أولًا: الحداثة ومنهج التفكير
1- الحداثة
2- الحداثة مدخل لإعادة بناء الهوية
3- التأخر التاريخي
4- الوعي الأيديولوجي والتفكير النقدي
5- مبدأ الاختلاف والحرية
ثانيًا: الدولة الوطنية الحديثة
1- مقدمة
2- نشوء الدولة الحديثة
3- مبادئ الدولة الوطنية الحديثة وأسسها
أ- المبادئ والأسس
ب- العقد الاجتماعي والدستور
ج- الدولة والدين
ثالثًا: المجتمع المدني
1- الدولة الوطنية والمجتمع المدني
2- منظمات المجتمع المدني وعلاقتها بالدولة
3- المجتمع المدني والمجتمع الأهلي
4- المجتمع المدني والدين
5- المجتمع المدني والسوق
رابعًا: الشعب والأمة والقومية
1- مفهوم الشعب
2- الأمة والقومية
خامسًا: المواطنيَّة؛ مبادئها وأركانها
1- الإنسانوية أو الإنسية
2- المساواة
3- المواطنة
سادسًا: الديمقراطية
1- معنى الديمقراطية والنظام الديمقراطي
2- الثقافة السائدة والثقافة الديمقراطية
3- ثقافة حقوق الإنسان
4- الديمقراطية والحداثة والمجتمع المدني
سابعًا: الهوية الوطنية
1- سؤال الهوية
2- الهوية والوطن والوطنية
ثامنًا: العروبة والوطنية السورية
1- إعادة اكتشاف العروبة في العصر الراهن
2- هل هناك طريق إلى اتحاد عربي من نوع ما؟
3- الخوف على العروبة في سورية
4- صناعة الوطنية السورية
تاسعًا: قضية التنوع الإثني/القومي في سوريا
1- مقدمة
2- منطلقات أساسية في التفكير
3- الاندماج الوطني في مواجهة شعار "حماية الأقليات"
4- رؤية إلى القضية الكردية وقضايا الإثنيات في سوريا
أولًا: الحداثة ومنهج التفكير
1- الحداثة
كانت الحداثة التي اتّضحت معالمها في عصر الأنوار الأوروبي، بما حملته من أفكار ومناهج وقيم وأدوات، وما أنتجته في السياق المادي والعلمي، ثمرة تطور تاريخي ساهمت فيه جميع الحضارات، وغدت فتوحاتها الفلسفية والفكرية مكتسبات إنسانية عامة بحكم طابعها الكوني والإنساني العام.
هذا يعني ضرورة إرساء مبادئ رؤية نقدية للحداثة، بوصفها سيرورة تمدن عالمية (إنسانية) شاملة، وعدم خلط منجزاتها التاريخية (الإنسية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية والمجتمع المدني والدولة الوطنية ومبادئ المساواة والحرية والعدالة وحقوق الإنسان والمواطن/ــة..) بمثالب الرأسمالية عمومًا والرأسمالية الاحتكارية المتوحشة خصوصًا، أو بالعولمة المبتورة والنزعات الإمبريالية.
تعني الحداثة التي ننشدها الانفتاح على المستقبل، والحركة الدائمة نحو آفاق جديدة في العمل والمعرفة، وليست تكرارًا لنموذج مضى، أو نسخًا لنموذج غربي أو غيره من النماذج، بل ستكون استيعابًا وهضمًا لحداثة الغرب وتجاوزًا لها في آن معًا، فكل شعب يشترك مع الشعوب الأخرى في أساسيات معينة، وهذه هي عالمية وكونية الحداثة، لكنه في المقابل يشق طريقه المميز وفقًا لمستوى تطور بناه الفكرية والثقافية والاقتصادية وشروطه التاريخية. ولعل أهم سمات الحداثة التي ننشدها هي تلك التي تهدف إلى أنسنة العلاقات بين البشر، وتعميم مفاهيم الحرية والمساواة، وتسخير التقدم العلمي-التكنولوجي ليكون في خدمة الإنسان بوصفه قيمة بحد ذاته.
2- الحداثة مدخل لإعادة بناء الهوية
لا يمكننا أن نتوقع حدوث تقدم في تفكيرنا ورؤيتنا إلى أنفسنا والعالم من دون تجاوز الموقف الدفاعي ضد الثقافة الغربية، والذهاب نحو التعامل النقدي معها، بلا عقد النقص التي ما زالت تتحكم فينا.
هذا الموقف الدفاعي يتجلى بخطاب هوية أحادي ومغلق، قائم على رؤية متوجسة ووسواسية إزاء العالم، ترفض التفاعل الخلاق مع الثقافات الأخرى، ويكون المآل الانكماش على الذات القومية أو الدينية، أو تغليظ الحدود بيننا وبين الآخرين، أو إثارة الكراهية والخوف من جميع الأنظمة الثقافية والمجتمعية الأخرى. يرتكز هذا الخطاب الأحادي، صراحة أو ضمنًا، على أن الثقافات بنى ساكنة لا يطالها التغيير، وأن الهوية ثابتة وقطعية، لا تتجدَّد ولا تتطور، تكونت لمرة واحدة في الماضي، وما علينا سوى الدفاع عنها كما ولدت، أما الحاضر والمستقبل فلا وجود لهما، ولا تأثير لهما في هذه الهوية. هذا الفهم لا يلتقي مع الثقافة الديمقراطية التي تنظر إلى الهوية بوصفها كائنًا متجددًا على الدوام، وينبغي إعادة بنائها في كل لحظة، بدلالة حاجات الحاضر وآمال المستقبل.
هذا النمط من التفكير في الهوية لا تاريخي، وينظر إلى الثقافات بوصفها جزرًا معزولة، وإلى الهويات على أنها محاطة بأسوار ثابتة لا تتغير. الثقافات كائنات حية تنمو وتتطور وتؤثر وتتأثر، وتكتسب صفات وعناصر جديدة على الدوام، على الرغم من أنها تتمايز وتختلف فيما بينها. الخصوصية مبدأ صحيح، ويتوافق مع التعددية الثقافية، لكن لا يمكن فهمها بشكل إيجابي إلا بمنظار جدلي في علاقتها مع العالمية أو الكونية التي تقر بأن أي إنجاز ثقافي أو علمي، هو في الحصيلة نتاج تاريخ طويل، وتفاعل خصيب بين ثقافات وحضارات العالم المختلفة. وبالتالي، فإن الخصوصية التي يجب الاحتفاء بها هي تلك المنفتحة على العالم والفكر والتجدد، لا الخصوصية الخائفة والمرتبكة والمنغلقة على نفسها.
ليس منطقيًا قبول ثمار الثقافة الغربية ومنتوجاتها، ورفض مناهجها وقيمها ومبادئها في الفكر والفلسفة والسياسة والعلم. إن غياب التأسيس الفكري والأخلاقي للحداثة وتقليصها إلى مكتسب تكنولوجي محض، قد أفرغها من قيمها الإنسانية، وحولها إلى قشرة تستر ركامات من العفن والتقليد وأنماط الحياة الاستهلاكية.
3- التأخر التاريخي
يتجلى التأخر التاريخي في مستويات عديدة؛ سياسيًا في غياب دور الشعب، وفي سيادة الروح الرعوية (من الرعية)، وفي سيكولوجية عبد-سلطان، كما يتجلى أيديولوجيًا، في سيطرة التقليد لدى السواد الأعظم من البشر، وهو تقليد مناف لروح العصر، ومجاف لمنطق التقدم. الأيديولوجية السائدة هي أيديولوجية تقليدية مفوَّتة، تعيش زمنًا غير زمنها؛ وهي التي تحدد زاوية رؤية إنساننا إلى الكون والتاريخ والطبيعة والمجتمع والإنسان، والمرأة بوجه خاص. فالإنسان معرَّف لديها بالإيمان والتقوى والطاعة والامتثال والتصديق والرضا والتسليم والقناعة، لا بالعمل والعقل والحرية والمعرفة والخلق والإبداع. الإنسان في نظرها ضعيف عاجز، وموضوع لفعل الطبيعة والقوى الخارقة الغيبية، وليس القادر على تغيير أشكال الطبيعة والمجتمع وعلى بناء التاريخ. هذه الأيديولوجية المفوَّتة مهجوسة بالماضي، ولا تحترم العمل والإنتاج، ولا تقيم وزنًا للوقت، ولا تدرك معنى مفاعيل الزمن.
يمكن الحديث عن قاع أيديولوجي مشترك بين الاتجاهات المتباينة أو المتصارعة أيديولوجيًا (القومية والاشتراكية والإسلامية)، إذ تتمايز في قشرتها السطحية وفي شعاراتها وحسب، وتتفق في ما بينها في أمور كثيرة، لعل أهمها هو اتفاقها جميعًا على رفض الحداثة وتنكرها لها، مغطية هذا الرفض بخطاب تقليدي لا تاريخي مقيت حول "الهوية" و"الخصوصية".
يشكل التأخر التاريخي أرضية مولدة للهزائم والكوارث باستمرار، والأمم المتأخرة لديها على الدوام "القابلية للاستعمار" على حد تعبير مالك بن نبي، ويكشف التأخر التاريخي عن الأسباب العميقة لإخفاق محاولات النهضة المختلفة و"الثورات" التي اجتاحت المنطقة خلال قرن من الزمن، والتي أدت موضوعيًا إلى تصفية مشروع أو جنين الدولة–الأمة، والتقهقر إلى مرحلة ما قبل الدولة، أي الدولة العشيرة، الدولة الطائفة والدولة الطغمة.
4- الوعي الأيديولوجي والتفكير النقدي
يمكننا التمييز بوضوح بين سياسة يضعها الفكر بصفته فكر الواقع، أي المتكون من قراءة الواقع بموجوداته واحتمالاته الممكنة، من قبل الذات الحرة القادرة على نقد مبادئ الفكر ومقولاته وإنتاج مفاهيم حديثة، وتحديث القديمة لتوافق تغير الواقع إلى ما لا نهاية، وبصفته سعيًا دائمًا في سبيل الحقيقة، وبين سياسة تضعها العقيدة أو الأيديولوجية، بوصفها منظومة مغلقة ورؤية ذاتية، بل ذاتوية إلى العالم وتاريخه وإلى المجتمع والإنسان. الوعي الأيديولوجي والاستبداد السياسي صنوان، يشتركان في معاداة الفكر الحر والازورار عن الحقيقة الواقعية، العقلية، ومعاديان للديمقراطية من حيث المبدأ والمنطلق.
الفكر غير الأيديولوجية، والتفكير النقدي مغاير للوعي الأيديولوجي. الفكر ينطلق من الواقع، ويتوافق مع الأهداف والحاجات، ويتعارض مع النظرة الدوغمائية والأيديولوجية المغلقة التي تنظر إلى الواقع على أنه مؤلف من لونين أسود وأبيض، فيما هو يرى الواقع مؤلفًا من ألوان لا حصر لها. الوعي الأيديولوجي يرى أن الحقيقة مطلقة وثابتة، أما الفكر/التفكير النقدي فيراها نسبية ومتغيرة. الوعي الأيديولوجي يقيم انفصالًا بين الباطن والظاهر، الفكر/التفكير النقدي لا يرى مثل هذا الانفصال. الوعي الأيديولوجي يعتمد على الحدس والتقريب والعموميات والشعارات، أما الفكر فيعتمد على التحليل والتركيب والتحديد وعلى التفاصيل الدقيقة. الوعي الأيديولوجي ينطلق من الرغبة والشعور والمعتقد. أما الفكر فينطلق من الوقائع والمعطيات القائمة. الوعي الأيديولوجي تقريري، والواقع، في منظوره، معطى نهائي، والفكر يقوم على منهج تحليلي ويكتشف الواقع تدريجيًا، مع تقدم المعرفة البشرية. يؤمن الفكر/التفكير النقدي بأن الوجود الاجتماعي المتعين في العالم وفي التاريخ هو أساس الوعي الاجتماعي، لا العكس، والواقع هو أساس الفكر، لا العكس. إن وحدة الفكر والواقع، ووحدة العمل والنظر هما أبرز مقومات الرؤية الواقعية الجدلية.
للتفكير النقدي ثلاثة أبعاد مهمة هي: الكونية والحداثة والتاريخانية أو الفكر التاريخي. الكونية: فالوعي المحلي أو الأقوامي قاصر، ولا بدّ من وعي القسم المتقدم من العالم لأن إنجازاته ملك للبشرية كلها، وليست وقفًا على أبنائه وحسب. الحداثة: التفكير النقدي هو بالضرورة وعي حديث، يتعامل مع الحداثة التي أنجزها الغرب من دون نرجسية قومية أو عقد نقص، ويرى أن البشر جميعًا يشتركون في إمكانية التقدم، وفي قدرتهم على تحسين شروط حياتهم باستمرار. التاريخانية: لواقعنا امتداد في المكان الذي هو العالم المعاصر، وامتداد في الزمان الذي هو التاريخ. يعني الوعي التاريخي إنتاج حالة تطابق بين الزمان والمكان، ولا سيَّما أننا زمنيًا خارج تسلسل الزمن العالمي، أي نعيش في حالة "الفوات التاريخي" التي تشير إلى الشعوب التي ما تزال تعيش في مرحلة تخطتها شعوب أخرى، صاغت العصر وفرضت نفسها عليه. الوعي التاريخي هو وعي بالفوات والتأخر التاريخي وبحث في علله، أي أنه استدراك للزمن الضائع، لإنتاج وعي قادر على التطابق بين العيش في المكان (العالم المعاصر) والعيش في الزمان (الزمن المعاصر). لذا فإن الرهان التاريخي معقود على استيعاب الفكر الحديث وهضمه وتجاوز التأخر، عبر الارتقاء من الجزئية والحصرية إلى الكلية والعمومية، أي من وعي ديني ومذهبي ومللي وعشائري وجهوي وأقوامي إلى وعي وطني ديمقراطي مفتوح على أفق إنساني.
بهذه المعاني، فإن التفكير النقدي سيرورة معقدة وشاقة وجهد متواصل من التنقيب والتحليل والتركيب والنقد والشك وصولًا إلى مقاربة الوعي مع الواقع المتغيِّر باستمرار، لذا لا يمكن لعملية القبض على الواقع أن تكون تامة، بل عملية مستمرة من محاولات الاقتراب من الواقع.
5- مبدأ الاختلاف والحرية
الاختلاف هو الحقيقة الواقعية الأبرز في العالمين الفيزيقي والأخلاقي (المجتمع والدولة). فهو الطبيعي الذي يؤسس الوضعي، والوجودي (الأنطولوجي) الذي يؤسس الأخلاقي، ومن ثم فإن التجانس، وهمًا كان، كالتجانس العرقي والإثني والقومي والديني والمذهبي والطائفي والجنسي، أم حقيقة، كأنواع المواد والنبات والحيوان وأجناسها وأصنافها... إلخ، تأويل وضعي من عمل الذهن الإنساني، لا من عمل الطبيعة، ولا من عمل أي قوة مفارقة. نحن الذين نسمِّي ونصنِّف، وفقًا لإستراتيجياتنا وسلطاتنا المعرفية والثقافية والأيديولوجية والسياسية. هذا يعني أنه لا بدّ من بناء رؤيتنا على مبدأ الاختلاف، أي على مبدأ الحرية، وتساوي الأفراد والجماعات في القيمة الروحية والكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية والحقوق.
الاختلاف من أبرز صور الحرية ومن أهم تجلياتها، وهو ما يستوجب المساواة في الكرامة الإنسانية والجدارة واستحقاق الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، للأفراد والجماعات، ويعين مضمونها ونسبيتها، في كل مجال من مجالات الحياة. فلا مشاحة عن التفكير في واقعية الاختلاف ومعقولية العالم، اختلاف الإثنيات واختلاف الأديان واختلاف المذاهب واختلاف الثقافات واختلاف المصالح والمطالب والتوقعات، علاوة على اختلاف الأفراد واختلاف الذكور عن الإناث والنساء عن الرجال. فالنظر إلى الاختلاف على أنه شكل تعيين الحرية يجعل منه ثروة اجتماعية وإنسانية، معرفية وثقافية وإبداعية. مساواة النساء والرجال أمام القانون لا تعني، ولا يجوز أن تعني طمس الاختلاف، لا بين النساء والرجال ولا بين الأفراد، لذلك يُعرَّف المواطن والمواطِنة بأنه أو أنها تجريد الفرد/ الفرد الطبيعي، مثلما الدولة تجريد المجتمع المدني. إن كل رفض للاختلاف، أي للحرية هو انتحار روحي، وكل اعتداء على حرية الآخر هو محاولة لقتل الإنسان فيه، وتحويله إلى حيوان، وسحق مخالف لطبائع الأشياء.
ثانيًا: الدولة الوطنية الحديثة
1- مقدمة
ليس ثمة ممارسة في الواقع إلا وثمة رؤية تقبع خلفها، تؤسس لها وتفسرها، فالبؤس الفادح الذي تتكشف عنه معظم الممارسات الراهنة ليس إلا مجرد تجلٍ لبؤس أكثر فداحة في الرؤية والثقافة السائدة. من هنا تأتي أهمية التأسيس لرؤية فكرية سياسية نابعة من حقائق العصر والواقع والحاجات والتحديات، أملًا في إنتاج أشكال متقدمة وحضارية من العمل والممارسة. ولعل أهم القضايا التي تحتاج إلى تأسيس معرفي جاد تلك المتعلقة بمفهوم الدولة الوطنية الحديثة والأمة والقومية والشعب والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والديمقراطية في مجتمعنا، فهذه المفاهيم والمقولات لا تزال ضبابية وملتبسة على الرغم من كونها متداولة ومعروفة. هذه المفاهيم عتبة أساسية لتأصيل ثقافة سياسية حقيقية، على أنه لا يمكن النظر إليها وكأنها دين جديد أو أيديولوجية جديدة، وإنما بوصفها مشروعًا غير منجز، وفي حالة تطور وتجديد مستمرين.
إن مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة وسيادة الشعب وسيادة القانون، ومفاهيم الأمة والوطن والمجتمع المدني والشعب كلها تقع في حقل دلالي واحد، أو تنتمي إلى حقل دلالي واحد هو ذاته حقل الإنسانوية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهذه هي النقطة الرئيسة في مقاربتنا لجميع هذه المفاهيم.
2- نشوء الدولة الحديثة
كانت فكرة الدولة الوطنية الحديثة (دولة جميع المواطنين)، وما يتصل بها ويقع في حقلها من مفاهيم ومقولات، غائبة عن الثقافة السياسية على مدى نصف قرن، تآكلت في خلاله الثقافة الوطنية مع تآكل الدولة، التي نشأت في العهد الليبرالي، أو ضمور طابعها الوطني العام.
لم تشهد مجتمعاتنا قيام الدولة بالمعنى السياسي المعاصر. إنها تعيش حالة ما قبل الدولة، وربما لذلك يفتقر قطاع واسع من النخبة إلى التمييز بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة. لذا فإن إعادة طرق موضوع الدولة من زاوية فكرية ليس أمرًا للترف الثقافي، بل هو موضوع شديد اللصوق بمسألة التحول الديمقراطي، وبتشوهات الخطاب السياسي في تناوله للمسألة الوطنية.
يبدو تمييز الدولة من السلطة ضروريًا في موضوعنا، وفي أوضاعنا، على السواء. السلطة أقدم من الدولة وأوسع نطاقًا وأكثر تنوعًا، والتعبير عنها قديم في جميع اللغات والثقافات، وفي تجارب مختلف الجماعات والتجمعات والمجتمعات والشعوب، أما مفهوم الدولة فهو مفهوم حديث، يمكن أن يؤرخ له ببدايات النهضة الحديثة في الغرب، وهو مرتبط بتاريخ المجتمع المدني. فقد نشأت الدولة السياسية الحديثة (أو الدولة الوطنية/القومية) في كنف الثورة البورجوازية التي قامت في أوربا كتتويج لسيرورة عصر النهضة والإصلاح والتنوير، وهي من أهم معالم الحداثة في مستواها السياسي، ولا يمكن فصلها عن التحولات التي طالت بنى المجتمع في مستويات الاقتصاد والإنتاج، كما في مستويات الثقافة والفكر والفلسفة.
ارتبط مفهوم الدولة الحديثة منذ نشوئه بمفهوم المجتمع المدني على الصعيد الاجتماعي، وبمفهوم الأمة على الصعيد الثقافي، وبمفهوم الشعب على الصعيد السياسي، وهناك ثلاث واقعات كونية، أفرزت صورة الدولة الحديثة، هي الثورة الصناعية، ونشوء نمط الإنتاج الرأسمالي، والثورة الديمقراطية، وبناءً على هذه التحولات، فإنّ أيّ جماعة أو أمة تضع نفسها خارج هذا المنجز الكوني، تحكم على نفسها بالبقاء على الهامش خارج دائرة التاريخ.
3- مبادئ الدولة الوطنية الحديثة وأسسها
أ- المبادئ والأسس
الدولة هي شكل الوجود السياسي للمجتمع، أو هي التعبير القانوني/الحقوقي للأمة بمعناها الحديث الذي يحيل على المجتمع المدني.
تنتمي الدولة الوطنية الحديثة إلى نسق متكامل من المبادئ والمفاهيم التي تقوم بينها علاقات ضرورية، بحيث لا تقوم أي منها بغير الأخريات، كالمجتمع المدني، والديمقراطية، والإنسية، والمواطنة، وسيادة القانون وسيادة الشعب والشرعية الدستورية وفصل السلطات واستقلال القضاء وتداول السلطة سلمًا... إلخ. لا سبيل إلى التفكير في الحرية والفرد والفردانية والمواطنة إلا على اعتبار أنها قيم شديدة الاتصال بالدولة الوطنية الحديثة. ولا سبيل إلى الحديث عن الديمقراطية والدستور والمجتمع المدني والطبقات الاجتماعية إلا في اقترانها وجودًا أو غيابًا بالدولة الوطنية الحديثة.
المبادئ الفكرية والسياسية والأخلاقية التي تتأسس عليها الدولة الوطنية الحديثة، انطلاقًا من هاتين الصفتين اللتين وصفت بهما الدولة، أي الوطنية والحداثة، ومن تلازمهما الضروري، هي: المبدأ الأول من هذه المبادئ المؤسِّسة هو المواطنة، بثلاثة أركانها: المساواة والحرية والمشاركة، وأبعادها: القانونية والثقافية والسياسية والأخلاقية. أما المبدأ الثاني، فيتعلق بالسيادة، سيادة الدولة أو سيادة القانون، بصفته ماهية الدولة الحديثة وجوهرها، وهي سيادة مستمدة من الشعب. وأما المبدأ الثالث، فهو الشرعية. الشعب هو مصدر الشرعية في الدولة الحديثة، ومصدر جميع السلطات، بخلاف الشرعية المستمدة من "قانون إلهي" أو عقيدة دينية، أو فقه مذهبي، أو عقيدة (أيديولوجية) غير دينية، كالقومية والاشتراكية.
حين تتماهى السلطة والدولة تضمر الدولة حتى تطابق حدود السلطة، ويغلب الخاص على العام والجزء على الكل، وذلكم هو مبدأ الاستبداد وعلته. سلطة الدولة سلطة عامة من جانب، لأنها سلطة القانون، وخاصة من جانب آخر، لأنها سلطة الأكثرية السياسية التي تحظى بأكثرية أعضاء البرلمان وتؤلف الحكومة. بمعنى آخر للسلطة في الدولة الديمقراطية طابع مزدوج: عام وخاص، والانتخابات تتمخض في كل مرة عن أكثرية وأقلية سياسية، لذلك عرف بعضهم الديمقراطية بأنها حكم الأكثرية السياسية مع توفير الضمانات للأقلية.
الدولة عند علماء السياسة هي الجمهورية Republic. الجمهورية لا تدل على نظام الحكم وحسب، بل تدل قبل ذلك على العمومية، أو على كل ما هو عام ومشترك بين الأفراد. والفضيلة السياسية في الجمهورية هي المواطنة وحكم القانون، والعمومية هي الصفة الأساسية للدستور والقانون، وهذا ما يجعلهما أقرب إلى العدالة، بل شرطًا ضروريًا للعدالة.
ب- العقد الاجتماعي والدستور
إن الاختلاف هو ما يفرض الحاجة إلى العقد الاجتماعي، أو ما يجعل العقد الاجتماعي ضروريًا، والتماثل في الإنسانية والتساوي في المواطنة هو ما يجعل هذا العقد ممكنًا. ومن ثم؛ فإن جدل التماثل والاختلاف، الذي يحكم عملية بناء المجتمع المدني والدولة الوطنية، هو مضمون العقد الاجتماعي. فاختلاف الأفراد وتعارض مصالحهم هو ما يوجب العقد الاجتماعي. وما هو مشترك بينهم جميعًا، على اختلافهم، هو ما يجعل العقد ممكنًا. بالتالي، فإن العقد الاجتماعي في حقيقته هو التجريد القانوني والحقوقي لما هو مشترك بين جميع الأفراد وجميع القوى والفئات الاجتماعية، وهذا المشترك هو ماهية هؤلاء وجوهرهم.
في الواقع، يمكن أن يكون العقد الاجتماعي اتفاقًا بين جماعات، إثنية ومذهبية وطائفية أو طبقية، أو بين قوى تمثلها، وفقًا لمبدأ الغلبة، فيكون نوعًا من مصالحة تقليدية، تتقرر بموجبها حقوق كل جماعة بمقدار قوتها المادية والمعنوية وتحالفاتها الداخلية والخارجية، فتكون المصالحة بذلك أقرب إلى هدنة بين حربين، كما هي الحال في لبنان والعراق، إذ لا يمكن لأي جماعة أن ترضى بما تقرره لها علاقات القوة، المتغيرة دومًا، فتظل عوامل النزاع قائمة في بنية العقد ذاته، وفي بنية المجتمع، وتظل السياسة نوعًا من إدارة الحرب أو استمرارًا للحرب بوسائل أخرى، وهذا ما يسمح بتدخل القوى الإقليمية والدولية في الشؤون الداخلية بحجة الدفاع عن هذه الجماعة أو تلك.
ويمكن أن يكون العقد الاجتماعي، بل ينبغي أن يكون عقدًا بين أفراد، أي بين مواطنات حرائر ومواطنين أحرار، يقوم على مبدأ الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية أولًا، ومن ثم، بالكرامة الوطنية، اعتراف يتأسس عليه اعتراف متبادل بالمواطنة، أي بتساوي الأفراد، نساء ورجالًا، في عضوية الدولة الوطنية، وفي الحقوق المدنية والسياسية، وتساوي مرجعياتهم الثقافية. العقد الاجتماعي، بهذه الصفات شرط ضروري للخروج من حالة الشقاق والنزاع، وضمانة أكيدة كي لا تتكرر النزاعات كلما تغيرت نسبة القوى الاجتماعية، وهو ما يغلق الباب نهائيًا في وجه القوى الخارجية، ويحول دون تدخلها في الشؤون الداخلية.
وإلى ذلك، فإن العقد الاجتماعي بين أفراد حرائر وأحرار هو ما يوفر الشروط الموضوعية، القانونية والسياسية والاجتماعية، لتحرر الأفراد من الأطر التقليدية والعلاقات النمطية، ويضمن استقلالهم، من دون أن يلغي انتماءاتهم الإثنية والدينية، أو يحجر على حرياتهم، أو يقيد خياراتهم الشخصية، فيؤسِّس بذلك للصداقة المدنية، التي تجعل كلًا منهم يهتم بالآخرين، ويتعاطف معهم، ويدافع عن حرياتهم وحقوقهم، بوصفهم شركاءه في الوطن والمصير. وهذا، أي تحرر الأفراد واستقلالهم الذاتي، لا يتحقق دفعة واحدة، بل يتشكل وينمو بالممارسة، في إطار نظام جمهوري برلماني وانتخابات دورية، في ظل سيادة القانون.
لقد اهتدى العقل البشري إلى العقد الاجتماعي والحياة الدستورية للتخلص من السلطات الشخصية المطلقة كافة، ولا سيما سلطة الحكام وبطانتهم، وسلطة الكهنة أيضًا، بوصفها القاعدة الثقافية والأخلاقية للسلطات الشخصية المطلقة، وقاعدة للاستبداد الديني والسياسي. فكي لا يخضع الشخص الطبيعي لنظيره، كان لا بدَّ من شخص معنوي يخضع له الجميع، وينزلون له عن حرياتهم وحقوقهم الطبيعية، لكي يستعيدوها حريات وحقوقًا مدنية، يضمنها الدستور والقانون. هذا الشخص المعنوي هو الدولة الوطنية الحديثة، وسلطته هي سلطة القانون، الذي يضعه الشعب لنفسه عن طريق ممثليه أو مندوبيه، الذين يختارهم اختيارًا حرًا.
الصيغة العملية لعقد اجتماعي، من هذا النوع، هي انتخاب جمعية تأسيسية انتخابًا صحيحًا، على الصعيد الوطني العام، وفق قانون انتخاب عصري وحديث، تضعه هيئة وطنية عامة للانتخابات، مؤلفة من قضاة وأكاديميين وممثلين عن منظمات المجتمع المدني. يحدد القانون شروط الانتخاب والترشيح وفقًا لمستوى التطور الاجتماعي والثقافي. ويقوم على مبادئ الثقة والكفاءة والخبرة والجدارة العلمية والأخلاقية. ويحدد الدوائر الانتخابية، وأسلوب الانتخاب الفردي أو الحزبي والنسبي، وضوابط العملية الانتخابية، كجداول الشطب ومراقبة عمليات الانتخاب في المراكز الانتخابية، وعمليات فرز الأصوات، من قبل القضاء ومنظمات المجتمع المدني ووكلاء المرشحين، كما يحدد شروط الاعتراض والطعن. إن قانون الانتخاب هو ما يحدد طبيعة الدستور، الذي ستضطلع الجمعية التأسيسية بكتابته واستفتاء الشعب فيه. ولا تتأكد البطانة الأخلاقية للدستور إلا إذا قام على أساس عمومية الدولة وتساوي جميع مواطناتها ومواطنيها في عضويتها. فعمومية الدولة هي أساس العدالة السياسية.
ج- الدولة والدين
لا تحتاج الدولة الوطنية الحديثة إلى أي أيديولوجية، لأنها، أي الدولة، شخص معنوي، سياسي وقانوني وأخلاقي، فوق الطبقات والفئات، ومحايدة حيادًا تامًا إزاء عقائد مواطنيها، بخلاف السلطة ذات الطبيعة المزدوجة.
مبدأ الدولة الوطنية هو العمومية التي تتجلى في الدستور والقانون العام، ومبدأ الدين هو الخصوصية. كل دين هو دين خاص، فضلًا عن كون كل مذهب مذهبًا خاصًا. الدولة مجال عام، والدين، الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي، مجال خاص لجماعة بعينها. العام هو ما يحدِّد الخاص، لا العكس. هذا معناه ضرورةالارتقاء بالدولة إلى مؤسسة سياسية عامة فوق الأفراد، وفوق الطبقات، وفوق الأديان والمذاهب، وفوق الأيديولوجيات وفوق الرؤساء والملوك والقادة الملهمين.
الدولة هي فضاء عام وحيادي، أما السلطة السياسية، أي الحكومة، فلها طبيعة مزدوجة، عامة، لأنها سلطة الدولة ومكلفة تنفيذ القوانين العامة، وخاصة، لأنها تمثل الحزب الذي يفوز في الانتخابات بأكثرية مقاعد البرلمان، ويشكل الحكومة وحده أو متحالفًا مع غيره.
الدولة فضاء وطني عام مشترك بين المسلمين وغير المسلمين وبين العرب وغير العرب، والإسلام فضاء خاص بالمسلمين السنة أو الشيعة، بحسب المتكلم، والخاص لا يحدِّد العام، بل ينحدُّ ويتحدَّد به. ليس هناك مشكلة في أن يؤلف إسلاميون حكومة في المستقبل، وفق مبدأ الانتخاب الحر وتداول السلطة سلمًا، ولكن تكمن المشكلة في محاولات أسلمة الدولة، لأن هذه الأخيرة لا تختلف في شيء عن تبعيث الدولة (دولة البعث) الذي هو أساس كل المشكلات.
ثالثًا: المجتمع المدني
1- الدولة الوطنية والمجتمع المدني
ثمة تلازم منطقي وتاريخي بين الدولة الوطنية الحديثة والمجتمع المدني، فهما طرفان جدليان لا يقوم ولا يستقيم أي منهما إلا بالآخر. وبمعنى ثانٍ هناك اتصال وانفصال في آنٍ معًا بين الدولة والمجتمع المدني، فاستقلالية المجتمع المدني عن الدولة هي استقلالية نسبية وليست مطلقة وميكانيكية. الدولة السياسية، بوصفها أهم معالم الحداثة في مستواها السياسي، هي شكل الوجود السياسي للمجتمع، أو هي التعبير القانوني/ الحقوقي للأمة بمعناها الحديث الذي يحيل على المجتمع المدني. لذلك يرتبط المجتمع المدني بالمجتمع السياسي (الدولة) ارتباط المضمون بالشكل والحرية بالقانون، على اعتبار أن المجتمع المدني هو فضاء الحرية والدولة هي مملكة القانون. المجتمع المدني مشروط إذًا بالدولة الوطنية، تمامًا كما الحرية مشروطة بالقانون، وبتعبير أوضح لا وجود للمجتمع المدني من دون وجود دولة وطنية، إذ لا حرية بلا سيادة القانون.
المجتمع المدني، سواء في حقل النظرية الفلسفية، أو في حقل التاريخ الاجتماعي الواقعي، يتضمن التعدد والاختلاف والتناقض والتنازع، وهو أيضًا ميدان الصراع الطبقي والمواجهات بين المصالح الاقتصادية المختلفة، في حين تتضمن الدولة الحق والوحدة والانسجام، لذلك كانت هذه الثنائية الجدلية (دولة وطنية – مجتمع مدني) حلًا موفقًا للجدل والتوتر الدائم بين النظام والحرية، أو بين القانون والتعددية.
من جهة ثانية المجتمع المدني هو مجتمع العمل والإنتاج الذي ينتج الطبقات والفئات الاجتماعية والمصالح المتعارضة، وما ينجم عن كل ذلك من علاقات وتنظيمات اجتماعية وعلاقات متبادلة وإنتاج ثقافي وقيم ومعايير مختلفة، وهو لكل ذلك ميدان التلاقي والتعاون والتنافس، أما الدولة فهي تمثل المصلحة العامة أو العمومية.
