الإعلان التأسيسيّ لحزب الجمهورية
أولًا: تأسيس الحزب
كانت الثورة السوريّة أهمَّ حدثٍ في تاريخ سوريا المعاصر، أطلقها الشعب السوريّ بهدف استرجاع وعيه وإرادته وثقته بنفسه، والتحوّل إلى ذاتٍ حاضرةٍ وفاعلةٍ بعد عقودٍ من إقصائه وتهميشه، فقد طمحت الثورة إلى التّغيير البنيويِّ الشامل الذي لا يعني إسقاط النظام وحسب، بل تفكيك بنية الدولة الشموليّة أيضًا، وإعادة بناء الدولة عبر تأسيس عقدٍ اجتماعيّ أساسُه المواطن/ـة السوريّ/ـة، ويعبِّر عمَّا هو مشترك بين جميع المواطنين/ات، وعن التوافق على الحدّ الأدنى المشترك بين القوى والفئات والأطياف الاجتماعيّة.
مع إسقاط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، دخلت سوريا في مرحلة انتقاليّة تواجه فيها تحدياتٍ كبرى في شتّى المجالات؛ نظرًا إلى التركة الثقيلة التي خلّفها النظام البائد، تلك التي تركت آثارًا عميقة في بنية الدولة والنسيج الاجتماعيّ، ودمارًا كبيرًا في البلاد نتيجة سياسات العنف والقهر التي اتّبعها على مدى أكثر من نصف قرن. تمثِّل هذه المرحلة الانتقاليّة، من جانب آخر، فرصةً لإرساء أسس نظامٍ سياسيٍّ جديدٍ يستند إلى مبادئ الحكم الرشيد والمشاركة الشعبيّة واحترام حقوق الإنسان وحريّاته والتعدّدية السياسيّة والثقافية للمجتمع السوريّ.
وبوحيٍ من روح الثورة السوريّة وأهدافها، وتطلعات شبانها وشاباتها، ومعاناة شعبها من حرب شنَّتها سلطة شمولية باغية، تعدَّدت فصولُها، على المجتمع السوريّ، وانطلاقًا من وعينا لحاجة شعبنا في هذه المرحلة إلى استعادة السياسة والمشاركة في إعادة بناء سوريا الوطن؛ تداعى عددٌ من المهتمّات السوريّات والمهتمّين السوريّين من مختلف المحافظات السوريّة وأطيافها الاجتماعيّة والثقافيّة إلى حوار جدّي امتدَّ إلى أكثر من أربعة أشهر، تكلَّل بالتوافق على تشكيل حزب سياسيّ باسم “حزب الجمهوريّة” في المؤتمر التأسيسيّ الذي عُقد في العاشر من أيار/ مايو الماضي، ليكون حزبًا سياسيًّا وطنيًّا ديمقراطيًّا سوريًّا، وانتهى بانتخاب أمانة عامة مؤقتة ، واعتماد عدة وثائق سياسية وفكرية وتنظيمية ستُنشر بالتزامن مع هذا الإعلان.
توافقت الإرادات الحرّة للمؤتمِرين والمؤتمِرات على اختيار “الجمهوريّة” اسمًا للحزب كونه يحيل على المعنى العميق (الدولة)، ويدلُّ عليه، أي على العموميّة؛ التي تعيِّن نوعًا حديثًا وفريدًا من أنواع السلطة هو سلطة الدستور والقانون، وكلاهما من طبيعة الدولة، موسومان بالعموميّة. هذه العموميّة هي التي تميِّز سلطة الدولة من سائر السلطات الأخرى، مثل سلطة الطغمة وسلطة المستبد والسلطة الدينيّة والسلطة البطركية… إلخ. اسم الحزب هو دلالةٌ أيضًا على رفض الانتهاك الكبير الذي تعرَّضت له الدولة السوريّة من جانب النظام الاستبداديّ البائد عندما حوَّلها إلى ملكيّة عائليّة عبر التوريث، ودلالةٌ على رفض أي انتهاك من هذا النوع يمكن أن تتعرَّض له مستقبلًا.
