لا إنصاف بلا حقيقة واعتراف، ولا حلَّ خارج الإطار الوطنيّ السوريّ
(1) أيام دامية وقاسية
تمرُّ الذكرى الأولى لوقائع العنف الدامي والانتهاكات التي شهدتها السويداء في تموز/ يوليو 2025، لا بوصفها مناسبة محلية تخصُّ محافظة بعينها، ولا بوصفها جرحًا لطائفة أو جماعة دون غيرها، بل بوصفها جرحًا سوريًّا عامًّا، أصاب السويداء وأهلها، وأصاب معها فكرة الدولة، وفكرة المواطنة، ومعنى الشراكة الوطنية التي لا يمكن لسورية أن تقوم من دونها.
نتوجه أولًا، ونحن نستذكر تلك الأيام القاسية، إلى عائلات الضحايا والمفقودين والمتضرِّرين، أيًَّا تكن هُوياتهم وانتماءاتهم وطوائفهم ومواقعهم، بأصدق مشاعر المواساة والتضامن؛ فالضحايا ليسوا أرقامًا في تقارير، ولا مادةً في سجال سياسي، بل هم أبناء وبنات وأمهات وآباء وأصدقاء وجيران، لهم أسماء وحيوات وذكريات وحقوق لا تسقط بالتقادم، وإنصافهم يبدأ من الاعتراف الصريح بما وقع، ومن رفض تحويل آلامهم إلى موضوع للمساومة أو النسيان أو التوظيف السياسي.
لقد كشفت تلك الوقائع الدامية أنَّ العنف، حين يُترك بلا ضبط ولا مساءلة، لا يبقى محصورًا في مكانه الأول، بل يتّسع ليهدِّد النسيج الوطني كلَّه. فالقتل، والخطف، والاعتداء على المدنيين، والتهجير، ونهب الممتلكات، والإهانات الطائفية، وخطاب التحريض، كلُّها ليست حوادث عابرة يمكن تجاوزها ببيانات عامة أو مصالحات شكليّة. إنَّها انتهاكات خطرة تمسُّ كرامة السوريّين وحقّهم في الأمن والحياة، وتضرب الثقة بقدرة الدولة، وبجدوى القانون، وبإمكان العيش المشترك.
ومن هذا المنطلق، ندين بوضوح جميع جرائم القتل والانتهاكات التي وقعت خلال تموز/ يوليو 2025 وما تلاه، أيًا تكن الجهة التي ارتكبتها أو غطّتها أو حرّضت عليها أو استفادت منها. فلا مستقبل لسورية إذا بقيت الدماء قابلة للتسويغ والمفاضلة بحسب هوية الضحية أو الجاني، ولا عدالة حقيقية إذا استُبدل القانون بالانتقام، أو استُبدلت الدولة بمنطق العصبيات والسلاح والفزعات، فإدانة الجريمة يجب أن تكون مبدئية وشاملة، ولكن من دون تبرئة مسبقة لأيِّ طرفٍ أو فردٍ قبل التحقيق المستقل والموثوق.
(2) البداية هي الاعتراف
يحتاج التعاطي مع ملفِّ السويداء إلى عقل الدولة وقلبها في آنٍ معًا؛ عقلٍ يُدرك تعقيد المسألة وحساسيّتها، ويرفض الارتجال والحلول الأمنيّة الضيقة، وقلبٍ يصغي إلى خوف الناس وكرامتهم وذاكرة جراحهم.
إنَّنا نرى أنَّ المدخل الصحيح لمعالجة جرح السويداء يبدأ من الاعتراف؛ فالاعتراف إنقاذ للوطن من تكرار المأساة. الاعتراف بالجرائم والانتهاكات ليس ضعفًا في الدولة، بل شرطٌ من شروط استعادة هيبتها الأخلاقية والسياسية. فالدولة التي تعترف بما وقع، وتعتذر للضحايا، وتعوِّض المتضرِّرين، وتفتح باب المحاسبة العادلة، ستكون أقوى من الدولة التي تُنكر أو تؤجِّل أو تكتفي بإدارة الأزمة أمنيًّا.
