى الخارج بأن سوريا ذاهبة في طريق الاستقرار والأمان، وأنها لن تكون مصدرًا للتطرف والتخريب أو ممرًّا لهما. كما كان ممكنًا أن يكون المؤتمر حلًا إبداعيًا سوريًا لإخراج القرار 2254 وفق المصلحة الوطنية السورية، أي هضم متطلبات القرار وإعادة إنتاجها بما يتوافق مع اللحظة الراهنة والتوافق الوطني السوري بما يمنع تحول القرار 2254 إلى وسيلة ضغط على أي سلطة سوريّة.
هذا المؤتمر سيرورة متواصلة وليس مجرد لقاء احتفالي يُعقد ليوم واحد، وبمعنى أوضح كان يمكن للمؤتمر أن يستمر في أعماله طوال المرحلة الانتقالية ليكون بالتالي بمنزلة هيئة الحكم الانتقالي، وأن يكون ذا صلاحيات حقيقية تصدر عنه قرارات واجبة التنفيذ، وكان يمكن أن يحظى بشرعية نسبية مقبولة على المستوى السوري، من خلال طريقة تشكيل الهيئة التحضيرية ومعايير دعوة أعضائه وآليات عمله وصلاحياته ومخرجاته.
أما مهمات المؤتمر فيمكن تحديدها بما يلي: إصدار إعلان دستوري لتغطية الفراغ الدستوري خلال المرحلة الانتقالية، اختيار حكومة تكنوقراط من الكفاءات، تشكيل لجنة لكتابة مسودة الدستور على أن يضع المؤتمر المبادئ والقواعد الرئيسية لكتابة الدستور (طبيعة الدولة، نظام الحكم، مصادر التشريع، مجلس القضاء الأعلى، الهيئة الدستورية العليا)، تشكيل اللجنة الوطنية العليا للانتخابات، تشكيل اللجنة الوطنية العليا للعدالة الانتقالية، تشكيل مجلس عسكري أمني مهمته إعادة بناء الجيش السوري والجهاز الأمني على أسس وطنية، وإصدار قوانين حديثة للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، وتحديد ثوابت السياسة الخارجية ومرتكزاتها الرئيسة في المرحلة المقبلة. وتنتهي أعمال المؤتمر مع عقد أول جلسة للبرلمان السوري الجديد المنتخب.
ب- مؤتمر الحوار الوطني
لكنَّ السلطة الحالية خفَّضت المؤتمر المأمول من "مؤتمر وطني سوري" إلى "مؤتمر حوار وطني" ذي مهمة محددة وبسيطة تتمثَّل بإصدار توصيات وحسب، فلم يكن المؤتمر صاحب قرار، وهذه نقطة سلبية جوهرية. بعد ذلك كان هناك تسرّع واضح في عقد المؤتمر، ما جعله قاصرًا في نواحٍ عدة أهمها: عدم مشاركة شخصيات دُعيت قبل يوم واحد فقط، وعدم مشاركة ممثلين عن جهات سياسية مختلفة. الطريقة التي جرت بها الأمور، أكانت مقصودة أو ناتج عدم المعرفة، لا تعني إلًّا أن السلطة الحالية لم تقتنع بعد بضرورة المشاركة الفاعلة للسوريين من خلال تيارات وقوى سياسية، وأن المؤتمر ليس أكثر من منصة لشرعنة الاستئثار بالسلطة وحسب.
على الرغم من وجود نقاط إيجابية عديدة في البيان الختامي للمؤتمر، مثل التأكيد على مسألة الحريات وحقوق الإنسان والمواطنة المتساوية بصرف النظر عن العرق أو الدين أو الجنس؛ إلَّا أنه كان قاصرًا في نواح عدة، مثل: عدم الإشارة إلى طبيعة الدولة، ولا التلميح إلى بناء نظام ديمقراطي، وعدم الإقرار بأهمية إصدار قانون للأحزاب السياسية، وعدم تحديد سقوف زمنية للمهمات المطروحة في البيان.
على العموم، لا ينفع، في هذه اللحظة السياسية الخطرة، أن نكون ضد "مؤتمر الحوار الوطني"، بل يجب التأكيد على مخرجاته ومتابعة تنفيذها، وإن كانت ناقصة، مع الاستمرار في نقد جوانب القصور الأساسية بوضوح، وإيجاد مخارج أو حلول جديدة لها.
أعلنت الإدارة الجديدة أن المرحلة الانتقالية ستستمر لمدة 5 سنوات، لكن لا يوجد حتى الآن وضوح حول شكل هذه المرحلة وآليات تنفيذها. إنّ رفع قوى السلطة عن قوائم الإرهاب، ورفع العقوبات عن سوريا بصورة كلية، والاعتراف السياسي الرسمي بالعهد الجديد، جميعها مسائل مرتبطة بسلوك الإدارة الجديدة، لذلك فإن إنّ تحوّلها من اللون الواحد إلى اعتماد التشاركية والتعددية والنظام الديمقراطي ودولة القانون سيكون معيارًا رئيسًا لمواقف دول عديدة للتفكير في دعم المرحلة الانتقالية في سوريا. ومن هذا المنطلق، ندعم المرحلة الانتقالية في حال كانت متوافقة مع الآليات الوطنية الديمقراطية، ومع منطق بناء دولة الحق والقانون، وبناء المشروعية الدستورية والشرعية الشعبية والاعتراف الدولي، وسنقيّم خطوات الإدارة الجديدة في ضوء ذلك.
لا شك في أن العدالة الانتقالية مسألة مركزية وحاسمة في الحالة السورية الراهنة، ففي محاسبة من ارتكبوا جرائم الاعتداء والقتل والتدمير والتهجير والاختطاف والاعتقال والتعذيب والاغتصاب والتمثيل بالجثث ... عدالة للمجتمع كله، لا للضحايا وذويهم فقط، على أهمية ذلك. العدالة الانتقالية، هنا، هي الشرط اللازم، وغير الكافي للنسيان الإيجابي، وتخطي آثار الكارثة الإنسانية، والشرط الضروري لشفاء الجسم الاجتماعي من عاهات التعصب والعنف والثأر والانتقام، والمدخل الذي لا بدَّ منه إلى الاندماج الاجتماعي والمواطنة المتساوية.
أ- مفهوم العدالة الانتقالية
للعدالة الانتقالية في الحالة السورية معنى خاص، يضاف إلى معانيها العالمية، وذلك بحكم تعقيد الوضع السوري ومستوى العنف الممارس من النظام والتدمير الذي خلقه في المستويات كافة، سواء قبل الثورة أو بعدها، وبحكم وجود انتهاكات من أطراف أخرى ظهرت كردة فعل على سياسات النظام، لكنها بالطبع أقل عددًا ومستوى بوضوح.
ربما لا نبالغ إن قلنا إن العدالة الانتقالية هي حجر الأساس لبناء نظام تعدّدي ديمقراطي يرسي دولة القانون والمؤسسات، وهي الضامن الرئيس للقطع مع الماضي وتجنيب البلاد أيّ نزعة للانتقام أو التشفّي، فالمسألة تتجاوز مجرّد العدالة لتشمل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن. إنها برنامج للتحول السلمي لمجتمع تعرض للاستبداد الشامل والتخريب الطائفي والعرقي والانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان إلى مجتمع تسوده الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، من خلال عملية إزالة آثار حقبة الاستبداد وإعادة التوازن داخل المجتمع، بوصفها الدافع لتلاحم الجميع من أجل بناء الدولة الجديدة. إذ تؤدي تلك الانتهاكات إلى فقدان التوازن داخل المجتمع، ولا يمكن البدء ببناء مجتمع جديد دون إعادة التوازن إليه عبر التعامل مع الماضي بواسطة آليات العدالة الانتقالية. وهذا التعاطي مع الماضي لا يعني بالتأكيد الانتقام أو الثأر، بل إن هذه الظواهر لا تأتي إلا بسبب عدم معالجة الماضي وغض الطرف عن تحقيق العدالة.
ب- استراتيجيات وآليات تحقيق العدالة الانتقالية
يهدف أي برنامج لتحقيق العدالة الانتقالية عادة إلى وقف الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، التحقيق في الجرائم الماضية، تحديد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان ومعاقبتهم، تعويض الضحايا، منع وقوع انتهاكات مستقبلية، الحفاظ على السلام الدائم، المصالحة الوطنية. ولتحقيق هذه الأهداف يمكن اتباع الاستراتيجيات التالية، مع ملاحظة أن هذه الاستراتيجيات لا تعمل بصورة منفصلة عن بعضها بعضًا، إنما تعمل وفق رؤية تكاملية:
1- المحاكمات: والتحقيق في الجرائم بموجب القانون الدولي الملزم لكافة دول العالم ومحاسبة المسئولين عنها وفرض عقوبات عليهم، ولا يشترط أن يتم ذلك في محاكم دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية مثلًا، ولكن يمكن تطبيقها في محاكم محلية أو وطنية.
2- لجان الحقيقة: وهي هيئات غير قضائية تجري تحقيقات بشأن الانتهاكات التي وقعت في الماضي القريب، وإصدار تقارير بشأن سبل معالجة الانتهاكات والترويج للمصالحة، وتعويض الضحايا، وتقديم مقترحات لمنع تكرر الانتهاكات مستقبلًا.
3- تعويض الضحايا وجبر الأضرار: ويشمل ذلك التعويض المادي والمعنوي المباشر عن الأضرار، ورد الاعتبار للضحايا، واستعادة ما فقد، إن أمكن.
4- الإصلاح المؤسسي: ويعتبر أحد الآليات التي تحتاجها البلدان الخارجة للتو من قمع الديكتاتوريات خاصة، وذلك عبر إصلاح المؤسسات التي لعبت دورًا في الانتهاكات (المؤسسات العسكرية والشرطية والقضائية)، فضلًا عن التعديلات التشريعية والدستورية.
5- إقامة النُصُب التذكارية وإحياء الذاكرة الوطنية الجماعية: كآلية لإحياء ذكرى الضحايا والتأكيد المستمر على عدم الوقوع في الأخطاء ذاتها مرة أخرى، ورفع مستوي الوعي الأخلاقي بشأن جرائم الماضي.
ج- تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا
يختلف تطبيق العدالة الانتقالية من مجتمع لآخر تبعًا للظروف الخاصة، لكن فكرة العدالة الانتقالية تقوم على أساس تحقيق العدالة مهما كانت المصاعب والمبررات.
يمكن التأكيد على النقاط التالية في سياق تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا بالاستفادة من التجارب العربية والعالمية:
1- أهمية السياقات الوطنية في تحديد مسارات العدالة الانتقالية، أي أهمية الاعتماد على الطاقات المحلية قدر الإمكان.
2- الترابط القوي بين العدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي وأهمية توافر الإرادة السياسية؛ والتأكيد على أهمية النظر إلى العدالة الانتقالية ليس كآلية لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وحسب بل وكآلية للتغيير نحو الديمقراطية.
3- حيوية دور الفاعلين السياسيين في الانتقال الديمقراطي.
4- مرتكزات العدالة الانتقالية المتمثلة بالكشف عن الحقيقة وجبر الضرر والمساءلة والمصالحة الوطنية وحفظ الذاكرة وعدم تكرار ما جرى.
5- أهمية دور الضحايا في إنجاح تجربة العدالة الانتقالية.
6- حيوية الدور الذي يمكن أن تلعبه الجمعيات المدنية في صيرورة العدالة الانتقالية.
7- أهمية الحوار بين النخب والفئات السياسية في المجتمع كخطوة نحو الانخراط في صيرورة العدالة الانتقالية. الدخول في حِـوار مع المجتمع، وخاصة من كانوا ضحية للنظام الاستبدادي السابق والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وضحايا الفساد، للتوصل إلى تحديد دقيق للمطالب والأولويات مع شرْح حقيقة استِـحالة تطبيق جميع آليات العدالة الانتقالية في الوقت نفسه وبشكل سريع.
8- إن تحقيق العدالة الانتقالية يمثِّـل عملية تدريجية تستغرِق سنوات. والمُـهمّ في تطبيق آليات العدالة الانتقالية، تحديد الآلية التي يراها المجتمع أولوية قصوى ثم التي تليها في الأهمية، بشرط أن يظلّ الباب مفتوحًا أمام استكمال جميع الآليات اللازمة لتحقيق العدالة الانتقالية وضمان زوال أسباب انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي.
9- أهمية الإصلاح السريع لبنية وتركيبة ونظم الجهاز القضائي، ولفئات وصلاحيات الأجهزة الأمنية والرقابة المدنية المفروضة على تلك الأجهزة خلال الفترة الانتقالية.
10- تشكيل لجنة المصالحة الوطنية التي يمكن أن يكون لها دور فاعل في تفكيك النظام القديم وإعادة الوئام والسلم ضمن المجتمع.
د- العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في سوريا
تشمل المصالحة الوطنية الإجراءات والعمليات الضرورية لإعادة بناء الهوية الوطنية على أسس شرعية وقانونية وديمقراطية. ويمكن القول إن المصالحة الوطنية هي أحد أهداف العدالة الانتقالية، وتكتسي هذه العملية أهمية شديدة في بلد متعدد الإثنيات والطوائف مثل سوريا، ولا سيما أن النظام الاستبدادي السابق قد عزز التحاجزات بين فئات المجتمع السوري. كما تكتسي أيضًا أهمية خاصة في سوريا بحكم التراكم الكبير للانتهاكات بحق السوريين، أي انتهاكات نظام الأسد الأب ومن ثم نظام الأسد الابن، وصولًا إلى الانتهاكات الخطيرة منذ بداية الثورة السورية في مارس 2011 وحتى نهاية المرحلة الانتقالية، ولا شك أن الدور الرئيس في بناء المصالحة الوطنية يقع على عاتق الدولة الجديدة وأجهزتها بترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، فضلًا عن دور الإعلام والمؤسسات الثقافية، ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمثقفين وغيرهم.
حدثت، بدءًا من 7 آذار/ مارس 2025، تطورات أمنية خطرة في الساحل السوري، وعمليات قتل واعتداءات متكرِّرة على عناصر الأمن العام، وتلاها جرائم وانتهاكات ممنهجة ارتُكبت في حقّ المدنيين العزّل من أبناء وبنات الساحل على أساس طائفي (ضد العلويين تحديدًا)، على أيدي جهات وفصائل تتبع إلى وزارة الدفاع، أي إلى السلطة الراهنة مباشرة، خلال عمليات مواجهة فلول النظام البائد، ورافق ذلك كله تجييش غير عاقل وانتشار خطاب طائفي مقيت ومقزِّز وخطر.
لقد اكتسبت السلطة الحالية، بعد الثامن من ديسمبر الماضي، ثقة قطاع واسع من السوريين، إضافة إلى ثقة عديدٍ من الدول، لمساهمتها في إسقاط نظام الأسد من جهة، ولخطاب الرئيس الانتقالي المطمئِن نسبيًا من جهة ثانية. لكنها خسرت جزءًا من رأسمالها الاجتماعي، وسمعتها الدولية، بعد هذه الجرائم المرتكبة.
كان هذا الحدث المؤلم يتطلَّب من السلطة الحالية سحب الفصائل المتورطة في الانتهاكات والجرائم من الساحل السوري، واستبدالها بوحدات من الأمن العام مدربة على حماية المدنيين، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ونزيهة، مؤلفة من قضاة مدنيين وعسكريين وضباط رفيعي المستوى، تكون مهمتها الكشف عن جميع الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلال العمليات العسكرية في الساحل، بما في ذلك عمليات القتل خارج نطاق القانون والتعذيب والممارسات الحاطّة من الكرامة الإنسانية، وإحالة جميع المتورطين على القضاء ومحاكمتهم، والإعلان عن يوم حداد وطني، وتكريم شهداء الأمن العام، والاعتراف بسقوط ضحايا مدنيين، وإنصاف عائلاتهم وتعويضهم بصورة عادلة، وإصدار مرسوم رئاسي بتجريم التحريض الطائفي وخطاب الكراهية، وإحالة أصحابه على القضاء ومحاكمتهم، وتشكيل لجنة وطنية عليا للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، مؤلفة من شخصيات وطنية مستقلة، قانونية وحقوقية وثقافية، لمحاسبة الذين ارتكبوا جرائم في حق الشعب السوري منذ بداية الثورة الشعبية 2011 وحتى تاريخه، ومعالجة الاحتقان المجتمعي، وبناء الثقة بين الفئات السورية، وتحقيق مصالحة وطنية.
لا بدَّ من التأكيد على إدانة جميع الممارسات المهينة وأفعال القتل؛ فكل روح سورية بريئة تُزهق يجب أن تقلقنا وتقضَّ مضاجعنا وتعكِّر مزاجنا بصرف النظر عن انتمائها ودينها ومنبتها ومنطقتها، وعن القاتل أو المتسبِّب كائنًا من كان. إن المبدأ الأول والمؤسس للدولة هو الإنسان/ المواطن، وما لم تُصن حياته لن تقوم لهذه الدولة قائمة مهما أنجزت في صعد أخرى. هذا المبدأ هو الركيزة الأساس من أجل تحقيق قطيعة حقيقية ونهائية مع عهود القتل والإجرام واستباحة الأرواح.
ونشير هنا أيضًا إلى ضرورة إدانة خطاب الكراهية والتجييش الطائفي، والانتقال إلى خطاب إنساني وطني ديمقراطي، فجميعنا يعلم مدى خطورة المرحلة الانتقالية واللحظة خطرة، بما تحمله من تحديات داخلية وخارجية، ونحن -السوريين- جميعًا مسؤولون عن تجاوزها، على الرغم من الدور الرئيس للسلطة الراهنة بصورة خاصة. ولعلَّ أهم ما يقع على عاتقنا اليوم هو:
أولًا، الخروج من فضاء الخطاب المغلق الذي يرتكز على الأكثريات والأقليات والطوائف والقوميات إلى فضاء الخطاب الإنساني الوطني المفتوح، وثانيًا: التخلِّي عن آليات التفكير القائمة على التصنيف والتنميط، وثالثًا: تجاوز الشعارات الاستبدادية والاستبعادية الهدامة وغير الوطنية القائمة على الغلبة والقوة (على شاكلة "من يحرر يقرر" و"الدستور يكتبه المنتصرون")، وأخيرًا الكفّ عن ممارسة التحريض وبث الشائعات والعدائية.
كان متوقعًا أن تواجه الإدارة الجديدة، بعد سقوط النظام، تحديات كبيرة على المستوى العسكري والأمني؛ ولا سيَّما من حيث التعامل مع الفصائل والجماعات المسلحة المنظَّمة، بما فيها قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، و"جيش سوريا الحرة" الذي يدعمه الأميركيون في منطقة التنف، وفصائل الجنوب التي يقودها أحمد العودة، وفصائل "الجيش الوطني" التي تدعمها تركيا في الشمال. وترتبط بذلك مواجهة تحدٍ آخر يتمثل بعملية توحيد البلاد، واستعادة الدولة سيادتها على أراضيها كاملة. ويبرز أيضًا تحدي ضبط التهديدات التي تمثلها الفصائل الجهادية والتعامل معها، بما فيها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش". علاوة على ذلك، تحتاج السلطات الجديدة إلى تحييد أي تهديدات يمكن أن تمثلها قوى النظام السابق وفلوله، ومنع تنظيمها، ولا سيما أن جميع القيادات الأمنية والعسكرية ما زالت طليقة. ويُضاف إلى ذلك العمل على سحب السلاح الذي ينتشر على نطاق واسع في المجتمع السوري نتيجة سنوات الصراع الطويلة، وحصر حيازته في أجهزة الدولة الرسمية.
على مستوى الأجهزة الأمنية، سيترتب على الإدارة الجديدة بناء أجهزة أمنية على أسس مغايره، جوهرها الصالح العام، واحترام حقوق الانسان، وحماية المجتمع، وصيانة الحقوق الفردية، وحق الملكية، وتحقيق العدالة. أما على المستوى العسكري والجيش السوري، فكان من المهم استدعاء الجيش إلى قواعده للخدمة وتغيير قيادته، وعدم تكرار خطأ حلِّ الجيش الذي اقترفه معمر القذافي في ليبيا وسلطات الاحتلال في العراق، لكن الإدارة الجديدة ذهبت في اتجاه آخر، عن طريق "إدماج" عدد من الفصائل ذات اللون الواحد في الجيش الجديد، وظهر خلال حوادث الساحل السوري أن هذا الخيار لم ينجح أو إنه ما زال في حاجة إلى بعض الوقت لتحقيق حالة اندماج فعلية، فضلًا عن بقاء عدد من الفصائل خارج الجيش مثل قوات "قسد" وفصائل محافظة السويداء.
إنَّ بناء الدولة يقتضي تغليب الحل السياسي على الحلول العسكرية والأمنية، وفي هذا مكسب للسلطة ذاتها ولجميع السوريين، فمن غير الممكن أن تُحلَّ مشكلة وجود جماعات مسلحة خارج نطاق الدولة، ومشكلة السلم الأهلي، حلًّا عسكريًا. ولذلك ينبغي للإدارة السورية الجديدة تأليف حكومة وطنية يشارك فيها جميع أطياف الشعب السوري، وكان عليها إصدار إعلان دستوري أكثر تقدمًا وإنصافًا من خلال التأكيد على أنَّ وحدة سوريا أرضًا وشعبًا، على أساس الوطنية الديمقراطية، مسألة مقدسة، ولا يجوز التهاون بها، وأنَّ نظام الحكم ديمقراطي لا مركزي، لكن ليس على أساس طائفي أو إثني، والتعهد بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ديمقراطية في موعد أقصاه أربع سنوات، وضمان مشاركة القوى السياسية السورية عبر إصدار قانون عصري وديمقراطي يضمن حرية العمل السياسي وتشكيل الأحزاب السياسية، وأن يكون الجيش السوري المستقبلي جيشًا وطنيًا سوريًا لا يتدخل في العملية السياسية، وأن يُفتح باب الانتساب إليه أمام جميع السوريين استنادًا إلى معايير وطنية، ودعوة الضباط المنشقين للمشاركة في بناء الجيش.
إن تثبيت هذه النقاط في الإعلان الدستوري، أو في قوانين مكمِّلة لاحقة يمكن أن تصدر عن المجلس التشريعي المصغَّر، من شأنه أن يُساعد في تثبيت الأمن واندماج فصائل عسكرية مختلفة في الجيش السوري الجديد، وسيكون واضحًا عندها أنَّ كلَّ من لا يسلِّم سلاحه خارجٌ على القانون وتجب محاسبته، وأنَّ كلَّ من يعتدي على أي مواطن سوري مدانٌ وتجب ملاحقته ومحاكمته، وأنَّ كلَّ من يثبت أنَّ لديه تواصلًا خارجيًا مع أي دولة خارجية، أو تنسيقًا معها أو يتلقى دعمًا منها، مدانٌ بالعمل ضد المصلحة الوطنية وتجب إحالته على القضاء لمحاكمته تحت بند العمل ضد المصلحة الوطنية السورية كائنًا من كان.
في هذا السياق، لا بدَّ لنا من الترحيب بالاتفاق السياسي الذي حصل بين "الإدارة الجديدة" و"قوات سوريا الديمقراطية" في 10 آذار/ مارس 2025، فهذا الاتفاق خطوة في الاتجاه الصحيح، على الرغم من هشاشته ووجود عقبات كثيرة أمام تطبيقه، لكن الحوار المستمر والصبور كفيل بتذليل الصعوبات. ونشجِّع في الوقت نفسه حدوث تفاهمات سياسية وطنية تتعلق بالجنوب السوري وفصائله (درعا والسويداء والقنيطرة)، والاتفاق أيضًا على تشكيل مجلس عسكري وطني/ جيش وطني سوري، وإخراج جميع المقاتلين الأجانب، وحلِّ الفصائل غير المنضبطة.
تحديات اقتصادية
تواجه سوريا تحديات اقتصادية هائلة تفرض على أي نظام جديد في دمشق استنفار جميع الطاقات لمواجهتها. إذ يعيش 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر الأدنى بحسب منظمات دولية، في حين تصل نسبة الدمار في المساكن والممتلكات العامة إلى نحو 27 في المئة. وللأزمة الاقتصادية في سوريا أوجه متعددة، تبدأ بالافتقار إلى أبسط مقومات الحياة اليومية وصولًا إلى توفير التمويل اللازم لإعادة الاعمار الذي تقدره جهات دولية عديدة بمئات مليارات الدولارات. ولأن كسب ثقة الناس يُعدُّ أساسيًا لنجاح المراحل الانتقالية، فسوف يبرز أمام الحكومة الجديدة تحدي إحداث تغيير واضح في حياة الناس، يستطيعون تلمسه سريعًا؛ وهذا لا يتم إلا من خلال حلحلة الأزمات المعيشية المرتبطة بحياتهم اليومية، بما يشمل توفير المواد الغذائية، والسلع الأساسية، والوقود، والمواصلات، والاتصالات، والكهرباء، والمياه، وغيرها. ويحتاج الأمر إلى إعادة تفعيل عمل مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة، من وزارت ودوائر خدمات، وتشجيع الناس على العودة إلى حياتهم الطبيعية في أسرع وقت ممكن واستعادة النشاط الاقتصادي العام والخاص في أنحاء البلاد، وتشجيع الشركات ورؤوس الأموال الوطنية التي غادرت سوريا على العودة التدريجية، وتقديم التسهيلات للمبادرين السوريين للعودة والعمل في وطنهم. وسوف تحتاج البلاد إلى استثمارات خارجية مباشرة كبيرة للتعامل مع هذه التحديات؛ وهو ما يتطلب استقرارًا أمنيًا، وسياسيًا.
يرى حزب الجمهورية أن التوجهات الاقتصادية للحكومة المؤقتة، مثل رفع الدعم عن الخبز وتوحيد التعرفة الجمركية وزيادة الرواتب، تفتقر إلى رؤية شاملة تأخذ في الحسبان الحاجات الملحة للمواطنين والمواطنات. إنّ رفع الدعم عن السلع الأساسية من دون تقديم شبكات أمان اجتماعي فعّالة يعمّق الأزمات المعيشية، ولا سيَّما للفئات الأكثر تضررًا، بينما تؤدي زيادة الرواتب، في ظل تضخم غير مضبوط، إلى تآكل قيمتها الفعلية. وفي الوقت نفسه، فإن سياسات مثل توحيد التعرفة الجمركية، على الرغم من أهميتها لتحفيز الاقتصاد المحلي، قد تواجه عقبات كبيرة في ظل غياب البنية التحتية والخدمات الأساسية اللازمة للإنتاج. كما أنّ الوعود الاقتصادية مثل تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح تظل أقرب إلى الخطاب السياسي منها إلى الواقع العملي.