لذلك تصبح الوظيفة الأساسية للمجتمع المدني لَجْم الدولة حين تحاول الخروج عن مسار دولة القانون والمؤسسات، ومواجهة محاولات سلطة ما لاحتلال جميع الفضاءات في الدولة والمجتمع، والضغط عليها لإيجاد الحلول للتشوهات والانتهاكات التي قد تنجم في بعض الأحيان عن ممارساتها والمنطق التعسفي لها. في حين تصبح وظيفة الدولة الحفاظ على المصلحة العمومية، وعلى طابعها العام المشترك، وعلى صوغ العلاقات القانونية، والمحافظة على بقاء جميع مؤسساتها مؤسسات وطنية عامة.
2- منظمات المجتمع المدني وعلاقتها بالدولة
إن جميع التعاريف الإجرائية لمنظمات المجتمع المدني لا تستنفد معاني المجتمع المدني ومدلولاته وتعييناته. لذا من الضروري أن نميز بين مفهوم المجتمع المدني وشبكة الجمعيات غير الحكومية، فالمفهوم في دلالاته التاريخية والاقتصادية والسياسية، وارتباطاته الفلسفية بالمفاهيم الأخرى، أوسع من أن يستنفد في شبكة من الجمعيات والمنظمات. لكن يمكن القول إجرائيًا وعمليًا إن المجتمع المدني هو جملة القنوات والمسارب والتنظيمات والجمعيات والمؤسسات التي يعبر فيها، ومن خلالها، المجتمع الحديث، عن مصالحه وغاياته، وتتكون بشكل طوعي واختياري، وتعمل في استقلال نسبي عن الدولة بمؤسساتها وأجهزتها (الجيش، الشرطة، الأمن....)، ولذلك فهو يحتوي على الأيديولوجية بمكوناتها المتعددة (الفلسفات، الثقافة، الدين، الحس المشترك...)، وعلى الأشكال المختلفة من الروابط الحديثة (الأحزاب السياسية، النقابات والنوادي والاتحادات، الهيئات الثقافية، الحركات الاجتماعية، غرف التجارة والصناعة، التنظيمات الحرفية والمهنية، الجمعيات التعليمية والصحية، الجمعيات التي تعنى بشؤون البيئة والمرأة والشباب والطفل وحقوق الإنسان...إلخ)، وهذه التنظيمات التطوعية تنشأ لتحقيق مصالح أعضائها أو لتقديم المساعدات والخدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، أو للدفاع عن المجتمع في مواجهة الطغيان والتغول المحتملين للدولة، وهي تلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف من خلال التفاوض والتحكيم والتراضي والمساومة والتصويت والانتخابات.
يمكن القول بالتالي إن أهم خصائص ومميزات تنظيمات المجتمع المدني هي:
أ- الطوعية أو المشاركة الاختيارية الحرة، وهي تميزها عن مختلف التكوينات والروابط الاجتماعية المفروضة أو المتوارثة في المجتمع التقليدي، وعن تلك المبنية على التراتبية والطاعة العمياء والانضباط الصارم في المجتمع العسكري (الجيش)، لذلك تكون العلاقات في المجتمع المدني أفقية، وليست رأسية أو عمودية مثل العلاقة بين شيخ العشيرة وأتباعه، أو بين الأجير والمؤجر، أو بين الضابط والعسكري، أو بين رجل الدين ومريديه، أو بين رئيس الحرفة والصانع.
لعل من أهم التطورات التي يقدمها المجتمع المدني هي العلاقة بين الفرد والمجتمع، انطلاقًا من قاعدة ترى في تطور وازدهار حرية الفرد أمرًا لا يتعارض مع الجماعة، فالجماعة الصحية هي تلك التي تتيح لأفرادها أوسع قدر من الحرية، في الوقت الذي ترى فيه أنه لا وجود لجماعة صحية تعامل أفرادها كرعايا أو كأرقام لا حول لها ولا قوة.
ب- الاستقلالية النسبية عن الدولة، وهي ما تسمح بتكون رأي عام غير رسمي، أي لا يخضع لسلطة الدولة، فهذه المنظمات تختلف عن تلك الموجودة في المجتمع السلطوي أو في المجتمع الشمولي الاستبدادي، حيث البشر لا رأي لهم.
ج- المؤسسية، العمل المؤسسي هو أحد مميزات تنظيمات المجتمع المدني، ويشير إلى علاقات تعاقدية حرة في ظل سيادة القانون.
د- التخصص المرتبط بالغاية والدور، إذ تتشكل هذه التنظيمات بحسب الميول والرغبات والأهداف والمصالح.
إن هيئات المجتمع المدني هي مؤسسات ذاتية التأسيس والاشتغال، وحينما تفقد أي مؤسسة استقلاليتها عن الدولة، فإنها تفقد بذلك العنصر الجوهري الذي يميز المجتمع المدني، لكن استقلال المجتمع المدني عن الدولة لا يعني بالضرورة أنه نقيض أو خصم لها، أو غياب أي صلة بينهما، وإنما تعني أن علاقته بها لا تتسم برابطة التبعية.
3- المجتمع المدني والمجتمع الأهلي
يقوم المجتمع الأهلي أو المجتمع الطبيعي العضوي أساسًا على الروابط والعلاقات الموروثة أو الأولية (العلاقات العضوية أو رابطة الدم) التي ينتمي إليها الفرد لحظة ولادته من دون توافر حرية الاختيار. وهذا يسمح بالقول إن المجتمع الأهلي هو تراصف جماعات إثنية ودينية ومذهبية مغلقة ومتحاجزة ومتفاصلة كالزيت والماء، وتبني فيه هذه الجماعات علاقات تناحرية وتنازعية على السلطة والثروة استنادًا على موازين القوى القائمة، ولا يشكل مجموعها أمة أو شعبًا، ولا تنتج من علاقاتها المتبادلة دولة.
هذا التشابه في الشكل وبعض الوظائف بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني لا يعني التطابق ولا يبرر التماثل بينهما، فالمجتمع المدني يتجاوز المجتمع الطبيعي العضوي، وينتقل بالروابط إلى مستوى العلاقة السوسيولوجية، إذ تحل الروابط المدنية الحديثة (الطبقة، الحزب، الثقافة، النقابة، الجمعية... إلخ) محل رابطة الدم العضوية، وتنبني هذه الروابط على الإرادة الطوعية والاختيار الحر. من هنا تختلف منظمات المجتمع المدني عن منظمات المجتمع الأهلي في كونها تقوم على مبدأ المواطنة والولاء للوطن كانتماء أساسي، وكبديل للانتماءات التقليدية التراتبية بأشكالها المختلفة.
على الرغم من التمايز المعروف بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، فإن هذا لا يفترض خلق علاقة تضاد محتومة بينهما، فانغلاق مؤسسات المجتمع الأهلي وعصبويتها يعودان أساسًا للسلطة الاستبدادية وممارساتها التي منعت تطورها وانفتاحها، إضافة إلى أن المطلوب من ناشطي المجتمع المدني هو النفاذ إلى البنية الاجتماعية، وليس تحويل المفاهيم الحديثة (المجتمع المدني، الديمقراطية..) إلى شعارات أيديولوجية يجري بناء عليها تصنيف البشر وإقصاؤهم.
4- المجتمع المدني والدين
في المجتمع المدني يُعاد بناء الانتماءات الأولية (كالانتماء إلى أسرة معينة أو إلى دين محدد أو إلى جماعة إثنية أو لغوية أو ثقافية) من جديد، وهذا أمر طبيعي، فالانتماءات الجديدة (أي الانتماء إلى الوطن أو الدولة السياسية أو المجتمع المدني أو الأمة) تحتوي الانتماءات السابقة وترتقي عليها، بحكم أنها انتماء إلى الكل الذي يكسب الانتماءات الجزئية مضامين جديدة غير معيقة للتطور.
المجتمع المدني هو مجتمع تتاح فيه الحرية لجميع الأديان والمذاهب والأيديولوجيات في التعبير عن نفسها والفعل والتأثير، لكن تبقى دولته السياسية محايدة تجاه الجميع، وتستمر معبرة عن الكل الاجتماعي، الأمر الذي يسمح لنا بالاستنتاج أن المجتمع المدني لا يلتقي أو يتوافق مع دولة الاستبداد وحكم الفرد ودولة الحزب القائد للدولة والمجتمع ودولة العشيرة ودولة الفئة أو الطغمة سواء أكانت دينية أم علمانية.
لا يعارض المجتمع المدني الدين أو المتدينين، لكنه يعارض سلطة رجال الدين، ولا يتوافق مع دولة دينية، كما لا يضع المجتمع المدني نفسه في مواجهة الروابط والعلاقات الأولية، ولا ينفيها نفيًا سلبيًا، لكنه بحكم علاقاته وروابطه الحديثة ينفيها نفيًا جدليًا، أي يجعل الأولوية والمحورية للانتماءات الحديثة وللروابط التي تفرضها، والتي تستند على شكلين من العلاقات: العلاقات الضرورية، أي العلاقات الاقتصادية وعلاقات عملية الإنتاج الاجتماعي والمصالح والمنافع المتبادلة، والعلاقات الاختيارية أو القائمة على الإرادة الحرة، مثل الانضمام للأحزاب والجمعيات والمؤسسات المختلفة.
لا تزال العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة في ثقافتنا وتراثنا تحكم رؤية الكثيرين. هنا نقول إن الدين غير السياسة والسياسة غير الدين، فالدين مجال الذاتية، أي مجال الإيمان، والسياسة مجال العلاقات الموضوعية التي تعينها نسبة القوى، ومنهج السياسة نفعي براغماتي دومًا، ولا يتسق في معظم الأحيان مع القيم الروحية والأخلاقية للدين. هذا يعني أنه ينبغي تحرير الدين من السياسة وتحرير السياسة من الأيديولوجيات الدينية المفصلة على مقاس حامليها، والمثقلة بالمصالح الذاتية لهم.
في ما يخص العلاقة بين الإسلام والسياسة، لا بدّ هنا من تقرير حقيقة مهمة من حيث المبدأ: إن أي حديث تجريدي عن الإسلام لا يكون مفيدًا ولا بدّ من ربطه بمدرسة أو مذهب أو شخص أو فرقة معينة، أي لا بد من الحديث عن تفسير وفهم للنصوص التي تمثل مصادر الإسلام، وهي نصوص القرآن والسنة، لأن "القرآن لا ينطق وإنما ينطق عنه الرجال" كما يقول الإمام علي بن أبي طالب.
ليس هناك من نص مهما كان مقدسًا له معنى ذاتي لازم ونهائي، فالمعاني تستخلص بعمليات معقدة يقوم بها عقل ما، محكوم سلفًا بعلاقات الزمان والمكان بكل ما يعتمل فيها من مصالح وعادات وتقاليد ومعارف سائدة. الإسلام دومًا هو إسلام المتكلم، يتغير بتغير الذات المتكلمة، إذ تتباين قراءات النصوص المقدسة والسرديات التاريخية وتأويلاتها تباينًا يبلغ حد التكفير المتبادل. بالتالي، فإن أول ما يجب أن يفعله الإسلام السياسي هو نزع ثوب القداسة عن أطروحاته، والاقتناع بمشروعية وأهمية القراءات المتعددة للإسلام كدين من جهة، وأن من يريد أن يدخل معترك السياسة عليه أن يؤمن بمنطقها الواقعي والموضوعي من جهة ثانية.
5- المجتمع المدني والسوق
إن اختزال المجتمع المدني إلى سوق، وافتراض قيام السوق "خارج الدولة"، أي في استقلال عنها، هما من أبرز سمات الليبرالية الجديدة، التي تقوم على رؤية اقتصادوية تختزل الإنتاج الاجتماعي إلى سلع وخدمات يتبادلها الناس ويتداولونها في السوق، فتغدو مجالات الحياة الاجتماعية غير الاقتصادية مجرد هوامش للسوق أو زوائد ملحقة بها أو نافلة يمكن الاستغناء عنها.
المجتمع المدني حقل متمايز، لكنه مرتبط جدليًا بالدولة والسوق، ومن هنا تجري تسميته بالقطاع الثالث في المجتمع، وهو يعمل لإلزام كلٍّ من الدولة والسوق بممارسات صحيحة تقوم على احترام قواعد دولة الحق والقانون، وإيجاد الحلول للتشوهات والانتهاكات الناجمة عن المنطق التعسفي في بعض الأحيان لكلٍّ من السلطة ورأس المال.
1- مفهوم الشعب
الشعب مفهوم سياسي يحيل على كينونة اجتماعية، وهو يحمل مفهوم المجتمع المدني بوصفه أساسه ومحتواه، ويعيد إنتاجه سياسيًا، أو في المجال السياسي؛ أو هو الصيغة السياسية للمجتمع المدني. الشعب ليس مقولة بديهية، ولا واقعًا ناجزًا، بل هو ناتج تطور تاريخي وارتقاء من التشظي والتحاجز والتنافس والتناحر إلى الوحدة، ناتج تطور الفرد الطبيعي إلى كائن اجتماعي، ومن ثم إلى مواطن، وناتج تطور الجماعة البشرية إلى مجتمع، ومن ثم إلى مجتمع مدني، ومجتمع سياسي.
تحيل مقولة الشعب، في بلادنا، على مقولة الاندماج الوطني والاجتماعي، أي على جميع العمليات أو السيرورات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والتربوية والأخلاقية التي ترقى بمجتمعاتنا من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حديثة، أو التي ترقى بالجماعات المغلقة المتحاجزة من حالة الملل والنحل والطوائف والعشائر والإثنيات إلى الحالة الوطنية/القومية؛ من دون إلغاء الملل والنحل والمذاهب والأديان والإثنيات، فهذه لا يمكن إلغاؤها؛ الذي يمكن إلغاؤه هو العلاقات الطائفية والمذهبية والدينية والإثنية التي لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون علاقات سياسية، وهنا تتضح جميع الدلالات السياسية لمفهوم الشعب. هذا الانتقال أو الارتقاء الضروري غير ممكن إن لم يتأسس على المساواة، وعلى الاعتراف المبدئي والنهائي بحرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن.
الشعب مفهوم سياسي يرمز إلى مواطنين أحرار، لا إلى مسلمين ومسيحيين ويهود، على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، ولا إلى عرب وكرد وأثوريين وتركمان، ولا إلى عشائر وعائلات ممتدة. أي إن جمعًا حسابيًا لإثنيات وعشائر وأديان ومذاهب لا يساوي شعبًا، ولا يساوي أمة حديثة. الشعب جملة حية وكلية عيانية؛ لا يستقيم أن تكون حرة وسيدة وجزء من أجزائها منقوص الحرية والسيادة. فإذا انتقصت حرية الفرد وسيادته على نفسه انتقصت حرية الشعب وسيادته، وإذا كان في شعب من الشعوب جماعة ثقافية أو لغوية أو قومية أو إثنية لا تتمتع بحريتها وحقوقها، مهما قلَّ عددها، فإن حرية الشعب كله منقوصة، وكذلك حقوقه وسيادته.
يجب أن نمتلك الطاقة الفكرية للتمييز بين مفهوم الشعب ومفهوم السكان، تمامًا كما نميِّز بين علم السياسة وعلم الإحصاء. يمكن الحديث عن مجتمعات في دولة واحدة، كالمجتمعات البدوية والمجتمعات الريفية ومجتمعات المدن... إلخ، ولكن لا يمكن الحديث عن شعوب في دولة واحدة. فعندما نتحدث عن شعب وشعوب نكون قد غادرنا علم الاجتماع الخالص إلى علم الاجتماع السياسي، وإلى علم السياسة، ونغادر من ثم مستوى الوجود الاجتماعي المباشر إلى أحد أشكاله أو تشكلاته الثقافية والسياسية.
ثمة ثلاثة أركان يقوم عليها مفهوم الشعب، هي: الحرية والمساواة والقانون. الحرية نقيض العبودية، والمساواة نقيض الامتيازات من أي نوع ومن أي درجة، والقانون هو الضمانة الموضوعية لهذه وتلك، أي للحرية والمساواة. وعلى هذه الأركان ذاتها يقوم مفهوم الوطن أيضًا. الشعب هو مصدر المشروعية، لكن هذا غير ممكن ما لم يكن الشعب سيدًا حرًا مستقلًا، ومن ثم فلا معنى للمشروعية إذا لم تكن مستمدة من هذه السيادة وهذه الحرية وهذا الاستقلال، وقائمة عليها، أو مؤسسة عليها. إن سيادة الشعب وحريته واستقلاله لا تحتاج إلى تسويغ، فالشعب يستمد قيمته ومشروعيته ومسوغاته من ذاته وليس من أي عنصر خارجي.
2- الأمة والقومية
إن لمفهوم القومية ومفهوم الأمة، في الخطاب السياسي السائد، بعدًا إثنيًا أو عرقيًا يتخفَّى في اللغة والتاريخ وغيرهما مما يسمى "مقومات القومية العربية"، ويخرج الجماعات الإثنية واللغوية والثقافية من دائرة الأمة، أي من دائرة المجتمع المدني والدولة القومية؛ وبعدًا دينيًا مذهبيًا يخرج غير المسلمين ومعهم أتباع المذاهب الإسلامية (الأقليات المذهبية) من دائرة الأمة ومن دائرة الدولة؛ وهذه أمارة أخرى من أمارات تشظي الحقل الثقافي والسياسي، لا بفعل التجزئة الاستعمارية أيضًا، بل بفعل التكسر المجتمعي ونقص الاندماج الوطني/القومي. الأمة عند الإسلاميين هي "الأمة الإسلامية"، النقية دينيًا، بحسب المتكلم أيضًا، وهي "الأمة العربية" النقية عرقيًا ولغويًا عند القوميين، ولا يخفى تداخل مقولتي الأمة العربية والأمة الإسلامية، بحكم تداخل العروبة والإسلام.
القومية ليست أيديولوجية، كما حاول الفكر القومي التقليدي أن يصوغ أصالتها، وهي ليست تجميعًا كميًا لوحدات وكيانات مجزأة. القومية هي تحقيق لذات الأمة، وبالدرجة نفسها تحقيق لمفهوم سيادة الفرد على مصيره، وسيادة الأمة على مصائرها. وعلى هذا فإن "الأمّويّة"، ليست شعورًا متمحورًا حول السيادة القومية إزاء الخارج وحسب بل إنها "شعور ووعي متمحوران حول سيادة الأمة في الداخل، سيادتها على نفسها".
تتعين الأمة واقعيًا في المجتمع المدني والدولة السياسية بالتلازم الضروري، فليس هنالك مجتمع مدني بلا دولة وطنية، ولا دولة وطنية بلا مجتمع مدني. الأمة هي المعادل الثقافي والأخلاقي للمجتمع المدني، والشعب هو المعادل السياسي للمجتمع المدني والأمة على السواء. ومنها الأمَّوية أو القومية أو الوطنية، وترادف الجنسية، وهي سمة حقوقية تلازم الأفراد بوصفهم مواطني الدولة المعنية.
القومية فضاء ثقافي أو حضاري مشترك بين جميع قوى الأمة وتمثيلاتها، تتقاطع فيه وتتجابه جميع التيارات الفكرية والأيديولوجية والسياسية، ولذلك هي صفة للدولة المعنية منظورًا إليها من الخارج، أي من غير مواطنيها؛ لذلك فإن جميع التيارات والأحزاب "القومية" والإسلامية والاشتراكية والليبرالية والديمقراطية وغيرها هي أحزاب وتيارات قومية تعبر عن قوى الأمة المختلفة والمتعارضة.
مفهوم المجتمع تعبير سوسيولوجي، ومفهوم الأمة تعبير ثقافي، ومفهوم الشعب تعبير سياسي عن حقيقة واحدة هي الدولة الوطنية أو القومية؛ وهذه الأخيرة أي الدولة الوطنية لا تبدو لمواطنيها إلا في صيغة النظام العام والمصلحة العامة والإرادة العامة، أي في صيغة دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز. ما كان للقومية أو الوطنية أن تكون صفة للدولة لولا عنصر العمومية في الصفة والموصوف؛ والصفة في العربية تابعة للموصوف في جميع أحواله؛ القومية أو الوطنية صفتان تابعتان لموصوف هو الدولة.
تقوم المواطنويَّة على ثلاثة أركان:
1- الإنسانوية أو الإنسية
تعني الإنسانوية أو الإنسية أن الإنسان هو المبتدأ والخبر، المنطلق والغاية، لا يجوز أن يكون وسيلة لأي غاية مهما سمت، أرضية أو سماوية. وهي لا تقتصر على إعادة الاعتبار للإنسان بصفته مركز العالم ومعيار جميع القيم وحسب، بل بصفته ذاتًا حرة فاعلة ومسؤولة. الحقيقة الأولى والكلية الثابتة هي الإنسان، وهذه تعني احترام الإنسان وتقديره حق قدره لذاته، لا لحسبه ونسبه ولا لثروته ولا لقوته وجبروته، ولا لأي صفه أخرى من صفاته أو لأي من محمولاته، وأن جميع محمولات الإنسان، المادية والروحية على السواء، تنسب إليه وتستمد قيمتها منه، وجميع أفكاره وتصوراته ومعتقداته وعلومه وجميع النظم التي ينتجها نسبية ومحدودة بمطلق واحد هو الإنسان، وأنها جميعًا قابلة للتغير قياسًا بثابت واحد هو الإنسان الذي يمتلك القابلية للتحسن والتقدم والارتقاء إلى مالا نهاية، وعليه يتأسس المجتمع المدني، والمواطن الذي يتأسس عليه المجتمع السياسي.
2- المساواة
تتجلى الماهية الإنسانية في جميع أفراد النوع بالتساوي، فليس هنالك من هو أكثر أو أقل إنسانية من الآخر، فإذا جردنا الفرد المعين من جميع صفاته وتعييناته ومحمولاته تبقى لنا ماهيته أو جوهره الذي يشترك فيه مع جميع أفراد النوع بالتساوي؛ أما إذا جردناه من إنسانيته فلا يتبقى منه أي شيء.
3- المواطنة
لا يمكن الحديث عن المواطنة إلا بالانطلاق من قاعدة إنسانية واعتماد معايير إنسانية، فالإنسانية أو الإنسية هي أساس الوطنية ورافعتها. فلا يمكن أن يعترف أحدنا بتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات إذا لم يعترف أولًا بتساويهم في الكرامة الإنسانية. الإنسانية والمواطنة صفتان لا تقبلان التفاوت والتفاضل؛ فليس من فرد إنساني هو أكثر أو أقل إنسانية من الآخر، وليس من عضو في دولة معينة هو مواطن أكثر أو أقل من الآخر.
المواطنة منظومة حقوق مدنية وسياسية وحريات شخصية وعامة وواجبات مدنية والتزامات قانونية متساوية، ومشاركة في حياة الدولة ومؤسساتها، ولذا تعني المواطنة العضوية الكاملة في الدولة السياسية، أي في الدولة الوطنية أو القومية، ولا فرق. إذ تصير المواطنة هي العلاقة الأساسية التي تربط بين جميع مواطني الدولة المعنية، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والإثنية والطبقية وما إليها. ومن هنا تأتي أهمية مبدأ "حياد الدولة الإيجابي" إزاء جميع الأديان والمذاهب والأيديولوجيات والعقائد السياسية، وإزاء الانتماءات العرقية.
للمواطنة ثلاثة أبعاد أساسية أو ثلاثة مجالات: أولها أن المواطنة حالة قانونية، أو وضع قانوني، فهي، بهذا المعنى، ترادف "الجنسية" التي يكتسبها الفرد من عضوية الدولة، ويتحدَّد هذا البعد بالحقوق الاجتماعية والمدنية والسياسية. والبعد الثاني، بعد اجتماعي/سياسي، بالمعنى الواسع للكلمة، قوامه النظر إلى المواطنين بصفتهم قوة اجتماعية سياسية يشاركون بنشاط في الشؤون العامة وحياة الدولة من خلال مؤسسات المجتمع المدني، كالجمعيات والنقابات وجماعات الضغط والأحزاب السياسية. أما البعد الثالث فيتعلق بالهوية الوطنية التي يستمدها الفرد من عضويته في "جماعة سياسية"، فالجماعة السياسية، أي "المجتمع المنظم" أو "الأمة المنظمة" أو "المجتمع السياسي"، هي المصدر الوحيد للهوية بأبعادها الاجتماعية والثقافية والسياسية والأخلاقية. ما يعيِّن فارقًا جوهريًا بين الأصل والهوية، وينفي أن يكون العرق أو الدين أو المذهب أو الطبقة الاجتماعية أساسًا للهوية الوطنية، أو أن تكون الهوية الوطنية تعيُّنًا للعرق أو الدين أو المذهب أو الطبقة الاجتماعية، أو امتدادًا لأي منها، أو نتيجة من نتائج انتماء الفرد إلى أي منها.
في ضوء ما تقدم، المواطنة المؤسسة على تساوي البشر إناثًا وذكورًا في الكرامة الإنسانية تنفي نفيًا قاطعًا مفاهيم أهل الذمة وأهل الكتاب والأعاجم والموالي وما إليها، وتنفي مفاهيم الولاية والوصاية والقوامة، والمواطنة تقتضي قانونًا مدنيًا وضعيًا يسري على جميع المواطنين بالتساوي وبلا استثناء، ويكفل حق أي مواطنة أو مواطن في تسلّم أي منصب وفقًا للكفاءة والجدارة والاستحقاق.
1- معنى الديمقراطية والنظام الديمقراطي
الديمقراطية إنجاز غربي، لكنها أيضًا محرز إنساني عام، وتنبع عموميته من كونية العقل ووحدة التاريخ العالمي وكلية الكائن الإنساني، ونرى أن تجارب الديمقراطية المحققة في التاريخ تنطوي كل منها على عنصر عام يمكن أن يتكرر في تجارب أخرى. المعنى العميق للنظام الديمقراطي هو أن لا أحد في المجتمع يملك الحقيقة السياسية، أي ما يصلح وما لا يصلح لخير المجتمع وسعادته، فالحقيقة السياسية ينتجها الجميع.
النظام الديمقراطي شرط لازم لأنسنة الحياة الاجتماعية، لتحرير الإنسان من جميع أشكال الاستلاب. إذ لا ديمقراطية ممكنة إلا إذا كانت المساواة حاضرة بمعانيها القانونية والفلسفية والأخلاقية. لا يمكن أن تقوم ديمقراطية بلا مساواة سياسية، هي المقدمة اللازمة أو الضرورية للمساواة الاجتماعية. ولا قيمة للمساواة إلا بالتلازم مع الحرية، أي لا قيمة للمساواة في ظل الاستبداد الذي هو إعادة إنتاج للعبودية بشكل أو بآخر.
2- الثقافة السائدة والثقافة الديمقراطية
غالبًا ما طرحت الديمقراطية منزوعة عن جذورها الفلسفية، لتتحول في الغالب الأعم إلى محض آلية انتخابية عددية مفرغة من مضمونها الحداثي، وقد وجدت النسبة الأكبر من النخبة في هذا المنحى الاختزالي والانتقائي، مخرجًا للتنصل من مرتكزات الثقافة الديمقراطية وعناصرها، متجاهلة أن الديمقراطية ليست مجرد صيغة للحكم، بل هي أولًا ثقافة، وإن تبسيطها وتسطيحها إلى مجرد آليات شكلانية فوقية من شأنه أن يمنع أي تغيير حقيقي في الأوضاع السائدة.
فالانتقال من نظام شمولي أو استبدادي إلى نظام ديمقراطي لا يحتاج فقط إلى إصلاحات أو تغييرات سياسية ودستورية، وإنما في الأساس والأهم إلى نهضة ثقافية، لذلك لا تكمن وظيفة النخبة الثقافية والسياسية في ممارسة أدوار ومواقف سياسية وحسب، بل تكمن أولًا وأساسًا في إعادة تأهيل فكرها وممارساتها لتتوافق مع القيم والمبادئ الديمقراطية، وثانيًا القيام بدورها في تعميم الثقافة الديمقراطية في المجتمع، لأن الديمقراطية في الأساس ظاهرة مجتمعية، فهي نظام للمجتمع إلى جانب كونها نظامًا للدولة. من الصعب، كما هو موجود لدى قطاع من النخبة، القبول بالآليات الديمقراطية في المستوى السياسي، والتخلي عنها في الثقافة والعلاقات المجتمعية، إلا إذا كنا مغرمين بهذه الحالة الفصامية السائدة في الفكر والسياسة.
إشكالية ضعف الثقافة الديمقراطية في مجتمعاتنا إذًا ليست إشكالية هذا التيار أو ذاك، أو إشكالية حزب سياسي بعينه، أو إشكالية أيديولوجية ما دون الأيديولوجيات الأخرى، أو إشكالية سلطات مستبدة وحسب، بل هي إشكالية عامة، أو داء عام يطال جميع التيارات والأيديولوجيات والأحزاب. إنها بالأحرى إشكالية مجتمع، وثقافة سائدة مضادة للقيم والمبادئ والآليات الديمقراطية.
يفتقر البنيان الأيديولوجي للتيارات والأحزاب كافة إلى القيم التي تتوافق مع الديمقراطية، ويسود بدلًا عنها قيم مضادة وطاردة للمبادئ والأسس الديمقراطية، ولا سيما ما يبرز في الثقافة السائدة من قيم إنكار الفرد وعدم الاعتراف بالآخر، وشيوع العنف كناظم للعلاقات السياسية والاجتماعية على حد سواء. إن الضعف القاتل في ثقافتنا السائدة، من زاوية الديمقراطية، يكمن في تضافر وتكامل ثلاثة عناصر، نجدها في جوهر وأساس كل موقف أو سلوك أو رأي غير ديمقراطي.
العنصر الاول هو إنكار الفرد وضمور مفهوم الإنسان بوصفه قيمة عليا، لمصلحة نمو حالة "كتلية" أو "جماعية" أو "بطريركية"، وهذه تتوافق مع التكوينات العشائرية والقبلية السائدة، وتنمي حالة "جماهيرية" في السلوك السياسي، بارتكازات غرائزية وانفعالية وحادة إزاء الأحداث والظواهر والتغيرات. ولا يقتصر ذلك على الساحة المجتمعية، إنما ينسحب على المظاهر الحديثة من التجمعات، كالأحزاب السياسية والمنظمات المدنية، وغيرها، حتى إننا نكاد لا نفرق سلوك حزب سياسي ما، أو منظمة حقوق إنسان معينة، عن سلوك تلك التكوينات العشائرية والقبلية.
العنصر الثاني هو إنكار الآخر ورفضه، والرغبة في إنكار وجوده وإلغائه. الآخر على خطأ دائمًا وأبدًا. هذا العنصر يرتبط، على ما يبدو، بتاريخنا القديم حول "الملة الناجية"، ففريق واحد هو على الطريق القويم، أما بقية الفرقاء فهم في النار.
العنصر الثالث هو شيوع العنف في الحياة الاجتماعية والسياسية على حد سواء، فالنزعة لإنكار الآخر والنزعة المضادة للتعددية في ثقافتنا، تجدان امتدادهما في النزعة إلى العنف والرغبة بتحطيم الآخر بأشكال ووسائل عديدة.
هذه العناصر الثلاثة في الثقافة السائدة متداخلة ومترابطة، وتشكل وحدة ثقافية متماسكة، لكنها معيقة ومضادة بالتأكيد لنمو القيم والمبادئ الديمقراطية. بينما تنهض الثقافة الديمقراطية على عناصر ومستويات نقيضة لما هو موجود أو سائد في ثقافتنا. الثقافة الديمقراطية تعترف بكينونة الفرد وأولويته واستقلاليته، وجدارته بحقوق لصيقة به كإنسان، وتقر له بحقوق ووظائف وأدوار مكتسبة له كمواطن، لذلك تجعل من حماية حقوقه وضمان الوفاء بها إحدى أهم وظائف الدولة الديمقراطية. الديمقراطية هي ابنة الفلسفة الفردية، فعندما يغيب الفرد، ويضمر مفهوم الإنسان، نكون أقرب ما يكون إلى الحالة "القطيعية". الدكتاتوريات والأصوليات والأيديولوجيات، جميعها تمحو الفروق بين الأفراد لصالح ما يسمى، مكرًا أو جهلًا، "المساواة"، التي لا تعني في هذا المضمار إلا "التسطيح" و"التسوية"، أي إذابة الفروق وتجميع أو صهر الإرادات في سلوك جمعي قطيعي واحد.
تقوم الثقافة الديمقراطية على مشروعية التنوع والاختلاف وعلى نسبية الحقيقة واحتمال خطأ الذات، فالسلوك المستند إلى هذه الثقافة يعبر عن نفسه في الاعتراف بالآخر واحترام حريته وحقوقه والقبول به كما هو، وكما يريد أن يكون. لذلك يحضر فيها بقوة مفهوم الشعب بوصفه شعب الاختلاف، لا الجمهور الواحد المنصهر والمندمج، وتقوم فيها الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية على فكرة الأحزاب المختلفة، المصالح المختلفة، الآراء والخيارات المختلفة، صراع المصالح والاحتمالات والأفكار في ظل سيادة قانون عام يشارك فيه الجميع بشكل أو بآخر. كما تنمي الثقافة الديمقراطية النزعة للتنظيم وبناء مؤسسات تتمتع بحركية داخلية وخارجية (نقابات، جمعيات... إلخ)، مختلفة عن مؤسسات الثقافات غير الديمقراطية التي غالبًا ما تنشأ على تقسيمات عمودية، وتكون ثابتة وجوهرية.
الثقافة الديمقراطية تفاوضية بطبيعتها، وثمة استقرار نسبي لمبدأ التسوية السلمية للمنازعات والصراعات، فهي تشجع من دون حدود التفاوض وإعادة التفاوض وصولًا إلى التوافق والحلول الوسط. النقيض لهذا المبدأ هو حضور العنف في السياسة والمجتمع، وحالة حرب الجميع ضد الجميع. فالمواقف السياسية المستندة إلى قاع ديمقراطي لا تتبع قانون "الكل أو لا شيء"، إما أن نكون مع هذا الطرف جملة أو تفصيلًا، وإما أن نكون مع ذاك الطرف في المطلق. المواقف الديمقراطية تفصيلية، وتنحو بعيدًا عن الرؤى الكلانية والتصنيفية.
3- ثقافة حقوق الإنسان
تعني ثقافة حقوق الإنسان مجموعة القيم والبنى الذهنية والسلوكية والتقاليد والأعراف وغيرها، التي تنسجم مع مبادئ حقوق الإنسان، وتتوافق مع القيم الديمقراطية واحترام التعددية والتنوع والاختلاف، مع ما يرتبط بها من وسائل التنشئة التي تنقل هذه الثقافة في البيت والمدرسة والجامعات وبيوت الدين والأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة وغيرها.