لقد عرَّف حزبنا نفسه بأنَّه حزبٌ سياسيٌّ سوريٌّ يسعى، مع القوى السوريّة المتنوعة الأخرى، لبناء الدولة الوطنيّة الديمقراطيّة الحديثة، دولة الحق والقانون، التي تكفل احترام الحريّات ومشاركة المواطنين/ات في الشأن الوطنيّ، والتزام الشرعةَ الدوليّة لحقوق الإنسان، وتُرسِّخ حقوق المواطنة والمساواة الكاملة بين السوريّين/ات بصرف النظر عن الانتماء الدينيّ والطائفيّ والإثنيّ والأيديولوجيّ وغيره، وتعزِّز القيم والآليّات الديمقراطيّة في الدولة والثقافة الوطنيّة، وتصون وحدة المجتمع، وتحمي الوطن من الفوضى والمخاطر الخارجيّة، وتسير به على طريق التنمية البشريّة والاقتصاديّة والعدالة الاجتماعيّة. ويعتمد الحزب النهجَ الديمقراطيّ في حياته الداخليّة، وفي علاقاته مع القوى الأخرى، ويتشارك معها العمل على تعزيز هذا النهج وتجذيره في الدولة السوريّة والمجتمع السوريّ.
ثانيًا: إعادة بناء السياسة والحقل السياسيّ السوريّ
تحتاج السياسة في سوريا إلى إعادة تأسيس بوحيٍ من دروس إخفاقات الماضي، ومن تجربة الحرب الكارثيّة، وانطلاقًا من مصلحة الإنسان/المواطن/ـة وحريّته وكرامته وسعادته، لذلك نرى:
- السياسة هي فن الحياة المدنيّة، وإدارة الاختلاف، وإرادة التنمية الشاملة والعادلة، والعمل الدائم والدائب من أجل الرفاهة العامة والسعادة والسلام، وتتأسَّس على مبادئ الاجتماع المدنيّ ذاتها، أي على حريّة الفرد وحقوق الإنسان والمواطن/ـة وقيم المساواة والحريّة والعدالة والإنصاف، وعلى تكافؤ المعاني والقيم (تكافؤ الأفكار والتصورات والرؤى والثقافات واللغات والعقائد في القيمة الروحيّة أو الإنسانيّة) وحكم الدستور والقانون وفصل السلطات واستقلال القضاء.
- السياسة ليست امتدادًا للحرب بوسائل أخرى، والحرب ليست امتدادًا للسياسة بوسائل أخرى كما يُشاع. الحرب نكوصٌ إلى الهمجية والافتراس، واستقالة من العقل والأخلاق، واستقالة من الإنسانيّة. الحرب نكوص إلى الغريزة الحيوانية التي تتجلَّى بتوحّش المتحاربين وتوحّش مؤيِّديهم وأنصارهم، وتوحش الفضاء العام، وتسميم الحياة الإنسانيّة.
- ينبغي للكارثة التي حلَّت بنا، وأزهقت أرواح أحبائنا وحبيباتنا، ودمَّرت مدننا وبلداتنا وقرانا ومزارعنا، ومزَّقت اجتماعنا المدنيّ والسياسيّ، أن تجعلنا نثوب إلى أنفسنا، ونصغي إلى نداء ذواتنا وضمائرنا، لا إلى الأصوات التي تعمل على تجييش هويّاتنا القاتلة، وأن تدعونا أيضًا إلى حبِّ الحياة، لا العيش وحسب، وإيثار الحكمة ورجاحة العقل والتشارك الحر في إنتاج وطننا.
- الحرب لا تُنتج سلمًا، ولا تُنتج ديمقراطيّة، والغلبة لا تبني دولة؛ فالسِّلم الذي يعقب الحرب قد يكون مجرد هدنة تقصر أو تطول بين المتحاربين إن لم تُوضع قواعد جديدة وعادلة ومتكافئة للحياة السياسيّة. والديمقراطيّة لا تتماشى مع الغلبة والمغلوبيّة، والربح والخسارة؛ خسارة الخاسر في “اللعبة الديمقراطيّة”، مثل ربح الرابح، هي ربحٌ صافٍ للمجتمع. ولا تتماشى مع العصبيّة من أيِّ نوعٍ. السِّلم الحقيقيّ هو ما يتأسَّس على رؤية إنسانيّة طليقة متحررة من كلِّ عصبيّة، قديمة كانت العصبيّة أم جديدة، ومتحرِّرة بوجه خاص من لوثة النصر والهزيمة، والغلبة والمغلوبية؛ إذ المنتصر في الحرب هو المهزوم وبالعكس، ولا سيَّما إذا كانت الحرب داخليّة، فالمنتصر الوحيد في الحرب هو الموت والدمار.