- التوجّه الاقتصادي
وضعنا انهيار السلطة الأسدية أمام جملة من التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وبحكم ترابط التحديات المذكورة، وبحكم أن المستوى السياسي يحدد الاقتصادي ويتحدد به. وكلاهما معًا يحدِّدان المستوى الاجتماعي ويتأثران به، فإن بنية الاقتصاد السوري وأشكاله ومساراته المستقبلية تشكِّل مدخلًا رئيسًا لفهم الوضع السوري واحتمالاته.
ويبدو أننا سنكون أمام تحول عميق في الاقتصاد السوري، عنوانه الرئيس تحرير الاقتصاد وفتح السوق السورية على الأسواق الإقليمية والدولية، ما سيؤدي إلى تراجع دور الدولة الاقتصادي التنموي، وإلى خصخصة القطاعات العامة التي أشرفت على إدارتها السلطة البائدة، وهو ما يضع الاقتصاد السوري والمجتمع أمام أخطار كبيرة في حال لم تُعتمد سياسات معينة لحماية الاقتصاد الوطني من المنافسة غير المتكافئة.
يشكل تحرير الاقتصاد السوري مدخلًا لدمج الاقتصاد الوطني في الاقتصاد العالمي، لكنه سيواجه تحديات داخلية عديدة: البيئة الاقتصادية المشوهة، عدم امتلاك القطاعات الإنتاجية قدرةً تنافسية، انخفاض مستوى النمو الكلي والجزئي، تدني مستوى تطور قوى الإنتاج، تخلف علاقات الإنتاج، عدم توفر شرط سياسي ملائم، تردي مستوى البنى التحتية الإدارية والتشريعية، إضافة إلى البنى الخدمية التحتية التي من المفترض أن يتم العمل على تطويرها قبل فتح المجال للاستثمارات الخارجية، ومستوى الاستقرار والسلم الأهلي كونهما يشكلان المناخ الملائم لجذب الاستثمارات.
لكن لا بدَّ من ملاحظة أن تمكين الاقتصاد الحر وارتفاع معدلات الإنتاج ومستوى النمو الاقتصادي لا يقود بالضرورة إلى الديمقراطية السياسية أو إلى ترسيخ الوعي الديمقراطي والممارسة الديمقراطية، وهناك تجارب كثيرة تشير إلى ذلك مثل روسيا، مصر، العراق... إلخ.
ورثت السلطة الحالية اقتصادًا متهالكًا، وبنى تحتية إدارية بيروقراطية، وفسادًا إداريًا، ومؤسسات فاشلة ينخرها الفساد والمحسوبيات ويسيطر على مفاصلها النهب والمحاصصة، إضافة إلى ارتفاع مستوي البطالة الحقيقي والمقنع، وارتفاع نسبة اقتصاد الظل إلى ما يقارب الـ 45% من الاقتصاد السوري الكلي. مع ذلك كان هذا الاقتصاد يسمى "اقتصاد دولة" و"اقتصاد سوق اجتماعي حر"، بمعنى أن الدولة هي من أسسته وأشرفت عليه وأمسكت بمفاصله. لكنه في حقيقة الأمر كان اقتصادًا مافيويًا تقوده عصابات نهبٍ ومحاصصة سيطرت على مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية والمجتمع مستعينة بأجهزة أمنية متغولة لنهب السوريين وثرواتهم الوطنية. فكان النهب والإفقار والإفساد والقمع بأشكاله وأساليبه المتعددة والمتنوعة العنوان العريض للمرحلة البائدة.
نحن اليوم على عتبة مرحلة جديدة، ومن المهم الإضاءة على الشكل الاقتصادي المستقبلي، المرتبط بالضرورة بنموذج سياسي يتوافق مع الأوضاع السورية الراهنة وهدف الانتقال إلى مستقبل أفضل للسوريين.
تشكل إدارة الموارد المتاحة، وآليات وأشكال استثمارها وتوظيفها وتوزيعها، إحدى أهم محددات شكل الاقتصاد وهويته، وبقدر ارتفاع نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي يكون مستوى العدالة الاجتماعية أفضل، ويتجلى ذلك في سياق التوزيع العادل للثروة.
ولذلك، فإن دور الدولة الاقتصادي التنموي يشكّل أحد أهم روافع النهوض الاقتصادي، ويرتبط ذلك بتحسين أوضاع المواطن، وإتاحة فرص العمل، وخفض معدل البطالة، والإشراف على القطاعات الأساسية والثروات الوطنية وإدارتها بطريقة تحمي المواطن وتؤمن له الأمن الغذائي والتعليم والصحة، ما يضفي على الاقتصاد طابعًا اجتماعيًا رعائيًا. وعليه فإن تحرير الاقتصاد السوري في اللحظة الراهنة يستوجب المحافظة على دور الدولة الإشرافي في إدارة الموارد بشكل يضمن تأمين الحاجات الأساسية للمواطن واستقرار أوضاع القطاعات الإنتاجية الأساسية الإستراتيجية. وإذا كان تحرير الاقتصاد أحد الخيارات المطروحة لدمج الاقتصاد المحلي (الخاص) بالاقتصاد الدولي (العام)، فهذا يستوجب المحافظة على العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة الوطنية والدخل الإجمالي من جانب، والمحافظة على دور الدولة بكونها المؤسسة الضامنة لاستقرار الاقتصاد وضمان تطوره المستدام من خلال إدارة الثروات الوطنية التي هي من حق جميع السوريين وفق أشكال تخدم مصالحهم العادلة، والمحافظة أيضًا على دورها في تطوير القطاعات الإنتاجية الرئيسة ذات السمة الوطنية.
إن الاقتصاد الليبرالي الحر، وبشكل خاص النموذج النيولبرالي الأشد وحشية، ينزع بطبيعته إلى إنهاء أو القضاء على أي دور اقتصادي للدولة، وكذلك هو الأمر بالنسبة إلى القطاعات الإنتاجية ذات السمة العامة. ويتقاطع ذلك مع اشتغاله على تقليص تكاليف الإنتاج لضمان أعلى معدل من الربح حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات البطالة، وزيادة مستوى الفقر والحرمان والعوز والجوع، ومن ثمَّ امتهان كرامة الإنسان. ولضمان استقرار التوظيف المالي والاستثماري لتحقيق أعلى معدل من الربح، فإنه ينزع إلى تقليص دور منظمات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب السياسية. ويتجلى ذلك بشكل واضح في الحالات التي تستثمر فيها الشركات العملاقة والعابرة للجنسية في الدول الطرفية، ما يعني أن الحريات السياسية والمدنية لا يرتبط وجودها عضويًا بالاقتصاد الحر، ولا سيّما في الدول المشابهة لسوريا.
إن ميل رأس المال إلى التوسع في سياق توسيع استثماراته وصولًا إلى فرض هيمنته المطلقة، لا ينفك عن اشتغاله على تحجيم وضبط دور منظمات المجتمع المدني ومنها النقابات، وتمكين سلطة سياسية قادرة على فرض شروطه السياسية والاقتصادية بما يخدم ميوله الاحتكارية التوسعية. وهذا يعني ضرورة التمسك بمؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية كونها المدافع الأساس عن الشرائح العمالية والضامن للحد من تغول رأس المال على الاقتصاد والسياسة، والأداة الضرورية لمراقبة أداء مؤسسات الدولة وتصويبها ومواجهة تغول رأس المال. لذلك لا بدَّ من التشديد على أن إطلاق الحريات العامة المدنية والسياسية يشكل الضمان لتحقيق العدالة الاجتماعية.
يتزامن اعتماد سياسية الخصخصة وبيع القطاع العام (الدولة)، في سياق تحرير الاقتصاد، مع تقليص دور الدولة الاجتماعي في تمكين الاستقرار والعدالة المجتمعية، ويرتفع حجم التحديات بتقييد نشاط الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. لقد عانى السوريين إبان السلطة البائدة من التوجهات المذكورة إضافة لإفساد ونهب القطاع العام والثروات الوطنية واعتبار التجارة قاطرة النهوض الاقتصادي ورافعته، وإفقار السوريين اعتمادًا على سياسيات ضريبية جائرة. وهذا يستدعي التأكيد على خطورة تقليص دور الدولة الاجتماعي في سياق التحرير الاقتصادي. ويتضح ذلك بشكله الأولي في اعتماد السلطة الحالية على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وفق آليات تتنافى مع حقوق السوريين القانونية، ودون دراسة انعكاس قراراتها على أوضاعهم الاجتماعية والمعاشية، ودون اعتماد معايير قانونية واضحة. ويدلل ذلك على أن آلية اشتغال السلطة الحالية تمهد الطريق لحرية الاستثمار واستقطاب الرساميل الخارجية وفق أشكال وآليات تضمن مصالح أصحاب الاستثمارات.
بناءً على ذلك نؤكد على أهمية تحديد شكل الاقتصاد السوري وهويته، وضبط آليات السياسات المالية والنقدية بما يضمن حماية الاقتصاد الوطني والثروات الوطنية ومصالح السوريين.
إن تحرير الاقتصاد قبل وضع ضوابط تحمي الاقتصاد الوطني يهدِّد الاستقرار والتوازن المجتمعي والقطاعات الإنتاجية، ما يعني ضرورة التأكيد على أهمية المحافظة على دور الدولة الاجتماعي وسيطرتها على الثروات الوطنية الإستراتيجية، وتمكين دورها الإيجابي في القطاعات الإستراتيجية. وضمان التوزيع العادل للناتج القومي الإجمالي بشكل يضمن حقوق السوريين في ثرواتهم الوطنية ويكفل استقرار الوضع المعاشي وتأمين الأمن الغذائي ضمن المستويات المتوافق عليها أمميًا. وهذا يفترض التأكيد على ضرورة إنجاز القضايا التالية:
- توحيد الجغرافية السورية تحت إشراف دولة وطنية ديمقراطية تمثل السوريين.
- إنشاء بنية تحتية خدمية وإدارية ومالية تحفز الاستثمارات الوطنية والدولية.
- توفير القطع الأجنبي في المصرف المركزي بما يضمن استقرار قيمة الليرة السورية، من خلال توفير مزيد من الدعم والمساعدات الدولية والإقليمية واستعادة الأموال السورية التي هُرِّبت للخارج.
- وضع سلم أجور متحرك يتناسب مع حركة الأسعار.
- السعي لرفع العقوبات الأميركية والأوروبية عن الشعب السوري في أسرع وقت ممكن، وعدم ابتزاز السوريين بها.
- تحديد شكل الاقتصاد وضبط آليات السياسات المالية والنقدية بما يضمن حماية الاقتصاد الوطني.
- هيكلة القطاع العام الأساسي بإدارات جديدة تضمن نجاحه لتأدية دوره الوطني كونه ملكًا للسوريين كافة.
- إشراك أصحاب الخبرة والكفاءة الوطنيين في إعادة هيكلة الاقتصاد.
- تشكيل لجان متخصصة لدراسة نظام ضريبي يضمن التنافسية ويحقق العدالة الاجتماعية ويكون محفزًا للإنتاج الوطني، ويحمي المستهلك.
- تشكيل لجان متخصصة لدراسة الضريبة الجمركية على البضائع المستوردة بما يضمن حماية الإنتاج الوطني وقدرته التنافسية واستقرار الاقتصاد الوطني السوري.
- دراسة الاستثمارات الوطنية والأجنبية المقدمة للجهات المتخصصة ووضعها في سياق يخدم الخطط المعدة للتنمية الشاملة والمستدامة.
- وضع آليات إعادة هيكلة مؤسسات الدولة في سياق تطبيق العدالة الاجتماعية (تأمين فرص عمل بديلة، إعطاء راتب بطالة لكل مواطن حتى تتاح له فرصة عمل تناسب كفاءته العملية).
- وضع شروط على الاستثمارات الخارجية تضمن التنمية والاستقرار وتمنع من تحويل سوريا مكانًا للمضاربة. وذلك من خلال ضبط آليات دخول وخروج الرساميل، وتحديد نسبة المشاركة مع القطاعات الإنتاجية وتحديدًا التي تديرها الدولة وبشكل الخاص الثروات الوطنية، وضمان تشغيل العمال السوريين والطاقات والكوادر البشرية المتخصصة.
- هناك جرائم اقتصادية كبيرة ارتُكبت خلال عهد النظام البائد، ومنها: نهب المال العام، التربح غير المشروع من أجهزة الدولة، عمليات الخصخصة الفاسدة، الاحتكار الاقتصادي المرتبط بالقوة العسكرية أو الأمنية. ولا بدَّ من تشكيل لجان تحقيق متخصِّصة، وتجميد الأموال المنهوبة ومصادرتها، وإعادة توزيع الموارد بما يتناسب مع العدالة الاجتماعية.
- الاستعداد لمرحلة ما قبل رفع العقوبات عن سوريا
في ضوء المتغيرات الدولية، وحرصًا على تهيئة البنية القانونية والمؤسساتية لاستيعاب مرحلة ما بعد العقوبات، يتوجّب على الحكومة السورية القيام بسلسلة من الإصلاحات العميقة والهيكلية في مختلف القطاعات، على رأسها القضاء، الشفافية، الاقتصاد، البنية القانونية، والتصنيف الائتماني، بما يعزز مناخ الثقة ويعيد دمج سوريا في النظام المالي والاقتصادي العالمي.
إن عملية رفع العقوبات هي نتيجة يجب أن يسبقها سلسلة من الإجراءات الضرورية التي تضمن أمن النظام المصرفي والمالي وسلامة التدفقات النقدية التي سترد إلى الدولة وحسن إدارة الموارد بما يقطع الطريق على محاولات سوء الاستخدام أو إساءة الأمانة أو أي تهديدات أمنية لتمويل الجرائم.
أولًا: الإصلاح القضائي والقانوني
تعزيز استقلال القضاء
- تحصين السلطة القضائية دستوريًا ضد تدخل أي سلطة أخرى.
- تأسيس مجلس قضائي أعلى مستقل يدير شؤون القضاة ويضمن النزاهة.
- تسريع إجراءات التقاضي عبر تحديث قوانين أصول المحاكمات.
التطوير التشريعي
- تعديل وتحديث القوانين التجارية، وقوانين الاستثمار لتكون أكثر جذبًا للأعمال الأجنبية.
- سنّ تشريعات فعّالة لمكافحة غسل الأموال، تمويل الإرهاب، الفساد الإداري، والرشوة، بالتوافق مع المعايير الدولية (FATF، UNCAC).
التقنيات العدلية
- تطبيق نظام العدالة الإلكترونية (E-Justice) لتسهيل النفاذ إلى العدالة وزيادة الشفافية.
تأهيل الكوادر القانونية والقضائية
- تدريب القضاة، المحامين، وموظفي العدالة على مفاهيم الجرائم المالية، وحقوق الإنسان، والمعايير الدولية في النزاهة القضائية.
ثانيًا: تحسين موقع سوريا على مؤشر الشفافية الدولية
استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد
- إعداد خطة وطنية تتضمن أهدافًا محددة، وجدولًا زمنيًا، ومؤشرات قابلة للقياس.
حماية كاشفي الفساد
- إصدار قانون شامل لحماية المبلّغين، يضمن أمنهم الشخصي والوظيفي.
الشفافية في العقود والمالية العامة
- نشر بيانات العقود الكبرى، الموازنة العامة، وأداء الوزارات على منصات إلكترونية.
التعاون الدولي
- الانضمام إلى مبادرات دولية مثل مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI).
- تعزيز التعاون مع الأمم المتحدة ومنظمة الشفافية الدولية.
ثالثًا: إجراءات في طريق رفع التصنيف الائتماني لسوريا
ضبط الاستقرار المالي والنقدي:
- تحسين سعر الصرف، ومحاربة التضخم.
- تعزيز استقلالية المصرف المركزي وشفافيته.
موازنة مالية واقعية:
- تقليص العجز، وزيادة الإيرادات غير الريعية.
- الحد من الطباعة النقدية غير المغطاة.
إدارة الدين العام بفعالية:
- إعادة جدولة الديون، وتقديم خطط واضحة للسداد.
- تحسين علاقة الدولة مع المؤسسات المالية الدولية.
تهيئة بيئة استثمارية مستقرة:
- تقديم ضمانات قانونية للاستثمارات.
- تفعيل القضاء التجاري، وتسهيل إجراءات تسجيل الشركات وحماية الحقوق.
- هيكلة المصارف
- إعادة هيكلة المصارف السورية ودمجها
- تغيير مجالس إدارات المصارف وإداراتها التنفيذية و "سورنتها" بحيث تكون الإدارات العليا 100 % من السوريين حصريًا ذو السمعة الحسنة والغير مرتبطين بشبكات عصابات النظام المخلوع.
التواصل مع وكالات التصنيف الائتماني:
- تقديم بيانات مدققة بشفافية، وفتح حوار مهني مع وكالات مثل Moody’s وS&P وFitch لتحسين تقييم البيئة الاقتصادية السورية.
رابعًا: تعزيز الرقابة الديمقراطية والمساءلة
تعزيز دور مجلس الشعب والمجالس المحلية في الرقابة:
- تفعيل الدور الرقابي لمجلس الشعب على الحكومة والمؤسسات العامة من خلال جلسات استجواب ومساءلة علنية.
- دعم استقلالية المجالس المحلية المنتخبة، وتوسيع صلاحياتها في الرقابة على أداء الخدمات العامة والمالية المحلية.
وجوب مصادقة مجلس الشعب على الاتفاقيات الكبرى:
اشتراط تصديق مجلس الشعب على أي اتفاقيات دولية تتضمن:
- الحصول على قروض أو تمويلات من مؤسسات دولية.
- بيع أو تخصيص أو تأجير مؤسسات القطاع العام أو أصول الدولة الاستراتيجية.
- تعزيز مبدأ الشفافية البرلمانية ونشر نصوص الاتفاقيات ومداولاتها.
خامسًا: الاستعداد المؤسَّسي لرفع العقوبات
- تأهيل موظفين بشهادات معتمدة في مكافحة الجرائم المالية بما فيها غسيل الأموال، تمويل الإرهاب، والفساد الإداري، التهرب الضريبي.
- تطوير البنية التحتية التكنولوجية في القطاعين العام والمالي، لتلبية متطلبات الامتثال الدولية.
- التواصل مع الشركات العالمية للحصول على عدة خيارات لأفضل الأنظمة الرقمية وتقييمها، وتحليل العروض، واختيار الأنسب منها، وتدريب الكوادر عليها.
- إعادة الإعمار
إن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية أو مالية، بل هي أيضًا إعادة تأسيس لهوية المجتمع الجمعية، ولمفهوم المواطنة والعدالة، لذا يجب أن تكون هذه العملية شفافة، عادلة، ديمقراطية وتخضع لرقابة مجتمعية تضمن عدم استثمارها سياسيًا لمصلحة قوى الأمر الواقع أو القوى الساعية لإعادة إنتاج سلطتها عبر أدوات الإعمار، على حساب العدالة والإنصاف للمجتمعات المنكوبة.
إن إعادة الإعمار في سوريا مسألة مركزية لتسهيل عودة السوريين النازحين داخليًا والمهجرين خارجيًا، لكنّ تحديات إعادة الإعمار هائلة جدًا، فهي لا تتعلق فقط بالتمويل الذي تحتاج إليه سوريا، فالبنى القانونية بشكلها الراهن تقف عائقًا أمام إعادة الإعمار. إنّ شكل نظام الحكم وبناء مؤسسات الدولة والأنظمة والقانونية تلعب أدوارًا حاسمة في تسريع عملية إعادة الإعمار أو في إعاقتها. فمن دون نظام قضائي حياديٍ، مستقلٍ، عادلٍ وسريع الإجراءات، ومن دون نظام مصرفي شفاف، نزيه وفعال، ومن دون نظامٍ ماليٍ متوافق مع الأنظمة العالمية، ومن دون نظامٍ ضريبيٍ وجمركيٍ يسمح بتدفق رؤوس الأموال والشركات والخبرات، لن تتمكن سوريا من إنجاز هذه المهمة الكبيرة.
في هذا السياق، هناك ضرورة لجعل حاجات الضحايا معيارًا أساسيًا في سياسة إعادة الإعمار، وعدم السماح للمستثمرين ورجال الأعمال السوريين المتورطين بجرائم النظام السابق بالمشاركة قبل مرورهم على آليات المساءلة والمحاسبة، وضمان عدم احتكار إعادة الإعمار من جانب جهات مرتبطة بالإدارة الجديدة، وضمان أن تكون مشاريع إعادة الإعمار مستدامة وتخدم جميع السوريين، والاستفادة من الخبرات السورية في الخارج لدعم عملية الإعمار.
- عودة اللاجئين والنازحين
يرتبط ملف اللاجئين والنازحين بملفي العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار، ويجب أن يكون ذا أولوية في المرحلة الانتقالية وعلى طاولة الحكومة المقبلة. يرى حزب الجمهورية أن تحقيق العودة الطوعية يتطلب خلق بيئة مستقرة وآمنة، ووضع آليات حوكمة ورقابة فعالة لضمان عدم استغلال الملف سياسيًا وللحفاظ عليه ضمن الأطر الوطنية، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية لضمان عدم تكرار الانتهاكات ومنع إعادة إنتاج الاستبداد، ضمان عودة اللاجئين ضمن بيئة آمنة قائمة على نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان والمواطنة، وإيلاء ملف حقوق السكن والأرض والملكية الأولوية لما له من أهمية في عودة النازحين والمهجرين.
بناء العلاقات مع المحيطين الإقليمي والدولي
تحولت سوريا خلال سنوات الصراع إلى ساحة تنافس مفتوح بين القوى الإقليمية والدولية، التي سعت لتعزيز نفوذها وتحقيق مصالحها الاستراتيجية في البلاد. وقد أقامت هذه القوى شبكات معقدة من النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي داخل سوريا؛ ما يجعل أي حكومة جديدة تواجه تحديًا كبيرًا يتمثل بتفكيك هذه الشبكات، واستعادة سيادة الدولة من خلال بناء مؤسسات مستقرة. وتمثل مسألة التعامل مع القواعد العسكرية الأجنبية في سوريا تحديًا إضافيًا مهمًا، لضمان ألا تصبح هذه القواعد مصدرًا للتدخل في القرارات السيادية، وينبغي أن يكون الموقف واضحًا في هذه النقطة بالوقوف ضد استمرار أي وجود أجنبي عسكري على الأرض السورية.
وعلى الرغم من المواقف الإيجابية التي أبدتها الدول العربية إزاء التغيير في سوريا، تواجه الحكومة الجديدة تحديات كبيرة تثير قلق هذه الدول. ويتمثل أبرز هذه التحديات في المخاوف الأمنية المرتبطة بانتشار الجماعات المسلحة، وتدفق اللاجئين، وتهريب الأسلحة والمخدرات. إضافةً إلى ذلك، فإن الخلفية السلفية الجهادية للحكومة تثير مخاوف لدى العديد من هذه الدول التي تخشى من أن تنعكس التجربة السورية على أوضاعها الداخلية. ومع ذلك، تجد الحكومة نفسها في وضع أفضل نسبيًا؛ نتيجة ارتياح بعض الدول الخليجية لفك ارتباط سوريا بالمحور الإيراني. وتبرز على الجانب الآخر مخاوف سوريّة من التدخل المباشر لبعض الدول في دعم العصيان المسلح، مستغلةً تعدد الفصائل المسلحة. إن من أهم ضمانات منع حصول ذلك، هو توحيد الفصائل المسلحة في جهاز عسكري واحد، سواء أكان قوات أمن وطني أم الجيش نفسه.
- الاعتراف الدولي ورفع العقوبات
تواجه السلطات السورية الجديدة تحديات جسيمة في محاولتها رفع العقوبات الدولية؛ إذ تصطدم بمعضلة تصنيف أبرز فصائل إدارة العمليات العسكرية، ممثلة بهيئة تحرير الشام، منظمات إرهابية ضمن لوائح الأمم المتحدة، ومن ثم يعرقل هذا التصنيف الاعتراف بالحكومة الراهنة بوصفها شريكًا سياسيًا في المجتمع الدولي، ويقوّض قدرتها على تحقيق تعاون اقتصادي ودبلوماسي.
قد يفرض تصنيف هيئة تحرير الشام، ضمن قوائم الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، قيودًا صارمة على أي تعاون دولي مباشر أو غير مباشر مع المناطق التي تخضع لنفوذ الهيئة؛ ما يعقد وصول المساعدات الإنسانية والتنموية إلى تلك المناطق. ويتطلب حل هذه المعضلة من الحكومة السورية الجديدة اتخاذ خطوات متعددة تشمل: تقديم ضمانات دولية بعدم التعامل مع الجماعات المصنفة إرهابية، وتطبيق سياسات فعالة لمحاربة التطرف العنيف واحتكار الدولة للسلاح، فضلًا عن تعزيز الشفافية في إدارة المساعدات الدولية والانفتاح على أفراد وقوى سياسية مدنية معارضة، يكون لها دور في إدارة الحكومة لإعادة بناء الثقة الدولية ورفع العقوبات الاقتصادية تدريجيًا.
- التحدي الإسرائيلي
نفذت القوات الجوية الإسرائيلية ما وصفته بأنه "أكبر عملية جوية في تاريخها"، استهدفت من خلالها تدمير البنية التحتية للجيش السوري، بمشاركة السفن الحربية الإسرائيلية. وتُركّز إسرائيل في عملياتها العسكرية، سواء المباشرة أو عبر الضربات الجوية، على تدمير منشآت الدفاع الجوي، ومخازن الأسلحة، وقواعد الصواريخ، من أجل تحويل سوريا إلى دولة منزوعة السلاح، وحرمان الجيش السوري المستقبلي من القدرة على إعادة التنظيم بوصفه قوةً مركزيةً، واستعادة أراضيه المحتلة أو ردع إسرائيل عن الاعتداء عليها. ومن ثم، تصبح أي حكومة سورية مقبلة مكبلة بشروط جيوسياسية وأمنية، تجعلها غير قادرة على الاضطلاع بدور فاعل في مواجهة التحديات الإقليمية؛ ما يساهم في إعادة رسم معادلات القوة الإقليمية لصالح إسرائيل وحلفائها. وتهدف إسرائيل من هذا العدوان إلى جر السلطات الجديدة في دمشق إلى التفاوض معها، وتبيين نياتها بشأنها، بحيث تكون دولة الاحتلال في موقع الإملاء على سوريا، وتهمش قضية الجولان المحتل بعد أن احتلت أراضي إضافية.
تعلم إسرائيل جيدًا طبيعة الوضع في سوريا وطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر فيها بعد سقوط الأسد، فسوريا اليوم بلد مهشَّم عسكريًا ومدمَّر اقتصاديًا، وليس هناك بالنسبة إليها ما هو أفضل من هذه المرحلة لتفرض قواعد اشتباك جديدة، ولا سيَّما بعد إنجازاتها العسكرية خلال عام 2024 بتهديم غزة في فلسطين، وتقزيم حزب الله في لبنان، وحصر النفوذ الإيراني في المنطقة. تريد إسرائيل سلامًا من دون إعادة الجولان إلى سوريا، وتطمح من العمل العسكري الذي تقوم به أن يصبح أعظم أحلامنا هو العودة إلى اتفاقية فصل القوات في عام 1974.