إن كل مبدأ أو فكرة قانونية أو أخلاقية تقطع رحلة طويلة في الزمان والمكان قبل أن تتبلور، إذ تخضع هذه المبادئ والأفكار إلى كل عمليات التفكيك وإعادة البناء والإضافة والأقلمة حتى تصل إلى مرحلة تتبلور فيها، وقد تظهر خاصة بحضارة معينة دون غيرها، ويجري تعميمها في الوعي العالمي باسم هذه الحضارة، وبالضرورة هي الحضارة الأقوى أو المسيطرة عالميًا. فحقوق الإنسان لم تنبت فجأة في الغرب من دون أن يكون لها جذور في الثقافات الأخرى. إن كل الثقافات، بلا استثناء، قد شهدت حركة فكرية وأخلاقية، صراعية وتعاونية، خاصة وكونية، مغلقة ومفتوحة، طرحت في سياقها مبادئ وقيم وقواعد كثيرة تشكل جذورًا فكرية مهمة للمنظومة الراهنة لحقوق الإنسان.
هذا الرأي يختلف كثيرًا عن الرأي الذي يحاول إعادة كل ما هو مجيد في الحضارة الإنسانية الحالية إلى أصول عربية وإسلامية. إنه يعني الإقرار بوجود تناسل وتلاقح بين الثقافات (كالكائنات الحية)، ويعني ضمنًا أن الثقافة الإنسانية الحالية أساس لإعادة بناء الثقافات الخاصة. ومن هنا لا بد من الانتباه للتداعيات المنطقية والعملية لعدم الاعتراف بمبدأ عالمية أو كونية حقوق الإنسان، والقول بنسبيتها أو قابليتها للتفكيك والتجزئة، بما ينتهي إلى الأخذ ببعض هذه الحقوق، وإنكار وحجب بعضها الآخر. إن القول بنسبية حقوق الإنسان معناه أنه لا توجد قيمة أو مبدأ عام ينطبق على عموم البشر.
يخطئ العاملون في مجال حقوق الإنسان عندما يفصلون حقوق الإنسان عن الفكر، فالخوف من الأيديولوجيا لا يبرر إلقاء الفكر في المزبلة، إذ سيكون لذلك ضريبة قاسية هي الوقوع في فخ تحويل حقوق الإنسان إلى مجرد شعار أو إلى مقولة سحرية بلا أبعاد وأرضيات، لتتحول إلى أصولية من نوع جديد لا يدرك مؤيدوها منها إلا لفظها.
إن وراء العمل في جبهة حقوق الإنسان رؤية جديدة للكون والإنسان والمجتمع، رؤية لا يمكن استيعاب روح هذه الحقوق من دون الاستناد إليها. يعني العمل في مجال حقوق الإنسان أولًا وقبل كل شيء المساهمة في عملية الاستيعاب التاريخي والنقدي لرؤية جديدة للإنسان والطبيعة والمجتمع والتاريخ، وهي الرؤية المحايثة لمواد مواثيق حقوق الإنسان وبنودها.
هذه المسألة واضحة وبديهية في أوروبا، بحكم المواكبة التي حصلت في التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر بين تبلور مواثيق حقوق الإنسان والفكر الفلسفي الحديث ومنظوره الجديد للإنسان والطبيعة والعقل والتاريخ. فهناك وحدة عميقة كامنة وراء جميع المواثيق الأوربية والأمريكية والعالمية. نشير مثلًا إلى مفاهيم الحرية، الإنسان، الفرد، العدل، القانون، المساواة، العقل، الدولة، تداول السلطة إرادة الشعب، مصدر السلطة، الضمان الاجتماعي، والتي لا يمكن قراءة بنود المواثيق دون الانتباه إلى طبيعتها وإلى علاقتها المركزية بالمشروع الليبرالي الحداثي في صيغه المتعددة.
أما عمليات التغيير التي تمت في منطقتنا خلال العقود الخمسة الماضية فقد تمت في مستويات قشرية وسطحية بمعزل عن التعرض لأنساق الثقافة القديمة، إذ تجاورت الأنساق القديمة مع الحديثة، وأدى هذا الوضع إلى تفريغ كل المفاهيم الحداثية (الإنسان، الفرد، الوطنية، الديمقراطية، الساحة العمومية، الشعب، القانون، العقل) من مضامينها الأصلية، إذ حضر الشكل وغاب الجوهر في خضم تلك العلاقة التجاورية الشاذة، فالشعب بقي هو القبيلة، والحزب السياسي قبيلة مصغرة، والفرد عبدًا، والقانون شريعة السلطات أو رجال الدين... إلخ.
تحتاج معركة تبيئة مبادئ وقيم حقوق الإنسان فعلًا إلى معارك سياسية محددة في قضايا واقعية، لكنها تحتاج أيضًا وبالحدة والقوة ذاتها إلى معركة الدفاع عن الحداثة في فكرنا المعاصر، فالتقليد وحقوق الإنسان لا يجتمعان، سواء أكان التقليد قوميًا أم ماركسيًا أم إسلاميًا. هذا يعني أن سؤال الحداثة سيظل مطروحًا على جدول أعمال المشتغلين بقضايا حقوق الإنسان، ويرتبط بهذا السؤال ضرورة القيام بجهود فكرية تنويرية تساهم في إعداد الأرضية الملائمة لانغراس أفضل لمبادئ حقوق الإنسان في فضائنا الفكري والسياسي. لا يمكن في الحقيقة أن تجتمع المناداة بحقوق الإنسان مع استمرار هيمنة تصورات تقليدية محددة عن الإنسان والعقل والمجتمع، واستمرار هيمنة الأفكار المرتبطة بالرعية والطاعة والامتثال والتقاليد ودونية المرأة واضطهاد الصغير والتعصب القومي والحقيقة الواحدة التي لا مراء فيها.
4- الديمقراطية والحداثة والمجتمع المدني
الديمقراطية ليست هدفًا وطريقًا وأداة في العمل السياسي وحسب بل موقف في نظرية المعرفة أيضًا. لذا فإن الديمقراطية من دون الحداثة، قد تتحول إلى استبداد الأكثرية بالمعنى الإثني أو الطائفي. بمعنى آخر؛ الديمقراطية ليست شكلًا سياسيًّا وعلاقةً خارجيةً بين الحاكم و المحكوم، بل إنها تتضمن الحداثة الليبرالية وتتخطاها معرفيًا وتاريخيًا.
ينبغي عدم الانجرار وراء الليبرالية التي خفضت إلى حرية المشروع الاقتصادي وحرية السوق، والتي يجري تصديرها إلينا اليوم في صيغة ليبرالية اقتصادية جديدة قطعت كل علاقة كانت تربطها بجذورها النهضوية التنويرية الإنسانوية، وأصبحت غطاء للظلم ولعدم التكافؤ والهيمنة.
ثمة ترابط جدلي بين العمل من أجل التحول نحو مجتمع مدني وبين بناء الدولة الوطنية الحديثة/الدولة الديمقراطية، أي أن التحول نحو مجتمع مدني يمثل عملية تطور الديمقراطية ذاتها وعملية بناء الدولة السياسية (دولة الحق والقانون)، إذ لا وجود للمجتمع المدني خارج إطار هذه الدولة الديمقراطية، وفي المقابل يشكل المجتمع المدني البيئة المناسبة التي تنمو فيها الديمقراطية وتتطور مؤسساتها وآلياتها.
1- سؤال الهوية
يتجلى كل حديث حول الهوية في الغالب بسيطرة الماضي والتاريخ والذاكرة على حساب الحاضر والمستقبل. إذ ينظر للهوية على الدوام على أساس أنها تكونت وانتهت، وبالتالي ليس من دور للبشر الحاليين سوى النضال لتثبيت هذه الهويات كما هي أو كما وُرثت. هذه الآلية لا تنتج فهمًا سويًا للهوية، وتؤدي في المستوى السياسي إلى نمو ذهنية "المحاصصة" المعيقة لبلورة ما هو عام وتوافقي ومشترك. من جانب ثانٍ، لقد نمت معظم الخيارات السياسية والأيديولوجية للقوى السياسية في سورية، بل ولجميع فئات الشعب السوري، في ظل بيئة استبدادية، ولم يتح لهذه الخيارات بعد التكون في بيئة صحية. وهنا من المهم أن يجري التعاطي مع سؤال الهوية في هذه اللحظة السياسية بشيء من المرونة، وأن تترك فرصة للمستقبل لإعادة تكونها في ظل شروط وبيئة ديمقراطية، فما يحتاج إليه السوريون جميعًا هو فسحة من الأمل والديمقراطية لإعادة تكوين قناعاتهم ورؤاهم، وإعادة النظر في هوياتهم الموروثة أو المشوهة، الأمر الذي يخفِّف من حدّة الدفاع عن الموروثات ويرفع من سوية الدفاع عن الخيارات الحرة.
لطالما اتخذت الهوية في الوعي السائد طابعًا وسواسيًا تجاه الآخر، وشكل تعيينات قطعية، مغلقة وثابتة، وهذا الفهم السكوني، بشكل أو آخر، يعوق استقبال العناصر الإيجابية في الثقافات الأخرى، بسبب سيطرة هواجس ووساوس الغزو الثقافي. الهوية، هوية أي فرد أو مجموعة بشرية، هي كائن متجدد على الدوام، وينبغي إعادة بنائها في كل لحظة من أفق المستقبل، وليس النظر إليها بوصفها شيئًا تكون في الماضي وانتهى.
2- الهوية والوطن والوطنية
الهوية هي وعي الذات الذي يحدِّد زاوية النظر إلى الكون والعالم وإلى الإنسان، ولها ثلاثة أبعاد: أولها علاقة الذات بذاتها، أي كيف تعرِّف جماعة ما نفسها؟ وكيف تعبِّر عن ذلك؟ وكيف تعي تاريخها؟ وكيف تنظر إلى تراثها؟ وكيف تحدِّد موقعها في العالم وفي تاريخه؟ والثاني هو علاقة الذات بالموضوع؛ أي علاقتها بواقعها وعالمها الذي يفترض أنه من إنتاجها، ودرجة الاستلاب الذي تعيشه، ونمط إنتاجها لحياتها في جميع المجالات. والثالث هو علاقتها بالآخر، وهذه العلاقة هي حصيلة العلاقتين السابقتين وتتويجهما.
الهوية الفعلية لأمة من الأمم أو لجماعة من الجماعات هي ما تنتجه هذه الأمة أو تلك الجماعة على الصعيدين المادي والروحي، وما تقيمه بنفسها ولنفسها من علاقات وتنظيمات اجتماعية وسياسية، أهمها الدولة؛ وفي ضوء هذا التحديد تغدو الهوية الوطنية هوية حية وغنية وقابلة للنمو والتطور والبناء يوميًا كونها عملية تاريخية، في مقابل الهويات الراكدة والخاوية والسكونية.
العمل والإنتاج الاجتماعي هما العاملان الحاسمان في وعي الذات، فهذا الوعي أهم نتاجات العمل والإنتاج الاجتماعي، وهذا هو المدخل العقلاني لتحديد الهوية القومية/الوطنية للأمة. فالفكر السياسي في منطقتنا لم ينتبه إلى الدلالة الأعمق لهذه المقولة، ذلك لأنه لم يهتم يومًا بقضية العمل والإنتاج الاجتماعي، إنتاج الثروة المادية والروحية بالتلازم الضروري، ومن هنا كانت الهوية القومية أو الوطنية عنده ليست سوى هوية مجردة صماء ثابتة ومتعالية على التاريخ وعلى سنن النمو والتطور، لا تمت بصلة إلى واقع المجتمعات الفعلي، بل تحيل على واقع آخر، أو على أصل ما يثوي بعيدًا في أعماق التاريخ.
لا يميز الفكر السائد الهوية من الأصل، بل هما عنده شيء واحد؛ وبالتالي تقترن الهوية بالأصل والأصالة والتأصيل والأصولية، فضلًا عن الخصوصية الفارغة أو العدمية، لذلك كانت الهوية مجرد أوهام ذاتية لم تفضِ إلى شيء سوى إلى إعادة إنتاج التأخر والاستبداد والتجزئة والتبعية، وإلى الهزائم المتتالية.
يعتقد كثيرون أن العرق هوية، والدين هوية، والمذهب هوية، والاتجاه الفكري هوية، والانتماء الحزبي هوية... إلخ، وهذه جميعًا "هويات قاتلة"، بتعبير أمين معلوف. هذه هويات قاتلة بصفتها هويات، لا بصفتها محمولات وتحديدات ذاتية للأفراد والجماعات. الهوية عند الإسلاميين مثلًا، هي "الإسلام"، بحسب المتكلم سنيًا كان أم شيعيًا، وهي العروبة عند القوميين، وهي في الحالين هوية نابذة ونافية على مستوى المجتمع المكون من عدة أديان ومذاهب وإثنيات، مقابل الهوية السياسية أو الهوية الوطنية التي يستمدها الفرد من كونه مواطنًا شريكًا في الوطن وعضوًا في الدولة الوطنية، مثل الهوية الوطنية السورية التي لا تنفي إسلامية المسلم ومسيحية المسيحي وعروبة العربي وكردية الكردي.
الهوية غير الأصل، الأصل مفهوم استاتيكي، ثابت، والهوية مفهوم تاريخي، ناتج وصائر، وقابل للنمو والانبساط، في العالم وفي التاريخ. كذلك، ينبغي عدم التعويل على الأصول العرقية للجماعات القومية، ولا على ما يسمى الخصائص القومية الثابتة، لأنه ليست هناك أصول عرقية نقية، وليست هناك خصائص قومية ثابتة.
الدولة الوطنية الحديثة تمنح مواطنيها جنسيتها، والجنسية هنا أحد وجوه الهوية، وتمنحهم أكثر من ذلك شعورًا بالانتماء إلى مجال عام، إلى دولة هي أرض وشعب وسلطة عامة عليا وسيدة، بحسب تعريف الحقوقيين للدولة. الهوية الوطنية في اعتقادنا تعلو على الهوية الاجتماعية، الطبقية، والثقافية والإثنية والدينية والمذهبية... إلخ، وتطبعها بطابعها، ومن البديهي أنها لا تنفي لا الانتماءات والمواقع الطبقية ولا الاتجاهات الفكرية والثقافية ولا الانتماءات الإثنية والدينية والمذهبية للأفراد والجماعات، بل تنفي أن تنتج من هذه جميعًا نتائج سياسية تتعارض مع عمومية الدولة.
الوطن ليس مجرد رقعة جغرافية، أو بيئة طبيعية، أو حتى مجرد حدود سياسية معترف بها. الوطن هو علاقة إيجابية مثلثة الأطراف: علاقة بين الإنسان والطبيعة، وعلاقة بين الإنسان والإنسان الآخر، وبين الإنسان والمجتمع والدولة، وهي علاقة ذات محتوى اجتماعي اقتصادي وثقافي وسياسي وقانوني وأخلاقي، يمكن إجمالها بكلمة واحدة هي المواطنية؛ وتعني عضوية الفرد الفعلية في الدولة السياسية ومشاركته في الحياة العامة. ومن ثم فإن مفهوم الوطن لا يقوم من دون مفهوم المواطن، من دون مفهوم المواطنية والمواطنة، وهذه أيضًا لا تقوم من دون مفهوم الوطن. الوطن هو ما يلبي حاجات الفرد الأساسية ويصون حقوقه المدنية وحرياته الأساسية وكرامته، ويحقق له المساواة مع الآخرين أمام القانون، ويحقق له الأمن والحماية والرفاهية؛ وإلا فإنه ينتكس إلى مجرد بيئة طبيعية ومكان إقامة.
المواطنة إذًا علاقة مركَّبة، مادية وروحية، علاقة بالأرض الصائرة وطنًا، بمن عليها وما عليها، وعلاقة بالدولة الحديثة، والمجتمع المدني في الوقت نفسه. الوطن مكان؛ والمواطنة تمكُّن (وجود في المكان، عيش في المكان الممهد أو الصالح للسكنى..). الوطن مكان مؤنسن، طبيعة مؤنسنة، والزمان والمكان نسيجه، مثلما هما نسيج الإنسان ذاته، والوجود عامةً.
الثورة السورية، في مغزاها الأعمق، هي نهوض المهمشات والمهمشين لاستعادة المكان – الزمان، الذي جعلوه وطنًا، ونُبذوا منه، واستعادة ذواتهم التي هدرها الاستبداد والتسلط، وذلك باستعادة الفضاء العام، لا الساحات والشوارع، فقط، بل المجتمع والدولة، إعادة المجتمع إلى اجتماعيته وكليته، والدولة إلى عموميتها، أي وطنيتها، لأن العمومية عماد إنسانيتهم.
والوطنية، وفقًا لمعنى الوطن، الذي تتأسس عليه، ليست مجرد انتماء، وليست منظومة حريات وحقوق وحسب، بل علاقة مركبة بين الفرد والمجتمع والدولة، وبين الإنسان والمكان – الزمان المجعولين وطنًا، أو بيئة إنسانية. ولا تكون سليمة ومعافاة إلا إذا تمكن كل مواطن/ـة من التمتع بالحريات والحقوق التي ينص عليها الدستور، ويكفلها الدستور والقانون، وتسهر على تطبيقهما سلطة وطنية منتخبة انتخابًا صحيحًا.
لا يزال مفهوم العروبة إلى يومنا هذا، لدى القطاع الأوسع من العرب، يأخذ قيمته من الماضي أكثر كثيرًا من الحاضر، وكأننا إزاء مفهوم ثابت غير قابل للتغيّر، لا تاريخي، خارج الزمان والمكان، على الرغم من أن أي مفهوم هو حصيلة معارك ثقافية سياسية وحوادث سياسية وتفاعل مع الواقع الراهن وتجاوب مع تحديات المستقبل.
عمومًا، ظلت العروبة في الوعي العام تحتوي ضمنيًا مجموعة من العناصر؛ الخطاب الدفاعي ضد الآخر، ارتباطها بالإسلام، ارتباطها بالقبلية العربية، الرومانسية والروح الوجدانية، قداسة اللغة العربية، الرسالة الخالدة للعرب... إلخ، وهي العناصر التي حرمتها، عمليًا، الوضوحَ من جهة، والتجدّدَ من جهة ثانية.
1- إعادة اكتشاف العروبة في العصر الراهن
ليس جديدًا القول إن العروبة في حاجة إلى تخليصها من تراث الاستبداد، ومن الحزبوية، ومن اختزالها في الأيديولوجيات القومية، والذهاب بها إلى فضاءات إنسانية وكونية مفتوحة، وهذا غير ممكن من دون بيئة ديمقراطية. لا تحتاج العروبة إلى التقديس أو الأسطرة أو إلى حقنها بمشاعر الاستعلاء، بل إلى تجذير وتعميق بعدها الإنساني والكوني المنفتح على العالم والحداثة؛ عروبة معاصرة تؤمن وتعترف بالدول الوطنية، وباللامركزية الديمقراطية سبيلًا لإدارة مجتمعاتها، ما يعني أن العروبة أمامنا لا خلفنا، وأنها تحتاج إلى صناعة وإعادة إنتاج في ضوء الراهن والمستقبل.
تسييس العروبة وأدلجتها يماثلان تسييس الإسلام وأدلجته، وكلاهما، أي التسييس والأدلجة، يؤدي إلى خفض العروبة أو الإسلام من فضاء عام، ثقافي وروحي، إلى أدوات سياسية خاضعة لمصالح هذه الفئة أو تلك، أو إلى أيديولوجية خاصة بحزب أو جماعة، ما يخرجهما من إطار الإنسانية والعصر، ويبقيهما حبيسين في العصبوية والانغلاق. أن يكون المرء مع الإسلام دينًا يختلف عن أن يكون مع تنظيم إسلامي بعينه ذي أيديولوجية إسلامية محدّدة، ومصمَّمة وفق مقاسات ووعي أصحابها؛ فتجسيد الإسلام في تنظيمات دينية ستنزل به من مساحة العام إلى الخاص، ومثله اختزال العروبة أيضًا في الأحزاب القومية وأيديولوجياتها، ما يفقدها، بالضرورة، عموميتها وانفتاحها على التجديد، ولتتحول، من ثمّ، إلى منظومة خاصة ومغلقة، وهذه قد تتحول تدريجًا إلى أداة قهر وظلم لأصحابها وللآخرين.
لا وجود للوطن من دون المواطن، والعكس صحيح. ولا وجود لهما من دون الدولة السياسية. وبما أنه لا توجد واقعيًا دولة عربية موحدة تعبِّر عن العرب، فإنه من المنطقي القول إن مصطلحات مثل "وطن عربي"، "مواطن عربي"، "الشعب العربي"، وغيرها ستظل بلا معنى، لأن وجودها مرتبط أساسًا بوجود الدولة. كذلك، مصطلح "المواطنة العربية" هو الآخر يفتقد إلى التجسيد، فالمواطنة تعني وجود حقوق وواجبات لهذا "المواطن العربي"، وتعني وجود علاقة قانونية حقوقية تربط المواطن بالدولة، ما يفترض بداهة وجود "دستور عربي"، وتعني أيضًا وجود "جنسية عربية"، لأن الجنسية عنصر أساسي في تحديد الهوية، وهذه لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال الدول القائمة بالفعل. كل ما سبق غائب، ونحن بالكاد اليوم نستطيع الحديث عن ثقافة عربية، لكنها أيضًا-في غياب الدولة العربية الموحدة أو في غياب الدول الوطنية- تبقى ثقافة كسيحة.
العروبة ليست نظرية فكرية أو منهج تفكير، وليست تعبيرًا عن العرق، فالعرق النقي الخالص غير موجود، وشعوب المنطقة كلها مزيج سلالي. العروبة فضاء ثقافي روحي، مثل الفضاءات الثقافية الأخرى في العالم (الثقافة الأوروبية... إلخ)، تنتعش وتغتني في أجواء الحرية، وتتجدّد دائمًا بالإبداع الثقافي العربي المنفتح على العالم والثقافات الأخرى، وتموت عندما يجري تسييسها أو تحويلها إلى أيديولوجية.
2- هل هناك طريق إلى اتحاد عربي من نوع ما؟
تُربط النزعة الوحدوية أيضًا في الغالب الأعم بالخطر الخارجي، ويُنظر إلى الوحدة على أنها نتاج إرادوي لأحزاب بعينها أو لسلطات حاكمة بذاتها، ويُغفل بعد التطور الاقتصادي الاجتماعي وحاجته إلى الوحدة، وبعد نمو الإرادة العامة الحرة لشعوب تعيش في دول وطنية ديمقراطية.
عروبة بسماركية تغيب عنها الديمقراطية أو عروبة مؤدلجة يغيب عنها الواقع العياني، لا تريد أن ترى الدول الموجودة والمعترف بها عالميًا، بل إن الدول هذه، في العمق، دول مكروهة، وستظل مكروهة إلى أن تصبح الوحدة العربية واقعًا. سورية غير موجودة في حسابات الرؤية السائدة إلا بوصفها أرضًا جغرافية مؤقتة، وطفرةً جينية مرذولة، ينبغي تصحيحها لتتوافق مع الأيديولوجيات "الصحيحة". على ما يبدو، هناك خوف داخلي عام من نجاح الدولة "القطرية" في التحول إلى دولة وطنية ديمقراطية، خوف من انكسار حلم الدولة الكبيرة، فهل ينبغي أن تبقى سورية مريضة إلى أن تتحقق الوحدة العربية؟ مع هذا الفهم تصبح الحياة كلها مؤقتة في انتظار المعجزة، ولا ندري في أي جيل.
لعل المسألة الأساس المطروحة اليوم على الفكر السياسي، نظريًا وعمليًا، تتعلق بالدولة القائمة بالفعل هنا والآن، في سورية أو في العراق أو في غيرهما، وبإمكانات تحولها إلى دولة وطنية لجميع مواطنيها، وصيرورتها من ثم دولة/أمة. في هذه الحال يغدو من البديهي الحديث عن أمة سورية وأمة عراقية، كما نتحدث اليوم عن مجتمع سوري ومجتمع عراقي، وشعب سوري وشعب عراقي، ولا سيما أن مفهوم الشعب هو المعادل السياسي لمفهوم الأمة. القوموي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بـ "الدولة القومية"، "دولة الأمة العربية" النقية، والإسلاموي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بدولة إسلامية نقية، بحاكمية الله أو ولاية الفقيه، والاشتراكي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بدولة اشتراكية، أو بدكتاتورية البروليتاريا وبالأممية البروليتارية. الغائب الأكبر في الفكر السياسي العربي هو الواقع العياني.
لا يمكن السير في طريق أي مشروع وحدوي من دون إعادة بناء الدول "القطرية" القائمة بالفعل على أسس إنسانية ووطنية وعقلانية وديمقراطية. إذا كان هناك مستقبل لهذا المشروع، فإن أكثر ما يخدمه هو تحويل الدول القائمة إلى دول وطنية ديمقراطية. إذا قُيِّض لطريق الوحدة أن يُفتح، فلا بدّ أن يكون عن طريق تلاقي الإرادات الشعبية، وهذا غير ممكن إلا في دول وطنية ديمقراطية، وربما يكون "الاتحاد العربي" أو "الفدرالية العربية" أو "الولايات العربية المتحدة" هدفًا مشروعًا شريطة تحويل الدول القائمة إلى دول وطنية ديمقراطية، وأن يكون هذا الهدف خيارًا شعبيًا ينمو ويتبلور في بيئة ديمقراطية.
3- الخوف على العروبة في سورية
يجدر بنا التفريق بين الفكر العربي والفكر القومي، وبين الثقافة العربية والثقافة القومية، فالفكر القومي لا يستنفد الفكر العربي ويستغرقه، والثقافة القومية لا تستنفد الثقافة العربية وتستغرقها، كما يتوهم القوميون العقائديون. الجماعات غير العربية لا تشذ عن هذه القاعدة، إذ يصطنع قوميو كل منها نموذجًا ثقافيًا، يميزهم من غيرهم، ويحل محل العرق المسكوت عنه، أو يقنِّعه. هذا يعني أن هناك فرقًا بين الثقافة العربية أو الكردية أو الآشورية، أو غيرها، بما هي ثقافة تواصلية وتبادلية، وبين "الثقافة القومية" التي يصطنعها قوميو هذه الجماعات، بما هي ثقافة تفاصلية وإقصائية، ولا تعدو كونها تعبيرًا عن النزعة العنصرية في أي قومية. يعتقد القوميون أن هذا التسوير الثقافي للذات "القومية" هو ما يحفظ بقاءها ويصونها ويحميها من الذوبان والتلاشي، لكنه في الحقيقة يحبسها ويحولها إلى ثقافة عنصرية ويعوِّق نمو الثقافة وتطورها.
يؤدي الخوف على العروبة من الاضمحلال ببعضنا إلى الاعتقاد بأن صونها يمكن أن يحدث من خلال تثبيتها صفةً أو هويةً أو أيديولوجيةً للدولة، أو من خلال تسويرها بجدار غليظ ضد "الغزو الثقافي"، وهذا عمل سهل، لكن نتيجته ستكون خسارة العروبة والدولة معًا، وسيحمل معه، بالضرورة، شكلًا من أشكال الإرغام والقهر. لو أردنا فرض "الجنة" بالإكراه لرفضها البشر، فضلًا عن أن الأفكار التي تفرض بالإكراه تشير سلفًا إلى ضعفها وعجزها عن ترسيخ نفسها وملاقاة العقول والقلوب بصورة حرة، وتوحي بنقص ثقة أهلها بأنفسهم، وبضعف قدرتهم على الحضور الثقافي في ساحة المجتمع المدني، ساحة الحريات والتعدّدية. لا خوف على العروبة إلا من اختزالها وحصرها في رمز أو اسم أو صورة أو أيديولوجية أو حزب أو دولة. لا خوف على العروبة إلا من كسل أهلها وتقاعسهم عن الإنتاج الثقافي والعلمي.
حتى لو لم يكن في سورية إلا العرب، فإن اسم دولتنا المستقبلية ينبغي له ألا يحمل أي صفة تشير إلى عرق أو أيديولوجية أو دين؛ فمفهوم الدولة الحديثة لا يتقبّل أن يُقرن بأي صفة غير الصفة الوطنية/ العمومية. هل يمكن أن يكون للجمهورية السورية المستقبلية دور مهم في المنطقة العربية؟ نعم، أصلًا لا يمكن لها أن تستمر من دون هذا الدور؛ حقائق التاريخ والجغرافية والمصالح تفرض ذلك، ولا ينبغي لأحد أن يفرح أو يحزن إزاء هذه الحقيقة، فهذا أحد أقدار سورية. يُضاف إلى ذلك أن الناظر إلى سورية من خارجها، أي من العالم، لن يراها إلا دولة تسبح في الحضن العربي أيًا كان مستقبلها.
لا يمكن أن تنتعش العروبة في سورية من دون الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ فإعادة اكتشاف العروبة وضخ الدماء في عروقها غير ممكنين من دون أن تتحول سورية ذاتها إلى دولة وطنية ديمقراطية. ولا يمكن فهم تعبير "سورية أولًا" إلا في هذا السياق، أي في سياق الطريق العقلاني الذي يقرّ بما هو ممكن أو متاح بين أيدينا من جهة، والذي قد يفتح طريقين في آن معًا من جهة ثانية؛ طريق إلى صيرورة سورية دولة ديمقراطية لأبنائها كلهم، وطريق إلى شكل ما من اتحاد ديمقراطي مستقبلًا بدفعٍ من مصالح فعلية للشعوب، بين الدول الوطنية الديمقراطية في المنطقة العربية، لا في سياق تخلي سورية عن التزاماتها اللصيقة بها، تلك التي لا يمكن الفكاك منها.
4- صناعة الوطنية السورية
في سورية، ينبغي الانتقال من النزعة القومية، لدى العرب وغير العرب، إلى الوطنية السورية التي تشكلت في خضم الكفاح الوطني من أجل الاستقلال وبناء الدولة الوطنية الحديثة، ومن الثقافة القومية إلى الثقافة الوطنية، بما هي فضاء روحي مشترك بين جميع السوريين وحاضنة لتطور الثقافات واللغات العربية وغير العربية، بقدر انفتاحها على الثقافة الإنسانية ومنجزاتها الفكرية والفنية والعلمية والتقنية.
أسوأ ما يحدث في الأزمات هو انفجار البنية المجتمعية على حديث الهويات، وأخطر ما في الحديث هذا ركونه إلى الماضي والذاكرة على حساب الحاضر والمستقبل، خصوصًا عندما يُنظر إلى الهوية بوصفها صيغة ثابتة ومتكوِّنة سلفًا، ومن ثمّ ليس من دور للبشر الحاليين سوى النضال لتثبيتها كما هي أو كما وُرثت. هنا يغيب الحاضر والمستقبل عن الهوية، ما يعني استبعاد تجدّدها، والركون إلى حالة من الكسل الثقافي المعرفي، والاستمرار باجترار الماضي. الهوية مفهوم متجدِّد، وحجرها في إطار الخصوصية يقتلها، والخصوصيات التي يُحتفى بها خصوصيات عدمية وثابتة، وبعيدة عن التفاعل الإنساني.
الوطنية السورية هي تصالح مع الذات الواقعية، مع الذات المعترف بها عالميًا، مع الذات الوحيدة التي يمكن أن تكون معبرًا عن الكل الاجتماعي السوري، وهي التعبير الوحيد الذي يتطابق مع تعبير الشعب السوري. الوطنية السورية هي الانتماء إلى الفضاء العام السوري، إلى الدولة السورية القائمة بالفعل، وإلى أرضها وشعبها وثقافتها؛ ثقافتها المتنوعة التي هي حصيلة تفاعل الثقافات، العربية وغير العربية، وانفتاحها على الثقافة الكونية بأبعادها كلها.
يمكن أن يكون تعبير "الثقافة السورية" تعبيرًا أعم وأشمل بالنسبة إلى سورية والسوريين بوصفه تعبيرًا عن اجتماع وتفاعل ثقافات متنوعة، إحداها الثقافة العربية، وأكثر انسجامًا وتناغمًا مع المفاهيم الأخرى الممكنة في سورية (الدولة السورية، الشعب السوري، المواطن السوري، الأمة السورية... إلخ)، لكن هذا التعبير نفسه، أي "الثقافة السورية"، يمكن أن يكون، في الآن ذاته، إحدى تنويعات الثقافة العربية بمفهومها الواسع والديمقراطي والمنفتح والمتجدِّد، خصوصًا أنه لا توجد لسورية لغة خاصة بها مشتقة من اسمها "لغة سورية"، بل لغة عربية تشكل وعاء الإنتاج الثقافي للسوريين العرب، ولكثير من السوريين غير العرب.
الوطنية السورية مفهوم وثيق الصلة بالدولة الحديثة، ويشير إلى صفتها الأساس؛ العمومية، وهو مفهوم مغاير لمفهوم "القطرية" الذي يحضر بكثافة لدى القوميين العرب للتعبير عن حال التجزئة المرفوضة. هنا من المنطقي، والمهم أيضًا، ألا نستمر في التعاطي مع نتائج سايكس بيكو بعقلية تستند إلى شكل من أشكال تأنيب الضمير ومعاقبة ذواتنا أو إلى روحية التبرؤ من منتوجاتها أو كرهها ونبذها (سورية، لبنان، فلسطين، الأردن، العراق)، الأمر الذي يجعلنا نشعر بالخيانة للعروبة وارتكاب الخطيئة عندما نفكِّر أو نريد أن نبني سورية دولة وطنية ديمقراطية. لا أحد يستطيع أن يبني شيئًا من شيء يكرهه أو يستثمر في شيء يشعر تجاهه بالخطيئة. لا توجد دولة في التاريخ ظلت حدودها صامدة بلا تغيير، وتتجلى العقلانية بالاستثمار في بناء ما بين أيدينا دولًا كاملة الأهلية، وهذه قناعة ينبغي لها أن تملأ العين والعقل والقلب.
على مستوى الشعور العاطفي، لا خوف من تعدّد المشاعر، بل من الطبيعي أن تتعدّد، ويمكنها أن تتكامل بدلًا من أن تتناقض؛ فالشعور بالانتماء إلى مدينة أو قرية سورية لا يلغي الشعور بالانتماء إلى سورية، والانتماء الحقيقي إلى الأخيرة عندما تصبح دولة وطنية ديمقراطية لا ينهي الانتماء إلى فضاءات أوسع أو يتناقض معها، بل على العكس سنكون أمام انتماءات صحية جديدة ومتجدِّدة، بما فيها الانتماء إلى العروبة والإنسانية.