يجب أن يشمل إنصاف الضحايا في أحداث السويداء جميع المدنيين والمتضرِّرين، من “الدروز” و”البدو”، وسائر الأهالي، وعناصر الأمن العام، من دون أيِّ تمييزٍ أو انتقاءٍ أو استعمالٍ انتقاميٍّ للذاكرة. فالدم السوري لا يجوز أن يتحوّل إلى مادة لتغذية الانقسام الأهلي، ولا إلى وسيلة لتثبيت روايات متقابلة تلغي آلام الآخرين. إنَّ الاعتراف بوجع فئة لا يقتضي إنكار وجع فئة أخرى، والعدالة الحقيقية هي التي تحفظ حقَّ كلِّ ضحيةٍ، وتحاسب كلَّ جريمةٍ، وتمنع تحويل الألم إلى ثأرٍ أو كراهيةٍ أو قطيعةٍ دائمةٍ بين السوريّين.
لا ينظر حزب الجمهورية، بالتأكيد، إلى ضحايا السويداء بمعزل عن ضحايا السنوات الأربع عشرة قبلها في سورية. فما وقع في السويداء ليس خارج المأساة السورية العامة، بل امتدادٌ لها في صورة جديدة ومؤلمة. لقد دفع السوريون، على اختلاف مناطقهم وانتماءاتهم، أثمانًا باهظة من أرواحهم وبيوتهم وكرامتهم وأمانهم. ومن ثمّ، فإنَّ إنصاف ضحايا السويداء يجب أن يكون جزءًا من مسار وطني أوسع لإنصاف جميع الضحايا السوريّين، لا بديلًا عنه ولا منافسًا له؛ فالعدالة لا تتجزَّأ، والضحايا لا يُقاسون بالهوية أو الجهة أو المنطقة، بل بحقّهم الإنساني والوطني في الحقيقة والكرامة والإنصاف.
وعليه، يدعو حزب الجمهورية إلى مسارٍ وطنيٍّ واضحٍ يقوم على أربع خطوات مترابطة: أولًا، كشف الحقيقة عبر لجنة تحقيق مستقلة وموثوقة، تضمّ قضاة وخبراء قانونيّين وشخصياتٍ عامة مشهودًا لها بالنزاهة والاستقلالية، وتُمنح صلاحيات فعليّة للوصول إلى الشهادات والوثائق والمواقع المعنيّة، مع التأكيد على ضرورة الاستفادة من تقرير لجنة التحقيق الأممية وتقرير لجنة التحقيق السورية. ثانيًا، الاعتذار العلني للضحايا والمتضرِّرين متى ثبت وقوع الانتهاكات، لأنَّ الاعتذار لا يعيد المفقودين، لكنَّه يعيد جزءًا من كرامة الأحياء من جهة، ويرمِّم الثقة المنهارة بين الأهالي والأجهزة الحكومية. ثالثًا، التعويض العادل لكلِّ من تضرَّر في نفسه أو أهله أو بيته أو عمله أو ممتلكاته. رابعًا، المحاسبة القضائية لكلِّ من تورَّط في القتل أو التحريض أو الخطف أو النهب أو التغطية على الجرائم، بعيدًا عن الثأر والتشهير والمحاكمات السياسية.
(3) عودة السويداء إلى سورية، وعودة سورية إلى السويداء
ليست السويداء ملفًّا أمنيًّا، ولا جزيرةً منفصلةً عن سورية. السويداء جزءٌ أصيل من التاريخ السوري، ومن الجغرافيا السورية، ومن المجتمع السوري، ومن مستقبل الدولة السورية، وأهلها سوريّون مؤسِّسون للوطن السوري، وهم ليسوا “جماعة” مغلقة تحتاج إلى إثبات ولائها للوطن عندما تظهر أصوات منفعلة أو موهومة أو متألِّمة تُنادي بأخذ السويداء وأهلها بعيدًا عن سورية والسوريّين، بل هم مواطنون ومواطنات، سوريّون وسوريّات، أحرار وحُرَّات.
إنَّ إعادة السويداء إلى سورية لا تكون بالشعارات ولا بالضغط ولا بالاتّهام، بل ببناء الدولة الوطنية الديمقراطية: دولة القانون، والمواطنة المتساوية، والحقوق المصونة، والشراكة السياسية الحقيقية. وفي المقابل، فإنَّ حماية السويداء لا تكون بعزلها عن محيطها الوطني، ولا بفتح الباب أمام مشاريع التقسيم أو الاستقواء بالخارج أو تحويل الخصوصية الاجتماعية النسبيّة إلى قطيعة سياسية. إنَّ الطريق الوحيدة الآمنة هي طريق وطني سوري جامع، يعترف بالمظالم، ويحفظ كرامة الأهالي، ويُعيد بناء الثقة بين المحافظة والدولة، وبين فئات المجتمع المحلي، وبين السويداء وبقية السوريّين.