من جانب آخر، لا تطمئن إسرائيل لطبيعة السلطة القائمة في دمشق بحكم أيديولوجيتها المعادية لإسرائيل، كما لا يغيب عنها أيضًا التراث السوري عمومًا الرافض لإسرائيل، ولذلك يدخل عملها في سياق العمل الاستباقي لأي مخاطر يمكن أن تأتيها من جهة الحدود السورية. إضافة إلى ذلك، فإنها تطمح أن تؤدي تدخلاتها العسكرية إلى خلخلة النسيج السوري بما قد يؤدي إلى حالة مستمرة من عدم الاستقرار في سوريا أو إلى تقسيمها بما يلغي أي خطر سوري عليها مستقبلًا، ويسمح لها بالدخول في تحالفات سياسية وعسكرية مع قوى سورية متبلورة أو قابلة للتبلور.
ولا نستطيع أيضًا استبعاد الأهداف الإسرائيلية الأخرى الكامنة خلف عملها العسكري، والمتمثلة بقطع الطريق على عودة إيران إلى سوريا أو تمكن تركيا من تقوية نفوذها في سوريا بطريقة قد تشكل خطرًا في مراحل لاحقة.
كيف نواجه إسرائيل في اللحظة الراهنة؟ إن المرتكزات الرئيسة في المواجهة تنطلق من الاقتناع أولًا بأهمية الداخل السوري في المواجهة، وثانيًا من الإيمان بضرورة الحل السياسي في الداخل. كيف السبيل إلى ذلك؟
1. لا تحتاج السلطة الراهنة إلى خطاب تسويغ ولا إلى خطاب شعبوي انتحاري، أي لا تحتاج إلى من يسوِّغ عدم مواجهتها لإسرائيل عسكريًا في اللحظة الراهنة، ولا تحتاج إلى خطاب يركز على ضرورة مواجهة إسرائيل وعدم السكوت على اعتداءاتها.
2. لا مخرج من دون أن تعبِّر السلطة الراهنة بوضوح عن رغبتها في إنجاز حلٍّ سياسي وبرنامج سياسي انتقالي واضح المعالم، من خلال مؤتمر وطني سوري حقيقي يهدف من دون لبس إلى بناء دولة وطنية ديمقراطية، دولة حق وقانون ومؤسَّسات، على أساس المواطنة المتساوية. من دون ذلك ستجد إسرائيل ألف مدخل لتنفيذ مشروعها. هذا يعني أن متانة الجبهة الداخلية هو أساس كل مواجهة خارجية.
3. تحتاج السلطة الراهنة إلى التماسك والشرعية، وهذان غير قابلين للتحقق من دون السوريين، من دون إشراك السوريين وتحمّلهم المسؤولية إلى جانبها. ويحتاج السوريون إلى الثقة بالسلطة الراهنة، وهذه غير ممكنة التحقّق على نطاق عام ووطني من دون أن يشعروا بأنهم مشاركون في القرارات المصيرية التي تتعلق بواقعهم ومستقبلهم.
4. أما ذهاب السلطة في طريق الاعتماد على العلاقات الخارجية، ونسج علاقات أو تفاهمات دولية وإقليمية وحسب، فهو غير مضمون، ولا يُتوقع له النجاح في هذه اللحظة العاصفة، ولن يجلب للسوريين الثقة بدولتهم، وستكون السلطة الراهنة مضطرة إلى تقديم تنازلات متنوعة أمام إسرائيل، وغيرها، في سبيل ضمان استمراريتها وحسب.
5. الحل السياسي الداخلي له جملة من الركائز: إعلان دستوري وطني، بناء نظام وطني ديمقراطي لامركزي، حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية، ضمان الحريات بجميع أشكالها، بناء جيش وطني وأجهزة أمنية على أسس وطنية، برنامج واضح للعدالة الانتقالية يتعامل مع الانتهاكات الحاصلة خلال 14 عامًا، قضاء عادل ومستقل ونزيه يتعامل مع الانتهاكات الحاصلة خلال الأشهر الفائتة. وهنا تصبح مسألة حصر السلاح بيد الدولة مسألة طبيعية ومتوقعة، وكل جهة ترفض هذا الاتجاه تصبح خارجة على القانون وينبغي للجميع مواجهتها.
6. مع هذا الحل ستكون السلطة الراهنة أقوى، وشرعيتها أعلى، وثقة السوريين بها أكبر، وستكون سوريا دولة أكثر استقرارًا وأكثر قبولًا في العالم، ما يزيد من احتمالات وقوف كثير من الدول إلى جانبها لمنع إسرائيل من الاستمرار في عدوانها على أقل تقدير.
الإعلان الدستوري
صدر الإعلان الدستوري، وكانت هناك ملاحظات كثيرة عليه من كثير من السياسيين والقانونيين، فضلًا عن قطاعات واسعة من الشعب السوري. لكن، كانت هناك ملاحظات جوهرية تتعلَّق بالدلالات السياسية التي يمكن استشفافها من طريقة الوصول إليه والمفاهيم القابعة في خلفيته واستجابته للحظة السياسية التي تمرُّ بها سوريا، وتتمثَّل بـ: غياب المجتمع السياسي، والفلسفة السياسية، والواقع السياسي.
1- الدستور مسألة سياسية أولًا: إن كتابة الإعلان الدستوري أو الدستور ليست مسألة قانونية بحت، بل مسألة سياسية بالدرجة الأولى. فالأولوية في كتابة الدستور هي للمجتمع السياسي السوري (القوى والتيارات السياسية)، أي لا بدَّ من إنتاج توافق سياسي سوري أولًا على عدد من المسائل الجوهرية التي تتعلق بالدولة والسلطة والشعب والمواطنة (وهذه كلها قضايا سياسية)، ومن ثم تُحال التوافقات على لجنة دستورية قانونية لتحوِّل الاتفاق السياسي وتترجمه إلى مواد قانونية. إن حصر الإعلان الدستوري (أو الدستور) بالقانونيين يؤدي إلى ضياع البوصلة الرئيسة التي تنظر إلى الدستور بوصفه عملًا سياسيًا من طراز رفيع بالدرجة الأولى.
2- غياب الفلسفة السياسية: يفتقد الإعلان الدستوري إلى التماسك المنهجي أو إلى فلسفة سياسية واضحة ومتماسكة. فقد جمع الإعلان الدستوري بين عدد من المفاهيم التي لا تشكل كلًّا واحدًا ومتماسكًا، مثل: الحديث عن التزام الشرعة الدولية لحقوق الإنسان من جهة، وعدم الحديث عن النظام الديمقراطي من جهة ثانية، مع أن تعبيري الديمقراطية والنظام الديمقراطي يتكرران عشرات المرات في شرعة حقوق الإنسان. وهذا يعني أنه كُتب في ظل عدم وجود فلسفة سياسية واضحة المعالم، ما جعله حافلًا بكثير من التناقضات. فأي دستور (أو إعلان دستوري) يمثل رؤية في الحياة وبناء الدولة والسياسة، لكن هذا الإعلان الصادر عبارة عن تجميع لمفاهيم متعارضة بصورة انتقائية من جهة، ووضعها بطريقة تخدم تمركز السلطة وإنتاج استبداد من نوع آخر من جهة ثانية.
هناك، على سبيل المثال، عدم وضوح في المفاهيم المستخدمة أو هناك خلط في ما بينها، مثل الخلط بين مفاهيم الدولة والسلطة والحكومة والنظام السياسي، فهذه مفاهيم مختلفة عن بعضها بعضًا، وإن وضوح الفوارق والمساحات الفاصلة والتداخلات في ما بينها ضروري لبناء نظام ديمقراطي مؤسَّساتي، فهذا الخلط، جهلًا أو قصدًا، يؤدي عمليًا إلى إعادة إنتاج الاستبداد، ولا سيَّما عندما اختُزلت جميعها في الإعلان بتعبير السلطة التنفيذية. وهناك أيضًا غياب للتحديد الدقيق لبعض هذه المفاهيم والترابط بينها، فالدستور يُبنى اعتمادًا على وضوح ثلاثية الدولة السورية
3- غياب الواقع السياسي: يغيب عن الإعلان الدستوري الواقع السياسي السوري، فهذا الإعلان يأتي بعد ثورة وحرب وتمزق وكراهية واقتصاد مدمر وتدخلات خارجية هائلة وغيرها، وكان الأولى به أن يلحظ ذلك كله من خلال الابتعاد عن إعادة إنتاج المركزية ومنطق تثبيت الغلبة، ومن خلال تثبيت ما يمكن أن يجمع السوريين كلهم (القواسم المشتركة). إن الاعتقاد اليوم بأن حكم سوريا ممكنٌ من دون "نظام لا مركزي" هو اعتقاد واهم، ومثله وهم الاعتقاد بأن منطق الغلبة يمكن أن يؤدي بسوريا إلى برّ الأمان.
- الدستور الجديد
يُعدُّ صوغ دستور جديد لسوريا من أولى الخطوات الأساسية في بناء الدولة بعد المرحلة الانتقالية؛ فهو يمثّل العقد الاجتماعي الذي ينظِّم العلاقة بين الدولة ومواطنيها، ويهدف إلى إرساء قيم الديمقراطية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية، بما يضمن مشاركة جميع فئات الشعب السوري في بناء مستقبلهم على أسس متينة وشاملة:
عمل اللجنة الدستورية: تُكلَّف اللجنة الدستورية بصوغ دستور جديد يعكس تطلّعات الشعب السوري، ويجري تشكيلها بناءً على معايير واضحة تضمن استقلالها وكفاءتها، وتحدد مهماتها بصياغة دستور جديد يسعى إلى:
- تحديد شكل الدولة ومؤسساتها، عبر مواد تحدد شكل الدولة بوصفها دولة وطنية ديمقراطية تضمن حقوق جميع المواطنين، ووضع نصوص واضحة تنظِّم عمل السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)؛ لضمان الفصل بينها وتجنّب الاستبداد.
- ترسيخ قيم الديمقراطية، عبر نظام سياسي يضمن إمكانية تداول السلطة سلميًا ودوريًا، وإرساء مبدأ سيادة القانون بحيث يكون الجميع متساوين أمامه من دون أيّ استثناءات.
- تعزيز التعددية السياسية، من خلال نصوص قانونية تضمن حرية تأسيس الأحزاب والجمعيات السياسية.
- إدراج مواد تضمن حقوق الإنسان وتنص على الحقوق المدنية والسياسية (مثل حرية الرأي والتعبير، وحرية التجمع السلمي، وحرية الصحافة)، وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (بما يشمل الحق في التعليم والصحة والسكن).
- حماية حقوق مختلف فئات المجتمع السوري، وذلك بتحقيق المساواة الكاملة على أساس المواطنة وضمان عدم التمييز أو إقصاء المنتمين إلى جماعات محددة عن المشاركة السياسية، وحماية الحقوق الثقافية الجماعية، واعتماد النظام اللامركزي.
- تمكين الفئات المهمشة، بما يشمل تعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة من خلال تخصيص نسبة معيّنة للتمثيل النسائي في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وإدراج نصوص تدعم حقوق الشباب وتشجع مشاركتهم في صنع القرار، وتمكين ذوي الإعاقة وضمان حقهم في التعليم والعمل والمشاركة السياسية.
آليات عمل اللجنة الدستورية: لضمان نجاح اللجنة الدستورية في تحقيق مهماتها، تُعتمد آليات عمل محددة تشمل:
- التشكيل المتوازن: تضمّ اللجنة خبراء قانونيين وسياسيين من مختلف فئات المجتمع السوري، مع تمثيلٍ عادل للمرأة والشباب والأقليات لضمان شمولية المخرجات.
- إجراءات شفافة ومشاركة شعبية: عقد جلسات علنية لإعلام المواطنين بمسار كتابة الدستور وضمان مشاركتهم في المناقشات، واستقبال المقترحات من المواطنين والمجتمع المدني، بما يضمن أن يعكس الدستور تطلعات الشعب.
- الاستفادة من الخبرات والتجارب الدولية: دراسة تجارب الدول الأخرى في صياغة دساتيرها بعد النزاعات للاستفادة من أفضل الممارسات.
يُعرض الدستور الجديد على استفتاء شعبي عام لضمان شرعيته، وفقًا لآليات تضمن الشفافية والصدقية، بوجود إشراف مستقل من جانب لجنة وطنية مستقلة للإشراف على تنظيم الاستفتاء، مع ضمان وجود مراقبين محليين ودوليين لمتابعة سير عملية الاستفتاء، وتقديم تقارير عن نزاهتها، وضمان الشمولية من خلال تمكين اللاجئين والنازحين داخليًا من المشاركة في الاستفتاء عبر آليات ميسّرة، وتوفير التوعية الكافية حول محتوى الدستور الجديد بما يضمن نجاح عملية التصويت، والإعلان عن نتائج الاستفتاء بطريقة شفافة ومباشرة عبر مختلف وسائل الإعلام.
قانون الانتخابات
يرى الحزب أن أي عملية انتخابية يجب أن تستند إلى إطار قانوني واضح يضمن نزاهة الانتخابات، وإجراءات رقابة مستقلة لمنع أي تجاوزات قد تؤثر على شفافية الانتخابات، ومعايير تمثيل متوازنة لضمان عدم إقصاء أي فئة سورية لكن من دون الانزلاق في المحاصصة الطائفية والإثنية، وتشكيل هيئة مستقلة ومحايدة لتنظيم العملية الانتخابية بعيدًا عن التدخل السياسي لأي سلطة قائمة.
العملية الانتخابية
تُعدّ الانتخابات الحرة والنزيهة المحطة النهائية في المرحلة الانتقالية، حيث تمثّل تتويجًا للجهود المبذولة في إعادة بناء المؤسسات وضمان مشاركة الشعب السوري في تقرير مصيره. وتُعتبر أساسًا لإضفاء الشرعية على النظام السياسي الجديد، وتحديد القيادة التي ستتولى إدارة شؤون الدولة خلال مرحلة الاستقرار.
- التنظيم الدقيق للانتخابات: تتطلب الانتخابات الناجحة تنظيمًا دقيقًا لضمان شفافيتها ونزاهتها، وتشمل الإجراءات التالية:
- إعداد الإطار القانوني والتنظيمي: صياغة قانون انتخابات جديد يضمن التعددية السياسية، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة للإشراف على الانتخابات تتمتع بالاستقلالية والحياد، وتنظيم حملات توعية للناخبين حول أهمية الانتخابات وآلياتها لضمان مشاركة فعّالة.
- تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة: إجراء انتخابات برلمانية لتشكيل مجلس تشريعي يمثّل إرادة الشعب ويُشرف على سنّ القوانين ورقابة الحكومة، وانتخابات رئاسية لاختيار رئيس للدولة وفقًا للدستور الجديد، والالتزام بجدول زمني محدد لإجراء الانتخابات في إطار المرحلة الانتقالية.
- ضمان مشاركة كافة المواطنين في الداخل والخارج: توفير آليات تصويت للنازحين داخليًا واللاجئين في الخارج بالتنسيق مع الدول المضيفة، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، مثل التصويت الإلكتروني، في المناطق الآمنة لتسهيل المشاركة.
- الإشراف الدولي والمحلي: تجري دعوة منظمات دولية متخصصة مثل الأمم المتحدة؛ للإشراف على الانتخابات لضمان نزاهتها، وإشراك منظمات المجتمع المدني المحلي في متابعة العملية الانتخابية وتقديم تقارير عن سيرها.
- ضمان أمن العملية الانتخابية: يجري تأمين مراكز الاقتراع لضمان عدم التدخل أو الترهيب، ومراقبة العملية الانتخابية لمنع أيّ محاولات للتزوير أو التأثير في الناخبين.
- ضمان الشمولية في الانتخابات لضمان تمثيلٍ عادل وشامل لجميع فئات الشعب السوري، يجب اتخاذ تدابير خاصة تشمل:
- تمكين المرأة والشباب: تخصيص نسبة معينة من المقاعد تضمن حدًّا أدنى لتمثيل النساء، ووضع برامج خاصة لتشجيع الشباب على الترشح والمشاركة في العملية السياسية.
- مشاركة مختلف فئات الشعب السوري: ضمان تمثيل عادل للفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية والمحافظات، لكن من دون أن يصبَّ ذلك في خانة المحاصصات الطائفية، وضمان التنوع في قوائم مرشحي جميع الأحزاب، وتوفير بيئة سياسية تضمن حرية التعبير والمشاركة لكل الفئات من دون تمييز.
- إعادة دمج النازحين واللاجئين: تسهيل عودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية لضمان مشاركتهم في الانتخابات، وتوفير وثائق تعريفية للمواطنين الذين فقدوا أوراقهم الرسمية خلال النزاع؛ لضمان حقّهم في التصويت.
- الإجراءات اللوجستية والفنية للانتخابات: يتطلب تنظيم الانتخابات، على المستوى اللوجستي والفني، ما يلي:
- إعداد قوائم الناخبين، أي إنشاء قاعدة بيانات وطنية محدثة تضم جميع المواطنين المؤهّلين للتصويت.
- تنظيم الحملات الانتخابية: ضمان تساوي الفرص لجميع المرشحين في الوصول إلى الناخبين من خلال وسائل الإعلام والفعاليات العامة، ومنع استخدام المال السياسي أو الموارد العامة في الحملات الانتخابية.
- مراقبة الانتخابات: يجب نشر مراقبين دوليين ومحليين في جميع مراكز الاقتراع لمتابعة سير العملية الانتخابية، وإنشاء خط ساخن لتلقّي الشكاوى والانتهاكات التي ربما تحدث أثناء الانتخابات.
- إعلان النتائج: تعلن الهيئة الوطنية للانتخابات عن النتائج بطريقة شفّافة ومباشرة، ويجري توفير آليات للطعن في النتائج أمام قضاء مستقل؛ لضمان معالجة أيّ اعتراضات بصورة عادلة.
الحراك السياسي بعد الثامن من ديسمبر
بدأ في سوريا حراك سياسي واسع منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2025، بعد سقوط نظام الأسد، لكن هذا الحراك تتخلَّله عيوب عديدة؛ قسم كبير منها قديم متجدِّد، ولا سيَّما لجهة اتّصافه بثلاثية الفوضى والتسرّع والتكرار.
1- تحالفات هشة: طوال أربعة عشر عامًا، بُنيت تحالفات سياسية سورية عديدة، وعُقدت مؤتمرات كثيرة، لكن جميعها طُبخ بصورة سطحية، فكانت أقرب إلى الفقاعات الإعلامية، وبُني بعض هذه التحالفات أو المؤتمرات وفق إرادات إقليمية ودولية، فكانت تحالفاتٍ هشّة أو اعتباطية أو تابعة، سريعة التشكُّل والانحلال، وتفتقد إلى الحدِّ الأدنى من شروط بناء التحالفات وأسسها، وبعيدة جدًا عن الأداء السياسي العاقل والرزين والصبور والمثابر (وضوح الرؤية، البرنامج السياسي المتدرج والمتماسك، الخطاب السياسي العقلاني، الآليات المحدَّدة، الكوادر والأدوات الفاعلة، الخطة الواضحة والمتدرِّجة). يُلاحظ اليوم أن هذا المشهد يتكرر على الرغم من حدوث تغيير جوهري في الواقع السوري يتمثل بإسقاط نظام الأسد.
لم تستطع تلك المؤتمرات والتحالفات والهياكل السياسية السائدة، قديمًا وحديثًا، إلا ما ندر، أن تنتج حالة سياسية متماسكة تجيب عن المشكلات الحقيقية التي تخصُّ السوريين، وما زال دورها مقصورًا على رفع شعارات عامة بلا رؤية تفصيلية ولا خطة ولا برنامج عمل. كانت هذه التحالفات أقرب إلى "اللمَّات" التي تجمع قوى سياسية تسعى لأن تكون موجودة في كل تحالف سياسي، ما أفقد فكرة التحالف السياسي معناها وجديتها.
ليس من الحكمة إنتاج فقاعات جديدة في ظلِّ واقع سوري أقرب ما يكون إلى أرضٍ رمليةٍ قادرة اليوم على ابتلاع القوى والتحالفات والمبادرات وسواها، إضافة إلى أنَّنا في حاجة إلى بناء قواعد وتقاليد راسخة للعبة السياسية، والاتفاق على مبادئ عامة في الممارسة السياسية، أي تحديد المقدسات والمحرمات في العمل السياسي السوري، قبل الشروع في بناء الجبهات والتحالفات والائتلافات.
2- حراك سياسي متسرِّع: على الرغم من إيجابية هذا الحراك السياسي وضرورته إلَّا أنه كان متسرعًا لجهة السير في الإعلان عن تحالفات وجبهات سياسية، والإفصاح بسرعة عن تشكيلات معارضة للسلطة الجديدة في سوريا. فهذه السلطة ما زالت غير مستقرة ولمّا تتضح معالمها بعد، ومن ثم من الطبيعي أن تكون المعارضة المتشكلة غير مستقرة هي الأخرى أيضًا؛ أي ما زال الوقت باكرًا لإعادة إنتاج مفهوم المعارضة في الواقع السوري الجديد على أسس مغايرة.
من المهم نقد السلطة القائمة ومتابعة قراراتها وخطابها وأدائها في هذه المرحلة الانتقالية المحفوفة بالقلق والمخاطر والفرص بعين ترى الإيجابيات والسلبيات في آنٍ معًا إلى أن تتبلور وتتضح معالمها وتوجهاتها بما يسمح بتكوين معارضة متماسكة على المستويين السياسي والتنظيمي. لكن الأهم هو بناء القوى والتشكيلات السياسية الجديدة بدلالة الوطنية السورية والمصالح الوطنية وحاجات الشعب السوري أولًا لا بدلالة أي سلطة قائمة.
3- اصطفافات سياسية جديدة: مع سقوط نظام الأسد، ستتلاشى تدريجًا قوى سياسية معينة، أكانت موالية أم معارضة للنظام السابق، لأسباب مختلفة، بعضها سياسي وبعضها الآخر أيديولوجي، وسنكون أمام اصطفافات سياسية جديدة، وربما تلتقي أقسام من معارضي النظام السابق مع أقسام من مواليه، وستنمو في الحصيلة قوى جديدة. قد يكون هذا مؤلمًا ومحرجًا لكنه من طبيعة سير الأمور عبر التاريخ، وينبغي لنا أن نحتمل آلامه ومخاضاته لأن "الكتلة الانتخابية السورية"، أي كتلة السوريين القابلة للانخراط في السياسة، أوسع كثيرًا من "الكتلة الثورية السورية" إن جاز التعبير. لكن هذه الاصطفافات الجديدة لن تعيش ما لم تذهب كثير من قواها السياسية في طريق مراجعة الذات ونقدها وبناء تصورات جديدة وعقد مؤتمراتها بهدف انتخاب قيادات جديدة بدلًا من قياداتها المترهلة، ولا سيَّما تلك التي اتخذت مواقف بائسة من الثورة السورية، ووقفت إلى جانب الاستبداد.
4- طريقة التفاعل مع مبادرة السلطة لعقد "مؤتمر حوار وطني": هناك ثغرات عديدة في دعوة السلطة لعقد "مؤتمر حوار وطني" بدلًا من "مؤتمر وطني سوري"، ولا شك في أن أهمها هو كون الأول مؤتمرًا حواريًا من دون صلاحية اتّخاذ القرار على عكس الثاني الذي يشير إلى مشاركة سورية حقيقية في رسم مستقبل سوريا، فضلًا عن القصور في طريقة تشكيل اللجنة التحضيرية، وترك مسألة اختيار المشاركين في المؤتمر للهيئة التحضيرية تحت إشراف السلطة القائمة، ما يعني تحكم السلطة في المؤتمر من البداية إلى النهاية، وهذه كلها عيوب تفرغ المؤتمر من مضمونه وأهدافه. لكن هذا لا يسوِّغ دعوة بعض القوى السياسية إلى عقد مؤتمر وطني موازٍ أو بديل من دون مشاركة السلطة القائمة، فهذه دعوة معدومة القيمة؛ لأن أي مؤتمر لا تشارك فيه السلطة القائمة لن يكون مؤتمرًا وطنيًا سوريًا، وستكون قراراته ومخرجاته معدومة الفاعلية.
5- بناء الحقل السياسي السوري: بعد نجاح الثورة السورية في تحقيق أوَّلِ أهدافها المتمثل بإسقاط نظام الأسد البائد، تبرز أهمية شديدة لبلورة حقلٍ سياسيٍّ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ سوريٍّ؛ حقلٍ ذي مبادئ سياسية راسخة، ويلتزم مدونةَ سلوكٍ سياسية تُحدِّد تخوم حركة جميع قواه وتياراته وتضبط أداءها استنادًا إلى جملة من المعايير والضوابط الضرورية والجوهرية. يحتاج الحقل السياسي السوري، إلى مجموعة من المحدِّدات والضوابط التي تنظِّم العمل السياسي وتراقب أداء العاملين في الحقل السياسي، وتكتسي هذه الضوابط والمعايير في اللحظة الراهنة صبغة أخلاقية بالضرورة بحكم المرحلة الانتقالية التي يمر فيها بلدنا، لكنَّ هذا لا يقلِّل من أهميتها؛ من أجل بناء تحالفات سياسية حقيقية ومتماسكة مستقبلًا، ومن أجل تحويل معانيها الأخلاقية إلى قوانين واضحة مع كلِّ خطوةٍ نسيرها باتجاه سوريا الجديدة، ولا سيَّما ما يتعلق باستصدار قانون عصري ينظِّم عمل الأحزاب السياسية.
- نحو قانون أحزاب عصري وديمقراطي
عرفت سوريا حياة سياسية نشيطة قبل انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي في مارس/آذار 1963، حيث كانت التيارات السياسية كافة حاضرة في سوريا من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، واستطاعت حتى في ظل الانقلابات العسكرية المتكررة أن تحافظ على دورها نوعًا ما، واستمر البرلمان السوري رمزًا لنشاط هذه الأحزاب، حتى جاء البعث، ومن ثم سيطرة حافظ الأسد على الحكم، بعد تنفيذه انقلابًا عسكريًا في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1970، حيث تم القضاء على الأحزاب السياسية، وتحول بعضها إلى العمل السري، لكن القمع الشديد لم يسمح لها بالانتشار أو البقاء بشكل حقيقي وملموس.