1- مقدمة
يشكِّل التنوع القومي والديني مصدر إثراء كبير، ثقافيًا وروحيًا، لكنه قد يتحول إلى مصدر تهديد لاستقرار الدول التي تحكمها سلطات استبدادية تسيء إدارة التنوع، وتستثمر فيه لبقاء سيطرتها، كما في سوريا. فقد استخدمت السلطة السورية البائدة، خلال أربعة عقود، من عام 1970 إلى عام 2010، طرائق وآليات وممارسات عديدة، بصورة واعية، للسيطرة على الدولة وضبط المجتمع والتحكم فيه، وكانت نتيجتها تحويل التنوع الديني والقومي في سوريا إلى قنبلة موقوتة تهدِّد بانفجار المجتمع.
استثمرت السلطة السورية في العروبة، وحولتها إلى أيديولوجية استبدادية للهيمنة في الداخل، وللابتزاز والتهديد في الإقليم المحيط بما يمنع خطر تأثيره في مقومات استمرار هيمنتها في الداخل، وكان لذلك تأثير سلبي في المجتمع السوري، فمن جهة أولى كانت قواه السياسية والمجتمعية تخشى الاعتراف بالتنوع الإثني والاقتراب من الإثنيات الأخرى، ومن جهة ثانية نمت حالة من تجهيل السوريين ببعضهم بعضًا، وسيطرت نظرة التشكيك بغير العرب من السوريين، والتخوف من "خطرهم" على وحدة الأراض السورية، ومن اقتطاع جزء من أرض سوريا، أو من خطر تحالفهم مع الخارج ضد الوطن.
توفِّر قاعدة المواطنة المتساوية، في الحالة العادية، وفي البلدان الطبيعية، بحكم مرتكزاتها الأساسية في المساواة بين المواطنين جميعهم في الحقوق والواجبات، الشروطَ اللازمة، قانونيًا وعمليًا، لتوليد القيادات المجتمعية، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعلميًا، بناء على عوامل القدرة والكفاءة، من دون النظر إلى الانتماء القومي أو الطائفي أو الطبقي أو الجنسي. لكن في سوريا حدث العكس؛ فقد أدخلت السلطة عامل الانتماء الطائفي في عملية التوليد، خصوصًا في المجالات الحيوية في الدولة والمجتمع، مثل الجيش والأمن والإعلام والخارجية، فضلًا عن إدخال العامل الإثني باستبعاد أبناء الإثنيات الأخرى غير العربية من هذه المجالات، ومن الطبيعي أن تخلق هذه السياسة شعورًا بالاستبعاد والإقصاء والهامشية والمظلومية لدى فئات وقطاعات مجتمعية واسعة وعديدة.
أنكرت السلطة السورية البائدة التنوع واستثمرته في آن معًا، فمن جهة أولى، تعاملت بتجاهلٍ ظاهري لمسألة التنوع الإثني والديني في المجتمع السوري، انطلاقًا من قناعتها بأن "وحدة المجتمع" يمكن أن تتهدَّد بوجود التنوع هذا، ولذلك كانت تجد نفسها معنية كثيرًا بتصدير صورة ظاهرية متجانسة للمجتمع الذي تحكمه. لكنها، من جهة ثانية، كانت تلجأ إلى تطبيق "محاصصة" فعلية في بعض المسائل، مثلًا في "انتخابات" البرلمان أو عند تأليف الحكومة، لكن من دون الحديث عن "المحاصصة" هذه أو السماح بمجرد التلميح إليها من الآخرين. وكانت هذه "المحاصصة" شكلًا من أشكال ممارسة سياسة الإرضاء على أساس الانتماء الطائفي أو الإثني، لا على أساس المواطنة، وبغرض اتقاء الانفجارات المجتمعية التي يمكن أن تتفاقم وتهدِّد استمرارها.
أما خارجيًا، فقد استثمرت السلطة التنوع الديني والإثني في الداخل بما يخدم سياستها الخارجية؛ فكانت تستخدم مثلًا فئة اجتماعية سورية معينة للضغط والتأثير في مواقف وسياسات دول إقليمية محدَّدة، كاستخدامها بعض القوى الكردية، في سوريا وتركيا، ورقة ضغط في العلاقات مع تركيا، كما كانت أحيانًا تستخدم مسألة التعايش بين الفئات المجتمعية المختلفة في سوريا لتصدير صورة إيجابية لها للخارج بوصفها الضامن لحرية الاختلاف وحماية الأقليات.
2- منطلقات أساسية في التفكير
هناك ضرورة وطنية لإدارة حوار عقلاني هادئ حول المفهومات السياسية الحديثة التي ترتبط بقضايا الإثنيات؛ مثل مفاهيم الدولة والشعب والمجتمع المدني والهوية الوطنية... إلخ. في الحقيقة، نحن معنيون اليوم بضرورة الانتقال من الإثنيات إلى الوطنية السورية، ومن السكان إلى الشعب بوصفه مفهومًا سياسيًا، ومن الهويات التاريخية إلى الهوية الحديثة المرتبطة بوجود الدولة، ومن الأيديولوجيات إلى الفكر النقدي، ومن الحرتقات والتكتيكات البسيطة إلى السياسة والاستراتيجيا، ومن السلطنة والعصبة إلى الدولة الحديثة.
• لا توجد في سوريا جماعات قومية حقيقية، بل إثنيات وأعراق أو قوميات أولية أو خام؛ عرب وكرد وتركمان وأثوريون وشركس... إلخ، ولتتحول هذه إلى قوميات حقيقية وحديثة، فإنها تحتاج أولًا، وقبل كل شيء، إلى وجودها في دول حديثة، وتحتاج أيضًا إلى جهد فكري سياسي يُساهم في بلورة الهوية الثقافية بعيدًا من هيمنة شعور المظلومية في عملية بناء الهوية القومية/الوطنية. لذلك، يُعدّ مفهوم "الجماعات الإثنية" أو "الإثنيات" أكثر اتساقًا مع واقع العرب والكرد والآثوريين في سوريا من مفهوم "الجماعات القومية" و"القوميات"، خصوصًا أنها ما زالت في طور العصبيات بالمعنى الخلدوني أو الجماعات المحكومة بالعلاقات الأولية ما قبل المدنية.
• لا يشكل الكرد، ولا العرب، ولا الآثوريون في سوريا شعبًا بالمعنى السياسي. لا يدلّ مفهوم الشعب على مجموعة السكان في بلد ما، ولا على جمعٍ من الإثنيات والعشائر والأديان والطوائف. الشعب مفهوم سياسي، ما يعني أنه يحتاج إلى صناعة وليس واقعًا معطى، وهو الصيغة السياسية للمجتمع المدني، ويرتبط بوجود الدولة الوطنية الحديثة والمواطنة، ومن ثمّ لا يمكن الحديث عن شعوب في دولة واحدة.
• غالبًا ما يُنظر إلى الهويات على أنها تكونت في الماضي وانتهت، وأن دورنا نحن، أبناء الحاضر، ينحصر في الحفاظ عليها والدفاع عنها ضد الآخر المختلف. هوية الفرد أو الجماعة ليست ابنة الماضي والتاريخ وحسب، بل هي ابنة الحاضر وخياراته وآماله أساسًا، ومن حق البشر أن تتوافر لهم حرية اختيار هوياتهم في أحوال أخرى غير متخمة بالأيديولوجيات والمظلوميات والدكتاتوريات والشموليات؛ الأيديولوجيات القومية الكردية والأيديولوجيات القومية العربية متخمة بالماضي والأمجاد والفضائل والمظلوميات والتكور على الذات واستبعاد الآخر وتصغيره أو تنميطه. فالخيارات التي تنمو وتترسخ في ظل الاستبداد لا يُعتدّ بها، والنظام الديمقراطي بيئة ملائمة للخيارات الواعية والحرة. العرب والكرد والآثوريون وغيرهم مطالبون بإعادة تعريف الذات والهوية في ضوء الواقع لا في ضوء الموروثات والأحلام وتخيل الأمجاد.
• هناك رؤية معيقة للاندماج الوطني، تتعامل مع الإثنيات والطوائف على أنها هويات نهائية وثابتة، وترتكز هذه الرؤية على جعل العرق أو الدين أو المذهب هوية ومرجعية، وافتراض النقاء والتجانس فيها. إن الخطر الأكبر الذي يواجه السوريين اليوم هو مشكلة نقص الاندماج الوطني، بحكم أن الاستبداد لم يخلق هوية وطنية، بل إنه حطم جنين الدولة الوطنية التي تشكلت بعد الاستقلال. الاندماج الوطني شرط لوجود الدولة الحديثة ونتيجه لها في آن معًا، وهو يختلف حكمًا عن الصهر والتذويب والتجانس، ويُعبَّر عنه بتعبير "وحدة التنوع"، وما هو حاسم في نجاحه أو فشله هو في الحقيقة وجود الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة.
• لا تمكن إقامة دولة نقية عرقيًا ودينيًا ومذهبيًا ولغويًا وثقافيًا من دون ممارسة أشكال مختلفة من التمييز والاضطهاد، وحتى ممارسة التطهير العرقي والديني واللغوي والثقافي. إن محاولات إلغاء الاختلاف أو السيطرة عليه هي من أكثر المحاولات عبثية ولا عقلانية ولا أخلاقية بالتساوي، ومن ثمّ، فإن تاريخ سوريا ليس تاريخ عرق بعينه أو دين أو مذهب دون سواه، بل هو تاريخ كلِّ هذا التنوُّع الثقافي والسياسي والديني والاجتماعي.
• القضية الكردية في سوريا (وسائر قضايا الإثنيات) جزء من المسألة الوطنية الديمقراطية، فهي قضية وطنية عامة لا تخص المواطنين الكرد وحدهم، بل تخص جميع المواطنين السوريين كغيرها من القضايا الوطنية. لذلك، ينبغي للسوريين جميعهم النظر إلى القضية الكردية، وقضايا الإثنيات الأخرى، بوصفها إحدى عناصر المسألة الوطنية السورية من جهة، والنظر بعين سوريّة إلى القضية الكردية من جهة أخرى، أي النظر إلى هذا الجزء من المجتمع السوري أو ذاك بدلالة العام، لا العكس، فالكل هو الذي يحدِّد جميع أجزائه. الجماعة الإثنية هي جماعة من مواطني الدولة، وينبغي لحقوقها ألَّا تتعارض مع سيادة الدولة. إن قوام الوحدة الفعلية هو التعدد والتنوع والاختلاف والتعارض، وشتان بين معالجة مسألة الجماعات الإثنية من منطلق الوحدة ومعالجتها من منطلق التجزئة والتذرير. هناك رؤى ستاتيكية سائدة تنظر إلى المجتمع بدلالة أحد أجزائه أو بعض أجزائه بدلًا من أن تنظر إلى هذا الجزء أو إلى هذه الأجزاء بدلالة المجتمع. الجزء في هذه الرؤية يحدِّد الكل، في حين إن الكل هو الذي يحدِّد جميع أجزائه. وما هو حاسم في هذه المسألة هو في الحقيقة هوية الدولة التي تحدد بصورة نهائية إمكانية الاندماج الوطني والاجتماعي أو عدم إمكانيته. فالدولة الدينية والدولة الاستبدادية والدولة الأيديولوجية أو العقائدية على سبيل المثال، لا تتيح أي فرصة للاندماج، بخلاف الدولة الوطنية الحديثة.
• الطريقة الوحيدة من أجل أن تجد قضية كرد سورية صداها لدى السوريين هي النظر إليها بعين وطنية سورية، وغير ذلك لن يزيد السوريين إلا ابتعادًا عن بعضهم بعضًا، فنزعها من السياق الوطني السوري لن يكون إلا كارثة على الكرد والعرب معًا. ويُفترض أيضًا إيصال القضية على أنها قضية السوريين الكرد (أو الكرد السوريين) لا قضية كل الكرد في العالم، فهذه الأخيرة أكبر من طاقة السوريين مجتمعين، وليست من مسؤولية السوريين وحدهم. لا يمكن تحميل السوريين عبء ما فعله النظام السوري البائد أو مسؤولية ما لاقاه الكرد في سوريا من عسف وظلم، فالنظام فرض على السوريين جميعًا، عربًا وكردًا، العزلة وعدم التواصل والتعرف إلى آلام وآمال بعضهم بعضًا، ولم يبدؤوا بكسر هذه القاعدة إلا في بدايات 2011. من جانب آخر، لا توجد جهة سياسية أو فئة اجتماعية، إثنية أو دينية أو مناطقية، في سوريا إلا ولديها "مظلومية تاريخية" تبثها للآخرين، وتطلب منهم الاستماع إليها. ولذلك كان الحوار الجاري بين الجميع أشبه ما يكون بـ "حوار المظلوميات" الذي ساهم بنشر صور مختلفة من الكراهية.
• إن سائر الجماعات الإثنية في سورية عابرة للحدود الوطنية، ما يطرح مسألة ازدواجية الولاء، الذي يعبر عنه التعارض بين "القومية/الإثنية" والوطنية، ويتجلى ذلك بوضوح في أوقات الأزمات الاجتماعية والسياسية، في سورية وجوارها. وقد كان للأيديولوجة القومية العربية دور بارز في إنتاج هذا التعارض وتعميقه، ولا يقل عن ذلك أثر الأيديولوجية السياسية الإسلامية وشعار الدولة الإسلامية. هاتان الأدلوجتان السياسيتان تتسببان دومًا بتفجير الهوية الوطنية وتشظيها إلى هويات متجابهة بالقوة وبالفعل، وتنتجان، بفعل هذه المجابهة، أشكالًا من التعصب والتطرف والعنصرية، لذلك نرى في تسييس العروبة وتسييس الإسلام وجهين لعملية واحدة، على الرغم من التعارض الظاهر بين الإسلاميين والقوميين.
• الانتماء العربي ليس فضيلة أو نقيصة، ومثله الانتماء الكردي، والتركماني، والآثوري والسرياني، وغيرها. ولا تستحق هذه الانتماءات ذمًا أو مدحًا، ويُفترض أن يوجه النقد إلى الممارسات الواقعية المثبتة أو الأفكار على أساس فردي أو سياسي، لا على أساس كتلي أو عرقي أو إثني. كلما سرنا في طريق الخطاب التعبوي والتحشيدي على أساس إثني أو عرقي أو طائفي، ابتعدنا عن العقل والمنطق، عربًا وكردًا وتركمانًا وآثوريين، واقتربنا أكثر فأكثر من الكارثة. وكلما ازدادت التخمة الأيديولوجية على حساب السياسة، وازداد الخطاب تكوّرًا وانغلاقًا على ذاته، تحوّلنا إلى أعداء لا يتقنون إلا القتال، ويفشلون في كل شيء غيره، في السياسة والاقتصاد والثقافة والعمران. فالخطابان، "القومي الكردي" و"القومي العربي"، ما زالا يعتمدان على ادعاءات ذاتية بالتميز والتفوق والقوة، وجذر كليهما هو العصبوية، لذلك كان مسعى كل منهما بناء صورة نمطية سلبية عن الآخر المختلف، لذلك تستحق القوى السياسية العربية والقوى السياسية الكردية في سوريا النقد فيما يتعلق بطرق وآليات التعاطي مع القضية الكردية، خاصة ما يتعلق بتغليب الأيديولوجية على السياسة.
• الخطابات والتحركات، العربية والكردية والآثورية وغيرها، عمومًا، تنطلق معظمها، اليوم، من أرضية الخوف، وما يأتي في سياق الخوف لا يُعتدّ كثيرًا به، ولا بدّ أن يحمل في طياته شيئًا من العوَر السياسي، ومن التجني غير العقلاني، فضلًا عن أنه لا تمكن مواجهة (أو الحدّ من) الخطاب الأيديولوجي، العنصري، التحشيدي، بخطاب من النوع ذاته، بل بخطاب وطني ديمقراطي سوري. الثقافة الوطنية السورية هي حصيلة تفاعل الثقافات المحلية كلها في بيئة ديمقراطية، وتفاعلها مع الثقافات العالمية، ويجب أن يتصرف العرب والكرد والآثوريون، وغيرهم، استنادًا إلى شعور الثقة بالذات، وبقدرتهم على التعبير الثقافي والحضاري في بيئة ديمقراطية، وإلا فإن مشاعر الخوف عندهم لا تعكس إلا يقينهم بعجزهم عن الفعل الثقافي والحضاري مستقبلًا.
• لا أحد يستطيع أن يُخرج سورية من التاريخ والجغرافية، وهوية سورية أمامها لا خلفها، وإن كان للماضي دوره وتأثيره الذي لا يمكن إنكاره، إلا أن سوريي الحاضر مطالبون بإعادة بناء هويتهم من وحي الحاجات والمصالح والآمال في الواقع الراهن؛ هوية متجدِّدة تستوعب الماضي وتحتضنه من دون أن تبقى رهينته، هوية تستمد ثقلها الأساس من مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة. العرب والكرد والآثوريون وغيرهم مطالبون بإعادة تعريف وبناء هوياتهم في ضوء ما هم عليه وما يمكن أن يكونوا عليه، أي في ضوء ما ينتجونه ماديًا وروحيًا اليوم وفي المستقبل، لا في ضوء ما كانوا عليه في الماضي.
• الدفاع عن الوطنية السورية هو خيارنا الممكن والقابل للحياة، وما عداه مشروعات ميتة سلفًا، وطرح الوطنية السورية لا يصبّ أبدًا في طريق الاسترضاء، ولا هو من أجل عيون أحد، بل من أجل عيون الحقيقة السياسية، فحتى لو لم يكن في سورية سوى العرب، فإن الدولة التي تتوافق مع العصر هي الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، ولا مستقبل لنا جميعًا من دونها. ينظر بعض العرب إلى المشروع الوطني السوري على أنه يأتي في سياق التنازل للإثنيات الأخرى، أو أنه خطاب منافق بقصد كسب ودّ الآخر، وهذا غير صحيح. وينظر بعض الكرد للمشروع ذاته على أنه يأتي في سياق الالتفاف عليهم، وهذا أيضًا غير صحيح. المطلوب منا نحن السوريين، اليوم، أكثر من مجرد "التعايش المشترك"، فهذا الأخير يحدث بين أطراف يكرهون بعضهم بعضًا، لكنهم قرروا عقد هدنة مؤقتة فيما بينهم، ربما إلى أن تتغير موازين القوى المحلية والدولية، ليعودوا بعدها ويغيروا من مواقعهم وأدوارهم وحصصهم، وربما كان التعبير المرادف له ضمنيًا هو "التعايش على مضض". المطلوب من السوريين جميعهم هو التفكير في سبل العيش الوطني الذي يُعطي إلى الفرد، الإنسان، المواطن القيمة الأولى، ولا يحتجزه في، أو يختزله إلى، كائن أو عضو في قومية أو إثنية أو طائفة أو قبيلة.
3- الاندماج الوطني في مواجهة شعار "حماية الأقليات"
يُستخدم شعار "حماية الأقليات" من قبل أطراف متناقضة سياسيًا وأيديولوجيًا ونفعيًا. إذ تستخدمه الدول بهدف جعل الباب مفتوحًا على الدوام للتدخل في شؤون الدول الأخرى عندما تقتضي مصالحها، لكن ليس غريبًا أن يستخدم أيضًا من جانب "النخب" في منطقتنا، فيما يردِّده البسطاء من البشر من دون معرفة ولا دراية.
لم يتعامل النظام الاستبدادي في أي لحظة مع السوريين بوصفهم شعبًا، أي كمواطنين أحرار، بل كـ "شقف" أو "قطع" إثنية وطائفية ومذهبية، يجمع بينها بالقوة العسكرية والأمنية في وضعية هشة قابلة للانفكاك عندما تضعف قبضته أو تزول. لذا فإن الخطر الأكبر الذي يواجه السوريين اليوم هو مشكلة نقص الاندماج الوطني، بحكم أن الاستبداد لم يخلق هوية وطنية، بل إنه حطم جنين الدولة الوطنية التي تشكلت بعد الاستقلال. وتؤدي هذه الحالة إلى نمو شعور أقلوي لدى "الأقليات"، بخاصة في الأزمات، يدفعها إلى طلب الحماية من الخارج أو الاستبداد كونها ترى نفسها خارج دائرة المجتمع، وهذا يؤدي بالضرورة لتراكبها وتمفصلها مع الصراعات الإقليمية والدولية، بما يجعل هدف بناء هوية وطنية أمرًا مستحيلًا، وتنتعش بدلًا عنها أيديولوجيات ما دون وطنية ترفع شعارات "العيش المشترك" و"التعايش" و"تحالف الأقليات". ويعني ذلك عمليًا في المآل نشوء حالة دائمة من التوتر والاحتقان بين المكونات الاجتماعية، تشكل أساسًا موضوعيًا لحالة احتراب ممكنة بينها، وانفتاح المجتمع بالتالي على آليات الصراع والاقتتال التي تؤدي إلى تمزيقه.
يقف مفهوم الاندماج الوطني في مواجهة مفاهيم الصهر والتذويب والتمثل، فهو مؤسس على مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون.
الاندماج الوطني أو القومي جملة متكاملة من العمليات أو السيرورات التاريخية: الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية ترقى بالمجتمع من حالة التشظي والتناثر والانقسام والتحاجز إلى الوحدة، وحدة الاختلاف والتعدد والتعارض. الاندماج الوطني هو ولادة أمة حديثة، لا على أساس عرقي أو ديني أو مذهبي، بل على أساس المواطنة والمساواة بين أفراد مختلفي المشارب والانتماءات والمنازع.
4- رؤية إلى القضية الكردية وقضايا الإثنيات في سوريا
ليس من حل ناجع لمسألة الأقليات الإثنية سوى الحل الوطني الديمقراطي الذي يعيد إنتاج هوية وطنية قوامها التعدد والاختلاف اللذان يثريان الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. القضية الكردية مثلًا ذات بعد إقليمي يتعلق بالجغرافية السياسية لعدة دول "ذات سيادة"، وبالتالي فإن التحولات الديمقراطية في هذه الدول لا بد أن تحمل حلولًا مناسبة لها. هناك حلول مطروحة أو متخيلة للقضية الكردية في سوريا، محلية وإقليمية ودولية، وهي تأتي، في معظمها، في سياق الأزمة والتشظي، وهذا سبب كافٍ للنظر إليها بوصفها حلولًا قاصرة، وتعبِّر عن الإخفاق السوري العام. وتجد هنا الإشارة إلى أن خلل الرؤية السياسية يبدأ عند الركون إلى المؤقتات والعناصر القابلة للتغيّر السريع، أو الاستقواء بـها (القوة العسكرية، العلاقات الدولية)، ونسيان الاستراتيجيات والعناصر الأكثر ثباتًا (التاريخ والبشر والجغرافيا والمصالح المشتركة).
في العموم، ما زالت المنطقة أسيرة الترتيبات التي وضعتها الدول الكبرى في الماضي بكل ما تحمله وما يتداخل معها من مصالح وتوازنات ونزاعات وتناقضات محلية وإقليمية ودولية. وقد شاءت الظروف التاريخية والتحالفات الدولية أن تضع الشعب الكردي موزعًا بين عدد من أقطار الدنيا، فأراضيه واقعة داخل أطر دول مستقل بعضها عن بعض. وما زالت قضيته أسيرة التوازنات والنزاعات الإقليمية والنظام الدولي، وبالتالي فإن حل القضية الكردية كقضية قومية عامة ليس مرتبطًا بسورية وحدها ولا بالعرب كلهم، إلا في حدود معينة، وإلا كطرف من أطراف عديدين.
الدولة السورية معنية اليوم بحل مشكلة السوريين الكرد فيها، وغير معنية اليوم بحل المشكلة الكردية في أي بقعة أخرى، إلا من باب المشاركة مع الدول الإقليمية والعالمية مستقبلًا فيما لو أصبحت قضية الكرد على جدول أعمال العالم. بالتالي من غير الحكمة البحث في هذه اللحظة السياسية عن حل شامل للقضية الكردية يسمح بفتح كل أبعادها أو السماح لأطراف غير سورية بالتأثير في هذا المسار. سورية وحدها لا تستطيع حمل عبء المسألة الكردية في كليتها القومية، إنها لا تستطيعه إلا في سياق نهضة حقيقية تطال دول المنطقة، وإلا وضعت وجودها ذاته في مهب العواصف.
من غير الممكن في اللحظة السياسية الراهنة حل القضية الكردية في سورية دفعة واحدة، وهي التي لم تنشأ في لحظة ما، بل لها مسار تراكمي كبير عبر الزمن. بالتالي من الطبيعي أن تكون "الصفة المؤقتة" إحدى صفات أي حل عقلاني مطروح اليوم، ويأتي الحل المتكامل بعد استقرار الهوية الوطنية السورية والنظام الديمقراطي، والذي ينبغي له أن يتخذ آنذاك من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان الأساس والمنطلق، وهو ما سيضمن الحل الديمقراطي العادل للقضية الكردية. وبالضرورة من هذا المنظور لا بد من التوصل إلى حلول مرحلية مناسبة للوجود القومي الكردي داخل الحدود المتعارف عليها دوليًا لدول المنطقة، إذ لن يكتسب حق تقرير المصير الأهمية اللازمة في أي بلد ما لم تعالج قضية الكرد جميعهم، وليس في دولة واحدة من الدول التي يتواجد فيها.
نستطيع أن نضع هنا بعض النقاط الأساسية في سياق البحث عن حلول ومخارج:
1- ينبغي لأي حل مرحلي عملي في ما يخص القضية الكردية في سورية أن يخضع لمصلحة سورية العامة والإرادة السورية العامة، فضلًا عن ارتباطه بالأوضاع الإقليمية والعربية والكردية والعالمية، ولتوازنات القوى والمصالح والتناقضات المتشابكة. الحلول القائمة على التوازن ما بين النظريات الحقوقية والاعتبارات السياسية هي المجدية، فالحلول التي تنطلق وحسب من النظريات الحقوقية لا معنى لها، ولا تمتلك دائمًا فرصة التطبيق العملي. يحتاج حق تقرير المصير إلى مرحلة انتقالية في سورية يجري خلالها تجاوز آثار الدولة الشمولية وإعادة بناء الثقافة الوطنية والهوية السورية والنظام الديمقراطي، ومن غير المنطقي وضعه على مائدة بناء الدولة السورية في اللحظة السياسية الراهنة لأنه سيكون خاضعًا للظروف والمعطيات التي خلقها النظام الشمولي. يتضمن حق تقرير المصير، كما هو معروف، الإدارة الذاتية، الحكم الذاتي، الفدرالية، الكونفدرالية، الاستقلال. وحق الاستقلال لا يعني بالضرورة وجوب الاستقلال، كما أن الإدارة الذاتية أو الإدارة المحلية، في السياق الديمقراطي، هما صيغتان من صيغ الاندماج الصحي القائم على الوحدة والتنوع.
2- إن حق تقرير المصير مبدأ رئيس من مبادئ حقوق الإنسان، بما هي حقوق أفراد وحقوق جماعات وأمم وشعوب، وهو ضمانة موضوعية سياسية وأخلاقية للتطور الديمقراطي الذي يوجب أن يكون الانتماء الوطني (=القومي) اختيارًا حرًا لا جبرًا أو اضطرارًا، وهو متصل أوثق اتصال بمبادئ الحرية والمساواة والعدالة، أو لا يكون؛ فلا يجوز تعليقه أو تجزئته في ظل نظام ديمقراطي مستقر، ولا يخضع لاعتبارات أيديولوجية بل ينبغي أن يكون مبدأ من مبادئ العقد الاجتماعي، تعبر عنه المبادئ الدستورية، التي تسن على أساسها التشريعات والقوانين، وتتخذ الإجراءات والتدابير، ولا يجوز أن تبت به سوى هيئة تشريعية منتخبة انتخابًا صحيحًا تستجيب لمطالب المواطنين، وهي التي تقرر مشروعية هذه المطالب، سواء تعلق الأمر باللامركزية أو الفدرالية أو الحكم الذاتي. وهنا يصبح الأمر مرهونًا بإرادة المواطنين والمواطنات الكرد وإجماعهم أو ميل أكثريتهم إلى هذا الخيار أو ذاك.
3- تشكّل الدّولة الوطنيّة الديمقراطية الحديثة الإطار السياسي والحقوقي الأرقى لتنظيم الحياة العامة في سوريا، وسوريا المستقبل هي لكل السوريين على نحو متساوٍ وعادلٍ دون تفاوت أو تفاضل، والانتماء إلى سوريا هو القاسم المشترك بين السوريين، وليس هناك سوري أكثر سوريّة أو أقل من سواه. وأيُّ نظامٍ سياسي يستمد شرعيتَه من هيمنة أغلبية دينية، أو طائفية، أو أيديولوجية قومية عرقية، إنما يقوّض الديمقراطية وينتهكُ كلَّ نزوعٍ نحو المساواة.
4- تأتي الهوية الوطنية في مرتبة أعلى من الهوية الاجتماعية، الطبقية، والثقافية والإثنية والدينية والمذهبية... إلخ، وتطبعها بطابعها، ومن البديهي أنها لا تنفي لا الانتماءات والمواقع الطبقية ولا الاتجاهات الفكرية والثقافية ولا الانتماءات الإثنية والدينية والمذهبية للأفراد والجماعات، بل تنفي أن تنتج من هذه جميعًا نتائج سياسية تتعارض مع عمومية الدولة، أي وطنيتها. لا تتأسس الحقوق الجماعية المشروعة إلا على الحقوق المدنية والحريات الأساسية ومبدأ المواطنة وسيادة القانون وعمومية الدولة؛ أي على نسيج اجتماعي وطني متماسك محكوم بحقيقة التنوع والاختلاف وبمبدأ الحرية.
5- أمام الدولة السورية هناك شعب سوري، ومواطن سوري: وهذه الثلاثية (الدولة السورية، الشعب السوري، المواطن السوري) هي أساس ومنطلق التعاطي مع أي قضايا أو إشكالات مطروحة على السوريين. أما الحديث عن شعب كردي وشعب عربي فميدانه المجتمع المدني السوري المنفتح على كل الآراء والمصالح، فقضية الاعتراف بوجود التنوع القومي في سوريا ليست محل خلاف، لكن المسألة تتعلق بالإشكال المعرفي أو الاختلاط المتمثل بالحديث عن وجود شعبين في دولة واحدة. بالتالي، لا مشكلة في استخدام أي من التعبيرين "سوري كردي" أو "كردي سوري"، في حال حدَّدنا مجال استخدامها؛ ففي حيز الدولة لا مجال إلا لاستخدام التعابير المركزية التي تكون فيها الأولوية لكل ما هو سوري، بينما في مجال المجتمع المدني يمكن للقوى والأفراد استخدام ما يعيِّر عنهم بحرية وطواعية.
6- اللامركزية الإدارية والإدارة الذاتية والفدرالية، في السياق الديمقراطي، هي أنماط من الحكم جوهرها ووظيفتها تحقيق الاندماج الصحي القائم على الوحدة والتنوع. لكن هذه العناوين عناوين عامة وعريضة لا تحدِّد نظامًا معينًا؛ فهناك أشكال عديدة من الأنظمة الفدرالية والإدارات الذاتية، ولا بدّ من مناقشة تفاصيلها وحدودها وآلياتها ومستقبلها لتحديد موقف منها أو اعتماد أيٍّ منها. لكن تبقى هناك محدِّدات ضابطة لأي نظام لامركزي يمكنه العيش وإقناع الآخر، تصبّ في الاعتراف بسيادة الدولة الوطنية. النظام الديمقراطي اللامركزي هو الحل الملائم لضمان أوسع مشاركة ممكنة للشعب في الحكم والسياسة، والسماح للمحافظات والأقاليم المختلفة بالإسهام في السياسة والاقتصاد، وهو شرطٌ رئيسٌ لبناء الحكم الرشيد وتحقيق التنمية المستدامة الموجَّهة بحقوق الإنسان، وينبغي له أن يسير بالتزامن مع بناء مؤسسات الدولة المركزية ديمقراطيًا، لأن وجود مؤسّسات مركزية ديمقراطية راسخة ومستقرة، سيشكل دافعًا وضامنًا لنجاح اللامركزية، ولا سيَّما في سياق التعافي من الصراع الداخلي، إلى جانب تأكيد أن إنشاء المحافظات والأقاليم في النظام الديمقراطي اللامركزي سيكون على أساس إداري أو جغرافي، لا على أسس إثنية أو قومية أو دينية أو طائفية، ولا استجابة لتدخلات إقليمية ودولية، ولا رضوخًا لعمليات التهجير القسري التي قد يقوم بها طرف من الأطراف، فهذه العمليات لا تبني دولةً ووطنًا، ولا تحفظ حقوق أي مواطن سوري وكرامته وحرياته.
7- ولتحديد معنى اللامركزية في السياق السوري، لا بدّ من تحديد المهمات والصلاحيات الخاصة بالمركز، أي تلك التي لا يجوز التخلي عنها أبدًا في الحالة السورية؛ لأن غياب طابعها المركزي يعني بالضرورة غياب الدولة وخراب البيدر. وهذه يمكن تحديدها بخمس مهمات/صلاحيات أو ركائز رئيسة، تصبّ كلُّها في طاحونة الاعتراف بسيادة الدولة الوطنية السورية: الأولى؛ أولوية الدستور الوطني ومؤسساته على القوانين المحلية في الأقاليم/المحافظات. الثانية؛ مركزية مهمة الدفاع (الجيش والأمن)، أي وجود جيش واحد وأجهزة أمنية واحدة تتبع الدولة السورية، وتحت رقابة البرلمان السوري. الثالثة؛ مركزية السياسة الخارجية للدولة السورية المستقبلية. الرابعة؛ مهمة تحقيق التوازن والتكامل والعدل في التنمية بين المحافظات والأقاليم، بما يعني تحكّم المركز في القطاعات الاقتصادية الكبرى وإدارتها بصورة عادلة، علاوة على تحكمه في مسألة النقد (البنك المركزي). الخامسة؛ وجود سياسة تعليمية بأهداف عامة واحدة في جميع أنحاء سورية، لكن بعيدًا من أي ملمح أيديولوجي. خارج هذه المهمات/الصلاحيات تكون بقية الأمور من صلاحيات المحافظات والأقاليم.