رأى المؤسِّسون أيضًا أنه ليس في إمكان سوريا أن تتقدَّم، بثقة وطمأنينة، من دون إعادة بناء الحقل السياسيّ في سوريا، والعنوان الرئيس للحقل السياسيّ هو الأحزاب السياسيّة. ولهذا دعا المؤسِّسون السوريّين والسوريّات إلى التشارك في إعادة إنتاج السياسة في مجتمعنا لأنَّ صناعة السياسة هي ذاتها عملية بناء الدولة، وكلّما تجذَّرت السياسة ابتعد شبح العنف والتقسيم.
يحتاج الحقل السياسيّ السوريّ، إلى مجموعة من المحدِّدات والضوابط التي تنظِّم العمل السياسيّ، وتضبط أداء العاملين والعاملات في الحقل السياسيّ، وتكتسي هذه الضوابط والمعايير في اللحظة الراهنة صبغة أخلاقيّة بالضرورة بحكم المرحلة الانتقاليّة التي يمرُّ فيها بلدنا، لكنَّ هذا لا يقلِّل من أهميتها؛ من أجل بناء تحالفات سياسيّة حقيقيّة ومتماسكة مستقبلًا بدلًا من التحالفات الهشّة والاعتباطيّة والفوضويّة السائدة، ومن أجل تحويل معانيها الأخلاقيّة إلى قوانين واضحة مع كلِّ خطوةٍ نسيرها باتجاه سوريا الجديدة، ولا سيَّما ما يتعلق باستصدار قانون عصريّ ينظِّم عمل الأحزاب السياسيّة.
إنَّ السياسة التي نطمح إليها، في حزب الجمهوريّة، هي تلك السياسة التي تطير بجناحين؛ جناح الفكر والمعرفة، وجناح الأخلاق والمسؤوليّة، السياسة التي تضع الإنسان في مركز اهتماماتها، تبدأ منه وتعود إليه، سياسة تُنتج الفرح وتتوخّى سعادة الإنسان، السياسة التي تؤمن بالاختلاف بوصفه أبرز صور الحريّة وأهمَّ تجلِّياتها، السياسة التي تُبنى بالإرادة والوعي والتنظيم والتراكم والحوكمة، وتؤمن بالدولة الوطنيّة الديمقراطيّة الحديثة بوصفها حاضنةً لكلِّ التنوّع السوريّ، والسبيل الوحيد لحريّتنا وكرامتنا، السياسة التي تنشد العمل بين الناس، ومعهم، ومن أجلهم.
ثالثًا: رؤيتنا وأهدافنا
شدَّد المؤسِّسون على استلهام قيم الحريّة والكرامة التي أطلقتها ثورة الشعب السوريّ ضد النظام الشموليّ البائد، وأكَّدوا التزامهم أهدافَها الجوهريّة المتمثِّلة ببناء دولة وطنيّة ديمقراطيّة حديثة تقوم على سيادة القانون والمساواة التامّة في المواطنة، نساءً ورجال، وعلى إعادة بناء الوطنيّة السوريّة التي ترتكز على عموميّة الدولة والمساواة الحقّة في المواطنة من دون أيِّ تمييزٍ عرقيّ أو دينيّ أو مذهبيّ أو جنسيّ أو طبقيّ. كما رأى المؤسِّسون أنَّ الثورة لا تكتمل من دون الوقوف أيضًا ضدّ جميع أشكال الاستبداد الأخرى التي تستند إلى فهمٍ خاطئٍ أو زائفٍ أو مبتسرٍ للأديان لتخدم مآربَ ومصالحَ فئاتٍ معينة، وكذلك ضدَّ أشكال الاستبداد كافة التي تتمحور حول التعصّب الطائفيّ أو المذهبيّ أو العرقيّ، إضافة إلى أشكال الاستبداد والتعصّب العقائديّة والأيديولوجيّة التي تتستَّر بعلمانياتٍ مشوَّهة وزائفة وغير ديمقراطيّة.