يفتقد المشهد السوري اليوم إلى عنصر رئيس هو الأحزاب السياسية التي يشكل غيابها تهديدًا لشكل سوريا المستقبلي، بل قد يعرقل عملية التحول الديمقراطي المنشودة من السوريين، بعد سقوط نظام بشار الأسد، ويُضعف جهود البناء ويمنع الرقابة على المرحلة الانتقالية والقرارات السياسية الحكومية، فضلًا عن أن غياب الأحزاب سيخلق فراغًا سياسيًا يمكن أن تملأه الفوضى والصراعات، بما يسمح باستشراء الخطاب الشعبوي المدعوم بقوة من قوى دينية وطائفية وعشائرية.
إن غياب الأحزاب عن المشهد العام يعني غياب الديمقراطية نفسها، فأحد أهم وجوه الديمقراطية هو صراع البرامج السياسية تحت قبة البرلمان، وفي وسائل الإعلام المختلفة في محاولة لاستقطاب أصوات الناخبين، وبعد أن يعطي الناخبون الحق لحزب أو لتحالف أحزاب لشغل مواقع اتخاذ القرارات تبقى الأحزاب المعارضة موجودة وتمثل نوعًا من الرقابة المجتمعية على أصحاب القرار. كذلك، فإن تداول السلطة، الذي هو الوجه الآخر للديمقراطية، يتيح أن يبقى الصراع على السلطة سلميًا وتحت قبة البرلمان وفي وسائل الإعلام.
لكن غياب الأحزاب السياسية عن المشهد اليوم لا يعود إلى قمع النظام السابق وحسب، بل إلى أسباب أخرى أيضًا تتعلق بطبيعة الأحزاب المعارضة ذاتها، تلك التي كانت موجودة سابقًا، سواء أكان من حيث بناها الفكرية والتنظيمية أو أدواتها في العمل السياسي أو رؤيتها إلى الممارسة السياسية. كذلك، أخفقت معظم المحاولات لبناء قوى سياسية جديدة خلال مرحلة الثورة لأسباب متنوعة، ذاتية وموضوعية، ما جعل المشهد خاليًا من أحزاب سياسية ذات وزن، وتمتلك القدرة على الفعل والتأثير.
على العموم، يبقى العامل الموضوعي الأهم الذي يمنع نشوء أو نمو أحزاب سياسية قوية هو غياب الإطار القانوني الذي ينظِّم عملية التأسيس، ويسمح للأحزاب بمزاولة عملها ونشاطها في مناخ ديمقراطي، فهذا الإطار سيشجِّع السوريين على التخلِّي عن الخوف من السياسة، ومن التبعات المترتبة على الانخراط في العمل السياسي.
يتمثل هذا الإطار القانوني بتشكيل هيئة مستقلة تسمى الهيئة العليا للأحزاب، يشكلها مجلس القضاء الأعلى أو مجلس الشعب، وتكون بميزانية مستقلة وغير ملحقة بأي جهة، وتكون مهمتها تقديم مشروع قانون للأحزاب السياسية ينظِّم الحياة السياسية في البلد، يُصادق عليه من مجلس الشعب، وتكون الهيئة مسؤولة عن منح التراخيص والإشهار للأحزاب السياسية ومتابعة نشاطها وفق مرجعية قانونية قضائية فقط.
يجب أن يكون قانون الأحزاب السياسية عادلًا وعصريًا وديمقراطيًا، وأن يكون واضحًا من حيث منع أي حزب سياسي من إقامة تشكيلات عسكرية، أو شبه عسكرية، علنية، أو سرية، أو استخدام العنف بأشكاله كافة، أو التهديد به، أو التحريض عليه، وأن يتضمن حلولًا قانونية لعدد من المشكلات التي ترتبط بتشكيل الأحزاب، مثل:
- مسألة إنشاء الأحزاب على أساس قومي/ عرقي أو ديني: أي إيضاح حدود المسموح والممنوع في هذه النقطة (التوجه الطائفي، العلاقات مع أحزاب أخرى دينية أو قومية غير سورية... إلخ).
- وضع ضوابط على الجانب المالي في الأحزاب: أي توضيح المسموح والممنوع في هذا المجال من حيث تحديد المجالات الاقتصادية وغير الاقتصادية التي يحق للأحزاب الاستثمار فيها، وحدود الصرف المالي في الحملات الانتخابية، ومصادر التمويل المسموحة، وإمكان وجود دعم رسمي من الدولة، وغيرها.
- الأحزاب تحت التأسيس: من الأهمية بمكان، وضع نص في القانون يشرعن الأحزاب تحت التأسيس، والتي يمكن أن تبدأ عملها بتقديم علم وخبر إلى لجنة الأحزاب، وتعطى مهلة لاستكمال شروط الترخيص.
- فهمنا للعمل السياسي
ينطلق فهمنا للعمل السياسي، في حزب الجمهورية تحت التأسيس، من حاجة سوريا بجميع أبنائها إلى التشارك في تحقيق نهضتها، وهذا يفترض بداهة العمل جنبًا إلى جنب مع القوى السياسية الأخرى في سبيل تحقيق هذا الهدف.
نجد أنفسنا اليوم بعيدين عن مفهوم المعارضة السياسية التقليدية الذي عملت تحت سقفه الأحزاب السرية السورية في عهد النظام البائد خلال العقود الستة الأخيرة، فخرجت عمليًا من السياسة والحياة والتأثير، ولذلك فإننا نطمح إلى الانخراط في عمل سياسي علني وإيجابي يقوم على المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والتشارك مع القوى السياسية والمدنية الأخرى، ومع السلطة الراهنة، في بناء الدولة السورية الجديدة، وفي إرساء قواعد دولة الحق والقانون والمؤسسات، والمساهمة الفاعلة في خطط التنمية والبناء، مع الاحتفاظ بمسافة نقدية من جميع القوى الفاعلة في الساحة السورية، من دون أن ندعي لأنفسنا امتلاك الحقيقة المطلقة في أي قضية كانت، كما نرفض هذا الادعاء من أي جهة أخرى بما فيها السلطة القائمة، لأن مثل هذا الادعاء سيكون من شأنه إعادة إنتاج التسلط والاستبداد، فالحقيقة المقبولة سياسيًا هي تلك التي ترتكز على مبدأ تعدُّد وجهات النظر، وتكون حصيلة لتشارك الجميع وتفاعلهم وفق الآليات الديمقراطية.
لذلك، فإننا ندعو، في حزب الجمهورية، إلى التشارك في إعادة إنتاج السياسة في مجتمعنا؛ فصناعة السياسة هي ذاتها عملية بناء الدولة، وكلما تجذرت السياسة ابتعد شبح العنف. لكن هناك سياسة وسياسة أخرى؛ هناك سياسة تتغذى بالوهم وترتكز على الخداع وتنشر التضليل وتتاجر بمصالح البشر، وسياسة أخرى مغايرة نطمح أن نكون من أهلها: سياسة تطير بجناحين؛ جناح الفكر والمعرفة، وجناح الأخلاق والمسؤولية. سياسة تضع الإنسان في مركز اهتماماتها، تبدأ منه وتعود إليه، سياسة تُنتج الفرح وتتوخّى سعادة الإنسان. سياسة تؤمن بالاختلاف بوصفه أبرز صور الحرية وأهمَّ تجلِّياتها. سياسة تؤمن بالتاريخ بوصفه خيرَ معلِّم، لكنها ترفض العيش في الماضي. سياسة تعيش في العصر الحاضر، وتتوافق مع منطقه وروحه، وتنشد التقدّم. سياسة تُبنى بالإرادة والوعي والتنظيم والتراكم والحوكمة. سياسة تؤمن بالدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة بوصفها حاضنةً لكلِّ التنوّع السوري، والسبيل الوحيد لحريتنا وكرامتنا. سياسة تنشد العمل بين الناس، ومعهم، ومن أجلهم.
بدأ في سوريا حراك سياسي واسع منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2025، بعد سقوط نظام الأسد، لكن هذا الحراك تتخلَّله عيوب عديدة؛ قسم كبير منها قديم متجدِّد، ولا سيَّما لجهة اتّصافه بثلاثية الفوضى والتسرّع والتكرار.
1- تحالفات هشة: طوال أربعة عشر عامًا، بُنيت تحالفات سياسية سورية عديدة، وعُقدت مؤتمرات كثيرة، لكن جميعها طُبخ بصورة سطحية، فكانت أقرب إلى الفقاعات الإعلامية، وبُني بعض هذه التحالفات أو المؤتمرات وفق إرادات إقليمية ودولية، فكانت تحالفاتٍ هشّة أو اعتباطية أو تابعة، سريعة التشكُّل والانحلال، وتفتقد إلى الحدِّ الأدنى من شروط بناء التحالفات وأسسها، وبعيدة جدًا عن الأداء السياسي العاقل والرزين والصبور والمثابر (وضوح الرؤية، البرنامج السياسي المتدرج والمتماسك، الخطاب السياسي العقلاني، الآليات المحدَّدة، الكوادر والأدوات الفاعلة، الخطة الواضحة والمتدرِّجة). يُلاحظ اليوم أن هذا المشهد يتكرر على الرغم من حدوث تغيير جوهري في الواقع السوري يتمثل بإسقاط نظام الأسد.
لم تستطع تلك المؤتمرات والتحالفات والهياكل السياسية السائدة، قديمًا وحديثًا، إلا ما ندر، أن تنتج حالة سياسية متماسكة تجيب عن المشكلات الحقيقية التي تخصُّ السوريين، وما زال دورها مقصورًا على رفع شعارات عامة بلا رؤية تفصيلية ولا خطة ولا برنامج عمل. كانت هذه التحالفات أقرب إلى "اللمَّات" التي تجمع قوى سياسية تسعى لأن تكون موجودة في كل تحالف سياسي، ما أفقد فكرة التحالف السياسي معناها وجديتها.
ليس من الحكمة إنتاج فقاعات جديدة في ظلِّ واقع سوري أقرب ما يكون إلى أرضٍ رمليةٍ قادرة اليوم على ابتلاع القوى والتحالفات والمبادرات وسواها، إضافة إلى أنَّنا في حاجة إلى بناء قواعد وتقاليد راسخة للعبة السياسية، والاتفاق على مبادئ عامة في الممارسة السياسية، أي تحديد المقدسات والمحرمات في العمل السياسي السوري، قبل الشروع في بناء الجبهات والتحالفات والائتلافات.
2- حراك سياسي متسرِّع: على الرغم من إيجابية هذا الحراك السياسي وضرورته إلَّا أنه كان متسرعًا لجهة السير في الإعلان عن تحالفات وجبهات سياسية، والإفصاح بسرعة عن تشكيلات معارضة للسلطة الجديدة في سورية. فهذه السلطة ما زالت غير مستقرة ولمّا تتضح معالمها بعد، ومن ثم من الطبيعي أن تكون المعارضة المتشكلة غير مستقرة هي الأخرى أيضًا؛ أي ما زال الوقت باكرًا لإعادة إنتاج مفهوم المعارضة في الواقع السوري الجديد على أسس مغايرة.
من المهم نقد السلطة القائمة ومتابعة قراراتها وخطابها وأدائها في هذه المرحلة الانتقالية المحفوفة بالقلق والمخاطر والفرص بعين ترى الإيجابيات والسلبيات في آنٍ معًا إلى أن تتبلور وتتضح معالمها وتوجهاتها بما يسمح بتكوين معارضة متماسكة على المستويين السياسي والتنظيمي. لكن الأهم هو بناء القوى والتشكيلات السياسية الجديدة بدلالة الوطنية السورية والمصالح الوطنية وحاجات الشعب السوري أولًا لا بدلالة أي سلطة قائمة.
3- اصطفافات سياسية جديدة: مع سقوط نظام الأسد، ستتلاشى تدريجًا قوى سياسية معينة، أكانت موالية أم معارضة للنظام السابق، لأسباب مختلفة، بعضها سياسي وبعضها الآخر أيديولوجي، وسنكون أمام اصطفافات سياسية جديدة، وربما تلتقي أقسام من معارضي النظام السابق مع أقسام من مواليه، وستنمو في الحصيلة قوى جديدة. قد يكون هذا مؤلمًا ومحرجًا لكنه من طبيعة سير الأمور عبر التاريخ، وينبغي لنا أن نحتمل آلامه ومخاضاته لأن "الكتلة الانتخابية السورية"، أي كتلة السوريين القابلة للانخراط في السياسة، أوسع كثيرًا من "الكتلة الثورية السورية" إن جاز التعبير. لكن هذه الاصطفافات الجديدة لن تعيش ما لم تذهب كثير من قواها السياسية في طريق مراجعة الذات ونقدها وبناء تصورات جديدة وعقد مؤتمراتها بهدف انتخاب قيادات جديدة بدلًا من قياداتها المترهلة، ولا سيَّما تلك التي اتخذت مواقف بائسة من الثورة السورية، ووقفت إلى جانب الاستبداد.
كان قرار حلّ حزب البعث وأحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية"، في اعتقادي، خاطئًا؛ من جهة لأن هذا الفعل قد يكون مقدمة لأفعال مماثلة تطال أحزابًا وقوى سياسية أخرى، ومن جهة ثانية لأنه قد يكون مقدمة لإنتاج مظلوميات سياسية جديدة في الواقع السوري، فالقوى التي طالها الحل أصبحت اليوم تنادي بالديمقراطية بعد أن كانت ملحقات بنظام مستبد، إلى جانب سعيها الحثيث للاندراج في تحالفات سياسية جديدة تحقق لها شيئًا من الحماية والمشروعية. مع ذلك، كان من الأفضل أن تُترك هذه "الأحزاب" لشأنها، لعلها تُعيد إنتاج نفسها في سوريا الجديدة وفق أفكار وآليات مغايرة، وبقيادات مختلفة، وهذا لمصلحة سوريا، أو ربما تسير، وهو الأرجح، في طريق الاضمحلال الذاتي والموت الطبيعي.
4- طريقة التفاعل مع مبادرة السلطة لعقد "مؤتمر حوار وطني": هناك ثغرات عديدة في دعوة السلطة لعقد "مؤتمر حوار وطني" بدلًا من "مؤتمر وطني سوري"، ولا شك في أن أهمها هو كون الأول مؤتمرًا حواريًا من دون صلاحية اتّخاذ القرار على عكس الثاني الذي يشير إلى مشاركة سورية حقيقية في رسم مستقبل سوريا، فضلًا عن القصور في طريقة تشكيل اللجنة التحضيرية، وترك مسألة اختيار المشاركين في المؤتمر للهيئة التحضيرية تحت إشراف السلطة القائمة، ما يعني تحكم السلطة في المؤتمر من البداية إلى النهاية، وهذه كلها عيوب تفرغ المؤتمر من مضمونه وأهدافه. لكن هذا لا يسوِّغ دعوة بعض القوى السياسية إلى عقد مؤتمر وطني موازٍ أو بديل من دون مشاركة السلطة القائمة، فهذه دعوة معدومة القيمة؛ لأن أي مؤتمر لا تشارك فيه السلطة القائمة لن يكون مؤتمرًا وطنيًا سوريًا، وستكون قراراته ومخرجاته معدومة الفاعلية.
5- بناء الحقل السياسي السوري: بعد نجاح الثورة السورية في تحقيق أوَّلِ أهدافها المتمثل بإسقاط نظام الأسد البائد، تبرز أهمية شديدة لبلورة حقلٍ سياسيٍّ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ سوريٍّ؛ حقلٍ ذي مبادئ سياسية راسخة، ويلتزم مدونةَ سلوكٍ سياسية تُحدِّد تخوم حركة جميع قواه وتياراته وتضبط أداءها استنادًا إلى جملة من المعايير والضوابط الضرورية والجوهرية. يحتاج الحقل السياسي السوري، إلى مجموعة من المحدِّدات والضوابط التي تنظِّم العمل السياسي وتراقب أداء العاملين في الحقل السياسي، وتكتسي هذه الضوابط والمعايير في اللحظة الراهنة صبغة أخلاقية بالضرورة بحكم المرحلة الانتقالية التي يمر فيها بلدنا، لكنَّ هذا لا يقلِّل من أهميتها؛ من أجل بناء تحالفات سياسية حقيقية ومتماسكة مستقبلًا، ومن أجل تحويل معانيها الأخلاقية إلى قوانين واضحة مع كلِّ خطوةٍ نسيرها باتجاه سورية الجديدة، ولا سيَّما ما يتعلق باستصدار قانون عصري ينظِّم عمل الأحزاب السياسية.
المرحلة الانتقالية والقضايا الراهنة
(من أوائل ديسمبر 2024 إلى أوائل مايو 2025)
1- مقدمة: الثورة السورية وإسقاط نظام الأسد
2- السلطة الجديدة في سوريا
3- رؤيتنا إلى المرحلة الانتقالية ومؤتمر الحوار الوطني
أ- رؤيتنا إلى المرحلة الانتقالية
- تشكيل هيئة حكم انتقالي
- المؤتمر الوطني السوري
ب- مؤتمر الحوار الوطني
4- العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية
5- السلم الأهلي والجرائم المرتكبة في الساحل السوري
6- التحديات الأمنية العسكرية وتغليب الحلِّ السياسي
7- التحديات الاقتصادية ومستقبل الاقتصاد السوري
- تحديات اقتصادية
- التوجّه الاقتصادي
- الاستعداد لمرحلة ما قبل رفع العقوبات عن سوريا
- إعادة الإعمار
- عودة اللاجئين والنازحين
8- التحديات الخارجية
- بناء العلاقات مع المحيطين الإقليمي والدولي
- الاعتراف الدولي ورفع العقوبات
- العدوان الإسرائيلي
9- الإعلان الدستوري والدستور الجديد
- الإعلان الدستوري
- الدستور الجديد
10- قانون الانتخابات والعملية الانتخابية
11- إعادة إنتاج السياسة في المجتمع
- الحراك السياسي بعد الثامن من ديسمبر
- نحو قانون أحزاب عصري وديمقراطي
- فهمنا للعمل السياسي
كانت الثورة السورية أهمَّ حدثٍ في تاريخ سوريا المعاصر، قام بها الشعب السوري لاسترجاع وعيه وإرادته وثقته بنفسه، والتحوّل إلى ذاتٍ حاضرةٍ وفاعلةٍ بعد عقودٍ من إقصائه وتهميشه. فمنذ انطلاقتها شرع السوريون بالتعرّف على بعضهم بعضًا من دون حواجز، وصاروا يتواصلون ويتفاعلون مُنهين حقبةً طويلةً من الانعزال والجهل ببعضهم، وأخذوا يتبادلون معاناتهم وآلامهم، ويستردّون ذواتهم التي بدَّدها القمع والاستبداد. هدفت هذه الثورة إلى التّغيير البنيوي الشامل الذي لا يعني إسقاط النظام وحسب، بل يعني أيضًا تفكيك بنية الدولة الشموليّة وإعادة بنائها عبر تأسيس عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ أساسُه المواطن السوري.
لقد حكم سوريا نظام استبدادي قام على منطق الغلبة والقهر والعصبيّة، تغلغل فسادُه طولًا وعرضًا وعمقًا في جميع المناحي، وهيمنت سلطتُه على الدولة، وألغت وظائفها وأدوارها، وحوّلتها إلى أخطبوطٍ مهيمنٍ على الحياة السياسية والتعليمية والثقافية والاجتماعية ومؤسّسات المجتمع المدني والنقابات، وعملت على تدمير مختلف الفئات الاجتماعية، وألغت سائرَ أشكال التضامن الاجتماعي، وحوّلت المجتمع السوري إلى سديمٍ بشريٍّ مفكّكٍ ومهلهلٍ، وإلى أفرادَ منعزلين ومحاصرين بالخوف والرعب من أجهزتها الأمنيّة، وجرى تخفيضُ "المواطنة" إلى مستوى الولاء الحزبي أو الشخصي، والشعب إلى مستوى "الرعيّة" التي أراد لها النظام أن تكون متفرِّجةً وصامتةً ومباركةً لجميع ممارساته فحسب.
اعتمد نظام الأسد آليةً وحيدةً في التعاطي مع السوريين تقوم على القتل والقمع والاعتقال. وهو لم يتعامل معهم، في أيِّ لحظةٍ، بوصفهم شعبًا، أي كمواطنين أحرارًا، بل كجماعاتٍ إثنيّةٍ وطائفيّةٍ ومذهبيّةٍ، يجمع بينها بالقوة العسكرية والأمنية، ولذا لم يخلق هُويَّةً وطنيّةً جامعةً، بل إنَّه حطَّم جنين الدولة الوطنيّة التي كانت آخذة في التشكُّل بعد الاستقلال.
لقد أصبح واضحًا، بعد انطلاق الثورة السورية، أنَّ النظام لا يَصلُح ولا يُصلِح ولا يُصلَح. إنَّه ليس أكثر من سلطةٍ ضيِّقةٍ مستعدةٍ لسفك دماء السوريّين واضطهادِهم دون هوادة للإبقاء على هيمنتها على البلاد، ولا تتردَّد أبدًا في استثارة العنف والطائفية والتدخلات الأجنبية كي تبقى.
بعد نحو أربعة عشر عامًا من نضال دامٍ، أسفر عن مئات آلاف القتلى، وملايين المهجرين والنازحين، ودمار واسع لحق البنية التحتية، والممتلكات العامة والخاصة، سقط نظام عائلة الأسد، في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، الذي حكم البلاد أكثر من نصف قرن. وقد انهار النظام، المتهالك أصلًا، بعد أن أطلق تحالف من فصائل المعارضة السورية، ضمَّ "هيئة تحرير الشام"، وفصائل من "الجيش الوطني" الذي تدعمه تركيا، يوم 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، عملية عسكرية كبيرة تحت اسم "ردع العدوان" استغرقت 11 يومًا، تمكنت في نهايتها من دخول دمشق، من دون قتال، بعد أن هرب رأس النظام إلى القاعدة العسكرية الروسية في حميميم، وتلاشت أجهزته الأمنية وفرقه العسكرية.
لكن هذا السقوط لنظام الأسد ليس لحظة معلقة في الفراغ، بل على العكس تمامًا، فالحامل الموضوع له هو الشعب السوري، ما يعني أن لحظة السقوط كانت تتويجًا لنضالات الشعب السوري وتضحياته خلال العقود الماضية، على أهمية عملية ردع العدوان العسكرية، والعوامل الإقليمية والدولية الممهِّدة والمرافقة للعملية.
مع إسقاط نظام الأسد، خطا السوريون خطوة مهمة نحو الخروج من حقبة مظلمة في تاريخهم المعاصر، قدَّموا خلالها تضحياتٍ جسامًا أظهرت تطلّع الشعب السوري نحو الحرية والكرامة، ودخلت سوريا في مرحلة جديدة تواجه فيها تحديات كبرى في شتى المجالات؛ نظرًا إلى التركة الثقيلة التي خلّفها النظام السابق، تلك التي تركت آثارًا عميقة في بنية الدولة والنسيج الاجتماعي، ودمارًا كبيرًا في البلاد نتيجة سياسات العنف والقهر التي اتبعها على مدى أكثر من نصف قرن.
تمثّل المرحلة الانتقالية فرصةً لإرساء أسس نظام سياسي جديد لا يتجاوز إرث نظام الاستبداد الذي عرفته سوريا طوال أكثر من نصف قرن وحسب، بل يمنع نشوء أيّ نوع من الاستبداد أيضًا، ويستند إلى مبادئ الحكم الرشيد والمشاركة الشعبية واحترام حقوق المواطن وحرياته والتعددية السياسية والثقافية للمجتمع السوري. وتتطلب هذه المرحلة مواجهة التحديات الكبيرة المتمثلة بضعف مؤسسات الدولة، وانهيار بعضها (الجيش والأمن)، وانعدام الثقة بين مختلف الفئات الاجتماعية، والتدخلات الخارجية، والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، ما يعني ضرورة وجود خطة واضحة للانتقال تسمح بالتغلب على هذه التحديات.
إن نجاح أي حكومة في مواجهة هذه التحديات سوف يكون رهن قدرتها على تحقيق أوسع إجماع سياسي ممكن، بمشاركة أطياف واسعة من القوى السياسية التي قاومت النظام السابق، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد السلاح وحصر العنف الشرعي في يد الدولة. يعتمد ذلك أيضًا إلى حد بعيد على كسب ثقة الناس وتعاونهم، واحترام حرياتهم الفردية، وعدم فرض توجه سياسي وثقافي معين عليهم؛ فالمجتمع السوري مجتمع منفتح، متعدد الأديان والثقافات، وإنَّ محاولة القيام بذلك سوف يدفع السوريين إلى الانفضاض عن الحكم الجديد، وهذا يعني المخاطرة بتكرار تجارب مؤلمة عرفها العالم العربي بعد ثورات عام 2011.
نحدِّد في ما يأتي رؤيتنا ومواقفنا تجاه عدد من القضايا الراهنة والمسائل الرئيسة المتعلقة بالمرحلة الانتقالية والتحديات المزامنة، الداخلية والخارجية، ولا سيَّما بعد تعيين السيد أحمد الشرع رئيسًا انتقاليًا:
هناك نقطتان رئيستان خلقتا قبولًا نسبيًا، على المستوى الداخلي والخارجي، لقائد العمليات العسكرية، ولولاهما لكانت القوة العسكرية المستخدمة في إسقاط النظام بلا قيمة، بل ووبالًا على السوريين خلال الفترة من 27 نوفمبر حتى 8 ديسمبر الماضي، وهما: أولًا، خطاب التطمينات في الداخل؛ كان الخطاب المرافق لاستخدام القوة العسكرية مقبولًا نوعًا ما على المستوى الداخلي والخارجي، ولا سيَّما عندما أكَّد على تحرير السوريين من النظام السابق، وعلى الحرية لجميع السوريين. ولو أن العمليات العسكرية جرت بالتزامن مع استخدام الخطاب المعتاد للفصائل الذي يرتكز على الخطاب الجهادي، والوعيد والثأر، لكانت العمليات العسكرية بلا قيمة، وما كان للقسم الأكبر من السوريين أن يتفاعل إيجابيًا مع الحراك العسكري الذي حصل، ولما سمحت أميركا وروسيا على نحو خاص باستمرار العملية العسكرية وإسقاط النظام. وثانيًا، الخطاب المتوازن تجاه الدول الإقليمية والكبرى؛ كان الخطاب المرافق لاستخدام القوة العسكرية خطابًا إيجابيًا تجاه الدول كلها على العموم، فهو لم يكن عصابيًا أو متشنجًا أو شعبويًا، ولم يُناصب أي دولة العداء، ولم يدخل في أي محاور إقليمية أو دولية، بما فيها الدول التي ارتكبت جرائم واضحة في حق الشعب السوري (إيران وروسيا) لإدراكه بأن سوريا في وضعيتها وأحوالها الراهنة تحتاج إلى الجميع الآن أو غدًا. لذلك، أيضًا لو كان الخطاب المرافق للعملية العسكرية خطابًا عدائيًا على المستوى الدولي لما تكللت العملية بالنجاح.