8- في سوريا الجديدة سيكون اسم الدولة "الجمهورية السورية"، وسيقرّ دستورها بالتنوع الإثني، وستُلغى جميع السياسات والمراسيم والإجراءات التمييزية المطبقة بحق جميع المواطنين، وتُعالج آثارها وتداعياتها، ويُعوَّض عل ى المتضررين، وتُعلن القطيعة مع الإجراءات العنصريّة والسياسات الإنكارية، وسيقرّ تعليم اللغة الكردية في مناطق وجود السوريين الكرد، وتُستعاد عمومية الد ولة، ويُعاد بناء الثقافة والهوية الوطنيتين على أسس ديمقراطية، ويُعاد إنتاج مبدأ المواطنة في العلاقات الاجتماعية والسياسية.
أولًا: الحداثة ومنهج التفكير
1- الحداثة
2- الحداثة مدخل لإعادة بناء الهوية
3- التأخر التاريخي
4- الوعي الأيديولوجي والتفكير النقدي
5- مبدأ الاختلاف والحرية
ثانيًا: الدولة الوطنية الحديثة
1- مقدمة
2- نشوء الدولة الحديثة
3- مبادئ الدولة الوطنية الحديثة وأسسها
أ- المبادئ والأسس
ب- العقد الاجتماعي والدستور
ج- الدولة والدين
ثالثًا: المجتمع المدني
1- الدولة الوطنية والمجتمع المدني
2- منظمات المجتمع المدني وعلاقتها بالدولة
3- المجتمع المدني والمجتمع الأهلي
4- المجتمع المدني والدين
5- المجتمع المدني والسوق
رابعًا: الشعب والأمة والقومية
1- مفهوم الشعب
2- الأمة والقومية
خامسًا: المواطنيَّة؛ مبادئها وأركانها
1- الإنسانوية أو الإنسية
2- المساواة
3- المواطنة
سادسًا: الديمقراطية
1- معنى الديمقراطية والنظام الديمقراطي
2- الثقافة السائدة والثقافة الديمقراطية
3- ثقافة حقوق الإنسان
4- الديمقراطية والحداثة والمجتمع المدني
سابعًا: الهوية الوطنية
1- سؤال الهوية
2- الهوية والوطن والوطنية
ثامنًا: العروبة والوطنية السورية
1- إعادة اكتشاف العروبة في العصر الراهن
2- هل هناك طريق إلى اتحاد عربي من نوع ما؟
3- الخوف على العروبة في سورية
4- صناعة الوطنية السورية
تاسعًا: قضية التنوع الإثني/القومي في سوريا
1- مقدمة
2- منطلقات أساسية في التفكير
3- الاندماج الوطني في مواجهة شعار "حماية الأقليات"
4- رؤية إلى القضية الكردية وقضايا الإثنيات في سوريا
أولًا: الحداثة ومنهج التفكير
1- الحداثة
كانت الحداثة التي اتّضحت معالمها في عصر الأنوار الأوروبي، بما حملته من أفكار ومناهج وقيم وأدوات، وما أنتجته في السياق المادي والعلمي، ثمرة تطور تاريخي ساهمت فيه جميع الحضارات، وغدت فتوحاتها الفلسفية والفكرية مكتسبات إنسانية عامة بحكم طابعها الكوني والإنساني العام.
هذا يعني ضرورة إرساء مبادئ رؤية نقدية للحداثة، بوصفها سيرورة تمدن عالمية (إنسانية) شاملة، وعدم خلط منجزاتها التاريخية (الإنسية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية والمجتمع المدني والدولة الوطنية ومبادئ المساواة والحرية والعدالة وحقوق الإنسان والمواطن/ــة..) بمثالب الرأسمالية عمومًا والرأسمالية الاحتكارية المتوحشة خصوصًا، أو بالعولمة المبتورة والنزعات الإمبريالية.
تعني الحداثة التي ننشدها الانفتاح على المستقبل، والحركة الدائمة نحو آفاق جديدة في العمل والمعرفة، وليست تكرارًا لنموذج مضى، أو نسخًا لنموذج غربي أو غيره من النماذج، بل ستكون استيعابًا وهضمًا لحداثة الغرب وتجاوزًا لها في آن معًا، فكل شعب يشترك مع الشعوب الأخرى في أساسيات معينة، وهذه هي عالمية وكونية الحداثة، لكنه في المقابل يشق طريقه المميز وفقًا لمستوى تطور بناه الفكرية والثقافية والاقتصادية وشروطه التاريخية. ولعل أهم سمات الحداثة التي ننشدها هي تلك التي تهدف إلى أنسنة العلاقات بين البشر، وتعميم مفاهيم الحرية والمساواة، وتسخير التقدم العلمي-التكنولوجي ليكون في خدمة الإنسان بوصفه قيمة بحد ذاته.
2- الحداثة مدخل لإعادة بناء الهوية
لا يمكننا أن نتوقع حدوث تقدم في تفكيرنا ورؤيتنا إلى أنفسنا والعالم من دون تجاوز الموقف الدفاعي ضد الثقافة الغربية، والذهاب نحو التعامل النقدي معها، بلا عقد النقص التي ما زالت تتحكم فينا.
هذا الموقف الدفاعي يتجلى بخطاب هوية أحادي ومغلق، قائم على رؤية متوجسة ووسواسية إزاء العالم، ترفض التفاعل الخلاق مع الثقافات الأخرى، ويكون المآل الانكماش على الذات القومية أو الدينية، أو تغليظ الحدود بيننا وبين الآخرين، أو إثارة الكراهية والخوف من جميع الأنظمة الثقافية والمجتمعية الأخرى. يرتكز هذا الخطاب الأحادي، صراحة أو ضمنًا، على أن الثقافات بنى ساكنة لا يطالها التغيير، وأن الهوية ثابتة وقطعية، لا تتجدَّد ولا تتطور، تكونت لمرة واحدة في الماضي، وما علينا سوى الدفاع عنها كما ولدت، أما الحاضر والمستقبل فلا وجود لهما، ولا تأثير لهما في هذه الهوية. هذا الفهم لا يلتقي مع الثقافة الديمقراطية التي تنظر إلى الهوية بوصفها كائنًا متجددًا على الدوام، وينبغي إعادة بنائها في كل لحظة، بدلالة حاجات الحاضر وآمال المستقبل.
هذا النمط من التفكير في الهوية لا تاريخي، وينظر إلى الثقافات بوصفها جزرًا معزولة، وإلى الهويات على أنها محاطة بأسوار ثابتة لا تتغير. الثقافات كائنات حية تنمو وتتطور وتؤثر وتتأثر، وتكتسب صفات وعناصر جديدة على الدوام، على الرغم من أنها تتمايز وتختلف فيما بينها. الخصوصية مبدأ صحيح، ويتوافق مع التعددية الثقافية، لكن لا يمكن فهمها بشكل إيجابي إلا بمنظار جدلي في علاقتها مع العالمية أو الكونية التي تقر بأن أي إنجاز ثقافي أو علمي، هو في الحصيلة نتاج تاريخ طويل، وتفاعل خصيب بين ثقافات وحضارات العالم المختلفة. وبالتالي، فإن الخصوصية التي يجب الاحتفاء بها هي تلك المنفتحة على العالم والفكر والتجدد، لا الخصوصية الخائفة والمرتبكة والمنغلقة على نفسها.
ليس منطقيًا قبول ثمار الثقافة الغربية ومنتوجاتها، ورفض مناهجها وقيمها ومبادئها في الفكر والفلسفة والسياسة والعلم. إن غياب التأسيس الفكري والأخلاقي للحداثة وتقليصها إلى مكتسب تكنولوجي محض، قد أفرغها من قيمها الإنسانية، وحولها إلى قشرة تستر ركامات من العفن والتقليد وأنماط الحياة الاستهلاكية.
3- التأخر التاريخي
يتجلى التأخر التاريخي في مستويات عديدة؛ سياسيًا في غياب دور الشعب، وفي سيادة الروح الرعوية (من الرعية)، وفي سيكولوجية عبد-سلطان، كما يتجلى أيديولوجيًا، في سيطرة التقليد لدى السواد الأعظم من البشر، وهو تقليد مناف لروح العصر، ومجاف لمنطق التقدم. الأيديولوجية السائدة هي أيديولوجية تقليدية مفوَّتة، تعيش زمنًا غير زمنها؛ وهي التي تحدد زاوية رؤية إنساننا إلى الكون والتاريخ والطبيعة والمجتمع والإنسان، والمرأة بوجه خاص. فالإنسان معرَّف لديها بالإيمان والتقوى والطاعة والامتثال والتصديق والرضا والتسليم والقناعة، لا بالعمل والعقل والحرية والمعرفة والخلق والإبداع. الإنسان في نظرها ضعيف عاجز، وموضوع لفعل الطبيعة والقوى الخارقة الغيبية، وليس القادر على تغيير أشكال الطبيعة والمجتمع وعلى بناء التاريخ. هذه الأيديولوجية المفوَّتة مهجوسة بالماضي، ولا تحترم العمل والإنتاج، ولا تقيم وزنًا للوقت، ولا تدرك معنى مفاعيل الزمن.
يمكن الحديث عن قاع أيديولوجي مشترك بين الاتجاهات المتباينة أو المتصارعة أيديولوجيًا (القومية والاشتراكية والإسلامية)، إذ تتمايز في قشرتها السطحية وفي شعاراتها وحسب، وتتفق في ما بينها في أمور كثيرة، لعل أهمها هو اتفاقها جميعًا على رفض الحداثة وتنكرها لها، مغطية هذا الرفض بخطاب تقليدي لا تاريخي مقيت حول "الهوية" و"الخصوصية".
يشكل التأخر التاريخي أرضية مولدة للهزائم والكوارث باستمرار، والأمم المتأخرة لديها على الدوام "القابلية للاستعمار" على حد تعبير مالك بن نبي، ويكشف التأخر التاريخي عن الأسباب العميقة لإخفاق محاولات النهضة المختلفة و"الثورات" التي اجتاحت المنطقة خلال قرن من الزمن، والتي أدت موضوعيًا إلى تصفية مشروع أو جنين الدولة–الأمة، والتقهقر إلى مرحلة ما قبل الدولة، أي الدولة العشيرة، الدولة الطائفة والدولة الطغمة.
4- الوعي الأيديولوجي والتفكير النقدي
يمكننا التمييز بوضوح بين سياسة يضعها الفكر بصفته فكر الواقع، أي المتكون من قراءة الواقع بموجوداته واحتمالاته الممكنة، من قبل الذات الحرة القادرة على نقد مبادئ الفكر ومقولاته وإنتاج مفاهيم حديثة، وتحديث القديمة لتوافق تغير الواقع إلى ما لا نهاية، وبصفته سعيًا دائمًا في سبيل الحقيقة، وبين سياسة تضعها العقيدة أو الأيديولوجية، بوصفها منظومة مغلقة ورؤية ذاتية، بل ذاتوية إلى العالم وتاريخه وإلى المجتمع والإنسان. الوعي الأيديولوجي والاستبداد السياسي صنوان، يشتركان في معاداة الفكر الحر والازورار عن الحقيقة الواقعية، العقلية، ومعاديان للديمقراطية من حيث المبدأ والمنطلق.
الفكر غير الأيديولوجية، والتفكير النقدي مغاير للوعي الأيديولوجي. الفكر ينطلق من الواقع، ويتوافق مع الأهداف والحاجات، ويتعارض مع النظرة الدوغمائية والأيديولوجية المغلقة التي تنظر إلى الواقع على أنه مؤلف من لونين أسود وأبيض، فيما هو يرى الواقع مؤلفًا من ألوان لا حصر لها. الوعي الأيديولوجي يرى أن الحقيقة مطلقة وثابتة، أما الفكر/التفكير النقدي فيراها نسبية ومتغيرة. الوعي الأيديولوجي يقيم انفصالًا بين الباطن والظاهر، الفكر/التفكير النقدي لا يرى مثل هذا الانفصال. الوعي الأيديولوجي يعتمد على الحدس والتقريب والعموميات والشعارات، أما الفكر فيعتمد على التحليل والتركيب والتحديد وعلى التفاصيل الدقيقة. الوعي الأيديولوجي ينطلق من الرغبة والشعور والمعتقد. أما الفكر فينطلق من الوقائع والمعطيات القائمة. الوعي الأيديولوجي تقريري، والواقع، في منظوره، معطى نهائي، والفكر يقوم على منهج تحليلي ويكتشف الواقع تدريجيًا، مع تقدم المعرفة البشرية. يؤمن الفكر/التفكير النقدي بأن الوجود الاجتماعي المتعين في العالم وفي التاريخ هو أساس الوعي الاجتماعي، لا العكس، والواقع هو أساس الفكر، لا العكس. إن وحدة الفكر والواقع، ووحدة العمل والنظر هما أبرز مقومات الرؤية الواقعية الجدلية.
للتفكير النقدي ثلاثة أبعاد مهمة هي: الكونية والحداثة والتاريخانية أو الفكر التاريخي. الكونية: فالوعي المحلي أو الأقوامي قاصر، ولا بدّ من وعي القسم المتقدم من العالم لأن إنجازاته ملك للبشرية كلها، وليست وقفًا على أبنائه وحسب. الحداثة: التفكير النقدي هو بالضرورة وعي حديث، يتعامل مع الحداثة التي أنجزها الغرب من دون نرجسية قومية أو عقد نقص، ويرى أن البشر جميعًا يشتركون في إمكانية التقدم، وفي قدرتهم على تحسين شروط حياتهم باستمرار. التاريخانية: لواقعنا امتداد في المكان الذي هو العالم المعاصر، وامتداد في الزمان الذي هو التاريخ. يعني الوعي التاريخي إنتاج حالة تطابق بين الزمان والمكان، ولا سيَّما أننا زمنيًا خارج تسلسل الزمن العالمي، أي نعيش في حالة "الفوات التاريخي" التي تشير إلى الشعوب التي ما تزال تعيش في مرحلة تخطتها شعوب أخرى، صاغت العصر وفرضت نفسها عليه. الوعي التاريخي هو وعي بالفوات والتأخر التاريخي وبحث في علله، أي أنه استدراك للزمن الضائع، لإنتاج وعي قادر على التطابق بين العيش في المكان (العالم المعاصر) والعيش في الزمان (الزمن المعاصر). لذا فإن الرهان التاريخي معقود على استيعاب الفكر الحديث وهضمه وتجاوز التأخر، عبر الارتقاء من الجزئية والحصرية إلى الكلية والعمومية، أي من وعي ديني ومذهبي ومللي وعشائري وجهوي وأقوامي إلى وعي وطني ديمقراطي مفتوح على أفق إنساني.
بهذه المعاني، فإن التفكير النقدي سيرورة معقدة وشاقة وجهد متواصل من التنقيب والتحليل والتركيب والنقد والشك وصولًا إلى مقاربة الوعي مع الواقع المتغيِّر باستمرار، لذا لا يمكن لعملية القبض على الواقع أن تكون تامة، بل عملية مستمرة من محاولات الاقتراب من الواقع.
5- مبدأ الاختلاف والحرية
الاختلاف هو الحقيقة الواقعية الأبرز في العالمين الفيزيقي والأخلاقي (المجتمع والدولة). فهو الطبيعي الذي يؤسس الوضعي، والوجودي (الأنطولوجي) الذي يؤسس الأخلاقي، ومن ثم فإن التجانس، وهمًا كان، كالتجانس العرقي والإثني والقومي والديني والمذهبي والطائفي والجنسي، أم حقيقة، كأنواع المواد والنبات والحيوان وأجناسها وأصنافها... إلخ، تأويل وضعي من عمل الذهن الإنساني، لا من عمل الطبيعة، ولا من عمل أي قوة مفارقة. نحن الذين نسمِّي ونصنِّف، وفقًا لإستراتيجياتنا وسلطاتنا المعرفية والثقافية والأيديولوجية والسياسية. هذا يعني أنه لا بدّ من بناء رؤيتنا على مبدأ الاختلاف، أي على مبدأ الحرية، وتساوي الأفراد والجماعات في القيمة الروحية والكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية والحقوق.
الاختلاف من أبرز صور الحرية ومن أهم تجلياتها، وهو ما يستوجب المساواة في الكرامة الإنسانية والجدارة واستحقاق الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، للأفراد والجماعات، ويعين مضمونها ونسبيتها، في كل مجال من مجالات الحياة. فلا مشاحة عن التفكير في واقعية الاختلاف ومعقولية العالم، اختلاف الإثنيات واختلاف الأديان واختلاف المذاهب واختلاف الثقافات واختلاف المصالح والمطالب والتوقعات، علاوة على اختلاف الأفراد واختلاف الذكور عن الإناث والنساء عن الرجال. فالنظر إلى الاختلاف على أنه شكل تعيين الحرية يجعل منه ثروة اجتماعية وإنسانية، معرفية وثقافية وإبداعية. مساواة النساء والرجال أمام القانون لا تعني، ولا يجوز أن تعني طمس الاختلاف، لا بين النساء والرجال ولا بين الأفراد، لذلك يُعرَّف المواطن والمواطِنة بأنه أو أنها تجريد الفرد/ الفرد الطبيعي، مثلما الدولة تجريد المجتمع المدني. إن كل رفض للاختلاف، أي للحرية هو انتحار روحي، وكل اعتداء على حرية الآخر هو محاولة لقتل الإنسان فيه، وتحويله إلى حيوان، وسحق مخالف لطبائع الأشياء.
ثانيًا: الدولة الوطنية الحديثة
1- مقدمة
ليس ثمة ممارسة في الواقع إلا وثمة رؤية تقبع خلفها، تؤسس لها وتفسرها، فالبؤس الفادح الذي تتكشف عنه معظم الممارسات الراهنة ليس إلا مجرد تجلٍ لبؤس أكثر فداحة في الرؤية والثقافة السائدة. من هنا تأتي أهمية التأسيس لرؤية فكرية سياسية نابعة من حقائق العصر والواقع والحاجات والتحديات، أملًا في إنتاج أشكال متقدمة وحضارية من العمل والممارسة. ولعل أهم القضايا التي تحتاج إلى تأسيس معرفي جاد تلك المتعلقة بمفهوم الدولة الوطنية الحديثة والأمة والقومية والشعب والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والديمقراطية في مجتمعنا، فهذه المفاهيم والمقولات لا تزال ضبابية وملتبسة على الرغم من كونها متداولة ومعروفة. هذه المفاهيم عتبة أساسية لتأصيل ثقافة سياسية حقيقية، على أنه لا يمكن النظر إليها وكأنها دين جديد أو أيديولوجية جديدة، وإنما بوصفها مشروعًا غير منجز، وفي حالة تطور وتجديد مستمرين.
إن مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة وسيادة الشعب وسيادة القانون، ومفاهيم الأمة والوطن والمجتمع المدني والشعب كلها تقع في حقل دلالي واحد، أو تنتمي إلى حقل دلالي واحد هو ذاته حقل الإنسانوية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهذه هي النقطة الرئيسة في مقاربتنا لجميع هذه المفاهيم.
2- نشوء الدولة الحديثة
كانت فكرة الدولة الوطنية الحديثة (دولة جميع المواطنين)، وما يتصل بها ويقع في حقلها من مفاهيم ومقولات، غائبة عن الثقافة السياسية على مدى نصف قرن، تآكلت في خلاله الثقافة الوطنية مع تآكل الدولة، التي نشأت في العهد الليبرالي، أو ضمور طابعها الوطني العام.
لم تشهد مجتمعاتنا قيام الدولة بالمعنى السياسي المعاصر. إنها تعيش حالة ما قبل الدولة، وربما لذلك يفتقر قطاع واسع من النخبة إلى التمييز بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة. لذا فإن إعادة طرق موضوع الدولة من زاوية فكرية ليس أمرًا للترف الثقافي، بل هو موضوع شديد اللصوق بمسألة التحول الديمقراطي، وبتشوهات الخطاب السياسي في تناوله للمسألة الوطنية.
يبدو تمييز الدولة من السلطة ضروريًا في موضوعنا، وفي أوضاعنا، على السواء. السلطة أقدم من الدولة وأوسع نطاقًا وأكثر تنوعًا، والتعبير عنها قديم في جميع اللغات والثقافات، وفي تجارب مختلف الجماعات والتجمعات والمجتمعات والشعوب، أما مفهوم الدولة فهو مفهوم حديث، يمكن أن يؤرخ له ببدايات النهضة الحديثة في الغرب، وهو مرتبط بتاريخ المجتمع المدني. فقد نشأت الدولة السياسية الحديثة (أو الدولة الوطنية/القومية) في كنف الثورة البورجوازية التي قامت في أوربا كتتويج لسيرورة عصر النهضة والإصلاح والتنوير، وهي من أهم معالم الحداثة في مستواها السياسي، ولا يمكن فصلها عن التحولات التي طالت بنى المجتمع في مستويات الاقتصاد والإنتاج، كما في مستويات الثقافة والفكر والفلسفة.
ارتبط مفهوم الدولة الحديثة منذ نشوئه بمفهوم المجتمع المدني على الصعيد الاجتماعي، وبمفهوم الأمة على الصعيد الثقافي، وبمفهوم الشعب على الصعيد السياسي، وهناك ثلاث واقعات كونية، أفرزت صورة الدولة الحديثة، هي الثورة الصناعية، ونشوء نمط الإنتاج الرأسمالي، والثورة الديمقراطية، وبناءً على هذه التحولات، فإنّ أيّ جماعة أو أمة تضع نفسها خارج هذا المنجز الكوني، تحكم على نفسها بالبقاء على الهامش خارج دائرة التاريخ.
3- مبادئ الدولة الوطنية الحديثة وأسسها
أ- المبادئ والأسس
الدولة هي شكل الوجود السياسي للمجتمع، أو هي التعبير القانوني/الحقوقي للأمة بمعناها الحديث الذي يحيل على المجتمع المدني.
تنتمي الدولة الوطنية الحديثة إلى نسق متكامل من المبادئ والمفاهيم التي تقوم بينها علاقات ضرورية، بحيث لا تقوم أي منها بغير الأخريات، كالمجتمع المدني، والديمقراطية، والإنسية، والمواطنة، وسيادة القانون وسيادة الشعب والشرعية الدستورية وفصل السلطات واستقلال القضاء وتداول السلطة سلمًا... إلخ. لا سبيل إلى التفكير في الحرية والفرد والفردانية والمواطنة إلا على اعتبار أنها قيم شديدة الاتصال بالدولة الوطنية الحديثة. ولا سبيل إلى الحديث عن الديمقراطية والدستور والمجتمع المدني والطبقات الاجتماعية إلا في اقترانها وجودًا أو غيابًا بالدولة الوطنية الحديثة.
المبادئ الفكرية والسياسية والأخلاقية التي تتأسس عليها الدولة الوطنية الحديثة، انطلاقًا من هاتين الصفتين اللتين وصفت بهما الدولة، أي الوطنية والحداثة، ومن تلازمهما الضروري، هي: المبدأ الأول من هذه المبادئ المؤسِّسة هو المواطنة، بثلاثة أركانها: المساواة والحرية والمشاركة، وأبعادها: القانونية والثقافية والسياسية والأخلاقية. أما المبدأ الثاني، فيتعلق بالسيادة، سيادة الدولة أو سيادة القانون، بصفته ماهية الدولة الحديثة وجوهرها، وهي سيادة مستمدة من الشعب. وأما المبدأ الثالث، فهو الشرعية. الشعب هو مصدر الشرعية في الدولة الحديثة، ومصدر جميع السلطات، بخلاف الشرعية المستمدة من "قانون إلهي" أو عقيدة دينية، أو فقه مذهبي، أو عقيدة (أيديولوجية) غير دينية، كالقومية والاشتراكية.
حين تتماهى السلطة والدولة تضمر الدولة حتى تطابق حدود السلطة، ويغلب الخاص على العام والجزء على الكل، وذلكم هو مبدأ الاستبداد وعلته. سلطة الدولة سلطة عامة من جانب، لأنها سلطة القانون، وخاصة من جانب آخر، لأنها سلطة الأكثرية السياسية التي تحظى بأكثرية أعضاء البرلمان وتؤلف الحكومة. بمعنى آخر للسلطة في الدولة الديمقراطية طابع مزدوج: عام وخاص، والانتخابات تتمخض في كل مرة عن أكثرية وأقلية سياسية، لذلك عرف بعضهم الديمقراطية بأنها حكم الأكثرية السياسية مع توفير الضمانات للأقلية.
الدولة عند علماء السياسة هي الجمهورية Republic. الجمهورية لا تدل على نظام الحكم وحسب، بل تدل قبل ذلك على العمومية، أو على كل ما هو عام ومشترك بين الأفراد. والفضيلة السياسية في الجمهورية هي المواطنة وحكم القانون، والعمومية هي الصفة الأساسية للدستور والقانون، وهذا ما يجعلهما أقرب إلى العدالة، بل شرطًا ضروريًا للعدالة.
ب- العقد الاجتماعي والدستور
إن الاختلاف هو ما يفرض الحاجة إلى العقد الاجتماعي، أو ما يجعل العقد الاجتماعي ضروريًا، والتماثل في الإنسانية والتساوي في المواطنة هو ما يجعل هذا العقد ممكنًا. ومن ثم؛ فإن جدل التماثل والاختلاف، الذي يحكم عملية بناء المجتمع المدني والدولة الوطنية، هو مضمون العقد الاجتماعي. فاختلاف الأفراد وتعارض مصالحهم هو ما يوجب العقد الاجتماعي. وما هو مشترك بينهم جميعًا، على اختلافهم، هو ما يجعل العقد ممكنًا. بالتالي، فإن العقد الاجتماعي في حقيقته هو التجريد القانوني والحقوقي لما هو مشترك بين جميع الأفراد وجميع القوى والفئات الاجتماعية، وهذا المشترك هو ماهية هؤلاء وجوهرهم.
في الواقع، يمكن أن يكون العقد الاجتماعي اتفاقًا بين جماعات، إثنية ومذهبية وطائفية أو طبقية، أو بين قوى تمثلها، وفقًا لمبدأ الغلبة، فيكون نوعًا من مصالحة تقليدية، تتقرر بموجبها حقوق كل جماعة بمقدار قوتها المادية والمعنوية وتحالفاتها الداخلية والخارجية، فتكون المصالحة بذلك أقرب إلى هدنة بين حربين، كما هي الحال في لبنان والعراق، إذ لا يمكن لأي جماعة أن ترضى بما تقرره لها علاقات القوة، المتغيرة دومًا، فتظل عوامل النزاع قائمة في بنية العقد ذاته، وفي بنية المجتمع، وتظل السياسة نوعًا من إدارة الحرب أو استمرارًا للحرب بوسائل أخرى، وهذا ما يسمح بتدخل القوى الإقليمية والدولية في الشؤون الداخلية بحجة الدفاع عن هذه الجماعة أو تلك.
ويمكن أن يكون العقد الاجتماعي، بل ينبغي أن يكون عقدًا بين أفراد، أي بين مواطنات حرائر ومواطنين أحرار، يقوم على مبدأ الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية أولًا، ومن ثم، بالكرامة الوطنية، اعتراف يتأسس عليه اعتراف متبادل بالمواطنة، أي بتساوي الأفراد، نساء ورجالًا، في عضوية الدولة الوطنية، وفي الحقوق المدنية والسياسية، وتساوي مرجعياتهم الثقافية. العقد الاجتماعي، بهذه الصفات شرط ضروري للخروج من حالة الشقاق والنزاع، وضمانة أكيدة كي لا تتكرر النزاعات كلما تغيرت نسبة القوى الاجتماعية، وهو ما يغلق الباب نهائيًا في وجه القوى الخارجية، ويحول دون تدخلها في الشؤون الداخلية.
وإلى ذلك، فإن العقد الاجتماعي بين أفراد حرائر وأحرار هو ما يوفر الشروط الموضوعية، القانونية والسياسية والاجتماعية، لتحرر الأفراد من الأطر التقليدية والعلاقات النمطية، ويضمن استقلالهم، من دون أن يلغي انتماءاتهم الإثنية والدينية، أو يحجر على حرياتهم، أو يقيد خياراتهم الشخصية، فيؤسِّس بذلك للصداقة المدنية، التي تجعل كلًا منهم يهتم بالآخرين، ويتعاطف معهم، ويدافع عن حرياتهم وحقوقهم، بوصفهم شركاءه في الوطن والمصير. وهذا، أي تحرر الأفراد واستقلالهم الذاتي، لا يتحقق دفعة واحدة، بل يتشكل وينمو بالممارسة، في إطار نظام جمهوري برلماني وانتخابات دورية، في ظل سيادة القانون.
لقد اهتدى العقل البشري إلى العقد الاجتماعي والحياة الدستورية للتخلص من السلطات الشخصية المطلقة كافة، ولا سيما سلطة الحكام وبطانتهم، وسلطة الكهنة أيضًا، بوصفها القاعدة الثقافية والأخلاقية للسلطات الشخصية المطلقة، وقاعدة للاستبداد الديني والسياسي. فكي لا يخضع الشخص الطبيعي لنظيره، كان لا بدَّ من شخص معنوي يخضع له الجميع، وينزلون له عن حرياتهم وحقوقهم الطبيعية، لكي يستعيدوها حريات وحقوقًا مدنية، يضمنها الدستور والقانون. هذا الشخص المعنوي هو الدولة الوطنية الحديثة، وسلطته هي سلطة القانون، الذي يضعه الشعب لنفسه عن طريق ممثليه أو مندوبيه، الذين يختارهم اختيارًا حرًا.
الصيغة العملية لعقد اجتماعي، من هذا النوع، هي انتخاب جمعية تأسيسية انتخابًا صحيحًا، على الصعيد الوطني العام، وفق قانون انتخاب عصري وحديث، تضعه هيئة وطنية عامة للانتخابات، مؤلفة من قضاة وأكاديميين وممثلين عن منظمات المجتمع المدني. يحدد القانون شروط الانتخاب والترشيح وفقًا لمستوى التطور الاجتماعي والثقافي. ويقوم على مبادئ الثقة والكفاءة والخبرة والجدارة العلمية والأخلاقية. ويحدد الدوائر الانتخابية، وأسلوب الانتخاب الفردي أو الحزبي والنسبي، وضوابط العملية الانتخابية، كجداول الشطب ومراقبة عمليات الانتخاب في المراكز الانتخابية، وعمليات فرز الأصوات، من قبل القضاء ومنظمات المجتمع المدني ووكلاء المرشحين، كما يحدد شروط الاعتراض والطعن. إن قانون الانتخاب هو ما يحدد طبيعة الدستور، الذي ستضطلع الجمعية التأسيسية بكتابته واستفتاء الشعب فيه. ولا تتأكد البطانة الأخلاقية للدستور إلا إذا قام على أساس عمومية الدولة وتساوي جميع مواطناتها ومواطنيها في عضويتها. فعمومية الدولة هي أساس العدالة السياسية.
ج- الدولة والدين
لا تحتاج الدولة الوطنية الحديثة إلى أي أيديولوجية، لأنها، أي الدولة، شخص معنوي، سياسي وقانوني وأخلاقي، فوق الطبقات والفئات، ومحايدة حيادًا تامًا إزاء عقائد مواطنيها، بخلاف السلطة ذات الطبيعة المزدوجة.
مبدأ الدولة الوطنية هو العمومية التي تتجلى في الدستور والقانون العام، ومبدأ الدين هو الخصوصية. كل دين هو دين خاص، فضلًا عن كون كل مذهب مذهبًا خاصًا. الدولة مجال عام، والدين، الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي، مجال خاص لجماعة بعينها. العام هو ما يحدِّد الخاص، لا العكس. هذا معناه ضرورةالارتقاء بالدولة إلى مؤسسة سياسية عامة فوق الأفراد، وفوق الطبقات، وفوق الأديان والمذاهب، وفوق الأيديولوجيات وفوق الرؤساء والملوك والقادة الملهمين.
الدولة هي فضاء عام وحيادي، أما السلطة السياسية، أي الحكومة، فلها طبيعة مزدوجة، عامة، لأنها سلطة الدولة ومكلفة تنفيذ القوانين العامة، وخاصة، لأنها تمثل الحزب الذي يفوز في الانتخابات بأكثرية مقاعد البرلمان، ويشكل الحكومة وحده أو متحالفًا مع غيره.
الدولة فضاء وطني عام مشترك بين المسلمين وغير المسلمين وبين العرب وغير العرب، والإسلام فضاء خاص بالمسلمين السنة أو الشيعة، بحسب المتكلم، والخاص لا يحدِّد العام، بل ينحدُّ ويتحدَّد به. ليس هناك مشكلة في أن يؤلف إسلاميون حكومة في المستقبل، وفق مبدأ الانتخاب الحر وتداول السلطة سلمًا، ولكن تكمن المشكلة في محاولات أسلمة الدولة، لأن هذه الأخيرة لا تختلف في شيء عن تبعيث الدولة (دولة البعث) الذي هو أساس كل المشكلات.
ثالثًا: المجتمع المدني
1- الدولة الوطنية والمجتمع المدني
ثمة تلازم منطقي وتاريخي بين الدولة الوطنية الحديثة والمجتمع المدني، فهما طرفان جدليان لا يقوم ولا يستقيم أي منهما إلا بالآخر. وبمعنى ثانٍ هناك اتصال وانفصال في آنٍ معًا بين الدولة والمجتمع المدني، فاستقلالية المجتمع المدني عن الدولة هي استقلالية نسبية وليست مطلقة وميكانيكية. الدولة السياسية، بوصفها أهم معالم الحداثة في مستواها السياسي، هي شكل الوجود السياسي للمجتمع، أو هي التعبير القانوني/ الحقوقي للأمة بمعناها الحديث الذي يحيل على المجتمع المدني. لذلك يرتبط المجتمع المدني بالمجتمع السياسي (الدولة) ارتباط المضمون بالشكل والحرية بالقانون، على اعتبار أن المجتمع المدني هو فضاء الحرية والدولة هي مملكة القانون. المجتمع المدني مشروط إذًا بالدولة الوطنية، تمامًا كما الحرية مشروطة بالقانون، وبتعبير أوضح لا وجود للمجتمع المدني من دون وجود دولة وطنية، إذ لا حرية بلا سيادة القانون.
المجتمع المدني، سواء في حقل النظرية الفلسفية، أو في حقل التاريخ الاجتماعي الواقعي، يتضمن التعدد والاختلاف والتناقض والتنازع، وهو أيضًا ميدان الصراع الطبقي والمواجهات بين المصالح الاقتصادية المختلفة، في حين تتضمن الدولة الحق والوحدة والانسجام، لذلك كانت هذه الثنائية الجدلية (دولة وطنية – مجتمع مدني) حلًا موفقًا للجدل والتوتر الدائم بين النظام والحرية، أو بين القانون والتعددية.