وفي هذا السياق، يؤكد حزب الجمهوريّة رفضَه لخطاب “المكونات” السائد رفضًا قاطعًا؛ خطاب الأديان والمذاهب والطوائف والإثنيّات، الرائج في سوريا، وفي غيرها، فهو خطابٌ عنصريٌّ يولِّد الكراهية ويسوِّغ العنف، أكانت المكونات المعنيّة إثنيّة أم دينيّة أم مذهبيّة أم لغويّة أم ثقافيّة. ويفرِّق الحزب تفريقًا معرفيًّا وأخلاقيًّا دقيقًا بين الجماعة والمجتمع، ويعتقد أن ما تسمى “المكونات” (الجماعات المغلقة على ثوابتها وإيماناتها) مضادة للاجتماع المدنيّ الحديث والاجتماع السياسيّ الحديث. خطاب المكونات مضاد للخطاب الوطنيّ المؤسَّس على تساوي جميع المواطنين والمواطنات في الكرامة الإنسانيّة والكرامة الوطنيّة والجدارة والاستحقاق، وعلى تساوي النساء والرجال.
إنَّ الهدف الأعلى الذي يسعى له حزبنا، على الدوام، وفي جميع الحالات والأوضاع، هو المواطن/ة السوريّ/ة، معرفًا بحريّته وحقوقه وكرامته وسعادته، وهو المعيار الأول لأهدافه الأخرى ونشاطاته وخططه، ويأتي في طليعة الأهداف الأخرى:
- النهوض بالمرأة ودعم حريّتها وحقوقها، وتمكينها، وتعزيز دورها في المشاركة والبناء.
- تمكين الشبان والشابات من المشاركة في الحياة العامة.
- بناء نظامٍ اقتصاديٍّ حرٍّ وحديثٍ، وإطلاق عملية تنمية اقتصاديّة شاملة وشفافة، من خلال سياسات اقتصاديّة تضمن دور الدولة في حماية المواطنين والمواطنات من تبعات الاقتصاد الحرِّ، وتحقيق أفضل مستوى ممكن من العدالة الاجتماعيّة، عبر توزيعٍ عادلٍ للدخل، وتحقيق التكافؤ في الفرص، وتوفير وسائل الحماية للفئات الفقيرة في المجتمع.
- بناء المؤسَّستين العسكريّة والأمنيّة على أسسٍ وطنيّةٍ.
- انتهاج سياسة خارجيّة وطنيّة مستقلة أساسها المصلحة الوطنيّة، واستعادة الأراضي السوريّة المحتلّة، وإيجاد حلٍّ عادلٍ وشاملٍ للقضية الفلسطينيّة وفق قرارات الشرعيّة الدوليّة ومجلس الأمن، وبناء علاقات خارجيّة إيجابيّة بين سوريا ومحيطها العربيّ بما يحقِّق المصالح المشتركة، وتشييد علاقات بناءة مع دول العالم المختلفة بما يتوافق مع المصالح المشتركة والقوانين الدوليّة وشرعة حقوق الإنسان.
- إنَّ النظام الديمقراطيّ اللامركزيّ هو الحلُّ الملائم لضمان أوسع مشاركة ممكنة للشعب في الحكم والسياسة، والسماح للمحافظات والمناطق المختلفة بالمساهمة في السياسة والاقتصاد، وهو شرطٌ رئيسٌ لبناء الحكم الرشيد وتحقيق التنمية المستدامة الموجَّهة بحقوق الإنسان، وينبغي له أن يسير بالتزامن مع بناء مؤسّسات الدولة المركزيّة ديمقراطيًّا، لأنَّ وجود مؤسّسات مركزيّة ديمقراطيّة راسخة ومستقرّة، سيشكِّل دافعًا وضامنًا لنجاح اللامركزيّة، ولا سيَّما في سياق التعافي من الصراع الداخليّ، إلى جانب تأكيد أنَّ إنشاء المحافظات والمناطق في النظام الديمقراطيّ اللامركزيّ سيكون على أساس إداريّ أو جغرافيّ، لا على أسس إثنيّة أو دينيّة أو طائفيّة، ولا استجابة لتدخلاتٍ إقليميّة ودوليّة، ولا رضوخًا لعمليّات التهجير القسريّ، فهذه لا تبني دولةً ووطنًا، ولا تحفظ حقوق أيِّ مواطنٍ سوريٍّ وكرامته وحريّاته.