انطلقت الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، واستمرت بضع سنوات واضحة المعالم (شعب في مواجهة سلطة شمولية)، ثم أصبحنا أمام حالة صراع عسكري بين الثورة وسلطة نظام الأسد، ثم ضاقت مساحة الثورة إلا من بعض الجزر الصغيرة، وأصبحنا أمام قوى مسلحة كان يُطلق عليها، في السنوات الأخيرة على أقل تقدير، "سلطات الأمر الواقع"، وكانت هذه مرتبطة بأجندات إقليمية ودولية، معظمها متهم بأنه أخذ الثورة إلى غير أهدافها وطموحاتها، ومنها "الجيش الوطني السوري" و"هيئة تحرير الشام"، وغيرها.
فجأة، وفي لحظة استثنائية، وخارج إطار جميع التحاليل والتوقعات، سقطت سلطة نظام الأسد، وأصبحت "هيئة تحرير الشام" و"الجيش الوطني السوري" في السلطة، وهي لحظة مهمة في تاريخ سوريا جلبت فرحًا سوريًا عامًا.
واعتُبرت "هيئة تحرير الشام" قوة ثورية أو تنتمي إلى الثورة السورية، على عكس ما كان سائدًا على نطاق واسع، وأخذ قطاع متزايد يذهب باتجاه تسويغ أداء السلطة الحالية استنادًا إلى مصطلح "الشرعية الثورية"، على الرغم من أنه لم يكن هناك توافق سوري قبل 8 ديسمبر الماضي على أن "هيئة تحرير الشام" تمثِّل الثورة وتنتمي إليها.
إن السلطة الحالية موجودة في موقعها اليوم بحكم إنجازها العسكري بإسقاط نظام الأسد، إضافة إلى توازنات إقليمية ودولية مستجدة، لكن أداءها لا يحتاج إلى تسويغ استنادًا إلى مبدأ "الشرعية الثورية". وفي المقابل، لا يمكن إنكار أنها، على الأقل قياسًا على أيديولوجيتها، تحاول أن تقترب من أهداف الثورة السورية، وأن أداءها أفضل كثيرًا مما هو متوقع منها استنادًا إلى ما هو معروف من توجهاتها وممارساتها السابقة.
إن تعاملنا مع السلطة الحالية يجب أن يستند إلى ما تقدِّمه على صعيد بناء الدولة الوطنية الديمقراطية: هناك أشياء إيجابية قدَّمتها خلال الأشهر الثلاثة الماضية (ومنها قناعتها بمبدأ الحوار الوطني، واستخدامها لأدوات بناء الدولة الحديثة مثل "الإعلان الدستوري" و"مبدأ الانتخابات" و"المجتمع المدني"... إلخ، ومنها سعيها لتثبيت السلم الأهلي وحصر السلاح بيد الدولة، على الرغم من القصور الظاهر في جميع هذه الأمور)، وهناك أشياء سلبية لا بد من نقدها ومواجهتها من منظور المصلحة الوطنية السورية. يمكن للسلطة الحالية أن تكتسب الشرعية الوطنية، وهي الأهم، كلما اقتربت من معايير بناء الدولة الوطنية الحديثة بالشراكة مع جميع السوريين، ما يعني أن شرعيتها موجودة أمامها لا خلفها.
إن نقد السلطة القائمة عمل مطلوب في كل لحظة، وهو لمصلحة البلد وأهله ومصلحة أي سلطة، شريطة أن يكون مستندًا إلى المصلحة الوطنية السورية. والسلطة القائمة اليوم في سوريا تحتاج إلى النقد أكثر من أي سلطة أخرى بحكم المشكلات العميقة في البلد والتحديات القائمة، وإن آخر ما تحتاج إليه أي سلطة عاقلة هو المديح وتسويغ أفعالها. وهذا النقد لا يمنع إطلاقًا الإشارة إلى ما هو إيجابي عندما يكون موجودًا وإلا تحول النقد إلى حالة عصابية مشكوك في حصافته وأهدافه.
بعد إعلان الرئيس الانتقالي أحمد الشرع عن رؤيته لسوريا الجديدة في "إعلان النصر"، تتباين الإشارات الصادرة عن الإدارة الجديدة بين خطاب يدعو إلى الإصلاح والانفتاح، وممارسات تعكس استمرار هيمنة بعض الأطراف ذات الخلفيات الأيديولوجية الدينية المتشدِّدة، مثل: تعيين شخصيات إشكالية وغير مؤهلة في المناصب القضائية، وتشكيل جيش من فصائل ذات مصالح وأيديولوجيات وأجندات مختلفة، لكن من لون طائفي واحد، ومنح رتب عسكرية لشخصيات غير سوريّة، وتعيين عسكريين في مناصب مدنية، إضافة إلى تعيينات اللون الواحد في الحكومة بصورة عامة. هذا يعني أن خيارات السلطة ما زالت غير واضحة، ويكتنفها الغموض، مع وجود تباين واضح بين الخطاب المعلن والممارسات، وهو ما يعني أن الموقف السياسي النهائي الحاسم تجاهها ما زال يحتاج إلى بعض الوقت.
أ- رؤيتنا إلى المرحلة الانتقالية
بعد إسقاط نظام الأسد، هناك حاجة ملحة إلى توفير إجماع سياسي، تشارك فيه مختلف القوى، على إدارة المرحلة الانتقالية وشكلها، ليس منعًا لأي فراغ في السلطة وحسب، بل أيضًا لتجنيب سوريا وشعبها عودة أي نوع من الاستبداد. وكان ينبغي لفصائل عملية ردع العدوان عدم الوقوع في خطأ الاستئثار بالسلطة، وتهميش القوى السياسية التي ساهمت على مدى عقود في النضال ضد نظام الاستبداد. إن سياسات الإقصاء والتهميش، في حال اعتمادها نهجًا للحكومة الجديدة، تهدِّد بحصول انقسامات عميقة ليس ضمن قوى الثورة والمعارضة وحسب، بل أيضًا في المجتمع السوري نفسه، ولا سيَّما أن الدولة السورية حاليًا في أمس الحاجة إلى نظام سياسي يلتف حوله الشعب السوري.
من هنا كانت تأتي أهمية إشراك الجميع في مشاورات جدية حول إدارة المرحلة الانتقالية، وإشعارهم بأنهم جزء من المستقبل. ولأن سوريا دولة متعددة التوجهات السياسية، ومتنوعة الجماعات والانتماءات الدينية والإثنية، التي يفترض أن تُؤطَّر في المواطنة السورية، فيجب أن تكون الحكومة الانتقالية تمثيلية لأوسع طيف ممكن من الفضاء السياسي السوري، وأن تشمل الجغرافيا السورية كلها.
- تشكيل هيئة حكم انتقالي
تتوافق روحية القرار 2254 مع المصلحة الوطنية السورية على الرغم من صدوره في فترة النظام السابق، وكان يمكن إجراء بعض التعديلات الملائمة عليه التي تأخذ في الحسبان التطورات بعد الثامن من ديسمبر 2024. إذ يُعدُّ تشكيل هيئة حكم انتقالية بحسب القرار مخرجًا رئيسًا، فمن دونها يصعب فهم عملية صنع القرار في المرحلة الانتقالية أو إضفاء الشرعية القانونية عليها. وكان يمكن أن تتكوّن هذه الهيئة من شخصيات عسكرية ومدنية يجري اختيارها بناءً على معايير واضحة لضمان الكفاءة والقدرة على مواجهة تحديات المرحلة. وتعكس تركيبتها تضافر الجهود بين المقاتلين الذين كان لهم دور رئيس في إسقاط نظام بشار الأسد، ومجموعة من التكنوقراط أصحاب الخبرات المناسبة، والسياسيين من ذوي الشعبية والحضور، ممّن شاركوا في النضال ضد نظام الأسد، على أن يرأس قائد إدارة العمليات العسكرية هذه الهيئة.
وبالطبع كان يمكن وضع المسؤوليات التالية أمام هيئة الحكم الانتقالي هذه: توفير الأمن والاستقرار من خلال وضع أسس لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بطريقة احترافية، وإعادة بناء الجيش الوطني والإشراف على جمع السلاح، بما في ذلك من الفصائل المقاتلة، ودمج عناصرها في إطار الجيش الوطني الجديد، والإشراف على إدارة الشؤون الخارجية، والإشراف على تشكيل حكومة تسيير أعمال تتولى إدارة المهمات اليومية للدولة، بما في ذلك تقديم الخدمات الأساسية، وضبط الأمن، وممارسة صلاحيات تشريعية استثنائية: إعلان دستوري مؤقت، إلغاء القوانين القمعية، بما في ذلك قوانين الطوارئ ومكافحة الإرهاب، وأيّ قوانين استثنائية أخرى، وتشريع قوانين مؤقتة جديدة تتعلق بالمرحلة الانتقالية، مثل قانون الانتخابات المؤقت،
وقانون الأحزاب المؤقت، وقانون إنشاء هيئة وطنية للعدالة الانتقالية، وسنّ تشريعات أساسية لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والقضائية بما يضمن حياديتها واستقلاليتها. وتتمثل معايير اختيار أعضاء الهيئة الانتقالية بـ: الكفاءة المهنية والخبرة، النزاهة والاستقلالية، الالتزام بمبادئ الثورة السورية في الحرية والكرامة والعدالة، وضمان تمثيل التنوع المجتمعي السوري، والالتزام بمبادئ الديمقراطية.
- المؤتمر الوطني السوري
أما الطريق الآخر فهو عقد مؤتمر وطني سوري عام، يكون أعضاؤه بمنزلة هيئة حكم انتقالية. ففي تاريخنا السوري مؤتمر مهم، قبل أكثر من مئة عام، هو "المؤتمر السوري الكبير الأول" الذي أعلن تأسيس سوريا في 8 آذار/ مارس 1920، بعد أن استمرت أعماله لمدة سنة وثلاثة أشهر. كان ذلك المؤتمر استجابة ملائمة للحظة استثنائية في تغير الواقع، مثلما كان استجابة لتحديات مستقبلية آنذاك. وتعيش سوريا اليوم لحظة مفصلية واستثنائية تتمثل بإنهاء نظام الحكم الشمولي، وبوجود تحديات وأخطار حالية ومستقبلية عديدة، وليس هناك ما هو أفضل من عقد مؤتمر سوري جديد يمكن باسم المؤتمر السوري الكبير الثاني.
كان يمكن لهذا المؤتمر أن يُطمئن السوريين بأنهم ذاهبون باتجاه نظام ديمقراطي تشاركي لا باتجاه نظام استبدادي جديد من لون آخر، وكان يمكن أن يكون إشارة إلى الخارج بأن سوريا ذاهبة في طريق الاستقرار والأمان، وأنها لن تكون مصدرًا للتطرف والتخريب أو ممرًّا لهما. كما كان ممكنًا أن يكون المؤتمر حلًا إبداعيًا سوريًا لإخراج القرار 2254 وفق المصلحة الوطنية السورية، أي هضم متطلبات القرار وإعادة إنتاجها بما يتوافق مع اللحظة الراهنة والتوافق الوطني السوري بما يمنع تحول القرار 2254 إلى وسيلة ضغط على أي سلطة سوريّة.
هذا المؤتمر سيرورة متواصلة وليس مجرد لقاء احتفالي يُعقد ليوم واحد، وبمعنى أوضح كان يمكن للمؤتمر أن يستمر في أعماله طوال المرحلة الانتقالية ليكون بالتالي بمنزلة هيئة الحكم الانتقالي، وأن يكون ذا صلاحيات حقيقية تصدر عنه قرارات واجبة التنفيذ، وكان يمكن أن يحظى بشرعية نسبية مقبولة على المستوى السوري، من خلال طريقة تشكيل الهيئة التحضيرية ومعايير دعوة أعضائه وآليات عمله وصلاحياته ومخرجاته.
أما مهمات المؤتمر فيمكن تحديدها بما يلي: إصدار إعلان دستوري لتغطية الفراغ الدستوري خلال المرحلة الانتقالية، اختيار حكومة تكنوقراط من الكفاءات، تشكيل لجنة لكتابة مسودة الدستور على أن يضع المؤتمر المبادئ والقواعد الرئيسية لكتابة الدستور (طبيعة الدولة، نظام الحكم، مصادر التشريع، مجلس القضاء الأعلى، الهيئة الدستورية العليا)، تشكيل اللجنة الوطنية العليا للانتخابات، تشكيل اللجنة الوطنية العليا للعدالة الانتقالية، تشكيل مجلس عسكري أمني مهمته إعادة بناء الجيش السوري والجهاز الأمني على أسس وطنية، وإصدار قوانين حديثة للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، وتحديد ثوابت السياسة الخارجية ومرتكزاتها الرئيسة في المرحلة المقبلة. وتنتهي أعمال المؤتمر مع عقد أول جلسة للبرلمان السوري الجديد المنتخب.
ب- مؤتمر الحوار الوطني
لكنَّ السلطة الحالية خفَّضت المؤتمر المأمول من "مؤتمر وطني سوري" إلى "مؤتمر حوار وطني" ذي مهمة محددة وبسيطة تتمثَّل بإصدار توصيات وحسب، فلم يكن المؤتمر صاحب قرار، وهذه نقطة سلبية جوهرية. بعد ذلك كان هناك تسرّع واضح في عقد المؤتمر، ما جعله قاصرًا في نواحٍ عدة أهمها: عدم مشاركة شخصيات دُعيت قبل يوم واحد فقط، وعدم مشاركة ممثلين عن جهات سياسية مختلفة. الطريقة التي جرت بها الأمور، أكانت مقصودة أو ناتج عدم المعرفة، لا تعني إلًّا أن السلطة الحالية لم تقتنع بعد بضرورة المشاركة الفاعلة للسوريين من خلال تيارات وقوى سياسية، وأن المؤتمر ليس أكثر من منصة لشرعنة الاستئثار بالسلطة وحسب.
على الرغم من وجود نقاط إيجابية عديدة في البيان الختامي للمؤتمر، مثل التأكيد على مسألة الحريات وحقوق الإنسان والمواطنة المتساوية بصرف النظر عن العرق أو الدين أو الجنس؛ إلَّا أنه كان قاصرًا في نواح عدة، مثل: عدم الإشارة إلى طبيعة الدولة، ولا التلميح إلى بناء نظام ديمقراطي، وعدم الإقرار بأهمية إصدار قانون للأحزاب السياسية، وعدم تحديد سقوف زمنية للمهمات المطروحة في البيان.
على العموم، لا ينفع، في هذه اللحظة السياسية الخطرة، أن نكون ضد "مؤتمر الحوار الوطني"، بل يجب التأكيد على مخرجاته ومتابعة تنفيذها، وإن كانت ناقصة، مع الاستمرار في نقد جوانب القصور الأساسية بوضوح، وإيجاد مخارج أو حلول جديدة لها.
أعلنت الإدارة الجديدة أن المرحلة الانتقالية ستستمر لمدة 5 سنوات، لكن لا يوجد حتى الآن وضوح حول شكل هذه المرحلة وآليات تنفيذها. إنّ رفع قوى السلطة عن قوائم الإرهاب، ورفع العقوبات عن سوريا بصورة كلية، والاعتراف السياسي الرسمي بالعهد الجديد، جميعها مسائل مرتبطة بسلوك الإدارة الجديدة، لذلك فإن إنّ تحوّلها من اللون الواحد إلى اعتماد التشاركية والتعددية والنظام الديمقراطي ودولة القانون سيكون معيارًا رئيسًا لمواقف دول عديدة للتفكير في دعم المرحلة الانتقالية في سوريا. ومن هذا المنطلق، ندعم المرحلة الانتقالية في حال كانت متوافقة مع الآليات الوطنية الديمقراطية، ومع منطق بناء دولة الحق والقانون، وبناء المشروعية الدستورية والشرعية الشعبية والاعتراف الدولي، وسنقيّم خطوات الإدارة الجديدة في ضوء ذلك.
لا شك في أن العدالة الانتقالية مسألة مركزية وحاسمة في الحالة السورية الراهنة، ففي محاسبة من ارتكبوا جرائم الاعتداء والقتل والتدمير والتهجير والاختطاف والاعتقال والتعذيب والاغتصاب والتمثيل بالجثث ... عدالة للمجتمع كله، لا للضحايا وذويهم فقط، على أهمية ذلك. العدالة الانتقالية، هنا، هي الشرط اللازم، وغير الكافي للنسيان الإيجابي، وتخطي آثار الكارثة الإنسانية، والشرط الضروري لشفاء الجسم الاجتماعي من عاهات التعصب والعنف والثأر والانتقام، والمدخل الذي لا بدَّ منه إلى الاندماج الاجتماعي والمواطنة المتساوية.
أ- مفهوم العدالة الانتقالية
للعدالة الانتقالية في الحالة السورية معنى خاص، يضاف إلى معانيها العالمية، وذلك بحكم تعقيد الوضع السوري ومستوى العنف الممارس من النظام والتدمير الذي خلقه في المستويات كافة، سواء قبل الثورة أو بعدها، وبحكم وجود انتهاكات من أطراف أخرى ظهرت كردة فعل على سياسات النظام، لكنها بالطبع أقل عددًا ومستوى بوضوح.
ربما لا نبالغ إن قلنا إن العدالة الانتقالية هي حجر الأساس لبناء نظام تعدّدي ديمقراطي يرسي دولة القانون والمؤسسات، وهي الضامن الرئيس للقطع مع الماضي وتجنيب البلاد أيّ نزعة للانتقام أو التشفّي، فالمسألة تتجاوز مجرّد العدالة لتشمل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن. إنها برنامج للتحول السلمي لمجتمع تعرض للاستبداد الشامل والتخريب الطائفي والعرقي والانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان إلى مجتمع تسوده الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، من خلال عملية إزالة آثار حقبة الاستبداد وإعادة التوازن داخل المجتمع، بوصفها الدافع لتلاحم الجميع من أجل بناء الدولة الجديدة. إذ تؤدي تلك الانتهاكات إلى فقدان التوازن داخل المجتمع، ولا يمكن البدء ببناء مجتمع جديد دون إعادة التوازن إليه عبر التعامل مع الماضي بواسطة آليات العدالة الانتقالية. وهذا التعاطي مع الماضي لا يعني بالتأكيد الانتقام أو الثأر، بل إن هذه الظواهر لا تأتي إلا بسبب عدم معالجة الماضي وغض الطرف عن تحقيق العدالة.
ب- استراتيجيات وآليات تحقيق العدالة الانتقالية
يهدف أي برنامج لتحقيق العدالة الانتقالية عادة إلى وقف الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، التحقيق في الجرائم الماضية، تحديد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان ومعاقبتهم، تعويض الضحايا، منع وقوع انتهاكات مستقبلية، الحفاظ على السلام الدائم، المصالحة الوطنية. ولتحقيق هذه الأهداف يمكن اتباع الاستراتيجيات التالية، مع ملاحظة أن هذه الاستراتيجيات لا تعمل بصورة منفصلة عن بعضها بعضًا، إنما تعمل وفق رؤية تكاملية:
1- المحاكمات: والتحقيق في الجرائم بموجب القانون الدولي الملزم لكافة دول العالم ومحاسبة المسئولين عنها وفرض عقوبات عليهم، ولا يشترط أن يتم ذلك في محاكم دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية مثلًا، ولكن يمكن تطبيقها في محاكم محلية أو وطنية.
2- لجان الحقيقة: وهي هيئات غير قضائية تجري تحقيقات بشأن الانتهاكات التي وقعت في الماضي القريب، وإصدار تقارير بشأن سبل معالجة الانتهاكات والترويج للمصالحة، وتعويض الضحايا، وتقديم مقترحات لمنع تكرر الانتهاكات مستقبلًا.
3- تعويض الضحايا وجبر الأضرار: ويشمل ذلك التعويض المادي والمعنوي المباشر عن الأضرار، ورد الاعتبار للضحايا، واستعادة ما فقد، إن أمكن.
4- الإصلاح المؤسسي: ويعتبر أحد الآليات التي تحتاجها البلدان الخارجة للتو من قمع الديكتاتوريات خاصة، وذلك عبر إصلاح المؤسسات التي لعبت دورًا في الانتهاكات (المؤسسات العسكرية والشرطية والقضائية)، فضلًا عن التعديلات التشريعية والدستورية.
5- إقامة النُصُب التذكارية وإحياء الذاكرة الوطنية الجماعية: كآلية لإحياء ذكرى الضحايا والتأكيد المستمر على عدم الوقوع في الأخطاء ذاتها مرة أخرى، ورفع مستوي الوعي الأخلاقي بشأن جرائم الماضي.
ج- تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا
يختلف تطبيق العدالة الانتقالية من مجتمع لآخر تبعًا للظروف الخاصة، لكن فكرة العدالة الانتقالية تقوم على أساس تحقيق العدالة مهما كانت المصاعب والمبررات.
يمكن التأكيد على النقاط التالية في سياق تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا بالاستفادة من التجارب العربية والعالمية:
1- أهمية السياقات الوطنية في تحديد مسارات العدالة الانتقالية، أي أهمية الاعتماد على الطاقات المحلية قدر الإمكان.
2- الترابط القوي بين العدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي وأهمية توافر الإرادة السياسية؛ والتأكيد على أهمية النظر إلى العدالة الانتقالية ليس كآلية لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وحسب بل وكآلية للتغيير نحو الديمقراطية.
3- حيوية دور الفاعلين السياسيين في الانتقال الديمقراطي.
4- مرتكزات العدالة الانتقالية المتمثلة بالكشف عن الحقيقة وجبر الضرر والمساءلة والمصالحة الوطنية وحفظ الذاكرة وعدم تكرار ما جرى.
5- أهمية دور الضحايا في إنجاح تجربة العدالة الانتقالية.
6- حيوية الدور الذي يمكن أن تلعبه الجمعيات المدنية في صيرورة العدالة الانتقالية.
7- أهمية الحوار بين النخب والفئات السياسية في المجتمع كخطوة نحو الانخراط في صيرورة العدالة الانتقالية. الدخول في حِـوار مع المجتمع، وخاصة من كانوا ضحية للنظام الاستبدادي السابق والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وضحايا الفساد، للتوصل إلى تحديد دقيق للمطالب والأولويات مع شرْح حقيقة استِـحالة تطبيق جميع آليات العدالة الانتقالية في الوقت نفسه وبشكل سريع.
8- إن تحقيق العدالة الانتقالية يمثِّـل عملية تدريجية تستغرِق سنوات. والمُـهمّ في تطبيق آليات العدالة الانتقالية، تحديد الآلية التي يراها المجتمع أولوية قصوى ثم التي تليها في الأهمية، بشرط أن يظلّ الباب مفتوحًا أمام استكمال جميع الآليات اللازمة لتحقيق العدالة الانتقالية وضمان زوال أسباب انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي.
9- أهمية الإصلاح السريع لبنية وتركيبة ونظم الجهاز القضائي، ولفئات وصلاحيات الأجهزة الأمنية والرقابة المدنية المفروضة على تلك الأجهزة خلال الفترة الانتقالية.
10- تشكيل لجنة المصالحة الوطنية التي يمكن أن يكون لها دور فاعل في تفكيك النظام القديم وإعادة الوئام والسلم ضمن المجتمع.
د- العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في سوريا
تشمل المصالحة الوطنية الإجراءات والعمليات الضرورية لإعادة بناء الهوية الوطنية على أسس شرعية وقانونية وديمقراطية. ويمكن القول إن المصالحة الوطنية هي أحد أهداف العدالة الانتقالية، وتكتسي هذه العملية أهمية شديدة في بلد متعدد الإثنيات والطوائف مثل سوريا، ولا سيما أن النظام الاستبدادي السابق قد عزز التحاجزات بين فئات المجتمع السوري. كما تكتسي أيضًا أهمية خاصة في سوريا بحكم التراكم الكبير للانتهاكات بحق السوريين، أي انتهاكات نظام الأسد الأب ومن ثم نظام الأسد الابن، وصولًا إلى الانتهاكات الخطيرة منذ بداية الثورة السورية في مارس 2011 وحتى نهاية المرحلة الانتقالية، ولا شك أن الدور الرئيس في بناء المصالحة الوطنية يقع على عاتق الدولة الجديدة وأجهزتها بترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، فضلًا عن دور الإعلام والمؤسسات الثقافية، ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمثقفين وغيرهم.
حدثت، بدءًا من 7 آذار/ مارس 2025، تطورات أمنية خطرة في الساحل السوري، وعمليات قتل واعتداءات متكرِّرة على عناصر الأمن العام، وتلاها جرائم وانتهاكات ممنهجة ارتُكبت في حقّ المدنيين العزّل من أبناء وبنات الساحل على أساس طائفي (ضد العلويين تحديدًا)، على أيدي جهات وفصائل تتبع إلى وزارة الدفاع، أي إلى السلطة الراهنة مباشرة، خلال عمليات مواجهة فلول النظام البائد، ورافق ذلك كله تجييش غير عاقل وانتشار خطاب طائفي مقيت ومقزِّز وخطر.
لقد اكتسبت السلطة الحالية، بعد الثامن من ديسمبر الماضي، ثقة قطاع واسع من السوريين، إضافة إلى ثقة عديدٍ من الدول، لمساهمتها في إسقاط نظام الأسد من جهة، ولخطاب الرئيس الانتقالي المطمئِن نسبيًا من جهة ثانية. لكنها خسرت جزءًا من رأسمالها الاجتماعي، وسمعتها الدولية، بعد هذه الجرائم المرتكبة.
كان هذا الحدث المؤلم يتطلَّب من السلطة الحالية سحب الفصائل المتورطة في الانتهاكات والجرائم من الساحل السوري، واستبدالها بوحدات من الأمن العام مدربة على حماية المدنيين، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ونزيهة، مؤلفة من قضاة مدنيين وعسكريين وضباط رفيعي المستوى، تكون مهمتها الكشف عن جميع الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلال العمليات العسكرية في الساحل، بما في ذلك عمليات القتل خارج نطاق القانون والتعذيب والممارسات الحاطّة من الكرامة الإنسانية، وإحالة جميع المتورطين على القضاء ومحاكمتهم، والإعلان عن يوم حداد وطني، وتكريم شهداء الأمن العام، والاعتراف بسقوط ضحايا مدنيين، وإنصاف عائلاتهم وتعويضهم بصورة عادلة، وإصدار مرسوم رئاسي بتجريم التحريض الطائفي وخطاب الكراهية، وإحالة أصحابه على القضاء ومحاكمتهم، وتشكيل لجنة وطنية عليا للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، مؤلفة من شخصيات وطنية مستقلة، قانونية وحقوقية وثقافية، لمحاسبة الذين ارتكبوا جرائم في حق الشعب السوري منذ بداية الثورة الشعبية 2011 وحتى تاريخه، ومعالجة الاحتقان المجتمعي، وبناء الثقة بين الفئات السورية، وتحقيق مصالحة وطنية.