من جهة ثانية المجتمع المدني هو مجتمع العمل والإنتاج الذي ينتج الطبقات والفئات الاجتماعية والمصالح المتعارضة، وما ينجم عن كل ذلك من علاقات وتنظيمات اجتماعية وعلاقات متبادلة وإنتاج ثقافي وقيم ومعايير مختلفة، وهو لكل ذلك ميدان التلاقي والتعاون والتنافس، أما الدولة فهي تمثل المصلحة العامة أو العمومية.
لذلك تصبح الوظيفة الأساسية للمجتمع المدني لَجْم الدولة حين تحاول الخروج عن مسار دولة القانون والمؤسسات، ومواجهة محاولات سلطة ما لاحتلال جميع الفضاءات في الدولة والمجتمع، والضغط عليها لإيجاد الحلول للتشوهات والانتهاكات التي قد تنجم في بعض الأحيان عن ممارساتها والمنطق التعسفي لها. في حين تصبح وظيفة الدولة الحفاظ على المصلحة العمومية، وعلى طابعها العام المشترك، وعلى صوغ العلاقات القانونية، والمحافظة على بقاء جميع مؤسساتها مؤسسات وطنية عامة.
2- منظمات المجتمع المدني وعلاقتها بالدولة
إن جميع التعاريف الإجرائية لمنظمات المجتمع المدني لا تستنفد معاني المجتمع المدني ومدلولاته وتعييناته. لذا من الضروري أن نميز بين مفهوم المجتمع المدني وشبكة الجمعيات غير الحكومية، فالمفهوم في دلالاته التاريخية والاقتصادية والسياسية، وارتباطاته الفلسفية بالمفاهيم الأخرى، أوسع من أن يستنفد في شبكة من الجمعيات والمنظمات. لكن يمكن القول إجرائيًا وعمليًا إن المجتمع المدني هو جملة القنوات والمسارب والتنظيمات والجمعيات والمؤسسات التي يعبر فيها، ومن خلالها، المجتمع الحديث، عن مصالحه وغاياته، وتتكون بشكل طوعي واختياري، وتعمل في استقلال نسبي عن الدولة بمؤسساتها وأجهزتها (الجيش، الشرطة، الأمن....)، ولذلك فهو يحتوي على الأيديولوجية بمكوناتها المتعددة (الفلسفات، الثقافة، الدين، الحس المشترك...)، وعلى الأشكال المختلفة من الروابط الحديثة (الأحزاب السياسية، النقابات والنوادي والاتحادات، الهيئات الثقافية، الحركات الاجتماعية، غرف التجارة والصناعة، التنظيمات الحرفية والمهنية، الجمعيات التعليمية والصحية، الجمعيات التي تعنى بشؤون البيئة والمرأة والشباب والطفل وحقوق الإنسان...إلخ)، وهذه التنظيمات التطوعية تنشأ لتحقيق مصالح أعضائها أو لتقديم المساعدات والخدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، أو للدفاع عن المجتمع في مواجهة الطغيان والتغول المحتملين للدولة، وهي تلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتسامح والمشاركة والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف من خلال التفاوض والتحكيم والتراضي والمساومة والتصويت والانتخابات.
يمكن القول بالتالي إن أهم خصائص ومميزات تنظيمات المجتمع المدني هي:
أ- الطوعية أو المشاركة الاختيارية الحرة، وهي تميزها عن مختلف التكوينات والروابط الاجتماعية المفروضة أو المتوارثة في المجتمع التقليدي، وعن تلك المبنية على التراتبية والطاعة العمياء والانضباط الصارم في المجتمع العسكري (الجيش)، لذلك تكون العلاقات في المجتمع المدني أفقية، وليست رأسية أو عمودية مثل العلاقة بين شيخ العشيرة وأتباعه، أو بين الأجير والمؤجر، أو بين الضابط والعسكري، أو بين رجل الدين ومريديه، أو بين رئيس الحرفة والصانع.
لعل من أهم التطورات التي يقدمها المجتمع المدني هي العلاقة بين الفرد والمجتمع، انطلاقًا من قاعدة ترى في تطور وازدهار حرية الفرد أمرًا لا يتعارض مع الجماعة، فالجماعة الصحية هي تلك التي تتيح لأفرادها أوسع قدر من الحرية، في الوقت الذي ترى فيه أنه لا وجود لجماعة صحية تعامل أفرادها كرعايا أو كأرقام لا حول لها ولا قوة.
ب- الاستقلالية النسبية عن الدولة، وهي ما تسمح بتكون رأي عام غير رسمي، أي لا يخضع لسلطة الدولة، فهذه المنظمات تختلف عن تلك الموجودة في المجتمع السلطوي أو في المجتمع الشمولي الاستبدادي، حيث البشر لا رأي لهم.
ج- المؤسسية، العمل المؤسسي هو أحد مميزات تنظيمات المجتمع المدني، ويشير إلى علاقات تعاقدية حرة في ظل سيادة القانون.
د- التخصص المرتبط بالغاية والدور، إذ تتشكل هذه التنظيمات بحسب الميول والرغبات والأهداف والمصالح.
إن هيئات المجتمع المدني هي مؤسسات ذاتية التأسيس والاشتغال، وحينما تفقد أي مؤسسة استقلاليتها عن الدولة، فإنها تفقد بذلك العنصر الجوهري الذي يميز المجتمع المدني، لكن استقلال المجتمع المدني عن الدولة لا يعني بالضرورة أنه نقيض أو خصم لها، أو غياب أي صلة بينهما، وإنما تعني أن علاقته بها لا تتسم برابطة التبعية.
3- المجتمع المدني والمجتمع الأهلي
يقوم المجتمع الأهلي أو المجتمع الطبيعي العضوي أساسًا على الروابط والعلاقات الموروثة أو الأولية (العلاقات العضوية أو رابطة الدم) التي ينتمي إليها الفرد لحظة ولادته من دون توافر حرية الاختيار. وهذا يسمح بالقول إن المجتمع الأهلي هو تراصف جماعات إثنية ودينية ومذهبية مغلقة ومتحاجزة ومتفاصلة كالزيت والماء، وتبني فيه هذه الجماعات علاقات تناحرية وتنازعية على السلطة والثروة استنادًا على موازين القوى القائمة، ولا يشكل مجموعها أمة أو شعبًا، ولا تنتج من علاقاتها المتبادلة دولة.
هذا التشابه في الشكل وبعض الوظائف بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني لا يعني التطابق ولا يبرر التماثل بينهما، فالمجتمع المدني يتجاوز المجتمع الطبيعي العضوي، وينتقل بالروابط إلى مستوى العلاقة السوسيولوجية، إذ تحل الروابط المدنية الحديثة (الطبقة، الحزب، الثقافة، النقابة، الجمعية... إلخ) محل رابطة الدم العضوية، وتنبني هذه الروابط على الإرادة الطوعية والاختيار الحر. من هنا تختلف منظمات المجتمع المدني عن منظمات المجتمع الأهلي في كونها تقوم على مبدأ المواطنة والولاء للوطن كانتماء أساسي، وكبديل للانتماءات التقليدية التراتبية بأشكالها المختلفة.
على الرغم من التمايز المعروف بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، فإن هذا لا يفترض خلق علاقة تضاد محتومة بينهما، فانغلاق مؤسسات المجتمع الأهلي وعصبويتها يعودان أساسًا للسلطة الاستبدادية وممارساتها التي منعت تطورها وانفتاحها، إضافة إلى أن المطلوب من ناشطي المجتمع المدني هو النفاذ إلى البنية الاجتماعية، وليس تحويل المفاهيم الحديثة (المجتمع المدني، الديمقراطية..) إلى شعارات أيديولوجية يجري بناء عليها تصنيف البشر وإقصاؤهم.
4- المجتمع المدني والدين
في المجتمع المدني يُعاد بناء الانتماءات الأولية (كالانتماء إلى أسرة معينة أو إلى دين محدد أو إلى جماعة إثنية أو لغوية أو ثقافية) من جديد، وهذا أمر طبيعي، فالانتماءات الجديدة (أي الانتماء إلى الوطن أو الدولة السياسية أو المجتمع المدني أو الأمة) تحتوي الانتماءات السابقة وترتقي عليها، بحكم أنها انتماء إلى الكل الذي يكسب الانتماءات الجزئية مضامين جديدة غير معيقة للتطور.
المجتمع المدني هو مجتمع تتاح فيه الحرية لجميع الأديان والمذاهب والأيديولوجيات في التعبير عن نفسها والفعل والتأثير، لكن تبقى دولته السياسية محايدة تجاه الجميع، وتستمر معبرة عن الكل الاجتماعي، الأمر الذي يسمح لنا بالاستنتاج أن المجتمع المدني لا يلتقي أو يتوافق مع دولة الاستبداد وحكم الفرد ودولة الحزب القائد للدولة والمجتمع ودولة العشيرة ودولة الفئة أو الطغمة سواء أكانت دينية أم علمانية.
لا يعارض المجتمع المدني الدين أو المتدينين، لكنه يعارض سلطة رجال الدين، ولا يتوافق مع دولة دينية، كما لا يضع المجتمع المدني نفسه في مواجهة الروابط والعلاقات الأولية، ولا ينفيها نفيًا سلبيًا، لكنه بحكم علاقاته وروابطه الحديثة ينفيها نفيًا جدليًا، أي يجعل الأولوية والمحورية للانتماءات الحديثة وللروابط التي تفرضها، والتي تستند على شكلين من العلاقات: العلاقات الضرورية، أي العلاقات الاقتصادية وعلاقات عملية الإنتاج الاجتماعي والمصالح والمنافع المتبادلة، والعلاقات الاختيارية أو القائمة على الإرادة الحرة، مثل الانضمام للأحزاب والجمعيات والمؤسسات المختلفة.
لا تزال العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة في ثقافتنا وتراثنا تحكم رؤية الكثيرين. هنا نقول إن الدين غير السياسة والسياسة غير الدين، فالدين مجال الذاتية، أي مجال الإيمان، والسياسة مجال العلاقات الموضوعية التي تعينها نسبة القوى، ومنهج السياسة نفعي براغماتي دومًا، ولا يتسق في معظم الأحيان مع القيم الروحية والأخلاقية للدين. هذا يعني أنه ينبغي تحرير الدين من السياسة وتحرير السياسة من الأيديولوجيات الدينية المفصلة على مقاس حامليها، والمثقلة بالمصالح الذاتية لهم.
في ما يخص العلاقة بين الإسلام والسياسة، لا بدّ هنا من تقرير حقيقة مهمة من حيث المبدأ: إن أي حديث تجريدي عن الإسلام لا يكون مفيدًا ولا بدّ من ربطه بمدرسة أو مذهب أو شخص أو فرقة معينة، أي لا بد من الحديث عن تفسير وفهم للنصوص التي تمثل مصادر الإسلام، وهي نصوص القرآن والسنة، لأن "القرآن لا ينطق وإنما ينطق عنه الرجال" كما يقول الإمام علي بن أبي طالب.
ليس هناك من نص مهما كان مقدسًا له معنى ذاتي لازم ونهائي، فالمعاني تستخلص بعمليات معقدة يقوم بها عقل ما، محكوم سلفًا بعلاقات الزمان والمكان بكل ما يعتمل فيها من مصالح وعادات وتقاليد ومعارف سائدة. الإسلام دومًا هو إسلام المتكلم، يتغير بتغير الذات المتكلمة، إذ تتباين قراءات النصوص المقدسة والسرديات التاريخية وتأويلاتها تباينًا يبلغ حد التكفير المتبادل. بالتالي، فإن أول ما يجب أن يفعله الإسلام السياسي هو نزع ثوب القداسة عن أطروحاته، والاقتناع بمشروعية وأهمية القراءات المتعددة للإسلام كدين من جهة، وأن من يريد أن يدخل معترك السياسة عليه أن يؤمن بمنطقها الواقعي والموضوعي من جهة ثانية.
5- المجتمع المدني والسوق
إن اختزال المجتمع المدني إلى سوق، وافتراض قيام السوق "خارج الدولة"، أي في استقلال عنها، هما من أبرز سمات الليبرالية الجديدة، التي تقوم على رؤية اقتصادوية تختزل الإنتاج الاجتماعي إلى سلع وخدمات يتبادلها الناس ويتداولونها في السوق، فتغدو مجالات الحياة الاجتماعية غير الاقتصادية مجرد هوامش للسوق أو زوائد ملحقة بها أو نافلة يمكن الاستغناء عنها.
المجتمع المدني حقل متمايز، لكنه مرتبط جدليًا بالدولة والسوق، ومن هنا تجري تسميته بالقطاع الثالث في المجتمع، وهو يعمل لإلزام كلٍّ من الدولة والسوق بممارسات صحيحة تقوم على احترام قواعد دولة الحق والقانون، وإيجاد الحلول للتشوهات والانتهاكات الناجمة عن المنطق التعسفي في بعض الأحيان لكلٍّ من السلطة ورأس المال.
1- مفهوم الشعب
الشعب مفهوم سياسي يحيل على كينونة اجتماعية، وهو يحمل مفهوم المجتمع المدني بوصفه أساسه ومحتواه، ويعيد إنتاجه سياسيًا، أو في المجال السياسي؛ أو هو الصيغة السياسية للمجتمع المدني. الشعب ليس مقولة بديهية، ولا واقعًا ناجزًا، بل هو ناتج تطور تاريخي وارتقاء من التشظي والتحاجز والتنافس والتناحر إلى الوحدة، ناتج تطور الفرد الطبيعي إلى كائن اجتماعي، ومن ثم إلى مواطن، وناتج تطور الجماعة البشرية إلى مجتمع، ومن ثم إلى مجتمع مدني، ومجتمع سياسي.
تحيل مقولة الشعب، في بلادنا، على مقولة الاندماج الوطني والاجتماعي، أي على جميع العمليات أو السيرورات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والتربوية والأخلاقية التي ترقى بمجتمعاتنا من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حديثة، أو التي ترقى بالجماعات المغلقة المتحاجزة من حالة الملل والنحل والطوائف والعشائر والإثنيات إلى الحالة الوطنية/القومية؛ من دون إلغاء الملل والنحل والمذاهب والأديان والإثنيات، فهذه لا يمكن إلغاؤها؛ الذي يمكن إلغاؤه هو العلاقات الطائفية والمذهبية والدينية والإثنية التي لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون علاقات سياسية، وهنا تتضح جميع الدلالات السياسية لمفهوم الشعب. هذا الانتقال أو الارتقاء الضروري غير ممكن إن لم يتأسس على المساواة، وعلى الاعتراف المبدئي والنهائي بحرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن.
الشعب مفهوم سياسي يرمز إلى مواطنين أحرار، لا إلى مسلمين ومسيحيين ويهود، على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، ولا إلى عرب وكرد وأثوريين وتركمان، ولا إلى عشائر وعائلات ممتدة. أي إن جمعًا حسابيًا لإثنيات وعشائر وأديان ومذاهب لا يساوي شعبًا، ولا يساوي أمة حديثة. الشعب جملة حية وكلية عيانية؛ لا يستقيم أن تكون حرة وسيدة وجزء من أجزائها منقوص الحرية والسيادة. فإذا انتقصت حرية الفرد وسيادته على نفسه انتقصت حرية الشعب وسيادته، وإذا كان في شعب من الشعوب جماعة ثقافية أو لغوية أو قومية أو إثنية لا تتمتع بحريتها وحقوقها، مهما قلَّ عددها، فإن حرية الشعب كله منقوصة، وكذلك حقوقه وسيادته.
يجب أن نمتلك الطاقة الفكرية للتمييز بين مفهوم الشعب ومفهوم السكان، تمامًا كما نميِّز بين علم السياسة وعلم الإحصاء. يمكن الحديث عن مجتمعات في دولة واحدة، كالمجتمعات البدوية والمجتمعات الريفية ومجتمعات المدن... إلخ، ولكن لا يمكن الحديث عن شعوب في دولة واحدة. فعندما نتحدث عن شعب وشعوب نكون قد غادرنا علم الاجتماع الخالص إلى علم الاجتماع السياسي، وإلى علم السياسة، ونغادر من ثم مستوى الوجود الاجتماعي المباشر إلى أحد أشكاله أو تشكلاته الثقافية والسياسية.
ثمة ثلاثة أركان يقوم عليها مفهوم الشعب، هي: الحرية والمساواة والقانون. الحرية نقيض العبودية، والمساواة نقيض الامتيازات من أي نوع ومن أي درجة، والقانون هو الضمانة الموضوعية لهذه وتلك، أي للحرية والمساواة. وعلى هذه الأركان ذاتها يقوم مفهوم الوطن أيضًا. الشعب هو مصدر المشروعية، لكن هذا غير ممكن ما لم يكن الشعب سيدًا حرًا مستقلًا، ومن ثم فلا معنى للمشروعية إذا لم تكن مستمدة من هذه السيادة وهذه الحرية وهذا الاستقلال، وقائمة عليها، أو مؤسسة عليها. إن سيادة الشعب وحريته واستقلاله لا تحتاج إلى تسويغ، فالشعب يستمد قيمته ومشروعيته ومسوغاته من ذاته وليس من أي عنصر خارجي.
2- الأمة والقومية
إن لمفهوم القومية ومفهوم الأمة، في الخطاب السياسي السائد، بعدًا إثنيًا أو عرقيًا يتخفَّى في اللغة والتاريخ وغيرهما مما يسمى "مقومات القومية العربية"، ويخرج الجماعات الإثنية واللغوية والثقافية من دائرة الأمة، أي من دائرة المجتمع المدني والدولة القومية؛ وبعدًا دينيًا مذهبيًا يخرج غير المسلمين ومعهم أتباع المذاهب الإسلامية (الأقليات المذهبية) من دائرة الأمة ومن دائرة الدولة؛ وهذه أمارة أخرى من أمارات تشظي الحقل الثقافي والسياسي، لا بفعل التجزئة الاستعمارية أيضًا، بل بفعل التكسر المجتمعي ونقص الاندماج الوطني/القومي. الأمة عند الإسلاميين هي "الأمة الإسلامية"، النقية دينيًا، بحسب المتكلم أيضًا، وهي "الأمة العربية" النقية عرقيًا ولغويًا عند القوميين، ولا يخفى تداخل مقولتي الأمة العربية والأمة الإسلامية، بحكم تداخل العروبة والإسلام.
القومية ليست أيديولوجية، كما حاول الفكر القومي التقليدي أن يصوغ أصالتها، وهي ليست تجميعًا كميًا لوحدات وكيانات مجزأة. القومية هي تحقيق لذات الأمة، وبالدرجة نفسها تحقيق لمفهوم سيادة الفرد على مصيره، وسيادة الأمة على مصائرها. وعلى هذا فإن "الأمّويّة"، ليست شعورًا متمحورًا حول السيادة القومية إزاء الخارج وحسب بل إنها "شعور ووعي متمحوران حول سيادة الأمة في الداخل، سيادتها على نفسها".
تتعين الأمة واقعيًا في المجتمع المدني والدولة السياسية بالتلازم الضروري، فليس هنالك مجتمع مدني بلا دولة وطنية، ولا دولة وطنية بلا مجتمع مدني. الأمة هي المعادل الثقافي والأخلاقي للمجتمع المدني، والشعب هو المعادل السياسي للمجتمع المدني والأمة على السواء. ومنها الأمَّوية أو القومية أو الوطنية، وترادف الجنسية، وهي سمة حقوقية تلازم الأفراد بوصفهم مواطني الدولة المعنية.
القومية فضاء ثقافي أو حضاري مشترك بين جميع قوى الأمة وتمثيلاتها، تتقاطع فيه وتتجابه جميع التيارات الفكرية والأيديولوجية والسياسية، ولذلك هي صفة للدولة المعنية منظورًا إليها من الخارج، أي من غير مواطنيها؛ لذلك فإن جميع التيارات والأحزاب "القومية" والإسلامية والاشتراكية والليبرالية والديمقراطية وغيرها هي أحزاب وتيارات قومية تعبر عن قوى الأمة المختلفة والمتعارضة.
مفهوم المجتمع تعبير سوسيولوجي، ومفهوم الأمة تعبير ثقافي، ومفهوم الشعب تعبير سياسي عن حقيقة واحدة هي الدولة الوطنية أو القومية؛ وهذه الأخيرة أي الدولة الوطنية لا تبدو لمواطنيها إلا في صيغة النظام العام والمصلحة العامة والإرادة العامة، أي في صيغة دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز. ما كان للقومية أو الوطنية أن تكون صفة للدولة لولا عنصر العمومية في الصفة والموصوف؛ والصفة في العربية تابعة للموصوف في جميع أحواله؛ القومية أو الوطنية صفتان تابعتان لموصوف هو الدولة.
تقوم المواطنويَّة على ثلاثة أركان:
1- الإنسانوية أو الإنسية
تعني الإنسانوية أو الإنسية أن الإنسان هو المبتدأ والخبر، المنطلق والغاية، لا يجوز أن يكون وسيلة لأي غاية مهما سمت، أرضية أو سماوية. وهي لا تقتصر على إعادة الاعتبار للإنسان بصفته مركز العالم ومعيار جميع القيم وحسب، بل بصفته ذاتًا حرة فاعلة ومسؤولة. الحقيقة الأولى والكلية الثابتة هي الإنسان، وهذه تعني احترام الإنسان وتقديره حق قدره لذاته، لا لحسبه ونسبه ولا لثروته ولا لقوته وجبروته، ولا لأي صفه أخرى من صفاته أو لأي من محمولاته، وأن جميع محمولات الإنسان، المادية والروحية على السواء، تنسب إليه وتستمد قيمتها منه، وجميع أفكاره وتصوراته ومعتقداته وعلومه وجميع النظم التي ينتجها نسبية ومحدودة بمطلق واحد هو الإنسان، وأنها جميعًا قابلة للتغير قياسًا بثابت واحد هو الإنسان الذي يمتلك القابلية للتحسن والتقدم والارتقاء إلى مالا نهاية، وعليه يتأسس المجتمع المدني، والمواطن الذي يتأسس عليه المجتمع السياسي.
2- المساواة
تتجلى الماهية الإنسانية في جميع أفراد النوع بالتساوي، فليس هنالك من هو أكثر أو أقل إنسانية من الآخر، فإذا جردنا الفرد المعين من جميع صفاته وتعييناته ومحمولاته تبقى لنا ماهيته أو جوهره الذي يشترك فيه مع جميع أفراد النوع بالتساوي؛ أما إذا جردناه من إنسانيته فلا يتبقى منه أي شيء.
3- المواطنة
لا يمكن الحديث عن المواطنة إلا بالانطلاق من قاعدة إنسانية واعتماد معايير إنسانية، فالإنسانية أو الإنسية هي أساس الوطنية ورافعتها. فلا يمكن أن يعترف أحدنا بتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات إذا لم يعترف أولًا بتساويهم في الكرامة الإنسانية. الإنسانية والمواطنة صفتان لا تقبلان التفاوت والتفاضل؛ فليس من فرد إنساني هو أكثر أو أقل إنسانية من الآخر، وليس من عضو في دولة معينة هو مواطن أكثر أو أقل من الآخر.
المواطنة منظومة حقوق مدنية وسياسية وحريات شخصية وعامة وواجبات مدنية والتزامات قانونية متساوية، ومشاركة في حياة الدولة ومؤسساتها، ولذا تعني المواطنة العضوية الكاملة في الدولة السياسية، أي في الدولة الوطنية أو القومية، ولا فرق. إذ تصير المواطنة هي العلاقة الأساسية التي تربط بين جميع مواطني الدولة المعنية، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والإثنية والطبقية وما إليها. ومن هنا تأتي أهمية مبدأ "حياد الدولة الإيجابي" إزاء جميع الأديان والمذاهب والأيديولوجيات والعقائد السياسية، وإزاء الانتماءات العرقية.
للمواطنة ثلاثة أبعاد أساسية أو ثلاثة مجالات: أولها أن المواطنة حالة قانونية، أو وضع قانوني، فهي، بهذا المعنى، ترادف "الجنسية" التي يكتسبها الفرد من عضوية الدولة، ويتحدَّد هذا البعد بالحقوق الاجتماعية والمدنية والسياسية. والبعد الثاني، بعد اجتماعي/سياسي، بالمعنى الواسع للكلمة، قوامه النظر إلى المواطنين بصفتهم قوة اجتماعية سياسية يشاركون بنشاط في الشؤون العامة وحياة الدولة من خلال مؤسسات المجتمع المدني، كالجمعيات والنقابات وجماعات الضغط والأحزاب السياسية. أما البعد الثالث فيتعلق بالهوية الوطنية التي يستمدها الفرد من عضويته في "جماعة سياسية"، فالجماعة السياسية، أي "المجتمع المنظم" أو "الأمة المنظمة" أو "المجتمع السياسي"، هي المصدر الوحيد للهوية بأبعادها الاجتماعية والثقافية والسياسية والأخلاقية. ما يعيِّن فارقًا جوهريًا بين الأصل والهوية، وينفي أن يكون العرق أو الدين أو المذهب أو الطبقة الاجتماعية أساسًا للهوية الوطنية، أو أن تكون الهوية الوطنية تعيُّنًا للعرق أو الدين أو المذهب أو الطبقة الاجتماعية، أو امتدادًا لأي منها، أو نتيجة من نتائج انتماء الفرد إلى أي منها.
في ضوء ما تقدم، المواطنة المؤسسة على تساوي البشر إناثًا وذكورًا في الكرامة الإنسانية تنفي نفيًا قاطعًا مفاهيم أهل الذمة وأهل الكتاب والأعاجم والموالي وما إليها، وتنفي مفاهيم الولاية والوصاية والقوامة، والمواطنة تقتضي قانونًا مدنيًا وضعيًا يسري على جميع المواطنين بالتساوي وبلا استثناء، ويكفل حق أي مواطنة أو مواطن في تسلّم أي منصب وفقًا للكفاءة والجدارة والاستحقاق.
1- معنى الديمقراطية والنظام الديمقراطي
الديمقراطية إنجاز غربي، لكنها أيضًا محرز إنساني عام، وتنبع عموميته من كونية العقل ووحدة التاريخ العالمي وكلية الكائن الإنساني، ونرى أن تجارب الديمقراطية المحققة في التاريخ تنطوي كل منها على عنصر عام يمكن أن يتكرر في تجارب أخرى. المعنى العميق للنظام الديمقراطي هو أن لا أحد في المجتمع يملك الحقيقة السياسية، أي ما يصلح وما لا يصلح لخير المجتمع وسعادته، فالحقيقة السياسية ينتجها الجميع.
النظام الديمقراطي شرط لازم لأنسنة الحياة الاجتماعية، لتحرير الإنسان من جميع أشكال الاستلاب. إذ لا ديمقراطية ممكنة إلا إذا كانت المساواة حاضرة بمعانيها القانونية والفلسفية والأخلاقية. لا يمكن أن تقوم ديمقراطية بلا مساواة سياسية، هي المقدمة اللازمة أو الضرورية للمساواة الاجتماعية. ولا قيمة للمساواة إلا بالتلازم مع الحرية، أي لا قيمة للمساواة في ظل الاستبداد الذي هو إعادة إنتاج للعبودية بشكل أو بآخر.
2- الثقافة السائدة والثقافة الديمقراطية
غالبًا ما طرحت الديمقراطية منزوعة عن جذورها الفلسفية، لتتحول في الغالب الأعم إلى محض آلية انتخابية عددية مفرغة من مضمونها الحداثي، وقد وجدت النسبة الأكبر من النخبة في هذا المنحى الاختزالي والانتقائي، مخرجًا للتنصل من مرتكزات الثقافة الديمقراطية وعناصرها، متجاهلة أن الديمقراطية ليست مجرد صيغة للحكم، بل هي أولًا ثقافة، وإن تبسيطها وتسطيحها إلى مجرد آليات شكلانية فوقية من شأنه أن يمنع أي تغيير حقيقي في الأوضاع السائدة.
فالانتقال من نظام شمولي أو استبدادي إلى نظام ديمقراطي لا يحتاج فقط إلى إصلاحات أو تغييرات سياسية ودستورية، وإنما في الأساس والأهم إلى نهضة ثقافية، لذلك لا تكمن وظيفة النخبة الثقافية والسياسية في ممارسة أدوار ومواقف سياسية وحسب، بل تكمن أولًا وأساسًا في إعادة تأهيل فكرها وممارساتها لتتوافق مع القيم والمبادئ الديمقراطية، وثانيًا القيام بدورها في تعميم الثقافة الديمقراطية في المجتمع، لأن الديمقراطية في الأساس ظاهرة مجتمعية، فهي نظام للمجتمع إلى جانب كونها نظامًا للدولة. من الصعب، كما هو موجود لدى قطاع من النخبة، القبول بالآليات الديمقراطية في المستوى السياسي، والتخلي عنها في الثقافة والعلاقات المجتمعية، إلا إذا كنا مغرمين بهذه الحالة الفصامية السائدة في الفكر والسياسة.
إشكالية ضعف الثقافة الديمقراطية في مجتمعاتنا إذًا ليست إشكالية هذا التيار أو ذاك، أو إشكالية حزب سياسي بعينه، أو إشكالية أيديولوجية ما دون الأيديولوجيات الأخرى، أو إشكالية سلطات مستبدة وحسب، بل هي إشكالية عامة، أو داء عام يطال جميع التيارات والأيديولوجيات والأحزاب. إنها بالأحرى إشكالية مجتمع، وثقافة سائدة مضادة للقيم والمبادئ والآليات الديمقراطية.
يفتقر البنيان الأيديولوجي للتيارات والأحزاب كافة إلى القيم التي تتوافق مع الديمقراطية، ويسود بدلًا عنها قيم مضادة وطاردة للمبادئ والأسس الديمقراطية، ولا سيما ما يبرز في الثقافة السائدة من قيم إنكار الفرد وعدم الاعتراف بالآخر، وشيوع العنف كناظم للعلاقات السياسية والاجتماعية على حد سواء. إن الضعف القاتل في ثقافتنا السائدة، من زاوية الديمقراطية، يكمن في تضافر وتكامل ثلاثة عناصر، نجدها في جوهر وأساس كل موقف أو سلوك أو رأي غير ديمقراطي.
العنصر الاول هو إنكار الفرد وضمور مفهوم الإنسان بوصفه قيمة عليا، لمصلحة نمو حالة "كتلية" أو "جماعية" أو "بطريركية"، وهذه تتوافق مع التكوينات العشائرية والقبلية السائدة، وتنمي حالة "جماهيرية" في السلوك السياسي، بارتكازات غرائزية وانفعالية وحادة إزاء الأحداث والظواهر والتغيرات. ولا يقتصر ذلك على الساحة المجتمعية، إنما ينسحب على المظاهر الحديثة من التجمعات، كالأحزاب السياسية والمنظمات المدنية، وغيرها، حتى إننا نكاد لا نفرق سلوك حزب سياسي ما، أو منظمة حقوق إنسان معينة، عن سلوك تلك التكوينات العشائرية والقبلية.
العنصر الثاني هو إنكار الآخر ورفضه، والرغبة في إنكار وجوده وإلغائه. الآخر على خطأ دائمًا وأبدًا. هذا العنصر يرتبط، على ما يبدو، بتاريخنا القديم حول "الملة الناجية"، ففريق واحد هو على الطريق القويم، أما بقية الفرقاء فهم في النار.
العنصر الثالث هو شيوع العنف في الحياة الاجتماعية والسياسية على حد سواء، فالنزعة لإنكار الآخر والنزعة المضادة للتعددية في ثقافتنا، تجدان امتدادهما في النزعة إلى العنف والرغبة بتحطيم الآخر بأشكال ووسائل عديدة.
هذه العناصر الثلاثة في الثقافة السائدة متداخلة ومترابطة، وتشكل وحدة ثقافية متماسكة، لكنها معيقة ومضادة بالتأكيد لنمو القيم والمبادئ الديمقراطية. بينما تنهض الثقافة الديمقراطية على عناصر ومستويات نقيضة لما هو موجود أو سائد في ثقافتنا. الثقافة الديمقراطية تعترف بكينونة الفرد وأولويته واستقلاليته، وجدارته بحقوق لصيقة به كإنسان، وتقر له بحقوق ووظائف وأدوار مكتسبة له كمواطن، لذلك تجعل من حماية حقوقه وضمان الوفاء بها إحدى أهم وظائف الدولة الديمقراطية. الديمقراطية هي ابنة الفلسفة الفردية، فعندما يغيب الفرد، ويضمر مفهوم الإنسان، نكون أقرب ما يكون إلى الحالة "القطيعية". الدكتاتوريات والأصوليات والأيديولوجيات، جميعها تمحو الفروق بين الأفراد لصالح ما يسمى، مكرًا أو جهلًا، "المساواة"، التي لا تعني في هذا المضمار إلا "التسطيح" و"التسوية"، أي إذابة الفروق وتجميع أو صهر الإرادات في سلوك جمعي قطيعي واحد.
تقوم الثقافة الديمقراطية على مشروعية التنوع والاختلاف وعلى نسبية الحقيقة واحتمال خطأ الذات، فالسلوك المستند إلى هذه الثقافة يعبر عن نفسه في الاعتراف بالآخر واحترام حريته وحقوقه والقبول به كما هو، وكما يريد أن يكون. لذلك يحضر فيها بقوة مفهوم الشعب بوصفه شعب الاختلاف، لا الجمهور الواحد المنصهر والمندمج، وتقوم فيها الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية على فكرة الأحزاب المختلفة، المصالح المختلفة، الآراء والخيارات المختلفة، صراع المصالح والاحتمالات والأفكار في ظل سيادة قانون عام يشارك فيه الجميع بشكل أو بآخر. كما تنمي الثقافة الديمقراطية النزعة للتنظيم وبناء مؤسسات تتمتع بحركية داخلية وخارجية (نقابات، جمعيات... إلخ)، مختلفة عن مؤسسات الثقافات غير الديمقراطية التي غالبًا ما تنشأ على تقسيمات عمودية، وتكون ثابتة وجوهرية.