- مواكبة التطورات الحضاريّة والمعرفيّة التي شهدها العالم، فقد أُبعد السوريّون من العيش في العصر، فتراجع مستوى التعليم بشكلٍ كبيرٍ، وتُركت البلاد خارج دائرة التقدُّم العلميّ والتقنيّ. ومن هذا المنطلق، نؤكد في حزب الجمهوريّة أنَّ إصلاح التعليم وتحديث أدواته يمثِّلان أولوية وطنيّة قصوى، إذ لا يمكن بناء المواطن الحرِّ والفاعل من دون تعليمٍ حديثٍ يدفع نحو الإبداع والمساهمة في إغناء الحضارة الإنسانيّة.
- الاستجابة لحاجة سوريا، في هذه المرحلة الانتقاليّة المضطربة، إلى دولة حقٍّ وقانون ومؤسسّات عامة بالفعل، وحوكمة رشيدة شفّافة وعادلة وفعالة، وإلى تشاركٍ فعليٍّ لتأمين انتقالٍ تدريجيٍّ نحو نظامٍ سياسيٍّ ديمقراطيٍّ راسخٍ على أرضيّة آمنة ومستقرّة. وفي هذا السياق نؤمن بأنَّ العدالة الانتقاليّة تمثِّل المسار الحتميَّ لتحقيق السِّلم الأهليّ في سوريا. فلا استقرارَ حقيقيًّا من دون كشفٍ شفافٍ للحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت خلال حقبة نظام الأسد، وبعد سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، وإنصاف الضحايا وذويهم عبر آليات عادلة تحفظ كرامتهم وحقوقهم.
- إنَّ المصالحة المجتمعيّة هي الأساس الذي يُبنى عليه مشروع إعادة تأسيس الدولة، لذلك نرى أنَّ تفعيل الرقابة الشعبيّة من خلال هيئات منتخبة ديمقراطيًّا، وتعزيز دور النقابات والمنظمات المدنيّة، وتوسيع صلاحيّات الإدارات المحليّة، وتفعيل الوظيفة التشريعيّة والرقابيّة لمجلس الشعب، تمثِّل كلُّها استجاباتٍ جوهريّة لتطلعات جميع السوريّين والسوريّات نحو بناء دولة المواطنة.
ستبقى رؤية حزبنا مشروعًا مفتوحًا داخل الحزب، وخارجه مع الفعاليّات والقوى الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة السوريّة، على اختلاف مواقعها الاجتماعيّة ومرجعيّاتها الفكريّة واتجاهاتها السياسيّة، التي تحكمها جميعًا، وتوجهها، منظومة وطنيّة أخلاقيّة، ينعقد الرهان عليها، بصفتها شرطًا لازمًا لنجاح أيِّ عملٍ تشاركيٍّ، يتوخَّى المصلحة العامة، وأيِّ مسعى وطني يحظى بموافقة أوسع دائرة ممكنة من السوريّات والسوريّين، وقبولهن وقبولهم.
رابعًا: حزب الجمهوريّة في المرحلة المقبلة
في سياق عملية البناء الأوليّة لحزبنا سعينا للاستفادة من تجارب الماضي، والعمل على تجاوز العيوب المحتملة، أملًا بإنتاج تجربة جديدة أكثر جديّةً وأعظم قدرةً على الفعل والاستمرار، آملين أن نتقدَّم خطواتٍ نحو الأمام خلال الفترة المقبلة.