ولا يجوز، بأيِّ حالٍ، أن يبقى حلُّ قضية السويداء معلّقًا على تفاهمات خارجية أو حسابات إقليمية، سواء تعلّقت بالعلاقة بين السلطة السورية و”إسرائيل”، أو بأيِّ ترتيباتٍ أمنيّةٍ وسياسيّةٍ تتجاوز إرادة السوريّين وحقوقهم. إنَّ انتظار توافقٍ من هذا النوع لحلِّ جرحٍ وطنيٍّ داخليٍّ هو أمرٌ معيبٌ بحقّ الدولة وبحقّ السويداء وبحقّ سورية كلِّها من جهة، ويفتقر إلى الإحساس بالمسؤولية الوطنية من جهة أخرى. فالسويداء لا تحتاج إلى وصاية خارجية كي تُنصف، ولا إلى مقايضة إقليمية كي تستعيد أمنها وكرامة أهلها. إنَّ مسؤولية الحلّ تقع أولًا على عاتق الدولة السورية والقوى الوطنية السورية والمجتمع المحليّ في السويداء، عبر مسارٍ سوريٍّ واضحٍ، يقوم على العدالة والحوار والاعتراف والضمانات، لا على انتظار إشارات من الخارج أو تحويل معاناة الناس إلى ورقةٍ في صراعٍ إقليميٍّ.
وفي الوقت نفسه لا بدَّ من إعلان قطيعة نهائية من جانب السوريِّين والسوريَّات جميعهم مع فكرة الاستقواء بالخارج التي دخلت إلى البيئة السورية خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، وشوَّهت القيم الوطنية، ولا سيَّما حكومة الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب إعلان القطيعة الكاملة مع فكرة وجود السلاح والفصائل المسلحة خارج نطاق الدولة الوطنية.
وفي السياق نفسه، يؤكِّد حزب الجمهورية أنَّ معالجة أزمة السويداء، وسائر الأزمات السورية المشابهة، تفتح الباب أمام نقاشٍ جدّيٍّ حول شكل الدولة السورية المقبلة، بما في ذلك الاتجاه نحو نظامٍ ديمقراطي لا مركزي يقرِّب القرار من المواطنين، ويوسِّع صلاحيات المجتمعات المحليّة، ويمنح المحافظات قدرة أكبر على إدارة شؤونها الخدمية والتنموية والإدارية ضمن وحدة الدولة وسيادتها. لكنَّ هذه اللامركزية يجب ألَّا تُبنى على مرتكزات طائفية أو مذهبية أو إثنية؛ فالمطلوب ليس تحويل الجماعات الأهلية إلى وحدات سياسية مغلقة، ولا تكريس الانقسام تحت اسم الخصوصيّة، بل بناء دولة عادلة تتّسع لتنوّع السوريّين من دون أن تفككهم، وتمنح المواطنين حقوقهم بوصفهم مواطنين متساوين، لا بوصفهم أبناء طوائف أو جماعات متقابلة.
(4) الحوار الوطني
يرى حزب الجمهورية أنَّ الحوار الوطني الملزِم هو المخرج الحقيقي من الاستعصاء في السويداء. والمقصود بالحوار الملزِم ليس لقاءً بروتوكوليًا، ولا صورة إعلامية، ولا مناسبة لتبادل المجاملات، بل مسارٌ سياسيٌّ وقانونيٌّ واضحٌ، له جدول زمني، وضمانات تنفيذ، ونتائج معلنة، ويشارك فيه ممثِّلون حقيقيّون عن المجتمع المحليّ، وعن الضحايا، وعن القوى المدنية، وعن الدولة، وعن الفاعلين الاجتماعيّين المؤثِّرين. حوارٌ لا يطلب من الناس نسيان ما حدث، بل يساعدهم في تحويل الألم إلى عقد وطني جديد يمنع تكرار المأساة.
ويجب أن يتناول هذا الحوار، بصورةٍ مباشرةٍ وشجاعةٍ، قضايا الأمن المحلي، والسلاح غير المنضبط، وعودة مؤسّسات الدولة المدنية، وحماية القضاء من التدخّل، وحقوق الضحايا، وخطاب الكراهية، والعلاقة بين المركز والمحافظة، وسبل إعادة الخدمات والحياة الاقتصادية، وضمان عدم استخدام القوة خارج القانون. فلا يمكن معالجة السويداء عبر ترتيبات أمنية مؤقّتة وحسب، كما لا يمكن تركها في الفراغ. المطلوب هو إعادة بناء العلاقة على قاعدة واضحة: لا خروج من الدولة، ولا عودة إلى دولة القمع؛ لا سلاح فوق القانون، ولا قانون بلا عدالة؛ لا انتقام، ولا إفلات من العقاب.