لا بدَّ من التأكيد على إدانة جميع الممارسات المهينة وأفعال القتل؛ فكل روح سورية بريئة تُزهق يجب أن تقلقنا وتقضَّ مضاجعنا وتعكِّر مزاجنا بصرف النظر عن انتمائها ودينها ومنبتها ومنطقتها، وعن القاتل أو المتسبِّب كائنًا من كان. إن المبدأ الأول والمؤسس للدولة هو الإنسان/ المواطن، وما لم تُصن حياته لن تقوم لهذه الدولة قائمة مهما أنجزت في صعد أخرى. هذا المبدأ هو الركيزة الأساس من أجل تحقيق قطيعة حقيقية ونهائية مع عهود القتل والإجرام واستباحة الأرواح.
ونشير هنا أيضًا إلى ضرورة إدانة خطاب الكراهية والتجييش الطائفي، والانتقال إلى خطاب إنساني وطني ديمقراطي، فجميعنا يعلم مدى خطورة المرحلة الانتقالية واللحظة خطرة، بما تحمله من تحديات داخلية وخارجية، ونحن -السوريين- جميعًا مسؤولون عن تجاوزها، على الرغم من الدور الرئيس للسلطة الراهنة بصورة خاصة. ولعلَّ أهم ما يقع على عاتقنا اليوم هو:
أولًا، الخروج من فضاء الخطاب المغلق الذي يرتكز على الأكثريات والأقليات والطوائف والقوميات إلى فضاء الخطاب الإنساني الوطني المفتوح، وثانيًا: التخلِّي عن آليات التفكير القائمة على التصنيف والتنميط، وثالثًا: تجاوز الشعارات الاستبدادية والاستبعادية الهدامة وغير الوطنية القائمة على الغلبة والقوة (على شاكلة "من يحرر يقرر" و"الدستور يكتبه المنتصرون")، وأخيرًا الكفّ عن ممارسة التحريض وبث الشائعات والعدائية.
كان متوقعًا أن تواجه الإدارة الجديدة، بعد سقوط النظام، تحديات كبيرة على المستوى العسكري والأمني؛ ولا سيَّما من حيث التعامل مع الفصائل والجماعات المسلحة المنظَّمة، بما فيها قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، و"جيش سوريا الحرة" الذي يدعمه الأميركيون في منطقة التنف، وفصائل الجنوب التي يقودها أحمد العودة، وفصائل "الجيش الوطني" التي تدعمها تركيا في الشمال. وترتبط بذلك مواجهة تحدٍ آخر يتمثل بعملية توحيد البلاد، واستعادة الدولة سيادتها على أراضيها كاملة. ويبرز أيضًا تحدي ضبط التهديدات التي تمثلها الفصائل الجهادية والتعامل معها، بما فيها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش". علاوة على ذلك، تحتاج السلطات الجديدة إلى تحييد أي تهديدات يمكن أن تمثلها قوى النظام السابق وفلوله، ومنع تنظيمها، ولا سيما أن جميع القيادات الأمنية والعسكرية ما زالت طليقة. ويُضاف إلى ذلك العمل على سحب السلاح الذي ينتشر على نطاق واسع في المجتمع السوري نتيجة سنوات الصراع الطويلة، وحصر حيازته في أجهزة الدولة الرسمية.
على مستوى الأجهزة الأمنية، سيترتب على الإدارة الجديدة بناء أجهزة أمنية على أسس مغايره، جوهرها الصالح العام، واحترام حقوق الانسان، وحماية المجتمع، وصيانة الحقوق الفردية، وحق الملكية، وتحقيق العدالة. أما على المستوى العسكري والجيش السوري، فكان من المهم استدعاء الجيش إلى قواعده للخدمة وتغيير قيادته، وعدم تكرار خطأ حلِّ الجيش الذي اقترفه معمر القذافي في ليبيا وسلطات الاحتلال في العراق، لكن الإدارة الجديدة ذهبت في اتجاه آخر، عن طريق "إدماج" عدد من الفصائل ذات اللون الواحد في الجيش الجديد، وظهر خلال حوادث الساحل السوري أن هذا الخيار لم ينجح أو إنه ما زال في حاجة إلى بعض الوقت لتحقيق حالة اندماج فعلية، فضلًا عن بقاء عدد من الفصائل خارج الجيش مثل قوات "قسد" وفصائل محافظة السويداء.
إنَّ بناء الدولة يقتضي تغليب الحل السياسي على الحلول العسكرية والأمنية، وفي هذا مكسب للسلطة ذاتها ولجميع السوريين، فمن غير الممكن أن تُحلَّ مشكلة وجود جماعات مسلحة خارج نطاق الدولة، ومشكلة السلم الأهلي، حلًّا عسكريًا. ولذلك ينبغي للإدارة السورية الجديدة تأليف حكومة وطنية يشارك فيها جميع أطياف الشعب السوري، وكان عليها إصدار إعلان دستوري أكثر تقدمًا وإنصافًا من خلال التأكيد على أنَّ وحدة سوريا أرضًا وشعبًا، على أساس الوطنية الديمقراطية، مسألة مقدسة، ولا يجوز التهاون بها، وأنَّ نظام الحكم ديمقراطي لا مركزي، لكن ليس على أساس طائفي أو إثني، والتعهد بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ديمقراطية في موعد أقصاه أربع سنوات، وضمان مشاركة القوى السياسية السورية عبر إصدار قانون عصري وديمقراطي يضمن حرية العمل السياسي وتشكيل الأحزاب السياسية، وأن يكون الجيش السوري المستقبلي جيشًا وطنيًا سوريًا لا يتدخل في العملية السياسية، وأن يُفتح باب الانتساب إليه أمام جميع السوريين استنادًا إلى معايير وطنية، ودعوة الضباط المنشقين للمشاركة في بناء الجيش.
إن تثبيت هذه النقاط في الإعلان الدستوري، أو في قوانين مكمِّلة لاحقة يمكن أن تصدر عن المجلس التشريعي المصغَّر، من شأنه أن يُساعد في تثبيت الأمن واندماج فصائل عسكرية مختلفة في الجيش السوري الجديد، وسيكون واضحًا عندها أنَّ كلَّ من لا يسلِّم سلاحه خارجٌ على القانون وتجب محاسبته، وأنَّ كلَّ من يعتدي على أي مواطن سوري مدانٌ وتجب ملاحقته ومحاكمته، وأنَّ كلَّ من يثبت أنَّ لديه تواصلًا خارجيًا مع أي دولة خارجية، أو تنسيقًا معها أو يتلقى دعمًا منها، مدانٌ بالعمل ضد المصلحة الوطنية وتجب إحالته على القضاء لمحاكمته تحت بند العمل ضد المصلحة الوطنية السورية كائنًا من كان.
في هذا السياق، لا بدَّ لنا من الترحيب بالاتفاق السياسي الذي حصل بين "الإدارة الجديدة" و"قوات سوريا الديمقراطية" في 10 آذار/ مارس 2025، فهذا الاتفاق خطوة في الاتجاه الصحيح، على الرغم من هشاشته ووجود عقبات كثيرة أمام تطبيقه، لكن الحوار المستمر والصبور كفيل بتذليل الصعوبات. ونشجِّع في الوقت نفسه حدوث تفاهمات سياسية وطنية تتعلق بالجنوب السوري وفصائله (درعا والسويداء والقنيطرة)، والاتفاق أيضًا على تشكيل مجلس عسكري وطني/ جيش وطني سوري، وإخراج جميع المقاتلين الأجانب، وحلِّ الفصائل غير المنضبطة.
تحديات اقتصادية
تواجه سوريا تحديات اقتصادية هائلة تفرض على أي نظام جديد في دمشق استنفار جميع الطاقات لمواجهتها. إذ يعيش 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر الأدنى بحسب منظمات دولية، في حين تصل نسبة الدمار في المساكن والممتلكات العامة إلى نحو 27 في المئة. وللأزمة الاقتصادية في سوريا أوجه متعددة، تبدأ بالافتقار إلى أبسط مقومات الحياة اليومية وصولًا إلى توفير التمويل اللازم لإعادة الاعمار الذي تقدره جهات دولية عديدة بمئات مليارات الدولارات. ولأن كسب ثقة الناس يُعدُّ أساسيًا لنجاح المراحل الانتقالية، فسوف يبرز أمام الحكومة الجديدة تحدي إحداث تغيير واضح في حياة الناس، يستطيعون تلمسه سريعًا؛ وهذا لا يتم إلا من خلال حلحلة الأزمات المعيشية المرتبطة بحياتهم اليومية، بما يشمل توفير المواد الغذائية، والسلع الأساسية، والوقود، والمواصلات، والاتصالات، والكهرباء، والمياه، وغيرها. ويحتاج الأمر إلى إعادة تفعيل عمل مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة، من وزارت ودوائر خدمات، وتشجيع الناس على العودة إلى حياتهم الطبيعية في أسرع وقت ممكن واستعادة النشاط الاقتصادي العام والخاص في أنحاء البلاد، وتشجيع الشركات ورؤوس الأموال الوطنية التي غادرت سوريا على العودة التدريجية، وتقديم التسهيلات للمبادرين السوريين للعودة والعمل في وطنهم. وسوف تحتاج البلاد إلى استثمارات خارجية مباشرة كبيرة للتعامل مع هذه التحديات؛ وهو ما يتطلب استقرارًا أمنيًا، وسياسيًا.
يرى حزب الجمهورية أن التوجهات الاقتصادية للحكومة المؤقتة، مثل رفع الدعم عن الخبز وتوحيد التعرفة الجمركية وزيادة الرواتب، تفتقر إلى رؤية شاملة تأخذ في الحسبان الحاجات الملحة للمواطنين والمواطنات. إنّ رفع الدعم عن السلع الأساسية من دون تقديم شبكات أمان اجتماعي فعّالة يعمّق الأزمات المعيشية، ولا سيَّما للفئات الأكثر تضررًا، بينما تؤدي زيادة الرواتب، في ظل تضخم غير مضبوط، إلى تآكل قيمتها الفعلية. وفي الوقت نفسه، فإن سياسات مثل توحيد التعرفة الجمركية، على الرغم من أهميتها لتحفيز الاقتصاد المحلي، قد تواجه عقبات كبيرة في ظل غياب البنية التحتية والخدمات الأساسية اللازمة للإنتاج. كما أنّ الوعود الاقتصادية مثل تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح تظل أقرب إلى الخطاب السياسي منها إلى الواقع العملي.
- التوجّه الاقتصادي
وضعنا انهيار السلطة الأسدية أمام جملة من التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وبحكم ترابط التحديات المذكورة، وبحكم أن المستوى السياسي يحدد الاقتصادي ويتحدد به. وكلاهما معًا يحدِّدان المستوى الاجتماعي ويتأثران به، فإن بنية الاقتصاد السوري وأشكاله ومساراته المستقبلية تشكِّل مدخلًا رئيسًا لفهم الوضع السوري واحتمالاته.
ويبدو أننا سنكون أمام تحول عميق في الاقتصاد السوري، عنوانه الرئيس تحرير الاقتصاد وفتح السوق السورية على الأسواق الإقليمية والدولية، ما سيؤدي إلى تراجع دور الدولة الاقتصادي التنموي، وإلى خصخصة القطاعات العامة التي أشرفت على إدارتها السلطة البائدة، وهو ما يضع الاقتصاد السوري والمجتمع أمام أخطار كبيرة في حال لم تُعتمد سياسات معينة لحماية الاقتصاد الوطني من المنافسة غير المتكافئة.
يشكل تحرير الاقتصاد السوري مدخلًا لدمج الاقتصاد الوطني في الاقتصاد العالمي، لكنه سيواجه تحديات داخلية عديدة: البيئة الاقتصادية المشوهة، عدم امتلاك القطاعات الإنتاجية قدرةً تنافسية، انخفاض مستوى النمو الكلي والجزئي، تدني مستوى تطور قوى الإنتاج، تخلف علاقات الإنتاج، عدم توفر شرط سياسي ملائم، تردي مستوى البنى التحتية الإدارية والتشريعية، إضافة إلى البنى الخدمية التحتية التي من المفترض أن يتم العمل على تطويرها قبل فتح المجال للاستثمارات الخارجية، ومستوى الاستقرار والسلم الأهلي كونهما يشكلان المناخ الملائم لجذب الاستثمارات.
لكن لا بدَّ من ملاحظة أن تمكين الاقتصاد الحر وارتفاع معدلات الإنتاج ومستوى النمو الاقتصادي لا يقود بالضرورة إلى الديمقراطية السياسية أو إلى ترسيخ الوعي الديمقراطي والممارسة الديمقراطية، وهناك تجارب كثيرة تشير إلى ذلك مثل روسيا، مصر، العراق... إلخ.
ورثت السلطة الحالية اقتصادًا متهالكًا، وبنى تحتية إدارية بيروقراطية، وفسادًا إداريًا، ومؤسسات فاشلة ينخرها الفساد والمحسوبيات ويسيطر على مفاصلها النهب والمحاصصة، إضافة إلى ارتفاع مستوي البطالة الحقيقي والمقنع، وارتفاع نسبة اقتصاد الظل إلى ما يقارب الـ 45% من الاقتصاد السوري الكلي. مع ذلك كان هذا الاقتصاد يسمى "اقتصاد دولة" و"اقتصاد سوق اجتماعي حر"، بمعنى أن الدولة هي من أسسته وأشرفت عليه وأمسكت بمفاصله. لكنه في حقيقة الأمر كان اقتصادًا مافيويًا تقوده عصابات نهبٍ ومحاصصة سيطرت على مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية والمجتمع مستعينة بأجهزة أمنية متغولة لنهب السوريين وثرواتهم الوطنية. فكان النهب والإفقار والإفساد والقمع بأشكاله وأساليبه المتعددة والمتنوعة العنوان العريض للمرحلة البائدة.
نحن اليوم على عتبة مرحلة جديدة، ومن المهم الإضاءة على الشكل الاقتصادي المستقبلي، المرتبط بالضرورة بنموذج سياسي يتوافق مع الأوضاع السورية الراهنة وهدف الانتقال إلى مستقبل أفضل للسوريين.
تشكل إدارة الموارد المتاحة، وآليات وأشكال استثمارها وتوظيفها وتوزيعها، إحدى أهم محددات شكل الاقتصاد وهويته، وبقدر ارتفاع نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي يكون مستوى العدالة الاجتماعية أفضل، ويتجلى ذلك في سياق التوزيع العادل للثروة.
ولذلك، فإن دور الدولة الاقتصادي التنموي يشكّل أحد أهم روافع النهوض الاقتصادي، ويرتبط ذلك بتحسين أوضاع المواطن، وإتاحة فرص العمل، وخفض معدل البطالة، والإشراف على القطاعات الأساسية والثروات الوطنية وإدارتها بطريقة تحمي المواطن وتؤمن له الأمن الغذائي والتعليم والصحة، ما يضفي على الاقتصاد طابعًا اجتماعيًا رعائيًا. وعليه فإن تحرير الاقتصاد السوري في اللحظة الراهنة يستوجب المحافظة على دور الدولة الإشرافي في إدارة الموارد بشكل يضمن تأمين الحاجات الأساسية للمواطن واستقرار أوضاع القطاعات الإنتاجية الأساسية الإستراتيجية. وإذا كان تحرير الاقتصاد أحد الخيارات المطروحة لدمج الاقتصاد المحلي (الخاص) بالاقتصاد الدولي (العام)، فهذا يستوجب المحافظة على العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة الوطنية والدخل الإجمالي من جانب، والمحافظة على دور الدولة بكونها المؤسسة الضامنة لاستقرار الاقتصاد وضمان تطوره المستدام من خلال إدارة الثروات الوطنية التي هي من حق جميع السوريين وفق أشكال تخدم مصالحهم العادلة، والمحافظة أيضًا على دورها في تطوير القطاعات الإنتاجية الرئيسة ذات السمة الوطنية.
إن الاقتصاد الليبرالي الحر، وبشكل خاص النموذج النيولبرالي الأشد وحشية، ينزع بطبيعته إلى إنهاء أو القضاء على أي دور اقتصادي للدولة، وكذلك هو الأمر بالنسبة إلى القطاعات الإنتاجية ذات السمة العامة. ويتقاطع ذلك مع اشتغاله على تقليص تكاليف الإنتاج لضمان أعلى معدل من الربح حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات البطالة، وزيادة مستوى الفقر والحرمان والعوز والجوع، ومن ثمَّ امتهان كرامة الإنسان. ولضمان استقرار التوظيف المالي والاستثماري لتحقيق أعلى معدل من الربح، فإنه ينزع إلى تقليص دور منظمات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب السياسية. ويتجلى ذلك بشكل واضح في الحالات التي تستثمر فيها الشركات العملاقة والعابرة للجنسية في الدول الطرفية، ما يعني أن الحريات السياسية والمدنية لا يرتبط وجودها عضويًا بالاقتصاد الحر، ولا سيّما في الدول المشابهة لسوريا.
إن ميل رأس المال إلى التوسع في سياق توسيع استثماراته وصولًا إلى فرض هيمنته المطلقة، لا ينفك عن اشتغاله على تحجيم وضبط دور منظمات المجتمع المدني ومنها النقابات، وتمكين سلطة سياسية قادرة على فرض شروطه السياسية والاقتصادية بما يخدم ميوله الاحتكارية التوسعية. وهذا يعني ضرورة التمسك بمؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية كونها المدافع الأساس عن الشرائح العمالية والضامن للحد من تغول رأس المال على الاقتصاد والسياسة، والأداة الضرورية لمراقبة أداء مؤسسات الدولة وتصويبها ومواجهة تغول رأس المال. لذلك لا بدَّ من التشديد على أن إطلاق الحريات العامة المدنية والسياسية يشكل الضمان لتحقيق العدالة الاجتماعية.
يتزامن اعتماد سياسية الخصخصة وبيع القطاع العام (الدولة)، في سياق تحرير الاقتصاد، مع تقليص دور الدولة الاجتماعي في تمكين الاستقرار والعدالة المجتمعية، ويرتفع حجم التحديات بتقييد نشاط الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. لقد عانى السوريين إبان السلطة البائدة من التوجهات المذكورة إضافة لإفساد ونهب القطاع العام والثروات الوطنية واعتبار التجارة قاطرة النهوض الاقتصادي ورافعته، وإفقار السوريين اعتمادًا على سياسيات ضريبية جائرة. وهذا يستدعي التأكيد على خطورة تقليص دور الدولة الاجتماعي في سياق التحرير الاقتصادي. ويتضح ذلك بشكله الأولي في اعتماد السلطة الحالية على إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وفق آليات تتنافى مع حقوق السوريين القانونية، ودون دراسة انعكاس قراراتها على أوضاعهم الاجتماعية والمعاشية، ودون اعتماد معايير قانونية واضحة. ويدلل ذلك على أن آلية اشتغال السلطة الحالية تمهد الطريق لحرية الاستثمار واستقطاب الرساميل الخارجية وفق أشكال وآليات تضمن مصالح أصحاب الاستثمارات.
بناءً على ذلك نؤكد على أهمية تحديد شكل الاقتصاد السوري وهويته، وضبط آليات السياسات المالية والنقدية بما يضمن حماية الاقتصاد الوطني والثروات الوطنية ومصالح السوريين.
إن تحرير الاقتصاد قبل وضع ضوابط تحمي الاقتصاد الوطني يهدِّد الاستقرار والتوازن المجتمعي والقطاعات الإنتاجية، ما يعني ضرورة التأكيد على أهمية المحافظة على دور الدولة الاجتماعي وسيطرتها على الثروات الوطنية الإستراتيجية، وتمكين دورها الإيجابي في القطاعات الإستراتيجية. وضمان التوزيع العادل للناتج القومي الإجمالي بشكل يضمن حقوق السوريين في ثرواتهم الوطنية ويكفل استقرار الوضع المعاشي وتأمين الأمن الغذائي ضمن المستويات المتوافق عليها أمميًا. وهذا يفترض التأكيد على ضرورة إنجاز القضايا التالية:
- توحيد الجغرافية السورية تحت إشراف دولة وطنية ديمقراطية تمثل السوريين.
- إنشاء بنية تحتية خدمية وإدارية ومالية تحفز الاستثمارات الوطنية والدولية.
- توفير القطع الأجنبي في المصرف المركزي بما يضمن استقرار قيمة الليرة السورية، من خلال توفير مزيد من الدعم والمساعدات الدولية والإقليمية واستعادة الأموال السورية التي هُرِّبت للخارج.
- وضع سلم أجور متحرك يتناسب مع حركة الأسعار.
- السعي لرفع العقوبات الأميركية والأوروبية عن الشعب السوري في أسرع وقت ممكن، وعدم ابتزاز السوريين بها.
- تحديد شكل الاقتصاد وضبط آليات السياسات المالية والنقدية بما يضمن حماية الاقتصاد الوطني.
- هيكلة القطاع العام الأساسي بإدارات جديدة تضمن نجاحه لتأدية دوره الوطني كونه ملكًا للسوريين كافة.
- إشراك أصحاب الخبرة والكفاءة الوطنيين في إعادة هيكلة الاقتصاد.
- تشكيل لجان متخصصة لدراسة نظام ضريبي يضمن التنافسية ويحقق العدالة الاجتماعية ويكون محفزًا للإنتاج الوطني، ويحمي المستهلك.
- تشكيل لجان متخصصة لدراسة الضريبة الجمركية على البضائع المستوردة بما يضمن حماية الإنتاج الوطني وقدرته التنافسية واستقرار الاقتصاد الوطني السوري.
- دراسة الاستثمارات الوطنية والأجنبية المقدمة للجهات المتخصصة ووضعها في سياق يخدم الخطط المعدة للتنمية الشاملة والمستدامة.
- وضع آليات إعادة هيكلة مؤسسات الدولة في سياق تطبيق العدالة الاجتماعية (تأمين فرص عمل بديلة، إعطاء راتب بطالة لكل مواطن حتى تتاح له فرصة عمل تناسب كفاءته العملية).
- وضع شروط على الاستثمارات الخارجية تضمن التنمية والاستقرار وتمنع من تحويل سوريا مكانًا للمضاربة. وذلك من خلال ضبط آليات دخول وخروج الرساميل، وتحديد نسبة المشاركة مع القطاعات الإنتاجية وتحديدًا التي تديرها الدولة وبشكل الخاص الثروات الوطنية، وضمان تشغيل العمال السوريين والطاقات والكوادر البشرية المتخصصة.
- هناك جرائم اقتصادية كبيرة ارتُكبت خلال عهد النظام البائد، ومنها: نهب المال العام، التربح غير المشروع من أجهزة الدولة، عمليات الخصخصة الفاسدة، الاحتكار الاقتصادي المرتبط بالقوة العسكرية أو الأمنية. ولا بدَّ من تشكيل لجان تحقيق متخصِّصة، وتجميد الأموال المنهوبة ومصادرتها، وإعادة توزيع الموارد بما يتناسب مع العدالة الاجتماعية.
- الاستعداد لمرحلة ما قبل رفع العقوبات عن سوريا
في ضوء المتغيرات الدولية، وحرصًا على تهيئة البنية القانونية والمؤسساتية لاستيعاب مرحلة ما بعد العقوبات، يتوجّب على الحكومة السورية القيام بسلسلة من الإصلاحات العميقة والهيكلية في مختلف القطاعات، على رأسها القضاء، الشفافية، الاقتصاد، البنية القانونية، والتصنيف الائتماني، بما يعزز مناخ الثقة ويعيد دمج سوريا في النظام المالي والاقتصادي العالمي.
إن عملية رفع العقوبات هي نتيجة يجب أن يسبقها سلسلة من الإجراءات الضرورية التي تضمن أمن النظام المصرفي والمالي وسلامة التدفقات النقدية التي سترد إلى الدولة وحسن إدارة الموارد بما يقطع الطريق على محاولات سوء الاستخدام أو إساءة الأمانة أو أي تهديدات أمنية لتمويل الجرائم.
أولًا: الإصلاح القضائي والقانوني
تعزيز استقلال القضاء
- تحصين السلطة القضائية دستوريًا ضد تدخل أي سلطة أخرى.
- تأسيس مجلس قضائي أعلى مستقل يدير شؤون القضاة ويضمن النزاهة.
- تسريع إجراءات التقاضي عبر تحديث قوانين أصول المحاكمات.
التطوير التشريعي
- تعديل وتحديث القوانين التجارية، وقوانين الاستثمار لتكون أكثر جذبًا للأعمال الأجنبية.
- سنّ تشريعات فعّالة لمكافحة غسل الأموال، تمويل الإرهاب، الفساد الإداري، والرشوة، بالتوافق مع المعايير الدولية (FATF، UNCAC).
التقنيات العدلية
- تطبيق نظام العدالة الإلكترونية (E-Justice) لتسهيل النفاذ إلى العدالة وزيادة الشفافية.
تأهيل الكوادر القانونية والقضائية
- تدريب القضاة، المحامين، وموظفي العدالة على مفاهيم الجرائم المالية، وحقوق الإنسان، والمعايير الدولية في النزاهة القضائية.
ثانيًا: تحسين موقع سوريا على مؤشر الشفافية الدولية
استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد
- إعداد خطة وطنية تتضمن أهدافًا محددة، وجدولًا زمنيًا، ومؤشرات قابلة للقياس.
حماية كاشفي الفساد
- إصدار قانون شامل لحماية المبلّغين، يضمن أمنهم الشخصي والوظيفي.
الشفافية في العقود والمالية العامة
- نشر بيانات العقود الكبرى، الموازنة العامة، وأداء الوزارات على منصات إلكترونية.
التعاون الدولي
- الانضمام إلى مبادرات دولية مثل مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI).
- تعزيز التعاون مع الأمم المتحدة ومنظمة الشفافية الدولية.
ثالثًا: إجراءات في طريق رفع التصنيف الائتماني لسوريا
ضبط الاستقرار المالي والنقدي:
- تحسين سعر الصرف، ومحاربة التضخم.
- تعزيز استقلالية المصرف المركزي وشفافيته.
موازنة مالية واقعية:
- تقليص العجز، وزيادة الإيرادات غير الريعية.
- الحد من الطباعة النقدية غير المغطاة.
إدارة الدين العام بفعالية:
- إعادة جدولة الديون، وتقديم خطط واضحة للسداد.
- تحسين علاقة الدولة مع المؤسسات المالية الدولية.
تهيئة بيئة استثمارية مستقرة:
- تقديم ضمانات قانونية للاستثمارات.
- تفعيل القضاء التجاري، وتسهيل إجراءات تسجيل الشركات وحماية الحقوق.