يؤكِّد حزبنا أنَّه يعتمد، في فكره وممارسته، مبادئَ العلنيّة والشفافيّة والتنافس السِّلميّ واحترام القوانين، ورأى مؤسِّسوه أنَّ إحدى وظائفه، ووظائف كلِّ حزبٍ سياسيٍّ، تتمثَّل بإيقاظ روح المشاركة الحرة والشعور بالمسؤولية القانونيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة في نفوس المواطنات والمواطنين، من طريق النقاش والحوار والعمل الخلاق أو المنتج؛ فالمشاركة الحرة والمبدعة في حياة الحزب السياسيّ هي نوعٌ من التدريب العمليّ المستمرِّ على المشاركة الحرة والمبدعة في الفضاء الوطنيّ العامِّ، وسائر الفضاءات الخاصة.
ينظر المؤسِّسون إلى حزب الجمهوريّة بوصفه حزبًا سياسيًّا برامجيًّا، بعيدًا من أيِّ ملمحٍ عقائديٍّ أو عقديٍّ، أو أيديولوجيٍّ، وأنَّ عمله الرئيس هو رسم برامج عمل قابلة للتحقيق في ضوء حاجات الواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ والثقافيّ والسياسيّ والتربويّ والتعليميّ وغيرها، والدفع باتجاه تحقيقها، بالتشارك والتعاون مع قوى المجتمع الأخرى، تلك البرامج التي تُنضج عبر الحوار والنقد، داخل الحزب، وخارجه بالشراكة مع القوى السياسيّة الأخرى والخبراء ومنظمات المجتمع المدنيّ وغيرها، إضافة إلى آخر ما توصلت الدول الحديثة. إنها برامج في حالة تقييم وتطوير مستمر، لتبقى حيّة، قادرة على التكيف مع التحولات، وتلبية تطلعات المواطنين وطموحاتهم، أما العقائد والأيديولوجيّات فهي من شؤون الأفراد، ومن شؤون الجماعات ما قبل الوطنيّة وما دون الوطنيّة، لا من شؤون الأحزاب ولا من شؤون المجتمعات السياسيّة.
يُدرك المؤسِّسون أنَّ ثمةَ عيوبًا في عملية تأسيس أحزاب سياسية في اللحظة الحالية بحكم تعقيد هذه اللحظة وإرباكاتها، لكنَّهم يدركون أيضًا أنَّ تجاوزها على نحوٍ أفضل غير ممكن إلَّا بعد انطلاق عملية الإنتاج الاجتماعيّ الماديّ والروحيّ، ودوران عجلات الاقتصاد، وانتعاش المعرفة والثقافة، بعد موات طويل، وتبلور آليات التقسيم الاجتماعيّ للعمل وآليات الاصطفاء الاجتماعيّ، وترجمة هذا وذاك إلى عقد اجتماعيّ جديد، وانتخاب جمعية تأسيسيّة تضع دستورًا دائمًا للبلاد، وقانونًا، نأمل أن يكون عصريّا وحديثًا، للنقابات والجمعيات والأحزاب السياسيّة، يتيح فرصًا متكافئة للمشاركة السياسيّة، من طريق انتخابات صحيحة، يُشرف عليها القضاء المستقل ومنظمات المجتمع المدنيّ.
ستقوم الأمانة العامة المؤقتة المنتخبة، بالتزامن مع إعلان تأسيس الحزب، بتقديم عدد من الوثائق التي كانت حصيلة جهدٍ جماعيٍّ شارك فيه جميع الأعضاء، إلى الشعب السوريّ بجميع قواه وأطيافه وفئاته المتنوِّعة بهدف إطلاق حوارٍ ديمقراطيٍّ عامٍّ حول جميع أوراق الحزب، ومن أجل تقديم أفكار جديدة يمكن الاستفادة منها في تطوير فكره وآرائه وآليات عمله. وسينصرف جهد الحزب النظريّ والعمليّ، خلال المرحلة المقبلة، على الحوار في سبيل إنتاج رؤية وطنيّة مشتركة للدستور الدائم وقانون الانتخاب وقانون الجمعيات والأحزاب، وشروط إمكان التنمية الشاملة، ونمط الحياة الاقتصاديّة. ومن أجل هذا كله يتعيَّن على حزبنا، والأحزاب كافة، أن تظلَّ يقظةً حيال أيِّ تجاوزٍ، من أيِّ جهةٍ، على حريّات المواطنات والمواطنين وحقوقهم، وعلى المصلحة العامة ومؤسّسات النفع العام، وعلى المصالح الخاصة المشروعة قانونيًّا وأخلاقيًّا أيضًا.