الثقافة الديمقراطية تفاوضية بطبيعتها، وثمة استقرار نسبي لمبدأ التسوية السلمية للمنازعات والصراعات، فهي تشجع من دون حدود التفاوض وإعادة التفاوض وصولًا إلى التوافق والحلول الوسط. النقيض لهذا المبدأ هو حضور العنف في السياسة والمجتمع، وحالة حرب الجميع ضد الجميع. فالمواقف السياسية المستندة إلى قاع ديمقراطي لا تتبع قانون "الكل أو لا شيء"، إما أن نكون مع هذا الطرف جملة أو تفصيلًا، وإما أن نكون مع ذاك الطرف في المطلق. المواقف الديمقراطية تفصيلية، وتنحو بعيدًا عن الرؤى الكلانية والتصنيفية.
3- ثقافة حقوق الإنسان
تعني ثقافة حقوق الإنسان مجموعة القيم والبنى الذهنية والسلوكية والتقاليد والأعراف وغيرها، التي تنسجم مع مبادئ حقوق الإنسان، وتتوافق مع القيم الديمقراطية واحترام التعددية والتنوع والاختلاف، مع ما يرتبط بها من وسائل التنشئة التي تنقل هذه الثقافة في البيت والمدرسة والجامعات وبيوت الدين والأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة وغيرها.
إن كل مبدأ أو فكرة قانونية أو أخلاقية تقطع رحلة طويلة في الزمان والمكان قبل أن تتبلور، إذ تخضع هذه المبادئ والأفكار إلى كل عمليات التفكيك وإعادة البناء والإضافة والأقلمة حتى تصل إلى مرحلة تتبلور فيها، وقد تظهر خاصة بحضارة معينة دون غيرها، ويجري تعميمها في الوعي العالمي باسم هذه الحضارة، وبالضرورة هي الحضارة الأقوى أو المسيطرة عالميًا. فحقوق الإنسان لم تنبت فجأة في الغرب من دون أن يكون لها جذور في الثقافات الأخرى. إن كل الثقافات، بلا استثناء، قد شهدت حركة فكرية وأخلاقية، صراعية وتعاونية، خاصة وكونية، مغلقة ومفتوحة، طرحت في سياقها مبادئ وقيم وقواعد كثيرة تشكل جذورًا فكرية مهمة للمنظومة الراهنة لحقوق الإنسان.
هذا الرأي يختلف كثيرًا عن الرأي الذي يحاول إعادة كل ما هو مجيد في الحضارة الإنسانية الحالية إلى أصول عربية وإسلامية. إنه يعني الإقرار بوجود تناسل وتلاقح بين الثقافات (كالكائنات الحية)، ويعني ضمنًا أن الثقافة الإنسانية الحالية أساس لإعادة بناء الثقافات الخاصة. ومن هنا لا بد من الانتباه للتداعيات المنطقية والعملية لعدم الاعتراف بمبدأ عالمية أو كونية حقوق الإنسان، والقول بنسبيتها أو قابليتها للتفكيك والتجزئة، بما ينتهي إلى الأخذ ببعض هذه الحقوق، وإنكار وحجب بعضها الآخر. إن القول بنسبية حقوق الإنسان معناه أنه لا توجد قيمة أو مبدأ عام ينطبق على عموم البشر.
يخطئ العاملون في مجال حقوق الإنسان عندما يفصلون حقوق الإنسان عن الفكر، فالخوف من الأيديولوجيا لا يبرر إلقاء الفكر في المزبلة، إذ سيكون لذلك ضريبة قاسية هي الوقوع في فخ تحويل حقوق الإنسان إلى مجرد شعار أو إلى مقولة سحرية بلا أبعاد وأرضيات، لتتحول إلى أصولية من نوع جديد لا يدرك مؤيدوها منها إلا لفظها.
إن وراء العمل في جبهة حقوق الإنسان رؤية جديدة للكون والإنسان والمجتمع، رؤية لا يمكن استيعاب روح هذه الحقوق من دون الاستناد إليها. يعني العمل في مجال حقوق الإنسان أولًا وقبل كل شيء المساهمة في عملية الاستيعاب التاريخي والنقدي لرؤية جديدة للإنسان والطبيعة والمجتمع والتاريخ، وهي الرؤية المحايثة لمواد مواثيق حقوق الإنسان وبنودها.
هذه المسألة واضحة وبديهية في أوروبا، بحكم المواكبة التي حصلت في التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر بين تبلور مواثيق حقوق الإنسان والفكر الفلسفي الحديث ومنظوره الجديد للإنسان والطبيعة والعقل والتاريخ. فهناك وحدة عميقة كامنة وراء جميع المواثيق الأوربية والأمريكية والعالمية. نشير مثلًا إلى مفاهيم الحرية، الإنسان، الفرد، العدل، القانون، المساواة، العقل، الدولة، تداول السلطة إرادة الشعب، مصدر السلطة، الضمان الاجتماعي، والتي لا يمكن قراءة بنود المواثيق دون الانتباه إلى طبيعتها وإلى علاقتها المركزية بالمشروع الليبرالي الحداثي في صيغه المتعددة.
أما عمليات التغيير التي تمت في منطقتنا خلال العقود الخمسة الماضية فقد تمت في مستويات قشرية وسطحية بمعزل عن التعرض لأنساق الثقافة القديمة، إذ تجاورت الأنساق القديمة مع الحديثة، وأدى هذا الوضع إلى تفريغ كل المفاهيم الحداثية (الإنسان، الفرد، الوطنية، الديمقراطية، الساحة العمومية، الشعب، القانون، العقل) من مضامينها الأصلية، إذ حضر الشكل وغاب الجوهر في خضم تلك العلاقة التجاورية الشاذة، فالشعب بقي هو القبيلة، والحزب السياسي قبيلة مصغرة، والفرد عبدًا، والقانون شريعة السلطات أو رجال الدين... إلخ.
تحتاج معركة تبيئة مبادئ وقيم حقوق الإنسان فعلًا إلى معارك سياسية محددة في قضايا واقعية، لكنها تحتاج أيضًا وبالحدة والقوة ذاتها إلى معركة الدفاع عن الحداثة في فكرنا المعاصر، فالتقليد وحقوق الإنسان لا يجتمعان، سواء أكان التقليد قوميًا أم ماركسيًا أم إسلاميًا. هذا يعني أن سؤال الحداثة سيظل مطروحًا على جدول أعمال المشتغلين بقضايا حقوق الإنسان، ويرتبط بهذا السؤال ضرورة القيام بجهود فكرية تنويرية تساهم في إعداد الأرضية الملائمة لانغراس أفضل لمبادئ حقوق الإنسان في فضائنا الفكري والسياسي. لا يمكن في الحقيقة أن تجتمع المناداة بحقوق الإنسان مع استمرار هيمنة تصورات تقليدية محددة عن الإنسان والعقل والمجتمع، واستمرار هيمنة الأفكار المرتبطة بالرعية والطاعة والامتثال والتقاليد ودونية المرأة واضطهاد الصغير والتعصب القومي والحقيقة الواحدة التي لا مراء فيها.
4- الديمقراطية والحداثة والمجتمع المدني
الديمقراطية ليست هدفًا وطريقًا وأداة في العمل السياسي وحسب بل موقف في نظرية المعرفة أيضًا. لذا فإن الديمقراطية من دون الحداثة، قد تتحول إلى استبداد الأكثرية بالمعنى الإثني أو الطائفي. بمعنى آخر؛ الديمقراطية ليست شكلًا سياسيًّا وعلاقةً خارجيةً بين الحاكم و المحكوم، بل إنها تتضمن الحداثة الليبرالية وتتخطاها معرفيًا وتاريخيًا.
ينبغي عدم الانجرار وراء الليبرالية التي خفضت إلى حرية المشروع الاقتصادي وحرية السوق، والتي يجري تصديرها إلينا اليوم في صيغة ليبرالية اقتصادية جديدة قطعت كل علاقة كانت تربطها بجذورها النهضوية التنويرية الإنسانوية، وأصبحت غطاء للظلم ولعدم التكافؤ والهيمنة.
ثمة ترابط جدلي بين العمل من أجل التحول نحو مجتمع مدني وبين بناء الدولة الوطنية الحديثة/الدولة الديمقراطية، أي أن التحول نحو مجتمع مدني يمثل عملية تطور الديمقراطية ذاتها وعملية بناء الدولة السياسية (دولة الحق والقانون)، إذ لا وجود للمجتمع المدني خارج إطار هذه الدولة الديمقراطية، وفي المقابل يشكل المجتمع المدني البيئة المناسبة التي تنمو فيها الديمقراطية وتتطور مؤسساتها وآلياتها.
1- سؤال الهوية
يتجلى كل حديث حول الهوية في الغالب بسيطرة الماضي والتاريخ والذاكرة على حساب الحاضر والمستقبل. إذ ينظر للهوية على الدوام على أساس أنها تكونت وانتهت، وبالتالي ليس من دور للبشر الحاليين سوى النضال لتثبيت هذه الهويات كما هي أو كما وُرثت. هذه الآلية لا تنتج فهمًا سويًا للهوية، وتؤدي في المستوى السياسي إلى نمو ذهنية "المحاصصة" المعيقة لبلورة ما هو عام وتوافقي ومشترك. من جانب ثانٍ، لقد نمت معظم الخيارات السياسية والأيديولوجية للقوى السياسية في سورية، بل ولجميع فئات الشعب السوري، في ظل بيئة استبدادية، ولم يتح لهذه الخيارات بعد التكون في بيئة صحية. وهنا من المهم أن يجري التعاطي مع سؤال الهوية في هذه اللحظة السياسية بشيء من المرونة، وأن تترك فرصة للمستقبل لإعادة تكونها في ظل شروط وبيئة ديمقراطية، فما يحتاج إليه السوريون جميعًا هو فسحة من الأمل والديمقراطية لإعادة تكوين قناعاتهم ورؤاهم، وإعادة النظر في هوياتهم الموروثة أو المشوهة، الأمر الذي يخفِّف من حدّة الدفاع عن الموروثات ويرفع من سوية الدفاع عن الخيارات الحرة.
لطالما اتخذت الهوية في الوعي السائد طابعًا وسواسيًا تجاه الآخر، وشكل تعيينات قطعية، مغلقة وثابتة، وهذا الفهم السكوني، بشكل أو آخر، يعوق استقبال العناصر الإيجابية في الثقافات الأخرى، بسبب سيطرة هواجس ووساوس الغزو الثقافي. الهوية، هوية أي فرد أو مجموعة بشرية، هي كائن متجدد على الدوام، وينبغي إعادة بنائها في كل لحظة من أفق المستقبل، وليس النظر إليها بوصفها شيئًا تكون في الماضي وانتهى.
2- الهوية والوطن والوطنية
الهوية هي وعي الذات الذي يحدِّد زاوية النظر إلى الكون والعالم وإلى الإنسان، ولها ثلاثة أبعاد: أولها علاقة الذات بذاتها، أي كيف تعرِّف جماعة ما نفسها؟ وكيف تعبِّر عن ذلك؟ وكيف تعي تاريخها؟ وكيف تنظر إلى تراثها؟ وكيف تحدِّد موقعها في العالم وفي تاريخه؟ والثاني هو علاقة الذات بالموضوع؛ أي علاقتها بواقعها وعالمها الذي يفترض أنه من إنتاجها، ودرجة الاستلاب الذي تعيشه، ونمط إنتاجها لحياتها في جميع المجالات. والثالث هو علاقتها بالآخر، وهذه العلاقة هي حصيلة العلاقتين السابقتين وتتويجهما.
الهوية الفعلية لأمة من الأمم أو لجماعة من الجماعات هي ما تنتجه هذه الأمة أو تلك الجماعة على الصعيدين المادي والروحي، وما تقيمه بنفسها ولنفسها من علاقات وتنظيمات اجتماعية وسياسية، أهمها الدولة؛ وفي ضوء هذا التحديد تغدو الهوية الوطنية هوية حية وغنية وقابلة للنمو والتطور والبناء يوميًا كونها عملية تاريخية، في مقابل الهويات الراكدة والخاوية والسكونية.
العمل والإنتاج الاجتماعي هما العاملان الحاسمان في وعي الذات، فهذا الوعي أهم نتاجات العمل والإنتاج الاجتماعي، وهذا هو المدخل العقلاني لتحديد الهوية القومية/الوطنية للأمة. فالفكر السياسي في منطقتنا لم ينتبه إلى الدلالة الأعمق لهذه المقولة، ذلك لأنه لم يهتم يومًا بقضية العمل والإنتاج الاجتماعي، إنتاج الثروة المادية والروحية بالتلازم الضروري، ومن هنا كانت الهوية القومية أو الوطنية عنده ليست سوى هوية مجردة صماء ثابتة ومتعالية على التاريخ وعلى سنن النمو والتطور، لا تمت بصلة إلى واقع المجتمعات الفعلي، بل تحيل على واقع آخر، أو على أصل ما يثوي بعيدًا في أعماق التاريخ.
لا يميز الفكر السائد الهوية من الأصل، بل هما عنده شيء واحد؛ وبالتالي تقترن الهوية بالأصل والأصالة والتأصيل والأصولية، فضلًا عن الخصوصية الفارغة أو العدمية، لذلك كانت الهوية مجرد أوهام ذاتية لم تفضِ إلى شيء سوى إلى إعادة إنتاج التأخر والاستبداد والتجزئة والتبعية، وإلى الهزائم المتتالية.
يعتقد كثيرون أن العرق هوية، والدين هوية، والمذهب هوية، والاتجاه الفكري هوية، والانتماء الحزبي هوية... إلخ، وهذه جميعًا "هويات قاتلة"، بتعبير أمين معلوف. هذه هويات قاتلة بصفتها هويات، لا بصفتها محمولات وتحديدات ذاتية للأفراد والجماعات. الهوية عند الإسلاميين مثلًا، هي "الإسلام"، بحسب المتكلم سنيًا كان أم شيعيًا، وهي العروبة عند القوميين، وهي في الحالين هوية نابذة ونافية على مستوى المجتمع المكون من عدة أديان ومذاهب وإثنيات، مقابل الهوية السياسية أو الهوية الوطنية التي يستمدها الفرد من كونه مواطنًا شريكًا في الوطن وعضوًا في الدولة الوطنية، مثل الهوية الوطنية السورية التي لا تنفي إسلامية المسلم ومسيحية المسيحي وعروبة العربي وكردية الكردي.
الهوية غير الأصل، الأصل مفهوم استاتيكي، ثابت، والهوية مفهوم تاريخي، ناتج وصائر، وقابل للنمو والانبساط، في العالم وفي التاريخ. كذلك، ينبغي عدم التعويل على الأصول العرقية للجماعات القومية، ولا على ما يسمى الخصائص القومية الثابتة، لأنه ليست هناك أصول عرقية نقية، وليست هناك خصائص قومية ثابتة.
الدولة الوطنية الحديثة تمنح مواطنيها جنسيتها، والجنسية هنا أحد وجوه الهوية، وتمنحهم أكثر من ذلك شعورًا بالانتماء إلى مجال عام، إلى دولة هي أرض وشعب وسلطة عامة عليا وسيدة، بحسب تعريف الحقوقيين للدولة. الهوية الوطنية في اعتقادنا تعلو على الهوية الاجتماعية، الطبقية، والثقافية والإثنية والدينية والمذهبية... إلخ، وتطبعها بطابعها، ومن البديهي أنها لا تنفي لا الانتماءات والمواقع الطبقية ولا الاتجاهات الفكرية والثقافية ولا الانتماءات الإثنية والدينية والمذهبية للأفراد والجماعات، بل تنفي أن تنتج من هذه جميعًا نتائج سياسية تتعارض مع عمومية الدولة.
الوطن ليس مجرد رقعة جغرافية، أو بيئة طبيعية، أو حتى مجرد حدود سياسية معترف بها. الوطن هو علاقة إيجابية مثلثة الأطراف: علاقة بين الإنسان والطبيعة، وعلاقة بين الإنسان والإنسان الآخر، وبين الإنسان والمجتمع والدولة، وهي علاقة ذات محتوى اجتماعي اقتصادي وثقافي وسياسي وقانوني وأخلاقي، يمكن إجمالها بكلمة واحدة هي المواطنية؛ وتعني عضوية الفرد الفعلية في الدولة السياسية ومشاركته في الحياة العامة. ومن ثم فإن مفهوم الوطن لا يقوم من دون مفهوم المواطن، من دون مفهوم المواطنية والمواطنة، وهذه أيضًا لا تقوم من دون مفهوم الوطن. الوطن هو ما يلبي حاجات الفرد الأساسية ويصون حقوقه المدنية وحرياته الأساسية وكرامته، ويحقق له المساواة مع الآخرين أمام القانون، ويحقق له الأمن والحماية والرفاهية؛ وإلا فإنه ينتكس إلى مجرد بيئة طبيعية ومكان إقامة.
المواطنة إذًا علاقة مركَّبة، مادية وروحية، علاقة بالأرض الصائرة وطنًا، بمن عليها وما عليها، وعلاقة بالدولة الحديثة، والمجتمع المدني في الوقت نفسه. الوطن مكان؛ والمواطنة تمكُّن (وجود في المكان، عيش في المكان الممهد أو الصالح للسكنى..). الوطن مكان مؤنسن، طبيعة مؤنسنة، والزمان والمكان نسيجه، مثلما هما نسيج الإنسان ذاته، والوجود عامةً.
الثورة السورية، في مغزاها الأعمق، هي نهوض المهمشات والمهمشين لاستعادة المكان – الزمان، الذي جعلوه وطنًا، ونُبذوا منه، واستعادة ذواتهم التي هدرها الاستبداد والتسلط، وذلك باستعادة الفضاء العام، لا الساحات والشوارع، فقط، بل المجتمع والدولة، إعادة المجتمع إلى اجتماعيته وكليته، والدولة إلى عموميتها، أي وطنيتها، لأن العمومية عماد إنسانيتهم.
والوطنية، وفقًا لمعنى الوطن، الذي تتأسس عليه، ليست مجرد انتماء، وليست منظومة حريات وحقوق وحسب، بل علاقة مركبة بين الفرد والمجتمع والدولة، وبين الإنسان والمكان – الزمان المجعولين وطنًا، أو بيئة إنسانية. ولا تكون سليمة ومعافاة إلا إذا تمكن كل مواطن/ـة من التمتع بالحريات والحقوق التي ينص عليها الدستور، ويكفلها الدستور والقانون، وتسهر على تطبيقهما سلطة وطنية منتخبة انتخابًا صحيحًا.
لا يزال مفهوم العروبة إلى يومنا هذا، لدى القطاع الأوسع من العرب، يأخذ قيمته من الماضي أكثر كثيرًا من الحاضر، وكأننا إزاء مفهوم ثابت غير قابل للتغيّر، لا تاريخي، خارج الزمان والمكان، على الرغم من أن أي مفهوم هو حصيلة معارك ثقافية سياسية وحوادث سياسية وتفاعل مع الواقع الراهن وتجاوب مع تحديات المستقبل.
عمومًا، ظلت العروبة في الوعي العام تحتوي ضمنيًا مجموعة من العناصر؛ الخطاب الدفاعي ضد الآخر، ارتباطها بالإسلام، ارتباطها بالقبلية العربية، الرومانسية والروح الوجدانية، قداسة اللغة العربية، الرسالة الخالدة للعرب... إلخ، وهي العناصر التي حرمتها، عمليًا، الوضوحَ من جهة، والتجدّدَ من جهة ثانية.
1- إعادة اكتشاف العروبة في العصر الراهن
ليس جديدًا القول إن العروبة في حاجة إلى تخليصها من تراث الاستبداد، ومن الحزبوية، ومن اختزالها في الأيديولوجيات القومية، والذهاب بها إلى فضاءات إنسانية وكونية مفتوحة، وهذا غير ممكن من دون بيئة ديمقراطية. لا تحتاج العروبة إلى التقديس أو الأسطرة أو إلى حقنها بمشاعر الاستعلاء، بل إلى تجذير وتعميق بعدها الإنساني والكوني المنفتح على العالم والحداثة؛ عروبة معاصرة تؤمن وتعترف بالدول الوطنية، وباللامركزية الديمقراطية سبيلًا لإدارة مجتمعاتها، ما يعني أن العروبة أمامنا لا خلفنا، وأنها تحتاج إلى صناعة وإعادة إنتاج في ضوء الراهن والمستقبل.
تسييس العروبة وأدلجتها يماثلان تسييس الإسلام وأدلجته، وكلاهما، أي التسييس والأدلجة، يؤدي إلى خفض العروبة أو الإسلام من فضاء عام، ثقافي وروحي، إلى أدوات سياسية خاضعة لمصالح هذه الفئة أو تلك، أو إلى أيديولوجية خاصة بحزب أو جماعة، ما يخرجهما من إطار الإنسانية والعصر، ويبقيهما حبيسين في العصبوية والانغلاق. أن يكون المرء مع الإسلام دينًا يختلف عن أن يكون مع تنظيم إسلامي بعينه ذي أيديولوجية إسلامية محدّدة، ومصمَّمة وفق مقاسات ووعي أصحابها؛ فتجسيد الإسلام في تنظيمات دينية ستنزل به من مساحة العام إلى الخاص، ومثله اختزال العروبة أيضًا في الأحزاب القومية وأيديولوجياتها، ما يفقدها، بالضرورة، عموميتها وانفتاحها على التجديد، ولتتحول، من ثمّ، إلى منظومة خاصة ومغلقة، وهذه قد تتحول تدريجًا إلى أداة قهر وظلم لأصحابها وللآخرين.
لا وجود للوطن من دون المواطن، والعكس صحيح. ولا وجود لهما من دون الدولة السياسية. وبما أنه لا توجد واقعيًا دولة عربية موحدة تعبِّر عن العرب، فإنه من المنطقي القول إن مصطلحات مثل "وطن عربي"، "مواطن عربي"، "الشعب العربي"، وغيرها ستظل بلا معنى، لأن وجودها مرتبط أساسًا بوجود الدولة. كذلك، مصطلح "المواطنة العربية" هو الآخر يفتقد إلى التجسيد، فالمواطنة تعني وجود حقوق وواجبات لهذا "المواطن العربي"، وتعني وجود علاقة قانونية حقوقية تربط المواطن بالدولة، ما يفترض بداهة وجود "دستور عربي"، وتعني أيضًا وجود "جنسية عربية"، لأن الجنسية عنصر أساسي في تحديد الهوية، وهذه لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال الدول القائمة بالفعل. كل ما سبق غائب، ونحن بالكاد اليوم نستطيع الحديث عن ثقافة عربية، لكنها أيضًا-في غياب الدولة العربية الموحدة أو في غياب الدول الوطنية- تبقى ثقافة كسيحة.
العروبة ليست نظرية فكرية أو منهج تفكير، وليست تعبيرًا عن العرق، فالعرق النقي الخالص غير موجود، وشعوب المنطقة كلها مزيج سلالي. العروبة فضاء ثقافي روحي، مثل الفضاءات الثقافية الأخرى في العالم (الثقافة الأوروبية... إلخ)، تنتعش وتغتني في أجواء الحرية، وتتجدّد دائمًا بالإبداع الثقافي العربي المنفتح على العالم والثقافات الأخرى، وتموت عندما يجري تسييسها أو تحويلها إلى أيديولوجية.
2- هل هناك طريق إلى اتحاد عربي من نوع ما؟
تُربط النزعة الوحدوية أيضًا في الغالب الأعم بالخطر الخارجي، ويُنظر إلى الوحدة على أنها نتاج إرادوي لأحزاب بعينها أو لسلطات حاكمة بذاتها، ويُغفل بعد التطور الاقتصادي الاجتماعي وحاجته إلى الوحدة، وبعد نمو الإرادة العامة الحرة لشعوب تعيش في دول وطنية ديمقراطية.
عروبة بسماركية تغيب عنها الديمقراطية أو عروبة مؤدلجة يغيب عنها الواقع العياني، لا تريد أن ترى الدول الموجودة والمعترف بها عالميًا، بل إن الدول هذه، في العمق، دول مكروهة، وستظل مكروهة إلى أن تصبح الوحدة العربية واقعًا. سورية غير موجودة في حسابات الرؤية السائدة إلا بوصفها أرضًا جغرافية مؤقتة، وطفرةً جينية مرذولة، ينبغي تصحيحها لتتوافق مع الأيديولوجيات "الصحيحة". على ما يبدو، هناك خوف داخلي عام من نجاح الدولة "القطرية" في التحول إلى دولة وطنية ديمقراطية، خوف من انكسار حلم الدولة الكبيرة، فهل ينبغي أن تبقى سورية مريضة إلى أن تتحقق الوحدة العربية؟ مع هذا الفهم تصبح الحياة كلها مؤقتة في انتظار المعجزة، ولا ندري في أي جيل.
لعل المسألة الأساس المطروحة اليوم على الفكر السياسي، نظريًا وعمليًا، تتعلق بالدولة القائمة بالفعل هنا والآن، في سورية أو في العراق أو في غيرهما، وبإمكانات تحولها إلى دولة وطنية لجميع مواطنيها، وصيرورتها من ثم دولة/أمة. في هذه الحال يغدو من البديهي الحديث عن أمة سورية وأمة عراقية، كما نتحدث اليوم عن مجتمع سوري ومجتمع عراقي، وشعب سوري وشعب عراقي، ولا سيما أن مفهوم الشعب هو المعادل السياسي لمفهوم الأمة. القوموي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بـ "الدولة القومية"، "دولة الأمة العربية" النقية، والإسلاموي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بدولة إسلامية نقية، بحاكمية الله أو ولاية الفقيه، والاشتراكي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بدولة اشتراكية، أو بدكتاتورية البروليتاريا وبالأممية البروليتارية. الغائب الأكبر في الفكر السياسي العربي هو الواقع العياني.
لا يمكن السير في طريق أي مشروع وحدوي من دون إعادة بناء الدول "القطرية" القائمة بالفعل على أسس إنسانية ووطنية وعقلانية وديمقراطية. إذا كان هناك مستقبل لهذا المشروع، فإن أكثر ما يخدمه هو تحويل الدول القائمة إلى دول وطنية ديمقراطية. إذا قُيِّض لطريق الوحدة أن يُفتح، فلا بدّ أن يكون عن طريق تلاقي الإرادات الشعبية، وهذا غير ممكن إلا في دول وطنية ديمقراطية، وربما يكون "الاتحاد العربي" أو "الفدرالية العربية" أو "الولايات العربية المتحدة" هدفًا مشروعًا شريطة تحويل الدول القائمة إلى دول وطنية ديمقراطية، وأن يكون هذا الهدف خيارًا شعبيًا ينمو ويتبلور في بيئة ديمقراطية.
3- الخوف على العروبة في سورية
يجدر بنا التفريق بين الفكر العربي والفكر القومي، وبين الثقافة العربية والثقافة القومية، فالفكر القومي لا يستنفد الفكر العربي ويستغرقه، والثقافة القومية لا تستنفد الثقافة العربية وتستغرقها، كما يتوهم القوميون العقائديون. الجماعات غير العربية لا تشذ عن هذه القاعدة، إذ يصطنع قوميو كل منها نموذجًا ثقافيًا، يميزهم من غيرهم، ويحل محل العرق المسكوت عنه، أو يقنِّعه. هذا يعني أن هناك فرقًا بين الثقافة العربية أو الكردية أو الآشورية، أو غيرها، بما هي ثقافة تواصلية وتبادلية، وبين "الثقافة القومية" التي يصطنعها قوميو هذه الجماعات، بما هي ثقافة تفاصلية وإقصائية، ولا تعدو كونها تعبيرًا عن النزعة العنصرية في أي قومية. يعتقد القوميون أن هذا التسوير الثقافي للذات "القومية" هو ما يحفظ بقاءها ويصونها ويحميها من الذوبان والتلاشي، لكنه في الحقيقة يحبسها ويحولها إلى ثقافة عنصرية ويعوِّق نمو الثقافة وتطورها.
يؤدي الخوف على العروبة من الاضمحلال ببعضنا إلى الاعتقاد بأن صونها يمكن أن يحدث من خلال تثبيتها صفةً أو هويةً أو أيديولوجيةً للدولة، أو من خلال تسويرها بجدار غليظ ضد "الغزو الثقافي"، وهذا عمل سهل، لكن نتيجته ستكون خسارة العروبة والدولة معًا، وسيحمل معه، بالضرورة، شكلًا من أشكال الإرغام والقهر. لو أردنا فرض "الجنة" بالإكراه لرفضها البشر، فضلًا عن أن الأفكار التي تفرض بالإكراه تشير سلفًا إلى ضعفها وعجزها عن ترسيخ نفسها وملاقاة العقول والقلوب بصورة حرة، وتوحي بنقص ثقة أهلها بأنفسهم، وبضعف قدرتهم على الحضور الثقافي في ساحة المجتمع المدني، ساحة الحريات والتعدّدية. لا خوف على العروبة إلا من اختزالها وحصرها في رمز أو اسم أو صورة أو أيديولوجية أو حزب أو دولة. لا خوف على العروبة إلا من كسل أهلها وتقاعسهم عن الإنتاج الثقافي والعلمي.
حتى لو لم يكن في سورية إلا العرب، فإن اسم دولتنا المستقبلية ينبغي له ألا يحمل أي صفة تشير إلى عرق أو أيديولوجية أو دين؛ فمفهوم الدولة الحديثة لا يتقبّل أن يُقرن بأي صفة غير الصفة الوطنية/ العمومية. هل يمكن أن يكون للجمهورية السورية المستقبلية دور مهم في المنطقة العربية؟ نعم، أصلًا لا يمكن لها أن تستمر من دون هذا الدور؛ حقائق التاريخ والجغرافية والمصالح تفرض ذلك، ولا ينبغي لأحد أن يفرح أو يحزن إزاء هذه الحقيقة، فهذا أحد أقدار سورية. يُضاف إلى ذلك أن الناظر إلى سورية من خارجها، أي من العالم، لن يراها إلا دولة تسبح في الحضن العربي أيًا كان مستقبلها.
لا يمكن أن تنتعش العروبة في سورية من دون الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ فإعادة اكتشاف العروبة وضخ الدماء في عروقها غير ممكنين من دون أن تتحول سورية ذاتها إلى دولة وطنية ديمقراطية. ولا يمكن فهم تعبير "سورية أولًا" إلا في هذا السياق، أي في سياق الطريق العقلاني الذي يقرّ بما هو ممكن أو متاح بين أيدينا من جهة، والذي قد يفتح طريقين في آن معًا من جهة ثانية؛ طريق إلى صيرورة سورية دولة ديمقراطية لأبنائها كلهم، وطريق إلى شكل ما من اتحاد ديمقراطي مستقبلًا بدفعٍ من مصالح فعلية للشعوب، بين الدول الوطنية الديمقراطية في المنطقة العربية، لا في سياق تخلي سورية عن التزاماتها اللصيقة بها، تلك التي لا يمكن الفكاك منها.
4- صناعة الوطنية السورية
في سورية، ينبغي الانتقال من النزعة القومية، لدى العرب وغير العرب، إلى الوطنية السورية التي تشكلت في خضم الكفاح الوطني من أجل الاستقلال وبناء الدولة الوطنية الحديثة، ومن الثقافة القومية إلى الثقافة الوطنية، بما هي فضاء روحي مشترك بين جميع السوريين وحاضنة لتطور الثقافات واللغات العربية وغير العربية، بقدر انفتاحها على الثقافة الإنسانية ومنجزاتها الفكرية والفنية والعلمية والتقنية.
أسوأ ما يحدث في الأزمات هو انفجار البنية المجتمعية على حديث الهويات، وأخطر ما في الحديث هذا ركونه إلى الماضي والذاكرة على حساب الحاضر والمستقبل، خصوصًا عندما يُنظر إلى الهوية بوصفها صيغة ثابتة ومتكوِّنة سلفًا، ومن ثمّ ليس من دور للبشر الحاليين سوى النضال لتثبيتها كما هي أو كما وُرثت. هنا يغيب الحاضر والمستقبل عن الهوية، ما يعني استبعاد تجدّدها، والركون إلى حالة من الكسل الثقافي المعرفي، والاستمرار باجترار الماضي. الهوية مفهوم متجدِّد، وحجرها في إطار الخصوصية يقتلها، والخصوصيات التي يُحتفى بها خصوصيات عدمية وثابتة، وبعيدة عن التفاعل الإنساني.
الوطنية السورية هي تصالح مع الذات الواقعية، مع الذات المعترف بها عالميًا، مع الذات الوحيدة التي يمكن أن تكون معبرًا عن الكل الاجتماعي السوري، وهي التعبير الوحيد الذي يتطابق مع تعبير الشعب السوري. الوطنية السورية هي الانتماء إلى الفضاء العام السوري، إلى الدولة السورية القائمة بالفعل، وإلى أرضها وشعبها وثقافتها؛ ثقافتها المتنوعة التي هي حصيلة تفاعل الثقافات، العربية وغير العربية، وانفتاحها على الثقافة الكونية بأبعادها كلها.
يمكن أن يكون تعبير "الثقافة السورية" تعبيرًا أعم وأشمل بالنسبة إلى سورية والسوريين بوصفه تعبيرًا عن اجتماع وتفاعل ثقافات متنوعة، إحداها الثقافة العربية، وأكثر انسجامًا وتناغمًا مع المفاهيم الأخرى الممكنة في سورية (الدولة السورية، الشعب السوري، المواطن السوري، الأمة السورية... إلخ)، لكن هذا التعبير نفسه، أي "الثقافة السورية"، يمكن أن يكون، في الآن ذاته، إحدى تنويعات الثقافة العربية بمفهومها الواسع والديمقراطي والمنفتح والمتجدِّد، خصوصًا أنه لا توجد لسورية لغة خاصة بها مشتقة من اسمها "لغة سورية"، بل لغة عربية تشكل وعاء الإنتاج الثقافي للسوريين العرب، ولكثير من السوريين غير العرب.
الوطنية السورية مفهوم وثيق الصلة بالدولة الحديثة، ويشير إلى صفتها الأساس؛ العمومية، وهو مفهوم مغاير لمفهوم "القطرية" الذي يحضر بكثافة لدى القوميين العرب للتعبير عن حال التجزئة المرفوضة. هنا من المنطقي، والمهم أيضًا، ألا نستمر في التعاطي مع نتائج سايكس بيكو بعقلية تستند إلى شكل من أشكال تأنيب الضمير ومعاقبة ذواتنا أو إلى روحية التبرؤ من منتوجاتها أو كرهها ونبذها (سورية، لبنان، فلسطين، الأردن، العراق)، الأمر الذي يجعلنا نشعر بالخيانة للعروبة وارتكاب الخطيئة عندما نفكِّر أو نريد أن نبني سورية دولة وطنية ديمقراطية. لا أحد يستطيع أن يبني شيئًا من شيء يكرهه أو يستثمر في شيء يشعر تجاهه بالخطيئة. لا توجد دولة في التاريخ ظلت حدودها صامدة بلا تغيير، وتتجلى العقلانية بالاستثمار في بناء ما بين أيدينا دولًا كاملة الأهلية، وهذه قناعة ينبغي لها أن تملأ العين والعقل والقلب.