- هيكلة المصارف
- إعادة هيكلة المصارف السورية ودمجها
- تغيير مجالس إدارات المصارف وإداراتها التنفيذية و "سورنتها" بحيث تكون الإدارات العليا 100 % من السوريين حصريًا ذو السمعة الحسنة والغير مرتبطين بشبكات عصابات النظام المخلوع.
التواصل مع وكالات التصنيف الائتماني:
- تقديم بيانات مدققة بشفافية، وفتح حوار مهني مع وكالات مثل Moody’s وS&P وFitch لتحسين تقييم البيئة الاقتصادية السورية.
رابعًا: تعزيز الرقابة الديمقراطية والمساءلة
تعزيز دور مجلس الشعب والمجالس المحلية في الرقابة:
- تفعيل الدور الرقابي لمجلس الشعب على الحكومة والمؤسسات العامة من خلال جلسات استجواب ومساءلة علنية.
- دعم استقلالية المجالس المحلية المنتخبة، وتوسيع صلاحياتها في الرقابة على أداء الخدمات العامة والمالية المحلية.
وجوب مصادقة مجلس الشعب على الاتفاقيات الكبرى:
اشتراط تصديق مجلس الشعب على أي اتفاقيات دولية تتضمن:
- الحصول على قروض أو تمويلات من مؤسسات دولية.
- بيع أو تخصيص أو تأجير مؤسسات القطاع العام أو أصول الدولة الاستراتيجية.
- تعزيز مبدأ الشفافية البرلمانية ونشر نصوص الاتفاقيات ومداولاتها.
خامسًا: الاستعداد المؤسَّسي لرفع العقوبات
- تأهيل موظفين بشهادات معتمدة في مكافحة الجرائم المالية بما فيها غسيل الأموال، تمويل الإرهاب، والفساد الإداري، التهرب الضريبي.
- تطوير البنية التحتية التكنولوجية في القطاعين العام والمالي، لتلبية متطلبات الامتثال الدولية.
- التواصل مع الشركات العالمية للحصول على عدة خيارات لأفضل الأنظمة الرقمية وتقييمها، وتحليل العروض، واختيار الأنسب منها، وتدريب الكوادر عليها.
- إعادة الإعمار
إن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية أو مالية، بل هي أيضًا إعادة تأسيس لهوية المجتمع الجمعية، ولمفهوم المواطنة والعدالة، لذا يجب أن تكون هذه العملية شفافة، عادلة، ديمقراطية وتخضع لرقابة مجتمعية تضمن عدم استثمارها سياسيًا لمصلحة قوى الأمر الواقع أو القوى الساعية لإعادة إنتاج سلطتها عبر أدوات الإعمار، على حساب العدالة والإنصاف للمجتمعات المنكوبة.
إن إعادة الإعمار في سوريا مسألة مركزية لتسهيل عودة السوريين النازحين داخليًا والمهجرين خارجيًا، لكنّ تحديات إعادة الإعمار هائلة جدًا، فهي لا تتعلق فقط بالتمويل الذي تحتاج إليه سوريا، فالبنى القانونية بشكلها الراهن تقف عائقًا أمام إعادة الإعمار. إنّ شكل نظام الحكم وبناء مؤسسات الدولة والأنظمة والقانونية تلعب أدوارًا حاسمة في تسريع عملية إعادة الإعمار أو في إعاقتها. فمن دون نظام قضائي حياديٍ، مستقلٍ، عادلٍ وسريع الإجراءات، ومن دون نظام مصرفي شفاف، نزيه وفعال، ومن دون نظامٍ ماليٍ متوافق مع الأنظمة العالمية، ومن دون نظامٍ ضريبيٍ وجمركيٍ يسمح بتدفق رؤوس الأموال والشركات والخبرات، لن تتمكن سوريا من إنجاز هذه المهمة الكبيرة.
في هذا السياق، هناك ضرورة لجعل حاجات الضحايا معيارًا أساسيًا في سياسة إعادة الإعمار، وعدم السماح للمستثمرين ورجال الأعمال السوريين المتورطين بجرائم النظام السابق بالمشاركة قبل مرورهم على آليات المساءلة والمحاسبة، وضمان عدم احتكار إعادة الإعمار من جانب جهات مرتبطة بالإدارة الجديدة، وضمان أن تكون مشاريع إعادة الإعمار مستدامة وتخدم جميع السوريين، والاستفادة من الخبرات السورية في الخارج لدعم عملية الإعمار.
- عودة اللاجئين والنازحين
يرتبط ملف اللاجئين والنازحين بملفي العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار، ويجب أن يكون ذا أولوية في المرحلة الانتقالية وعلى طاولة الحكومة المقبلة. يرى حزب الجمهورية أن تحقيق العودة الطوعية يتطلب خلق بيئة مستقرة وآمنة، ووضع آليات حوكمة ورقابة فعالة لضمان عدم استغلال الملف سياسيًا وللحفاظ عليه ضمن الأطر الوطنية، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية لضمان عدم تكرار الانتهاكات ومنع إعادة إنتاج الاستبداد، ضمان عودة اللاجئين ضمن بيئة آمنة قائمة على نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان والمواطنة، وإيلاء ملف حقوق السكن والأرض والملكية الأولوية لما له من أهمية في عودة النازحين والمهجرين.
بناء العلاقات مع المحيطين الإقليمي والدولي
تحولت سوريا خلال سنوات الصراع إلى ساحة تنافس مفتوح بين القوى الإقليمية والدولية، التي سعت لتعزيز نفوذها وتحقيق مصالحها الاستراتيجية في البلاد. وقد أقامت هذه القوى شبكات معقدة من النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي داخل سوريا؛ ما يجعل أي حكومة جديدة تواجه تحديًا كبيرًا يتمثل بتفكيك هذه الشبكات، واستعادة سيادة الدولة من خلال بناء مؤسسات مستقرة. وتمثل مسألة التعامل مع القواعد العسكرية الأجنبية في سوريا تحديًا إضافيًا مهمًا، لضمان ألا تصبح هذه القواعد مصدرًا للتدخل في القرارات السيادية، وينبغي أن يكون الموقف واضحًا في هذه النقطة بالوقوف ضد استمرار أي وجود أجنبي عسكري على الأرض السورية.
وعلى الرغم من المواقف الإيجابية التي أبدتها الدول العربية إزاء التغيير في سوريا، تواجه الحكومة الجديدة تحديات كبيرة تثير قلق هذه الدول. ويتمثل أبرز هذه التحديات في المخاوف الأمنية المرتبطة بانتشار الجماعات المسلحة، وتدفق اللاجئين، وتهريب الأسلحة والمخدرات. إضافةً إلى ذلك، فإن الخلفية السلفية الجهادية للحكومة تثير مخاوف لدى العديد من هذه الدول التي تخشى من أن تنعكس التجربة السورية على أوضاعها الداخلية. ومع ذلك، تجد الحكومة نفسها في وضع أفضل نسبيًا؛ نتيجة ارتياح بعض الدول الخليجية لفك ارتباط سوريا بالمحور الإيراني. وتبرز على الجانب الآخر مخاوف سوريّة من التدخل المباشر لبعض الدول في دعم العصيان المسلح، مستغلةً تعدد الفصائل المسلحة. إن من أهم ضمانات منع حصول ذلك، هو توحيد الفصائل المسلحة في جهاز عسكري واحد، سواء أكان قوات أمن وطني أم الجيش نفسه.
- الاعتراف الدولي ورفع العقوبات
تواجه السلطات السورية الجديدة تحديات جسيمة في محاولتها رفع العقوبات الدولية؛ إذ تصطدم بمعضلة تصنيف أبرز فصائل إدارة العمليات العسكرية، ممثلة بهيئة تحرير الشام، منظمات إرهابية ضمن لوائح الأمم المتحدة، ومن ثم يعرقل هذا التصنيف الاعتراف بالحكومة الراهنة بوصفها شريكًا سياسيًا في المجتمع الدولي، ويقوّض قدرتها على تحقيق تعاون اقتصادي ودبلوماسي.
قد يفرض تصنيف هيئة تحرير الشام، ضمن قوائم الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، قيودًا صارمة على أي تعاون دولي مباشر أو غير مباشر مع المناطق التي تخضع لنفوذ الهيئة؛ ما يعقد وصول المساعدات الإنسانية والتنموية إلى تلك المناطق. ويتطلب حل هذه المعضلة من الحكومة السورية الجديدة اتخاذ خطوات متعددة تشمل: تقديم ضمانات دولية بعدم التعامل مع الجماعات المصنفة إرهابية، وتطبيق سياسات فعالة لمحاربة التطرف العنيف واحتكار الدولة للسلاح، فضلًا عن تعزيز الشفافية في إدارة المساعدات الدولية والانفتاح على أفراد وقوى سياسية مدنية معارضة، يكون لها دور في إدارة الحكومة لإعادة بناء الثقة الدولية ورفع العقوبات الاقتصادية تدريجيًا.
- التحدي الإسرائيلي
نفذت القوات الجوية الإسرائيلية ما وصفته بأنه "أكبر عملية جوية في تاريخها"، استهدفت من خلالها تدمير البنية التحتية للجيش السوري، بمشاركة السفن الحربية الإسرائيلية. وتُركّز إسرائيل في عملياتها العسكرية، سواء المباشرة أو عبر الضربات الجوية، على تدمير منشآت الدفاع الجوي، ومخازن الأسلحة، وقواعد الصواريخ، من أجل تحويل سوريا إلى دولة منزوعة السلاح، وحرمان الجيش السوري المستقبلي من القدرة على إعادة التنظيم بوصفه قوةً مركزيةً، واستعادة أراضيه المحتلة أو ردع إسرائيل عن الاعتداء عليها. ومن ثم، تصبح أي حكومة سورية مقبلة مكبلة بشروط جيوسياسية وأمنية، تجعلها غير قادرة على الاضطلاع بدور فاعل في مواجهة التحديات الإقليمية؛ ما يساهم في إعادة رسم معادلات القوة الإقليمية لصالح إسرائيل وحلفائها. وتهدف إسرائيل من هذا العدوان إلى جر السلطات الجديدة في دمشق إلى التفاوض معها، وتبيين نياتها بشأنها، بحيث تكون دولة الاحتلال في موقع الإملاء على سوريا، وتهمش قضية الجولان المحتل بعد أن احتلت أراضي إضافية.
تعلم إسرائيل جيدًا طبيعة الوضع في سوريا وطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر فيها بعد سقوط الأسد، فسوريا اليوم بلد مهشَّم عسكريًا ومدمَّر اقتصاديًا، وليس هناك بالنسبة إليها ما هو أفضل من هذه المرحلة لتفرض قواعد اشتباك جديدة، ولا سيَّما بعد إنجازاتها العسكرية خلال عام 2024 بتهديم غزة في فلسطين، وتقزيم حزب الله في لبنان، وحصر النفوذ الإيراني في المنطقة. تريد إسرائيل سلامًا من دون إعادة الجولان إلى سوريا، وتطمح من العمل العسكري الذي تقوم به أن يصبح أعظم أحلامنا هو العودة إلى اتفاقية فصل القوات في عام 1974.
من جانب آخر، لا تطمئن إسرائيل لطبيعة السلطة القائمة في دمشق بحكم أيديولوجيتها المعادية لإسرائيل، كما لا يغيب عنها أيضًا التراث السوري عمومًا الرافض لإسرائيل، ولذلك يدخل عملها في سياق العمل الاستباقي لأي مخاطر يمكن أن تأتيها من جهة الحدود السورية. إضافة إلى ذلك، فإنها تطمح أن تؤدي تدخلاتها العسكرية إلى خلخلة النسيج السوري بما قد يؤدي إلى حالة مستمرة من عدم الاستقرار في سوريا أو إلى تقسيمها بما يلغي أي خطر سوري عليها مستقبلًا، ويسمح لها بالدخول في تحالفات سياسية وعسكرية مع قوى سورية متبلورة أو قابلة للتبلور.
ولا نستطيع أيضًا استبعاد الأهداف الإسرائيلية الأخرى الكامنة خلف عملها العسكري، والمتمثلة بقطع الطريق على عودة إيران إلى سوريا أو تمكن تركيا من تقوية نفوذها في سوريا بطريقة قد تشكل خطرًا في مراحل لاحقة.
كيف نواجه إسرائيل في اللحظة الراهنة؟ إن المرتكزات الرئيسة في المواجهة تنطلق من الاقتناع أولًا بأهمية الداخل السوري في المواجهة، وثانيًا من الإيمان بضرورة الحل السياسي في الداخل. كيف السبيل إلى ذلك؟
1. لا تحتاج السلطة الراهنة إلى خطاب تسويغ ولا إلى خطاب شعبوي انتحاري، أي لا تحتاج إلى من يسوِّغ عدم مواجهتها لإسرائيل عسكريًا في اللحظة الراهنة، ولا تحتاج إلى خطاب يركز على ضرورة مواجهة إسرائيل وعدم السكوت على اعتداءاتها.
2. لا مخرج من دون أن تعبِّر السلطة الراهنة بوضوح عن رغبتها في إنجاز حلٍّ سياسي وبرنامج سياسي انتقالي واضح المعالم، من خلال مؤتمر وطني سوري حقيقي يهدف من دون لبس إلى بناء دولة وطنية ديمقراطية، دولة حق وقانون ومؤسَّسات، على أساس المواطنة المتساوية. من دون ذلك ستجد إسرائيل ألف مدخل لتنفيذ مشروعها. هذا يعني أن متانة الجبهة الداخلية هو أساس كل مواجهة خارجية.
3. تحتاج السلطة الراهنة إلى التماسك والشرعية، وهذان غير قابلين للتحقق من دون السوريين، من دون إشراك السوريين وتحمّلهم المسؤولية إلى جانبها. ويحتاج السوريون إلى الثقة بالسلطة الراهنة، وهذه غير ممكنة التحقّق على نطاق عام ووطني من دون أن يشعروا بأنهم مشاركون في القرارات المصيرية التي تتعلق بواقعهم ومستقبلهم.
4. أما ذهاب السلطة في طريق الاعتماد على العلاقات الخارجية، ونسج علاقات أو تفاهمات دولية وإقليمية وحسب، فهو غير مضمون، ولا يُتوقع له النجاح في هذه اللحظة العاصفة، ولن يجلب للسوريين الثقة بدولتهم، وستكون السلطة الراهنة مضطرة إلى تقديم تنازلات متنوعة أمام إسرائيل، وغيرها، في سبيل ضمان استمراريتها وحسب.
5. الحل السياسي الداخلي له جملة من الركائز: إعلان دستوري وطني، بناء نظام وطني ديمقراطي لامركزي، حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية، ضمان الحريات بجميع أشكالها، بناء جيش وطني وأجهزة أمنية على أسس وطنية، برنامج واضح للعدالة الانتقالية يتعامل مع الانتهاكات الحاصلة خلال 14 عامًا، قضاء عادل ومستقل ونزيه يتعامل مع الانتهاكات الحاصلة خلال الأشهر الفائتة. وهنا تصبح مسألة حصر السلاح بيد الدولة مسألة طبيعية ومتوقعة، وكل جهة ترفض هذا الاتجاه تصبح خارجة على القانون وينبغي للجميع مواجهتها.
6. مع هذا الحل ستكون السلطة الراهنة أقوى، وشرعيتها أعلى، وثقة السوريين بها أكبر، وستكون سوريا دولة أكثر استقرارًا وأكثر قبولًا في العالم، ما يزيد من احتمالات وقوف كثير من الدول إلى جانبها لمنع إسرائيل من الاستمرار في عدوانها على أقل تقدير.
الإعلان الدستوري
صدر الإعلان الدستوري، وكانت هناك ملاحظات كثيرة عليه من كثير من السياسيين والقانونيين، فضلًا عن قطاعات واسعة من الشعب السوري. لكن، كانت هناك ملاحظات جوهرية تتعلَّق بالدلالات السياسية التي يمكن استشفافها من طريقة الوصول إليه والمفاهيم القابعة في خلفيته واستجابته للحظة السياسية التي تمرُّ بها سوريا، وتتمثَّل بـ: غياب المجتمع السياسي، والفلسفة السياسية، والواقع السياسي.
1- الدستور مسألة سياسية أولًا: إن كتابة الإعلان الدستوري أو الدستور ليست مسألة قانونية بحت، بل مسألة سياسية بالدرجة الأولى. فالأولوية في كتابة الدستور هي للمجتمع السياسي السوري (القوى والتيارات السياسية)، أي لا بدَّ من إنتاج توافق سياسي سوري أولًا على عدد من المسائل الجوهرية التي تتعلق بالدولة والسلطة والشعب والمواطنة (وهذه كلها قضايا سياسية)، ومن ثم تُحال التوافقات على لجنة دستورية قانونية لتحوِّل الاتفاق السياسي وتترجمه إلى مواد قانونية. إن حصر الإعلان الدستوري (أو الدستور) بالقانونيين يؤدي إلى ضياع البوصلة الرئيسة التي تنظر إلى الدستور بوصفه عملًا سياسيًا من طراز رفيع بالدرجة الأولى.
2- غياب الفلسفة السياسية: يفتقد الإعلان الدستوري إلى التماسك المنهجي أو إلى فلسفة سياسية واضحة ومتماسكة. فقد جمع الإعلان الدستوري بين عدد من المفاهيم التي لا تشكل كلًّا واحدًا ومتماسكًا، مثل: الحديث عن التزام الشرعة الدولية لحقوق الإنسان من جهة، وعدم الحديث عن النظام الديمقراطي من جهة ثانية، مع أن تعبيري الديمقراطية والنظام الديمقراطي يتكرران عشرات المرات في شرعة حقوق الإنسان. وهذا يعني أنه كُتب في ظل عدم وجود فلسفة سياسية واضحة المعالم، ما جعله حافلًا بكثير من التناقضات. فأي دستور (أو إعلان دستوري) يمثل رؤية في الحياة وبناء الدولة والسياسة، لكن هذا الإعلان الصادر عبارة عن تجميع لمفاهيم متعارضة بصورة انتقائية من جهة، ووضعها بطريقة تخدم تمركز السلطة وإنتاج استبداد من نوع آخر من جهة ثانية.
هناك، على سبيل المثال، عدم وضوح في المفاهيم المستخدمة أو هناك خلط في ما بينها، مثل الخلط بين مفاهيم الدولة والسلطة والحكومة والنظام السياسي، فهذه مفاهيم مختلفة عن بعضها بعضًا، وإن وضوح الفوارق والمساحات الفاصلة والتداخلات في ما بينها ضروري لبناء نظام ديمقراطي مؤسَّساتي، فهذا الخلط، جهلًا أو قصدًا، يؤدي عمليًا إلى إعادة إنتاج الاستبداد، ولا سيَّما عندما اختُزلت جميعها في الإعلان بتعبير السلطة التنفيذية. وهناك أيضًا غياب للتحديد الدقيق لبعض هذه المفاهيم والترابط بينها، فالدستور يُبنى اعتمادًا على وضوح ثلاثية الدولة السورية
3- غياب الواقع السياسي: يغيب عن الإعلان الدستوري الواقع السياسي السوري، فهذا الإعلان يأتي بعد ثورة وحرب وتمزق وكراهية واقتصاد مدمر وتدخلات خارجية هائلة وغيرها، وكان الأولى به أن يلحظ ذلك كله من خلال الابتعاد عن إعادة إنتاج المركزية ومنطق تثبيت الغلبة، ومن خلال تثبيت ما يمكن أن يجمع السوريين كلهم (القواسم المشتركة). إن الاعتقاد اليوم بأن حكم سوريا ممكنٌ من دون "نظام لا مركزي" هو اعتقاد واهم، ومثله وهم الاعتقاد بأن منطق الغلبة يمكن أن يؤدي بسوريا إلى برّ الأمان.
- الدستور الجديد
يُعدُّ صوغ دستور جديد لسوريا من أولى الخطوات الأساسية في بناء الدولة بعد المرحلة الانتقالية؛ فهو يمثّل العقد الاجتماعي الذي ينظِّم العلاقة بين الدولة ومواطنيها، ويهدف إلى إرساء قيم الديمقراطية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية، بما يضمن مشاركة جميع فئات الشعب السوري في بناء مستقبلهم على أسس متينة وشاملة:
عمل اللجنة الدستورية: تُكلَّف اللجنة الدستورية بصوغ دستور جديد يعكس تطلّعات الشعب السوري، ويجري تشكيلها بناءً على معايير واضحة تضمن استقلالها وكفاءتها، وتحدد مهماتها بصياغة دستور جديد يسعى إلى:
- تحديد شكل الدولة ومؤسساتها، عبر مواد تحدد شكل الدولة بوصفها دولة وطنية ديمقراطية تضمن حقوق جميع المواطنين، ووضع نصوص واضحة تنظِّم عمل السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)؛ لضمان الفصل بينها وتجنّب الاستبداد.
- ترسيخ قيم الديمقراطية، عبر نظام سياسي يضمن إمكانية تداول السلطة سلميًا ودوريًا، وإرساء مبدأ سيادة القانون بحيث يكون الجميع متساوين أمامه من دون أيّ استثناءات.
- تعزيز التعددية السياسية، من خلال نصوص قانونية تضمن حرية تأسيس الأحزاب والجمعيات السياسية.
- إدراج مواد تضمن حقوق الإنسان وتنص على الحقوق المدنية والسياسية (مثل حرية الرأي والتعبير، وحرية التجمع السلمي، وحرية الصحافة)، وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (بما يشمل الحق في التعليم والصحة والسكن).
- حماية حقوق مختلف فئات المجتمع السوري، وذلك بتحقيق المساواة الكاملة على أساس المواطنة وضمان عدم التمييز أو إقصاء المنتمين إلى جماعات محددة عن المشاركة السياسية، وحماية الحقوق الثقافية الجماعية، واعتماد النظام اللامركزي.
- تمكين الفئات المهمشة، بما يشمل تعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة من خلال تخصيص نسبة معيّنة للتمثيل النسائي في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وإدراج نصوص تدعم حقوق الشباب وتشجع مشاركتهم في صنع القرار، وتمكين ذوي الإعاقة وضمان حقهم في التعليم والعمل والمشاركة السياسية.
آليات عمل اللجنة الدستورية: لضمان نجاح اللجنة الدستورية في تحقيق مهماتها، تُعتمد آليات عمل محددة تشمل:
- التشكيل المتوازن: تضمّ اللجنة خبراء قانونيين وسياسيين من مختلف فئات المجتمع السوري، مع تمثيلٍ عادل للمرأة والشباب والأقليات لضمان شمولية المخرجات.
- إجراءات شفافة ومشاركة شعبية: عقد جلسات علنية لإعلام المواطنين بمسار كتابة الدستور وضمان مشاركتهم في المناقشات، واستقبال المقترحات من المواطنين والمجتمع المدني، بما يضمن أن يعكس الدستور تطلعات الشعب.
- الاستفادة من الخبرات والتجارب الدولية: دراسة تجارب الدول الأخرى في صياغة دساتيرها بعد النزاعات للاستفادة من أفضل الممارسات.
يُعرض الدستور الجديد على استفتاء شعبي عام لضمان شرعيته، وفقًا لآليات تضمن الشفافية والصدقية، بوجود إشراف مستقل من جانب لجنة وطنية مستقلة للإشراف على تنظيم الاستفتاء، مع ضمان وجود مراقبين محليين ودوليين لمتابعة سير عملية الاستفتاء، وتقديم تقارير عن نزاهتها، وضمان الشمولية من خلال تمكين اللاجئين والنازحين داخليًا من المشاركة في الاستفتاء عبر آليات ميسّرة، وتوفير التوعية الكافية حول محتوى الدستور الجديد بما يضمن نجاح عملية التصويت، والإعلان عن نتائج الاستفتاء بطريقة شفافة ومباشرة عبر مختلف وسائل الإعلام.
قانون الانتخابات
يرى الحزب أن أي عملية انتخابية يجب أن تستند إلى إطار قانوني واضح يضمن نزاهة الانتخابات، وإجراءات رقابة مستقلة لمنع أي تجاوزات قد تؤثر على شفافية الانتخابات، ومعايير تمثيل متوازنة لضمان عدم إقصاء أي فئة سورية لكن من دون الانزلاق في المحاصصة الطائفية والإثنية، وتشكيل هيئة مستقلة ومحايدة لتنظيم العملية الانتخابية بعيدًا عن التدخل السياسي لأي سلطة قائمة.
العملية الانتخابية
تُعدّ الانتخابات الحرة والنزيهة المحطة النهائية في المرحلة الانتقالية، حيث تمثّل تتويجًا للجهود المبذولة في إعادة بناء المؤسسات وضمان مشاركة الشعب السوري في تقرير مصيره. وتُعتبر أساسًا لإضفاء الشرعية على النظام السياسي الجديد، وتحديد القيادة التي ستتولى إدارة شؤون الدولة خلال مرحلة الاستقرار.
- التنظيم الدقيق للانتخابات: تتطلب الانتخابات الناجحة تنظيمًا دقيقًا لضمان شفافيتها ونزاهتها، وتشمل الإجراءات التالية:
- إعداد الإطار القانوني والتنظيمي: صياغة قانون انتخابات جديد يضمن التعددية السياسية، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة للإشراف على الانتخابات تتمتع بالاستقلالية والحياد، وتنظيم حملات توعية للناخبين حول أهمية الانتخابات وآلياتها لضمان مشاركة فعّالة.
- تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ونزيهة: إجراء انتخابات برلمانية لتشكيل مجلس تشريعي يمثّل إرادة الشعب ويُشرف على سنّ القوانين ورقابة الحكومة، وانتخابات رئاسية لاختيار رئيس للدولة وفقًا للدستور الجديد، والالتزام بجدول زمني محدد لإجراء الانتخابات في إطار المرحلة الانتقالية.
- ضمان مشاركة كافة المواطنين في الداخل والخارج: توفير آليات تصويت للنازحين داخليًا واللاجئين في الخارج بالتنسيق مع الدول المضيفة، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، مثل التصويت الإلكتروني، في المناطق الآمنة لتسهيل المشاركة.
- الإشراف الدولي والمحلي: تجري دعوة منظمات دولية متخصصة مثل الأمم المتحدة؛ للإشراف على الانتخابات لضمان نزاهتها، وإشراك منظمات المجتمع المدني المحلي في متابعة العملية الانتخابية وتقديم تقارير عن سيرها.
- ضمان أمن العملية الانتخابية: يجري تأمين مراكز الاقتراع لضمان عدم التدخل أو الترهيب، ومراقبة العملية الانتخابية لمنع أيّ محاولات للتزوير أو التأثير في الناخبين.
- ضمان الشمولية في الانتخابات لضمان تمثيلٍ عادل وشامل لجميع فئات الشعب السوري، يجب اتخاذ تدابير خاصة تشمل:
- تمكين المرأة والشباب: تخصيص نسبة معينة من المقاعد تضمن حدًّا أدنى لتمثيل النساء، ووضع برامج خاصة لتشجيع الشباب على الترشح والمشاركة في العملية السياسية.