نشير أخيرًا إلى أنَّ العبارة “حزب قيد التأسيس” ستُلحق باسم حزبنا إلى حين عقد مؤتمره الأول، آملين أن تُصدر الحكومة السوريّة قانونًا خاصًّا بتنظيم عمل الأحزاب السياسيّة خلال هذه الفترة، استنادًا إلى المادة 14 من الإعلان الدستوريّ الذي أصدرته، والتي تضمن حقَّ المشاركة السياسيّة وتشكيل أحزابٍ على أسسٍ وطنيّةٍ وفق قانونٍ جديدٍ. ونشير أيضًا إلى أنَّ جميع من سينتسبون إلى حزبنا خلال هذه الفترة سيكونون من الأعضاء المؤسِّسين.
ليست لدينا أوهام بأنَّ الطريق ورديّة وسهلة أمام مشاركة السوريّين والسوريّات في بناء المجتمع السياسيّ السوريّ والدولة السوريّة، لكنَّنا مع ذلك مصمِّمون على السير في هذه الطريق الطويلة والشاقة التي تحتاج إلى تعاون السلطة القائمة وجميع القوى السياسيّة، فهدفنا ليس الحزب في حدِّ ذاته، بل الوطن الذي يحتاج إلى تعاون الجميع وتشاركهم، سوريا التي نحبها، ونسعى، من خلال العمل مع الجميع على أرضيّة الوطنيّة السوريّة، لتكون البلد الأجمل الذي يحتضن جميع أبنائه وبناته.
من الطبيعي أن تعترضنا، خلال المرحلة المقبلة، بعض الصعوبات التي تتعلَّق بصعوبة العمل في بيئة لمّا تتَّضح معالمها بعد، لكنَّنا في المقابل قد عقدنا العزم على مواجهتها، وإيجاد حلول عمليّة وعقلانيّة لها، مؤمنين بأنَّ الحوار الجاد والنفس الطويل كفيلان بحلِّ المشكلات كافة وبناء الرؤى التوافقيّة. إننا ننظر إلى النقد بوصفه أحد ركائز البناء الحزبيِّ المسؤول، وفرصةً متجدِّدة للمراجعة والتعلُّم. ولأنَّنا حزبٌ يتبنَّى الديمقراطية منهجًا، فإنَّنا نرحِّب بأن يكون موضوعًا للنقد، فقد يساهم هذا النقد في تصويب المسار، ويدفعنا إلى تطوير أدواتنا ومواقفنا بما يعزِّز صدقيتنا السياسية ويعكس التزامنا الفعلي المبادئَ التي نؤمن بها.
يشجِّع حزبنا، جميع الذين يرون فيه معبِّرًا عن تطلّعاتهم وأهدافهم ومصالحهم على الانضواء في صفوفه للمشاركة في تطويره على المستويين النظريّ والعمليّ، والعمل من داخله، أو على إبراز التعاطف معه وتشجيعه وإغناؤه بالنقد، بما يخدم وضع بلدنا على مسار بناء الدولة الوطنيّة الديمقراطيّة.
نعاهد الله والوطن والشعب وأنفسنا على العمل بإخلاص ليكون حزبنا على قدر المسؤوليّة، وألَّا يكون في أيِّ لحظةٍ إلَّا مع الوطن والمصلحة الوطنيّة، مع سوريا والسوريّين والسوريّات.
عاشت سوريا وطنًا لجميع أبنائها
المجد للشعب السوريّ موحَّدًا، حرًّا، كريمًا
الأمانة العامة المؤقتة لحزب الجمهوريّة-قيد التأسيس
دمشق في 25 تموز/ يوليو 2025