كما يدعو حزب الجمهورية إلى وقف جميع أشكال التحريض الطائفي والمناطقي التي رافقت الأحداث أو أعقبتها. فقد أثبتت التجربة السورية أنَّ الكلمة قد تقتل حين تتحوّل إلى شيطنة وتحريض، وأنَّ العنف يبدأ أحيانًا من منشور أو خطاب أو شتيمة، قبل أن يصبح رصاصًا ودمًا. لذلك، فإنَّ حماية السلم الأهلي لا تنفصل عن مسؤولية الإعلام، ورجال الدين، والناشطين، والقوى السياسية، وكلِّ أصحاب المنابر، في تهدئة الأنفس لا تأجيجها، وفي الدفاع عن الحقيقة لا صناعة الكراهية.
(5) الحاجة إلى لحظة مراجعة وطنية
إنَّنا في حزب الجمهورية نؤمن بأنَّ سورية لا تُبنى بإنكار جراحها، ولا بتجزئة آلام أبنائها، ولا بتحويل المحافظات إلى هويات متصارعة. ما جرى في السويداء يجب أن يكون لحظة مراجعة وطنية لا مناسبة جديدة للانقسام. والعدالة لأهالي السويداء، بجميع انتماءاتهم، ليست مطلبًا ضدّ سورية، بل شرطٌ من شروط إنقاذ سورية. فكلُّ ضحية سورية، في السويداء أو درعا أو حمص أو حلب أو الساحل أو الجزيرة أو دمشق، هي شاهد على أنَّ الدولة لا تستعيد معناها إلَّا عندما تحمي الإنسان، وتُساوي بين مواطنيها، وتُحاسب من ينتهك حقوقهم.
لقد أرادت أغلبيّة السوريّين، في العمق، نجاح السلطة الراهنة في مهمّتها الصعبة خلال المرحلة الانتقالية، مهما اختلفوا معها أو تحفظوا على بعض خياراتها، وقد ظهر ذلك بوضوح في الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، حين غلبت لدى قطاعات واسعة من السوريّين رغبةٌ صادقةٌ في أن تنجح البلاد في عبور المرحلة الانتقالية، وأن تتجنّب الفوضى والانتقام والانهيار. لكنَّ عودة مشاهد العنف، ولا سيَّما في الساحل والسويداء، وفي بعض المناطق الأخرى، أحبطت كثيرين وأثارت مخاوف جديّة من أن تتكرّر أنماط قديمة بأدوات جديدة. ولذلك، فإنَّ رؤيتنا هنا لا تنطلق من الرغبة في إضعاف الدولة، بل من الحرص على نجاحها، ونجاحها هذا مشروطٌ بأن تكون دولة جميع السوريّين.
في هذه الذكرى، نجدِّد دعوتنا إلى العقل، وإلى القانون، وإلى الحوار، وإلى شجاعة الاعتراف. وندعو السلطة إلى التعامل مع ملفِّ السويداء لا بوصفه عبئًا أو تحديًا أمنيًّا، بل بوصفه فرصةً لإثبات أنَّ سورية الجديدة قادرة على الإصغاء، والاعتراف، والتصحيح، والمحاسبة. كما ندعو أبناء السويداء وبناتها وجميع السوريّين والسوريّات إلى التمسّك بوحدة البلاد، ورفض الانتقام، وحماية السلم الأهلي، وعدم السماح لمنطق الدم بأن يرسم مستقبلنا.
رحمةً للضحايا، وإنصافًا للمتضرِّرين، وحمايةً لسورية من جراح جديدة، لا بديلَ عن الحقيقة والعدالة والحوار الوطني الملزِم. فالسويداء جزءٌ أصيلٌ من سورية، وسورية لا تكون كاملة إذا تُرك جُرح السويداء مفتوحًا، أو إذا تُرِك علاجه للخارج، أو إذا جرى التعامل معه كمسألة طائفية بدل أن يكون مدخلًا لإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والعدالة والوطنيّة الجامعة.
حزب الجمهورية (قيد التأسيس) – الأمانة العامة المؤقتة
12 تموز/ يوليو 2026