- مشاركة مختلف فئات الشعب السوري: ضمان تمثيل عادل للفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية والمحافظات، لكن من دون أن يصبَّ ذلك في خانة المحاصصات الطائفية، وضمان التنوع في قوائم مرشحي جميع الأحزاب، وتوفير بيئة سياسية تضمن حرية التعبير والمشاركة لكل الفئات من دون تمييز.
- إعادة دمج النازحين واللاجئين: تسهيل عودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية لضمان مشاركتهم في الانتخابات، وتوفير وثائق تعريفية للمواطنين الذين فقدوا أوراقهم الرسمية خلال النزاع؛ لضمان حقّهم في التصويت.
- الإجراءات اللوجستية والفنية للانتخابات: يتطلب تنظيم الانتخابات، على المستوى اللوجستي والفني، ما يلي:
- إعداد قوائم الناخبين، أي إنشاء قاعدة بيانات وطنية محدثة تضم جميع المواطنين المؤهّلين للتصويت.
- تنظيم الحملات الانتخابية: ضمان تساوي الفرص لجميع المرشحين في الوصول إلى الناخبين من خلال وسائل الإعلام والفعاليات العامة، ومنع استخدام المال السياسي أو الموارد العامة في الحملات الانتخابية.
- مراقبة الانتخابات: يجب نشر مراقبين دوليين ومحليين في جميع مراكز الاقتراع لمتابعة سير العملية الانتخابية، وإنشاء خط ساخن لتلقّي الشكاوى والانتهاكات التي ربما تحدث أثناء الانتخابات.
- إعلان النتائج: تعلن الهيئة الوطنية للانتخابات عن النتائج بطريقة شفّافة ومباشرة، ويجري توفير آليات للطعن في النتائج أمام قضاء مستقل؛ لضمان معالجة أيّ اعتراضات بصورة عادلة.
الحراك السياسي بعد الثامن من ديسمبر
بدأ في سوريا حراك سياسي واسع منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2025، بعد سقوط نظام الأسد، لكن هذا الحراك تتخلَّله عيوب عديدة؛ قسم كبير منها قديم متجدِّد، ولا سيَّما لجهة اتّصافه بثلاثية الفوضى والتسرّع والتكرار.
1- تحالفات هشة: طوال أربعة عشر عامًا، بُنيت تحالفات سياسية سورية عديدة، وعُقدت مؤتمرات كثيرة، لكن جميعها طُبخ بصورة سطحية، فكانت أقرب إلى الفقاعات الإعلامية، وبُني بعض هذه التحالفات أو المؤتمرات وفق إرادات إقليمية ودولية، فكانت تحالفاتٍ هشّة أو اعتباطية أو تابعة، سريعة التشكُّل والانحلال، وتفتقد إلى الحدِّ الأدنى من شروط بناء التحالفات وأسسها، وبعيدة جدًا عن الأداء السياسي العاقل والرزين والصبور والمثابر (وضوح الرؤية، البرنامج السياسي المتدرج والمتماسك، الخطاب السياسي العقلاني، الآليات المحدَّدة، الكوادر والأدوات الفاعلة، الخطة الواضحة والمتدرِّجة). يُلاحظ اليوم أن هذا المشهد يتكرر على الرغم من حدوث تغيير جوهري في الواقع السوري يتمثل بإسقاط نظام الأسد.
لم تستطع تلك المؤتمرات والتحالفات والهياكل السياسية السائدة، قديمًا وحديثًا، إلا ما ندر، أن تنتج حالة سياسية متماسكة تجيب عن المشكلات الحقيقية التي تخصُّ السوريين، وما زال دورها مقصورًا على رفع شعارات عامة بلا رؤية تفصيلية ولا خطة ولا برنامج عمل. كانت هذه التحالفات أقرب إلى "اللمَّات" التي تجمع قوى سياسية تسعى لأن تكون موجودة في كل تحالف سياسي، ما أفقد فكرة التحالف السياسي معناها وجديتها.
ليس من الحكمة إنتاج فقاعات جديدة في ظلِّ واقع سوري أقرب ما يكون إلى أرضٍ رمليةٍ قادرة اليوم على ابتلاع القوى والتحالفات والمبادرات وسواها، إضافة إلى أنَّنا في حاجة إلى بناء قواعد وتقاليد راسخة للعبة السياسية، والاتفاق على مبادئ عامة في الممارسة السياسية، أي تحديد المقدسات والمحرمات في العمل السياسي السوري، قبل الشروع في بناء الجبهات والتحالفات والائتلافات.
2- حراك سياسي متسرِّع: على الرغم من إيجابية هذا الحراك السياسي وضرورته إلَّا أنه كان متسرعًا لجهة السير في الإعلان عن تحالفات وجبهات سياسية، والإفصاح بسرعة عن تشكيلات معارضة للسلطة الجديدة في سوريا. فهذه السلطة ما زالت غير مستقرة ولمّا تتضح معالمها بعد، ومن ثم من الطبيعي أن تكون المعارضة المتشكلة غير مستقرة هي الأخرى أيضًا؛ أي ما زال الوقت باكرًا لإعادة إنتاج مفهوم المعارضة في الواقع السوري الجديد على أسس مغايرة.
من المهم نقد السلطة القائمة ومتابعة قراراتها وخطابها وأدائها في هذه المرحلة الانتقالية المحفوفة بالقلق والمخاطر والفرص بعين ترى الإيجابيات والسلبيات في آنٍ معًا إلى أن تتبلور وتتضح معالمها وتوجهاتها بما يسمح بتكوين معارضة متماسكة على المستويين السياسي والتنظيمي. لكن الأهم هو بناء القوى والتشكيلات السياسية الجديدة بدلالة الوطنية السورية والمصالح الوطنية وحاجات الشعب السوري أولًا لا بدلالة أي سلطة قائمة.
3- اصطفافات سياسية جديدة: مع سقوط نظام الأسد، ستتلاشى تدريجًا قوى سياسية معينة، أكانت موالية أم معارضة للنظام السابق، لأسباب مختلفة، بعضها سياسي وبعضها الآخر أيديولوجي، وسنكون أمام اصطفافات سياسية جديدة، وربما تلتقي أقسام من معارضي النظام السابق مع أقسام من مواليه، وستنمو في الحصيلة قوى جديدة. قد يكون هذا مؤلمًا ومحرجًا لكنه من طبيعة سير الأمور عبر التاريخ، وينبغي لنا أن نحتمل آلامه ومخاضاته لأن "الكتلة الانتخابية السورية"، أي كتلة السوريين القابلة للانخراط في السياسة، أوسع كثيرًا من "الكتلة الثورية السورية" إن جاز التعبير. لكن هذه الاصطفافات الجديدة لن تعيش ما لم تذهب كثير من قواها السياسية في طريق مراجعة الذات ونقدها وبناء تصورات جديدة وعقد مؤتمراتها بهدف انتخاب قيادات جديدة بدلًا من قياداتها المترهلة، ولا سيَّما تلك التي اتخذت مواقف بائسة من الثورة السورية، ووقفت إلى جانب الاستبداد.
4- طريقة التفاعل مع مبادرة السلطة لعقد "مؤتمر حوار وطني": هناك ثغرات عديدة في دعوة السلطة لعقد "مؤتمر حوار وطني" بدلًا من "مؤتمر وطني سوري"، ولا شك في أن أهمها هو كون الأول مؤتمرًا حواريًا من دون صلاحية اتّخاذ القرار على عكس الثاني الذي يشير إلى مشاركة سورية حقيقية في رسم مستقبل سوريا، فضلًا عن القصور في طريقة تشكيل اللجنة التحضيرية، وترك مسألة اختيار المشاركين في المؤتمر للهيئة التحضيرية تحت إشراف السلطة القائمة، ما يعني تحكم السلطة في المؤتمر من البداية إلى النهاية، وهذه كلها عيوب تفرغ المؤتمر من مضمونه وأهدافه. لكن هذا لا يسوِّغ دعوة بعض القوى السياسية إلى عقد مؤتمر وطني موازٍ أو بديل من دون مشاركة السلطة القائمة، فهذه دعوة معدومة القيمة؛ لأن أي مؤتمر لا تشارك فيه السلطة القائمة لن يكون مؤتمرًا وطنيًا سوريًا، وستكون قراراته ومخرجاته معدومة الفاعلية.
5- بناء الحقل السياسي السوري: بعد نجاح الثورة السورية في تحقيق أوَّلِ أهدافها المتمثل بإسقاط نظام الأسد البائد، تبرز أهمية شديدة لبلورة حقلٍ سياسيٍّ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ سوريٍّ؛ حقلٍ ذي مبادئ سياسية راسخة، ويلتزم مدونةَ سلوكٍ سياسية تُحدِّد تخوم حركة جميع قواه وتياراته وتضبط أداءها استنادًا إلى جملة من المعايير والضوابط الضرورية والجوهرية. يحتاج الحقل السياسي السوري، إلى مجموعة من المحدِّدات والضوابط التي تنظِّم العمل السياسي وتراقب أداء العاملين في الحقل السياسي، وتكتسي هذه الضوابط والمعايير في اللحظة الراهنة صبغة أخلاقية بالضرورة بحكم المرحلة الانتقالية التي يمر فيها بلدنا، لكنَّ هذا لا يقلِّل من أهميتها؛ من أجل بناء تحالفات سياسية حقيقية ومتماسكة مستقبلًا، ومن أجل تحويل معانيها الأخلاقية إلى قوانين واضحة مع كلِّ خطوةٍ نسيرها باتجاه سوريا الجديدة، ولا سيَّما ما يتعلق باستصدار قانون عصري ينظِّم عمل الأحزاب السياسية.
- نحو قانون أحزاب عصري وديمقراطي
عرفت سوريا حياة سياسية نشيطة قبل انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي في مارس/آذار 1963، حيث كانت التيارات السياسية كافة حاضرة في سوريا من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، واستطاعت حتى في ظل الانقلابات العسكرية المتكررة أن تحافظ على دورها نوعًا ما، واستمر البرلمان السوري رمزًا لنشاط هذه الأحزاب، حتى جاء البعث، ومن ثم سيطرة حافظ الأسد على الحكم، بعد تنفيذه انقلابًا عسكريًا في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1970، حيث تم القضاء على الأحزاب السياسية، وتحول بعضها إلى العمل السري، لكن القمع الشديد لم يسمح لها بالانتشار أو البقاء بشكل حقيقي وملموس.
يفتقد المشهد السوري اليوم إلى عنصر رئيس هو الأحزاب السياسية التي يشكل غيابها تهديدًا لشكل سوريا المستقبلي، بل قد يعرقل عملية التحول الديمقراطي المنشودة من السوريين، بعد سقوط نظام بشار الأسد، ويُضعف جهود البناء ويمنع الرقابة على المرحلة الانتقالية والقرارات السياسية الحكومية، فضلًا عن أن غياب الأحزاب سيخلق فراغًا سياسيًا يمكن أن تملأه الفوضى والصراعات، بما يسمح باستشراء الخطاب الشعبوي المدعوم بقوة من قوى دينية وطائفية وعشائرية.
إن غياب الأحزاب عن المشهد العام يعني غياب الديمقراطية نفسها، فأحد أهم وجوه الديمقراطية هو صراع البرامج السياسية تحت قبة البرلمان، وفي وسائل الإعلام المختلفة في محاولة لاستقطاب أصوات الناخبين، وبعد أن يعطي الناخبون الحق لحزب أو لتحالف أحزاب لشغل مواقع اتخاذ القرارات تبقى الأحزاب المعارضة موجودة وتمثل نوعًا من الرقابة المجتمعية على أصحاب القرار. كذلك، فإن تداول السلطة، الذي هو الوجه الآخر للديمقراطية، يتيح أن يبقى الصراع على السلطة سلميًا وتحت قبة البرلمان وفي وسائل الإعلام.
لكن غياب الأحزاب السياسية عن المشهد اليوم لا يعود إلى قمع النظام السابق وحسب، بل إلى أسباب أخرى أيضًا تتعلق بطبيعة الأحزاب المعارضة ذاتها، تلك التي كانت موجودة سابقًا، سواء أكان من حيث بناها الفكرية والتنظيمية أو أدواتها في العمل السياسي أو رؤيتها إلى الممارسة السياسية. كذلك، أخفقت معظم المحاولات لبناء قوى سياسية جديدة خلال مرحلة الثورة لأسباب متنوعة، ذاتية وموضوعية، ما جعل المشهد خاليًا من أحزاب سياسية ذات وزن، وتمتلك القدرة على الفعل والتأثير.
على العموم، يبقى العامل الموضوعي الأهم الذي يمنع نشوء أو نمو أحزاب سياسية قوية هو غياب الإطار القانوني الذي ينظِّم عملية التأسيس، ويسمح للأحزاب بمزاولة عملها ونشاطها في مناخ ديمقراطي، فهذا الإطار سيشجِّع السوريين على التخلِّي عن الخوف من السياسة، ومن التبعات المترتبة على الانخراط في العمل السياسي.
يتمثل هذا الإطار القانوني بتشكيل هيئة مستقلة تسمى الهيئة العليا للأحزاب، يشكلها مجلس القضاء الأعلى أو مجلس الشعب، وتكون بميزانية مستقلة وغير ملحقة بأي جهة، وتكون مهمتها تقديم مشروع قانون للأحزاب السياسية ينظِّم الحياة السياسية في البلد، يُصادق عليه من مجلس الشعب، وتكون الهيئة مسؤولة عن منح التراخيص والإشهار للأحزاب السياسية ومتابعة نشاطها وفق مرجعية قانونية قضائية فقط.
يجب أن يكون قانون الأحزاب السياسية عادلًا وعصريًا وديمقراطيًا، وأن يكون واضحًا من حيث منع أي حزب سياسي من إقامة تشكيلات عسكرية، أو شبه عسكرية، علنية، أو سرية، أو استخدام العنف بأشكاله كافة، أو التهديد به، أو التحريض عليه، وأن يتضمن حلولًا قانونية لعدد من المشكلات التي ترتبط بتشكيل الأحزاب، مثل:
- مسألة إنشاء الأحزاب على أساس قومي/ عرقي أو ديني: أي إيضاح حدود المسموح والممنوع في هذه النقطة (التوجه الطائفي، العلاقات مع أحزاب أخرى دينية أو قومية غير سورية... إلخ).
- وضع ضوابط على الجانب المالي في الأحزاب: أي توضيح المسموح والممنوع في هذا المجال من حيث تحديد المجالات الاقتصادية وغير الاقتصادية التي يحق للأحزاب الاستثمار فيها، وحدود الصرف المالي في الحملات الانتخابية، ومصادر التمويل المسموحة، وإمكان وجود دعم رسمي من الدولة، وغيرها.
- الأحزاب تحت التأسيس: من الأهمية بمكان، وضع نص في القانون يشرعن الأحزاب تحت التأسيس، والتي يمكن أن تبدأ عملها بتقديم علم وخبر إلى لجنة الأحزاب، وتعطى مهلة لاستكمال شروط الترخيص.
- فهمنا للعمل السياسي
ينطلق فهمنا للعمل السياسي، في حزب الجمهورية تحت التأسيس، من حاجة سوريا بجميع أبنائها إلى التشارك في تحقيق نهضتها، وهذا يفترض بداهة العمل جنبًا إلى جنب مع القوى السياسية الأخرى في سبيل تحقيق هذا الهدف.
نجد أنفسنا اليوم بعيدين عن مفهوم المعارضة السياسية التقليدية الذي عملت تحت سقفه الأحزاب السرية السورية في عهد النظام البائد خلال العقود الستة الأخيرة، فخرجت عمليًا من السياسة والحياة والتأثير، ولذلك فإننا نطمح إلى الانخراط في عمل سياسي علني وإيجابي يقوم على المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والتشارك مع القوى السياسية والمدنية الأخرى، ومع السلطة الراهنة، في بناء الدولة السورية الجديدة، وفي إرساء قواعد دولة الحق والقانون والمؤسسات، والمساهمة الفاعلة في خطط التنمية والبناء، مع الاحتفاظ بمسافة نقدية من جميع القوى الفاعلة في الساحة السورية، من دون أن ندعي لأنفسنا امتلاك الحقيقة المطلقة في أي قضية كانت، كما نرفض هذا الادعاء من أي جهة أخرى بما فيها السلطة القائمة، لأن مثل هذا الادعاء سيكون من شأنه إعادة إنتاج التسلط والاستبداد، فالحقيقة المقبولة سياسيًا هي تلك التي ترتكز على مبدأ تعدُّد وجهات النظر، وتكون حصيلة لتشارك الجميع وتفاعلهم وفق الآليات الديمقراطية.
لذلك، فإننا ندعو، في حزب الجمهورية، إلى التشارك في إعادة إنتاج السياسة في مجتمعنا؛ فصناعة السياسة هي ذاتها عملية بناء الدولة، وكلما تجذرت السياسة ابتعد شبح العنف. لكن هناك سياسة وسياسة أخرى؛ هناك سياسة تتغذى بالوهم وترتكز على الخداع وتنشر التضليل وتتاجر بمصالح البشر، وسياسة أخرى مغايرة نطمح أن نكون من أهلها: سياسة تطير بجناحين؛ جناح الفكر والمعرفة، وجناح الأخلاق والمسؤولية. سياسة تضع الإنسان في مركز اهتماماتها، تبدأ منه وتعود إليه، سياسة تُنتج الفرح وتتوخّى سعادة الإنسان. سياسة تؤمن بالاختلاف بوصفه أبرز صور الحرية وأهمَّ تجلِّياتها. سياسة تؤمن بالتاريخ بوصفه خيرَ معلِّم، لكنها ترفض العيش في الماضي. سياسة تعيش في العصر الحاضر، وتتوافق مع منطقه وروحه، وتنشد التقدّم. سياسة تُبنى بالإرادة والوعي والتنظيم والتراكم والحوكمة. سياسة تؤمن بالدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة بوصفها حاضنةً لكلِّ التنوّع السوري، والسبيل الوحيد لحريتنا وكرامتنا. سياسة تنشد العمل بين الناس، ومعهم، ومن أجلهم.
بدأ في سوريا حراك سياسي واسع منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2025، بعد سقوط نظام الأسد، لكن هذا الحراك تتخلَّله عيوب عديدة؛ قسم كبير منها قديم متجدِّد، ولا سيَّما لجهة اتّصافه بثلاثية الفوضى والتسرّع والتكرار.
1- تحالفات هشة: طوال أربعة عشر عامًا، بُنيت تحالفات سياسية سورية عديدة، وعُقدت مؤتمرات كثيرة، لكن جميعها طُبخ بصورة سطحية، فكانت أقرب إلى الفقاعات الإعلامية، وبُني بعض هذه التحالفات أو المؤتمرات وفق إرادات إقليمية ودولية، فكانت تحالفاتٍ هشّة أو اعتباطية أو تابعة، سريعة التشكُّل والانحلال، وتفتقد إلى الحدِّ الأدنى من شروط بناء التحالفات وأسسها، وبعيدة جدًا عن الأداء السياسي العاقل والرزين والصبور والمثابر (وضوح الرؤية، البرنامج السياسي المتدرج والمتماسك، الخطاب السياسي العقلاني، الآليات المحدَّدة، الكوادر والأدوات الفاعلة، الخطة الواضحة والمتدرِّجة). يُلاحظ اليوم أن هذا المشهد يتكرر على الرغم من حدوث تغيير جوهري في الواقع السوري يتمثل بإسقاط نظام الأسد.
لم تستطع تلك المؤتمرات والتحالفات والهياكل السياسية السائدة، قديمًا وحديثًا، إلا ما ندر، أن تنتج حالة سياسية متماسكة تجيب عن المشكلات الحقيقية التي تخصُّ السوريين، وما زال دورها مقصورًا على رفع شعارات عامة بلا رؤية تفصيلية ولا خطة ولا برنامج عمل. كانت هذه التحالفات أقرب إلى "اللمَّات" التي تجمع قوى سياسية تسعى لأن تكون موجودة في كل تحالف سياسي، ما أفقد فكرة التحالف السياسي معناها وجديتها.
ليس من الحكمة إنتاج فقاعات جديدة في ظلِّ واقع سوري أقرب ما يكون إلى أرضٍ رمليةٍ قادرة اليوم على ابتلاع القوى والتحالفات والمبادرات وسواها، إضافة إلى أنَّنا في حاجة إلى بناء قواعد وتقاليد راسخة للعبة السياسية، والاتفاق على مبادئ عامة في الممارسة السياسية، أي تحديد المقدسات والمحرمات في العمل السياسي السوري، قبل الشروع في بناء الجبهات والتحالفات والائتلافات.
2- حراك سياسي متسرِّع: على الرغم من إيجابية هذا الحراك السياسي وضرورته إلَّا أنه كان متسرعًا لجهة السير في الإعلان عن تحالفات وجبهات سياسية، والإفصاح بسرعة عن تشكيلات معارضة للسلطة الجديدة في سورية. فهذه السلطة ما زالت غير مستقرة ولمّا تتضح معالمها بعد، ومن ثم من الطبيعي أن تكون المعارضة المتشكلة غير مستقرة هي الأخرى أيضًا؛ أي ما زال الوقت باكرًا لإعادة إنتاج مفهوم المعارضة في الواقع السوري الجديد على أسس مغايرة.
من المهم نقد السلطة القائمة ومتابعة قراراتها وخطابها وأدائها في هذه المرحلة الانتقالية المحفوفة بالقلق والمخاطر والفرص بعين ترى الإيجابيات والسلبيات في آنٍ معًا إلى أن تتبلور وتتضح معالمها وتوجهاتها بما يسمح بتكوين معارضة متماسكة على المستويين السياسي والتنظيمي. لكن الأهم هو بناء القوى والتشكيلات السياسية الجديدة بدلالة الوطنية السورية والمصالح الوطنية وحاجات الشعب السوري أولًا لا بدلالة أي سلطة قائمة.
3- اصطفافات سياسية جديدة: مع سقوط نظام الأسد، ستتلاشى تدريجًا قوى سياسية معينة، أكانت موالية أم معارضة للنظام السابق، لأسباب مختلفة، بعضها سياسي وبعضها الآخر أيديولوجي، وسنكون أمام اصطفافات سياسية جديدة، وربما تلتقي أقسام من معارضي النظام السابق مع أقسام من مواليه، وستنمو في الحصيلة قوى جديدة. قد يكون هذا مؤلمًا ومحرجًا لكنه من طبيعة سير الأمور عبر التاريخ، وينبغي لنا أن نحتمل آلامه ومخاضاته لأن "الكتلة الانتخابية السورية"، أي كتلة السوريين القابلة للانخراط في السياسة، أوسع كثيرًا من "الكتلة الثورية السورية" إن جاز التعبير. لكن هذه الاصطفافات الجديدة لن تعيش ما لم تذهب كثير من قواها السياسية في طريق مراجعة الذات ونقدها وبناء تصورات جديدة وعقد مؤتمراتها بهدف انتخاب قيادات جديدة بدلًا من قياداتها المترهلة، ولا سيَّما تلك التي اتخذت مواقف بائسة من الثورة السورية، ووقفت إلى جانب الاستبداد.
كان قرار حلّ حزب البعث وأحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية"، في اعتقادي، خاطئًا؛ من جهة لأن هذا الفعل قد يكون مقدمة لأفعال مماثلة تطال أحزابًا وقوى سياسية أخرى، ومن جهة ثانية لأنه قد يكون مقدمة لإنتاج مظلوميات سياسية جديدة في الواقع السوري، فالقوى التي طالها الحل أصبحت اليوم تنادي بالديمقراطية بعد أن كانت ملحقات بنظام مستبد، إلى جانب سعيها الحثيث للاندراج في تحالفات سياسية جديدة تحقق لها شيئًا من الحماية والمشروعية. مع ذلك، كان من الأفضل أن تُترك هذه "الأحزاب" لشأنها، لعلها تُعيد إنتاج نفسها في سوريا الجديدة وفق أفكار وآليات مغايرة، وبقيادات مختلفة، وهذا لمصلحة سوريا، أو ربما تسير، وهو الأرجح، في طريق الاضمحلال الذاتي والموت الطبيعي.
4- طريقة التفاعل مع مبادرة السلطة لعقد "مؤتمر حوار وطني": هناك ثغرات عديدة في دعوة السلطة لعقد "مؤتمر حوار وطني" بدلًا من "مؤتمر وطني سوري"، ولا شك في أن أهمها هو كون الأول مؤتمرًا حواريًا من دون صلاحية اتّخاذ القرار على عكس الثاني الذي يشير إلى مشاركة سورية حقيقية في رسم مستقبل سوريا، فضلًا عن القصور في طريقة تشكيل اللجنة التحضيرية، وترك مسألة اختيار المشاركين في المؤتمر للهيئة التحضيرية تحت إشراف السلطة القائمة، ما يعني تحكم السلطة في المؤتمر من البداية إلى النهاية، وهذه كلها عيوب تفرغ المؤتمر من مضمونه وأهدافه. لكن هذا لا يسوِّغ دعوة بعض القوى السياسية إلى عقد مؤتمر وطني موازٍ أو بديل من دون مشاركة السلطة القائمة، فهذه دعوة معدومة القيمة؛ لأن أي مؤتمر لا تشارك فيه السلطة القائمة لن يكون مؤتمرًا وطنيًا سوريًا، وستكون قراراته ومخرجاته معدومة الفاعلية.
5- بناء الحقل السياسي السوري: بعد نجاح الثورة السورية في تحقيق أوَّلِ أهدافها المتمثل بإسقاط نظام الأسد البائد، تبرز أهمية شديدة لبلورة حقلٍ سياسيٍّ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ سوريٍّ؛ حقلٍ ذي مبادئ سياسية راسخة، ويلتزم مدونةَ سلوكٍ سياسية تُحدِّد تخوم حركة جميع قواه وتياراته وتضبط أداءها استنادًا إلى جملة من المعايير والضوابط الضرورية والجوهرية. يحتاج الحقل السياسي السوري، إلى مجموعة من المحدِّدات والضوابط التي تنظِّم العمل السياسي وتراقب أداء العاملين في الحقل السياسي، وتكتسي هذه الضوابط والمعايير في اللحظة الراهنة صبغة أخلاقية بالضرورة بحكم المرحلة الانتقالية التي يمر فيها بلدنا، لكنَّ هذا لا يقلِّل من أهميتها؛ من أجل بناء تحالفات سياسية حقيقية ومتماسكة مستقبلًا، ومن أجل تحويل معانيها الأخلاقية إلى قوانين واضحة مع كلِّ خطوةٍ نسيرها باتجاه سورية الجديدة، ولا سيَّما ما يتعلق باستصدار قانون عصري ينظِّم عمل الأحزاب السياسية.