شكَّل فرضُ الانتداب الفرنسي على سوريا، إبان معركة ميسلون في 24 تموز/يوليو 1920، تحوّلًا حاسمًا في تاريخها السياسي الحديث. لم يكن مجرّد واقعة احتلال، بل لحظةً كاشفةً لبنيةٍ تاريخيةٍ مأزومةٍ كانت قد خرجت توًّا من تحت عباءة السلطنة العثمانية.
في هذا السياق، جاءت الصدمة الكولونيالية، المترافقة مع سيطرة الاحتلال الفرنسي على سوريا، لتفرض تحوّلًا قسريًّا نحو مشروع حداثي، يعيد تشكيل المجتمع والمجال السياسي العام لمجتمعٍ متأخّرٍ في بنيته وفي شروط تكوّنه السياسي والمؤسسي. ومن هذه المفارقة ستنشأ العقدة التأسيسية التي ستلازم التجربة السورية طويلًا.
إذ دخلت مفاهيم السيادة، والدستور، والدولة، والمواطنة، والقانون… إلخ، بوصفها شروطاً لازمةً لبناء دولةٍ حديثة، لكنها دخلت في الوقت نفسه عبر الهيمنة الاستعمارية التي اجتمعت فيها الحداثة مع واقع الإخضاع والتبعية.
قاوم الشعب السوري الاحتلال، وقدَّم تضحياتٍ كبيرةً في سبيل الاستقلال، كان أبرزها الثورة السورية الكبرى ما بين عامَي 1925 و1927، التي مثَّلت ذروة الرفض الشعبي للسيطرة الاستعمارية، وكانت فعلاً وطنيًّا واسعًا شارك فيه السوريون جميعاً، وتكبّدوا فيه أثماناً باهظةً في الدم والعمران والحياة العامة. لكن الاستقلال، في المحصّلة، كان ثمرةَ مساراتٍ معقّدةٍ تداخل فيها النضال ضد المستعمر مع دور القوى السياسية السورية والمناخ الدولي السائد آنذاك.
مثَّل جلاءُ القوات الفرنسية في 17 نيسان/إبريل 1946 انتصاراً وطنيًّا كبيراً، ودخلت سوريا معه طوراً جديداً، إذ وجدت الدولةُ السوريةُ نفسها أمام مهمّةٍ لم تُنجَز شروطُها: بناءُ دولةٍ وطنيةٍ حديثةٍ في مجتمعٍ لم يحسم انتقالَه إلى الحداثة السياسية، ولم تترسَّخ فيه بعدُ مفاهيمُ المواطنة، ولا قواعدُ دولةِ الحقِّ والقانون.
إننا في حزب الجمهورية، نرى أن الإشكالية المركزية التي واكبت التجربة والعمل السياسي في سوريا، وما زالت ترافقها حتى الآن، هي الخلط بين التحرير والحرية.
إذ إن التحرير من الاستعمار، أو تحرير سوريا من الديكتاتورية والقمع السياسي، ليس نهايةَ المطاف، ولا يمكن التعامل معه بوصفه إنجازاً كافياً، في حين تُترك مسائلُ أخرى معلّقة.
وحين تُرفع قضيةُ التحرير إلى مرتبة القيمة المطلقة، قد يجري تأجيلُ أسئلة الحرية والمواطنة وسيادة القانون، أو تهميشُها، أو التضحيةُ بها باسم ضروراتٍ مختلفة، ضروراتٍ ما قادت إلا إلى الخراب، تارةً باسم الوحدة الوطنية، وتارةً باسم الفتنة، وتارةً باسم لقمة العيش، ولكن دائماً، وفي حقيقة الأمر، باسم الحفاظ على السلطة والامتيازات.
وعليه، فإن استحضار ذكرى الاستقلال لا ينبغي أن يقتصر على استعادة لحظة الجلاء بوصفها واقعةً مجيدة، بل ينبغي أن يكون مناسبةً لإعادة التفكير في المعنى السياسي العميق للاستقلال، باعتباره إعادةَ بناءٍ للعلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث يتحوّل المجتمع من مجرّد كتلةٍ تاريخيةٍ قاومت الاستعمار والتسلّط إلى مجتمع مواطنين أحرارٍ ومتساوين أمام القانون.
إن حزب الجمهورية ينظر إلى استقلال سوريا، كما ينظر أيضاً إلى تحرّرها من نظام القتل والقمع السياسي في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بنظرةٍ منسجمةٍ ترى أن التحرّر والتحرير الذي لا يفضي إلى التحوّل إلى مجتمع المواطنة ودولة الحق والقانون، والذي لا يُستكمل بصون الحريات المدنية والسياسية والعدالة الاجتماعية، يظلّ معرّضًا لأن ينقلب إلى صيغةٍ أخرى من صيغ الغلبة، وبالتالي الاستبداد.
في هذا اليوم، وفي هذه الأوضاع والظروف الصعبة التي تعيشها سوريا، وفي هذه المرحلة الانتقالية الحساسة والمفصلية، نقف عند هذه الذكرى الوطنية المجيدة، لنؤكّد على الدرس الوطني الكبير: لا مستقبلَ للسوريين إلا بالتحوّل إلى مسار بناء الدولة الوطنية الحديثة، لتغدو سوريا بلدً حرًّا كريماً وفاعلاً في عالم الأقوياء.
حزب الجمهورية (قيد التأسيس) – الأمانة العامة المؤقتة