على مستوى الشعور العاطفي، لا خوف من تعدّد المشاعر، بل من الطبيعي أن تتعدّد، ويمكنها أن تتكامل بدلًا من أن تتناقض؛ فالشعور بالانتماء إلى مدينة أو قرية سورية لا يلغي الشعور بالانتماء إلى سورية، والانتماء الحقيقي إلى الأخيرة عندما تصبح دولة وطنية ديمقراطية لا ينهي الانتماء إلى فضاءات أوسع أو يتناقض معها، بل على العكس سنكون أمام انتماءات صحية جديدة ومتجدِّدة، بما فيها الانتماء إلى العروبة والإنسانية.
1- مقدمة
يشكِّل التنوع القومي والديني مصدر إثراء كبير، ثقافيًا وروحيًا، لكنه قد يتحول إلى مصدر تهديد لاستقرار الدول التي تحكمها سلطات استبدادية تسيء إدارة التنوع، وتستثمر فيه لبقاء سيطرتها، كما في سوريا. فقد استخدمت السلطة السورية البائدة، خلال أربعة عقود، من عام 1970 إلى عام 2010، طرائق وآليات وممارسات عديدة، بصورة واعية، للسيطرة على الدولة وضبط المجتمع والتحكم فيه، وكانت نتيجتها تحويل التنوع الديني والقومي في سوريا إلى قنبلة موقوتة تهدِّد بانفجار المجتمع.
استثمرت السلطة السورية في العروبة، وحولتها إلى أيديولوجية استبدادية للهيمنة في الداخل، وللابتزاز والتهديد في الإقليم المحيط بما يمنع خطر تأثيره في مقومات استمرار هيمنتها في الداخل، وكان لذلك تأثير سلبي في المجتمع السوري، فمن جهة أولى كانت قواه السياسية والمجتمعية تخشى الاعتراف بالتنوع الإثني والاقتراب من الإثنيات الأخرى، ومن جهة ثانية نمت حالة من تجهيل السوريين ببعضهم بعضًا، وسيطرت نظرة التشكيك بغير العرب من السوريين، والتخوف من "خطرهم" على وحدة الأراض السورية، ومن اقتطاع جزء من أرض سوريا، أو من خطر تحالفهم مع الخارج ضد الوطن.
توفِّر قاعدة المواطنة المتساوية، في الحالة العادية، وفي البلدان الطبيعية، بحكم مرتكزاتها الأساسية في المساواة بين المواطنين جميعهم في الحقوق والواجبات، الشروطَ اللازمة، قانونيًا وعمليًا، لتوليد القيادات المجتمعية، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعلميًا، بناء على عوامل القدرة والكفاءة، من دون النظر إلى الانتماء القومي أو الطائفي أو الطبقي أو الجنسي. لكن في سوريا حدث العكس؛ فقد أدخلت السلطة عامل الانتماء الطائفي في عملية التوليد، خصوصًا في المجالات الحيوية في الدولة والمجتمع، مثل الجيش والأمن والإعلام والخارجية، فضلًا عن إدخال العامل الإثني باستبعاد أبناء الإثنيات الأخرى غير العربية من هذه المجالات، ومن الطبيعي أن تخلق هذه السياسة شعورًا بالاستبعاد والإقصاء والهامشية والمظلومية لدى فئات وقطاعات مجتمعية واسعة وعديدة.
أنكرت السلطة السورية البائدة التنوع واستثمرته في آن معًا، فمن جهة أولى، تعاملت بتجاهلٍ ظاهري لمسألة التنوع الإثني والديني في المجتمع السوري، انطلاقًا من قناعتها بأن "وحدة المجتمع" يمكن أن تتهدَّد بوجود التنوع هذا، ولذلك كانت تجد نفسها معنية كثيرًا بتصدير صورة ظاهرية متجانسة للمجتمع الذي تحكمه. لكنها، من جهة ثانية، كانت تلجأ إلى تطبيق "محاصصة" فعلية في بعض المسائل، مثلًا في "انتخابات" البرلمان أو عند تأليف الحكومة، لكن من دون الحديث عن "المحاصصة" هذه أو السماح بمجرد التلميح إليها من الآخرين. وكانت هذه "المحاصصة" شكلًا من أشكال ممارسة سياسة الإرضاء على أساس الانتماء الطائفي أو الإثني، لا على أساس المواطنة، وبغرض اتقاء الانفجارات المجتمعية التي يمكن أن تتفاقم وتهدِّد استمرارها.
أما خارجيًا، فقد استثمرت السلطة التنوع الديني والإثني في الداخل بما يخدم سياستها الخارجية؛ فكانت تستخدم مثلًا فئة اجتماعية سورية معينة للضغط والتأثير في مواقف وسياسات دول إقليمية محدَّدة، كاستخدامها بعض القوى الكردية، في سوريا وتركيا، ورقة ضغط في العلاقات مع تركيا، كما كانت أحيانًا تستخدم مسألة التعايش بين الفئات المجتمعية المختلفة في سوريا لتصدير صورة إيجابية لها للخارج بوصفها الضامن لحرية الاختلاف وحماية الأقليات.
2- منطلقات أساسية في التفكير
هناك ضرورة وطنية لإدارة حوار عقلاني هادئ حول المفهومات السياسية الحديثة التي ترتبط بقضايا الإثنيات؛ مثل مفاهيم الدولة والشعب والمجتمع المدني والهوية الوطنية... إلخ. في الحقيقة، نحن معنيون اليوم بضرورة الانتقال من الإثنيات إلى الوطنية السورية، ومن السكان إلى الشعب بوصفه مفهومًا سياسيًا، ومن الهويات التاريخية إلى الهوية الحديثة المرتبطة بوجود الدولة، ومن الأيديولوجيات إلى الفكر النقدي، ومن الحرتقات والتكتيكات البسيطة إلى السياسة والاستراتيجيا، ومن السلطنة والعصبة إلى الدولة الحديثة.
• لا توجد في سوريا جماعات قومية حقيقية، بل إثنيات وأعراق أو قوميات أولية أو خام؛ عرب وكرد وتركمان وأثوريون وشركس... إلخ، ولتتحول هذه إلى قوميات حقيقية وحديثة، فإنها تحتاج أولًا، وقبل كل شيء، إلى وجودها في دول حديثة، وتحتاج أيضًا إلى جهد فكري سياسي يُساهم في بلورة الهوية الثقافية بعيدًا من هيمنة شعور المظلومية في عملية بناء الهوية القومية/الوطنية. لذلك، يُعدّ مفهوم "الجماعات الإثنية" أو "الإثنيات" أكثر اتساقًا مع واقع العرب والكرد والآثوريين في سوريا من مفهوم "الجماعات القومية" و"القوميات"، خصوصًا أنها ما زالت في طور العصبيات بالمعنى الخلدوني أو الجماعات المحكومة بالعلاقات الأولية ما قبل المدنية.
• لا يشكل الكرد، ولا العرب، ولا الآثوريون في سوريا شعبًا بالمعنى السياسي. لا يدلّ مفهوم الشعب على مجموعة السكان في بلد ما، ولا على جمعٍ من الإثنيات والعشائر والأديان والطوائف. الشعب مفهوم سياسي، ما يعني أنه يحتاج إلى صناعة وليس واقعًا معطى، وهو الصيغة السياسية للمجتمع المدني، ويرتبط بوجود الدولة الوطنية الحديثة والمواطنة، ومن ثمّ لا يمكن الحديث عن شعوب في دولة واحدة.
• غالبًا ما يُنظر إلى الهويات على أنها تكونت في الماضي وانتهت، وأن دورنا نحن، أبناء الحاضر، ينحصر في الحفاظ عليها والدفاع عنها ضد الآخر المختلف. هوية الفرد أو الجماعة ليست ابنة الماضي والتاريخ وحسب، بل هي ابنة الحاضر وخياراته وآماله أساسًا، ومن حق البشر أن تتوافر لهم حرية اختيار هوياتهم في أحوال أخرى غير متخمة بالأيديولوجيات والمظلوميات والدكتاتوريات والشموليات؛ الأيديولوجيات القومية الكردية والأيديولوجيات القومية العربية متخمة بالماضي والأمجاد والفضائل والمظلوميات والتكور على الذات واستبعاد الآخر وتصغيره أو تنميطه. فالخيارات التي تنمو وتترسخ في ظل الاستبداد لا يُعتدّ بها، والنظام الديمقراطي بيئة ملائمة للخيارات الواعية والحرة. العرب والكرد والآثوريون وغيرهم مطالبون بإعادة تعريف الذات والهوية في ضوء الواقع لا في ضوء الموروثات والأحلام وتخيل الأمجاد.
• هناك رؤية معيقة للاندماج الوطني، تتعامل مع الإثنيات والطوائف على أنها هويات نهائية وثابتة، وترتكز هذه الرؤية على جعل العرق أو الدين أو المذهب هوية ومرجعية، وافتراض النقاء والتجانس فيها. إن الخطر الأكبر الذي يواجه السوريين اليوم هو مشكلة نقص الاندماج الوطني، بحكم أن الاستبداد لم يخلق هوية وطنية، بل إنه حطم جنين الدولة الوطنية التي تشكلت بعد الاستقلال. الاندماج الوطني شرط لوجود الدولة الحديثة ونتيجه لها في آن معًا، وهو يختلف حكمًا عن الصهر والتذويب والتجانس، ويُعبَّر عنه بتعبير "وحدة التنوع"، وما هو حاسم في نجاحه أو فشله هو في الحقيقة وجود الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة.
• لا تمكن إقامة دولة نقية عرقيًا ودينيًا ومذهبيًا ولغويًا وثقافيًا من دون ممارسة أشكال مختلفة من التمييز والاضطهاد، وحتى ممارسة التطهير العرقي والديني واللغوي والثقافي. إن محاولات إلغاء الاختلاف أو السيطرة عليه هي من أكثر المحاولات عبثية ولا عقلانية ولا أخلاقية بالتساوي، ومن ثمّ، فإن تاريخ سوريا ليس تاريخ عرق بعينه أو دين أو مذهب دون سواه، بل هو تاريخ كلِّ هذا التنوُّع الثقافي والسياسي والديني والاجتماعي.
• القضية الكردية في سوريا (وسائر قضايا الإثنيات) جزء من المسألة الوطنية الديمقراطية، فهي قضية وطنية عامة لا تخص المواطنين الكرد وحدهم، بل تخص جميع المواطنين السوريين كغيرها من القضايا الوطنية. لذلك، ينبغي للسوريين جميعهم النظر إلى القضية الكردية، وقضايا الإثنيات الأخرى، بوصفها إحدى عناصر المسألة الوطنية السورية من جهة، والنظر بعين سوريّة إلى القضية الكردية من جهة أخرى، أي النظر إلى هذا الجزء من المجتمع السوري أو ذاك بدلالة العام، لا العكس، فالكل هو الذي يحدِّد جميع أجزائه. الجماعة الإثنية هي جماعة من مواطني الدولة، وينبغي لحقوقها ألَّا تتعارض مع سيادة الدولة. إن قوام الوحدة الفعلية هو التعدد والتنوع والاختلاف والتعارض، وشتان بين معالجة مسألة الجماعات الإثنية من منطلق الوحدة ومعالجتها من منطلق التجزئة والتذرير. هناك رؤى ستاتيكية سائدة تنظر إلى المجتمع بدلالة أحد أجزائه أو بعض أجزائه بدلًا من أن تنظر إلى هذا الجزء أو إلى هذه الأجزاء بدلالة المجتمع. الجزء في هذه الرؤية يحدِّد الكل، في حين إن الكل هو الذي يحدِّد جميع أجزائه. وما هو حاسم في هذه المسألة هو في الحقيقة هوية الدولة التي تحدد بصورة نهائية إمكانية الاندماج الوطني والاجتماعي أو عدم إمكانيته. فالدولة الدينية والدولة الاستبدادية والدولة الأيديولوجية أو العقائدية على سبيل المثال، لا تتيح أي فرصة للاندماج، بخلاف الدولة الوطنية الحديثة.
• الطريقة الوحيدة من أجل أن تجد قضية كرد سورية صداها لدى السوريين هي النظر إليها بعين وطنية سورية، وغير ذلك لن يزيد السوريين إلا ابتعادًا عن بعضهم بعضًا، فنزعها من السياق الوطني السوري لن يكون إلا كارثة على الكرد والعرب معًا. ويُفترض أيضًا إيصال القضية على أنها قضية السوريين الكرد (أو الكرد السوريين) لا قضية كل الكرد في العالم، فهذه الأخيرة أكبر من طاقة السوريين مجتمعين، وليست من مسؤولية السوريين وحدهم. لا يمكن تحميل السوريين عبء ما فعله النظام السوري البائد أو مسؤولية ما لاقاه الكرد في سوريا من عسف وظلم، فالنظام فرض على السوريين جميعًا، عربًا وكردًا، العزلة وعدم التواصل والتعرف إلى آلام وآمال بعضهم بعضًا، ولم يبدؤوا بكسر هذه القاعدة إلا في بدايات 2011. من جانب آخر، لا توجد جهة سياسية أو فئة اجتماعية، إثنية أو دينية أو مناطقية، في سوريا إلا ولديها "مظلومية تاريخية" تبثها للآخرين، وتطلب منهم الاستماع إليها. ولذلك كان الحوار الجاري بين الجميع أشبه ما يكون بـ "حوار المظلوميات" الذي ساهم بنشر صور مختلفة من الكراهية.
• إن سائر الجماعات الإثنية في سورية عابرة للحدود الوطنية، ما يطرح مسألة ازدواجية الولاء، الذي يعبر عنه التعارض بين "القومية/الإثنية" والوطنية، ويتجلى ذلك بوضوح في أوقات الأزمات الاجتماعية والسياسية، في سورية وجوارها. وقد كان للأيديولوجة القومية العربية دور بارز في إنتاج هذا التعارض وتعميقه، ولا يقل عن ذلك أثر الأيديولوجية السياسية الإسلامية وشعار الدولة الإسلامية. هاتان الأدلوجتان السياسيتان تتسببان دومًا بتفجير الهوية الوطنية وتشظيها إلى هويات متجابهة بالقوة وبالفعل، وتنتجان، بفعل هذه المجابهة، أشكالًا من التعصب والتطرف والعنصرية، لذلك نرى في تسييس العروبة وتسييس الإسلام وجهين لعملية واحدة، على الرغم من التعارض الظاهر بين الإسلاميين والقوميين.
• الانتماء العربي ليس فضيلة أو نقيصة، ومثله الانتماء الكردي، والتركماني، والآثوري والسرياني، وغيرها. ولا تستحق هذه الانتماءات ذمًا أو مدحًا، ويُفترض أن يوجه النقد إلى الممارسات الواقعية المثبتة أو الأفكار على أساس فردي أو سياسي، لا على أساس كتلي أو عرقي أو إثني. كلما سرنا في طريق الخطاب التعبوي والتحشيدي على أساس إثني أو عرقي أو طائفي، ابتعدنا عن العقل والمنطق، عربًا وكردًا وتركمانًا وآثوريين، واقتربنا أكثر فأكثر من الكارثة. وكلما ازدادت التخمة الأيديولوجية على حساب السياسة، وازداد الخطاب تكوّرًا وانغلاقًا على ذاته، تحوّلنا إلى أعداء لا يتقنون إلا القتال، ويفشلون في كل شيء غيره، في السياسة والاقتصاد والثقافة والعمران. فالخطابان، "القومي الكردي" و"القومي العربي"، ما زالا يعتمدان على ادعاءات ذاتية بالتميز والتفوق والقوة، وجذر كليهما هو العصبوية، لذلك كان مسعى كل منهما بناء صورة نمطية سلبية عن الآخر المختلف، لذلك تستحق القوى السياسية العربية والقوى السياسية الكردية في سوريا النقد فيما يتعلق بطرق وآليات التعاطي مع القضية الكردية، خاصة ما يتعلق بتغليب الأيديولوجية على السياسة.
• الخطابات والتحركات، العربية والكردية والآثورية وغيرها، عمومًا، تنطلق معظمها، اليوم، من أرضية الخوف، وما يأتي في سياق الخوف لا يُعتدّ كثيرًا به، ولا بدّ أن يحمل في طياته شيئًا من العوَر السياسي، ومن التجني غير العقلاني، فضلًا عن أنه لا تمكن مواجهة (أو الحدّ من) الخطاب الأيديولوجي، العنصري، التحشيدي، بخطاب من النوع ذاته، بل بخطاب وطني ديمقراطي سوري. الثقافة الوطنية السورية هي حصيلة تفاعل الثقافات المحلية كلها في بيئة ديمقراطية، وتفاعلها مع الثقافات العالمية، ويجب أن يتصرف العرب والكرد والآثوريون، وغيرهم، استنادًا إلى شعور الثقة بالذات، وبقدرتهم على التعبير الثقافي والحضاري في بيئة ديمقراطية، وإلا فإن مشاعر الخوف عندهم لا تعكس إلا يقينهم بعجزهم عن الفعل الثقافي والحضاري مستقبلًا.
• لا أحد يستطيع أن يُخرج سورية من التاريخ والجغرافية، وهوية سورية أمامها لا خلفها، وإن كان للماضي دوره وتأثيره الذي لا يمكن إنكاره، إلا أن سوريي الحاضر مطالبون بإعادة بناء هويتهم من وحي الحاجات والمصالح والآمال في الواقع الراهن؛ هوية متجدِّدة تستوعب الماضي وتحتضنه من دون أن تبقى رهينته، هوية تستمد ثقلها الأساس من مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة. العرب والكرد والآثوريون وغيرهم مطالبون بإعادة تعريف وبناء هوياتهم في ضوء ما هم عليه وما يمكن أن يكونوا عليه، أي في ضوء ما ينتجونه ماديًا وروحيًا اليوم وفي المستقبل، لا في ضوء ما كانوا عليه في الماضي.
• الدفاع عن الوطنية السورية هو خيارنا الممكن والقابل للحياة، وما عداه مشروعات ميتة سلفًا، وطرح الوطنية السورية لا يصبّ أبدًا في طريق الاسترضاء، ولا هو من أجل عيون أحد، بل من أجل عيون الحقيقة السياسية، فحتى لو لم يكن في سورية سوى العرب، فإن الدولة التي تتوافق مع العصر هي الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، ولا مستقبل لنا جميعًا من دونها. ينظر بعض العرب إلى المشروع الوطني السوري على أنه يأتي في سياق التنازل للإثنيات الأخرى، أو أنه خطاب منافق بقصد كسب ودّ الآخر، وهذا غير صحيح. وينظر بعض الكرد للمشروع ذاته على أنه يأتي في سياق الالتفاف عليهم، وهذا أيضًا غير صحيح. المطلوب منا نحن السوريين، اليوم، أكثر من مجرد "التعايش المشترك"، فهذا الأخير يحدث بين أطراف يكرهون بعضهم بعضًا، لكنهم قرروا عقد هدنة مؤقتة فيما بينهم، ربما إلى أن تتغير موازين القوى المحلية والدولية، ليعودوا بعدها ويغيروا من مواقعهم وأدوارهم وحصصهم، وربما كان التعبير المرادف له ضمنيًا هو "التعايش على مضض". المطلوب من السوريين جميعهم هو التفكير في سبل العيش الوطني الذي يُعطي إلى الفرد، الإنسان، المواطن القيمة الأولى، ولا يحتجزه في، أو يختزله إلى، كائن أو عضو في قومية أو إثنية أو طائفة أو قبيلة.
3- الاندماج الوطني في مواجهة شعار "حماية الأقليات"
يُستخدم شعار "حماية الأقليات" من قبل أطراف متناقضة سياسيًا وأيديولوجيًا ونفعيًا. إذ تستخدمه الدول بهدف جعل الباب مفتوحًا على الدوام للتدخل في شؤون الدول الأخرى عندما تقتضي مصالحها، لكن ليس غريبًا أن يستخدم أيضًا من جانب "النخب" في منطقتنا، فيما يردِّده البسطاء من البشر من دون معرفة ولا دراية.
لم يتعامل النظام الاستبدادي في أي لحظة مع السوريين بوصفهم شعبًا، أي كمواطنين أحرار، بل كـ "شقف" أو "قطع" إثنية وطائفية ومذهبية، يجمع بينها بالقوة العسكرية والأمنية في وضعية هشة قابلة للانفكاك عندما تضعف قبضته أو تزول. لذا فإن الخطر الأكبر الذي يواجه السوريين اليوم هو مشكلة نقص الاندماج الوطني، بحكم أن الاستبداد لم يخلق هوية وطنية، بل إنه حطم جنين الدولة الوطنية التي تشكلت بعد الاستقلال. وتؤدي هذه الحالة إلى نمو شعور أقلوي لدى "الأقليات"، بخاصة في الأزمات، يدفعها إلى طلب الحماية من الخارج أو الاستبداد كونها ترى نفسها خارج دائرة المجتمع، وهذا يؤدي بالضرورة لتراكبها وتمفصلها مع الصراعات الإقليمية والدولية، بما يجعل هدف بناء هوية وطنية أمرًا مستحيلًا، وتنتعش بدلًا عنها أيديولوجيات ما دون وطنية ترفع شعارات "العيش المشترك" و"التعايش" و"تحالف الأقليات". ويعني ذلك عمليًا في المآل نشوء حالة دائمة من التوتر والاحتقان بين المكونات الاجتماعية، تشكل أساسًا موضوعيًا لحالة احتراب ممكنة بينها، وانفتاح المجتمع بالتالي على آليات الصراع والاقتتال التي تؤدي إلى تمزيقه.
يقف مفهوم الاندماج الوطني في مواجهة مفاهيم الصهر والتذويب والتمثل، فهو مؤسس على مبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون.
الاندماج الوطني أو القومي جملة متكاملة من العمليات أو السيرورات التاريخية: الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية ترقى بالمجتمع من حالة التشظي والتناثر والانقسام والتحاجز إلى الوحدة، وحدة الاختلاف والتعدد والتعارض. الاندماج الوطني هو ولادة أمة حديثة، لا على أساس عرقي أو ديني أو مذهبي، بل على أساس المواطنة والمساواة بين أفراد مختلفي المشارب والانتماءات والمنازع.
4- رؤية إلى القضية الكردية وقضايا الإثنيات في سوريا
ليس من حل ناجع لمسألة الأقليات الإثنية سوى الحل الوطني الديمقراطي الذي يعيد إنتاج هوية وطنية قوامها التعدد والاختلاف اللذان يثريان الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. القضية الكردية مثلًا ذات بعد إقليمي يتعلق بالجغرافية السياسية لعدة دول "ذات سيادة"، وبالتالي فإن التحولات الديمقراطية في هذه الدول لا بد أن تحمل حلولًا مناسبة لها. هناك حلول مطروحة أو متخيلة للقضية الكردية في سوريا، محلية وإقليمية ودولية، وهي تأتي، في معظمها، في سياق الأزمة والتشظي، وهذا سبب كافٍ للنظر إليها بوصفها حلولًا قاصرة، وتعبِّر عن الإخفاق السوري العام. وتجد هنا الإشارة إلى أن خلل الرؤية السياسية يبدأ عند الركون إلى المؤقتات والعناصر القابلة للتغيّر السريع، أو الاستقواء بـها (القوة العسكرية، العلاقات الدولية)، ونسيان الاستراتيجيات والعناصر الأكثر ثباتًا (التاريخ والبشر والجغرافيا والمصالح المشتركة).
في العموم، ما زالت المنطقة أسيرة الترتيبات التي وضعتها الدول الكبرى في الماضي بكل ما تحمله وما يتداخل معها من مصالح وتوازنات ونزاعات وتناقضات محلية وإقليمية ودولية. وقد شاءت الظروف التاريخية والتحالفات الدولية أن تضع الشعب الكردي موزعًا بين عدد من أقطار الدنيا، فأراضيه واقعة داخل أطر دول مستقل بعضها عن بعض. وما زالت قضيته أسيرة التوازنات والنزاعات الإقليمية والنظام الدولي، وبالتالي فإن حل القضية الكردية كقضية قومية عامة ليس مرتبطًا بسورية وحدها ولا بالعرب كلهم، إلا في حدود معينة، وإلا كطرف من أطراف عديدين.
الدولة السورية معنية اليوم بحل مشكلة السوريين الكرد فيها، وغير معنية اليوم بحل المشكلة الكردية في أي بقعة أخرى، إلا من باب المشاركة مع الدول الإقليمية والعالمية مستقبلًا فيما لو أصبحت قضية الكرد على جدول أعمال العالم. بالتالي من غير الحكمة البحث في هذه اللحظة السياسية عن حل شامل للقضية الكردية يسمح بفتح كل أبعادها أو السماح لأطراف غير سورية بالتأثير في هذا المسار. سورية وحدها لا تستطيع حمل عبء المسألة الكردية في كليتها القومية، إنها لا تستطيعه إلا في سياق نهضة حقيقية تطال دول المنطقة، وإلا وضعت وجودها ذاته في مهب العواصف.
من غير الممكن في اللحظة السياسية الراهنة حل القضية الكردية في سورية دفعة واحدة، وهي التي لم تنشأ في لحظة ما، بل لها مسار تراكمي كبير عبر الزمن. بالتالي من الطبيعي أن تكون "الصفة المؤقتة" إحدى صفات أي حل عقلاني مطروح اليوم، ويأتي الحل المتكامل بعد استقرار الهوية الوطنية السورية والنظام الديمقراطي، والذي ينبغي له أن يتخذ آنذاك من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان الأساس والمنطلق، وهو ما سيضمن الحل الديمقراطي العادل للقضية الكردية. وبالضرورة من هذا المنظور لا بد من التوصل إلى حلول مرحلية مناسبة للوجود القومي الكردي داخل الحدود المتعارف عليها دوليًا لدول المنطقة، إذ لن يكتسب حق تقرير المصير الأهمية اللازمة في أي بلد ما لم تعالج قضية الكرد جميعهم، وليس في دولة واحدة من الدول التي يتواجد فيها.
نستطيع أن نضع هنا بعض النقاط الأساسية في سياق البحث عن حلول ومخارج:
1- ينبغي لأي حل مرحلي عملي في ما يخص القضية الكردية في سورية أن يخضع لمصلحة سورية العامة والإرادة السورية العامة، فضلًا عن ارتباطه بالأوضاع الإقليمية والعربية والكردية والعالمية، ولتوازنات القوى والمصالح والتناقضات المتشابكة. الحلول القائمة على التوازن ما بين النظريات الحقوقية والاعتبارات السياسية هي المجدية، فالحلول التي تنطلق وحسب من النظريات الحقوقية لا معنى لها، ولا تمتلك دائمًا فرصة التطبيق العملي. يحتاج حق تقرير المصير إلى مرحلة انتقالية في سورية يجري خلالها تجاوز آثار الدولة الشمولية وإعادة بناء الثقافة الوطنية والهوية السورية والنظام الديمقراطي، ومن غير المنطقي وضعه على مائدة بناء الدولة السورية في اللحظة السياسية الراهنة لأنه سيكون خاضعًا للظروف والمعطيات التي خلقها النظام الشمولي. يتضمن حق تقرير المصير، كما هو معروف، الإدارة الذاتية، الحكم الذاتي، الفدرالية، الكونفدرالية، الاستقلال. وحق الاستقلال لا يعني بالضرورة وجوب الاستقلال، كما أن الإدارة الذاتية أو الإدارة المحلية، في السياق الديمقراطي، هما صيغتان من صيغ الاندماج الصحي القائم على الوحدة والتنوع.
2- إن حق تقرير المصير مبدأ رئيس من مبادئ حقوق الإنسان، بما هي حقوق أفراد وحقوق جماعات وأمم وشعوب، وهو ضمانة موضوعية سياسية وأخلاقية للتطور الديمقراطي الذي يوجب أن يكون الانتماء الوطني (=القومي) اختيارًا حرًا لا جبرًا أو اضطرارًا، وهو متصل أوثق اتصال بمبادئ الحرية والمساواة والعدالة، أو لا يكون؛ فلا يجوز تعليقه أو تجزئته في ظل نظام ديمقراطي مستقر، ولا يخضع لاعتبارات أيديولوجية بل ينبغي أن يكون مبدأ من مبادئ العقد الاجتماعي، تعبر عنه المبادئ الدستورية، التي تسن على أساسها التشريعات والقوانين، وتتخذ الإجراءات والتدابير، ولا يجوز أن تبت به سوى هيئة تشريعية منتخبة انتخابًا صحيحًا تستجيب لمطالب المواطنين، وهي التي تقرر مشروعية هذه المطالب، سواء تعلق الأمر باللامركزية أو الفدرالية أو الحكم الذاتي. وهنا يصبح الأمر مرهونًا بإرادة المواطنين والمواطنات الكرد وإجماعهم أو ميل أكثريتهم إلى هذا الخيار أو ذاك.
3- تشكّل الدّولة الوطنيّة الديمقراطية الحديثة الإطار السياسي والحقوقي الأرقى لتنظيم الحياة العامة في سوريا، وسوريا المستقبل هي لكل السوريين على نحو متساوٍ وعادلٍ دون تفاوت أو تفاضل، والانتماء إلى سوريا هو القاسم المشترك بين السوريين، وليس هناك سوري أكثر سوريّة أو أقل من سواه. وأيُّ نظامٍ سياسي يستمد شرعيتَه من هيمنة أغلبية دينية، أو طائفية، أو أيديولوجية قومية عرقية، إنما يقوّض الديمقراطية وينتهكُ كلَّ نزوعٍ نحو المساواة.
4- تأتي الهوية الوطنية في مرتبة أعلى من الهوية الاجتماعية، الطبقية، والثقافية والإثنية والدينية والمذهبية... إلخ، وتطبعها بطابعها، ومن البديهي أنها لا تنفي لا الانتماءات والمواقع الطبقية ولا الاتجاهات الفكرية والثقافية ولا الانتماءات الإثنية والدينية والمذهبية للأفراد والجماعات، بل تنفي أن تنتج من هذه جميعًا نتائج سياسية تتعارض مع عمومية الدولة، أي وطنيتها. لا تتأسس الحقوق الجماعية المشروعة إلا على الحقوق المدنية والحريات الأساسية ومبدأ المواطنة وسيادة القانون وعمومية الدولة؛ أي على نسيج اجتماعي وطني متماسك محكوم بحقيقة التنوع والاختلاف وبمبدأ الحرية.
5- أمام الدولة السورية هناك شعب سوري، ومواطن سوري: وهذه الثلاثية (الدولة السورية، الشعب السوري، المواطن السوري) هي أساس ومنطلق التعاطي مع أي قضايا أو إشكالات مطروحة على السوريين. أما الحديث عن شعب كردي وشعب عربي فميدانه المجتمع المدني السوري المنفتح على كل الآراء والمصالح، فقضية الاعتراف بوجود التنوع القومي في سوريا ليست محل خلاف، لكن المسألة تتعلق بالإشكال المعرفي أو الاختلاط المتمثل بالحديث عن وجود شعبين في دولة واحدة. بالتالي، لا مشكلة في استخدام أي من التعبيرين "سوري كردي" أو "كردي سوري"، في حال حدَّدنا مجال استخدامها؛ ففي حيز الدولة لا مجال إلا لاستخدام التعابير المركزية التي تكون فيها الأولوية لكل ما هو سوري، بينما في مجال المجتمع المدني يمكن للقوى والأفراد استخدام ما يعيِّر عنهم بحرية وطواعية.
6- اللامركزية الإدارية والإدارة الذاتية والفدرالية، في السياق الديمقراطي، هي أنماط من الحكم جوهرها ووظيفتها تحقيق الاندماج الصحي القائم على الوحدة والتنوع. لكن هذه العناوين عناوين عامة وعريضة لا تحدِّد نظامًا معينًا؛ فهناك أشكال عديدة من الأنظمة الفدرالية والإدارات الذاتية، ولا بدّ من مناقشة تفاصيلها وحدودها وآلياتها ومستقبلها لتحديد موقف منها أو اعتماد أيٍّ منها. لكن تبقى هناك محدِّدات ضابطة لأي نظام لامركزي يمكنه العيش وإقناع الآخر، تصبّ في الاعتراف بسيادة الدولة الوطنية. النظام الديمقراطي اللامركزي هو الحل الملائم لضمان أوسع مشاركة ممكنة للشعب في الحكم والسياسة، والسماح للمحافظات والأقاليم المختلفة بالإسهام في السياسة والاقتصاد، وهو شرطٌ رئيسٌ لبناء الحكم الرشيد وتحقيق التنمية المستدامة الموجَّهة بحقوق الإنسان، وينبغي له أن يسير بالتزامن مع بناء مؤسسات الدولة المركزية ديمقراطيًا، لأن وجود مؤسّسات مركزية ديمقراطية راسخة ومستقرة، سيشكل دافعًا وضامنًا لنجاح اللامركزية، ولا سيَّما في سياق التعافي من الصراع الداخلي، إلى جانب تأكيد أن إنشاء المحافظات والأقاليم في النظام الديمقراطي اللامركزي سيكون على أساس إداري أو جغرافي، لا على أسس إثنية أو قومية أو دينية أو طائفية، ولا استجابة لتدخلات إقليمية ودولية، ولا رضوخًا لعمليات التهجير القسري التي قد يقوم بها طرف من الأطراف، فهذه العمليات لا تبني دولةً ووطنًا، ولا تحفظ حقوق أي مواطن سوري وكرامته وحرياته.
7- ولتحديد معنى اللامركزية في السياق السوري، لا بدّ من تحديد المهمات والصلاحيات الخاصة بالمركز، أي تلك التي لا يجوز التخلي عنها أبدًا في الحالة السورية؛ لأن غياب طابعها المركزي يعني بالضرورة غياب الدولة وخراب البيدر. وهذه يمكن تحديدها بخمس مهمات/صلاحيات أو ركائز رئيسة، تصبّ كلُّها في طاحونة الاعتراف بسيادة الدولة الوطنية السورية: الأولى؛ أولوية الدستور الوطني ومؤسساته على القوانين المحلية في الأقاليم/المحافظات. الثانية؛ مركزية مهمة الدفاع (الجيش والأمن)، أي وجود جيش واحد وأجهزة أمنية واحدة تتبع الدولة السورية، وتحت رقابة البرلمان السوري. الثالثة؛ مركزية السياسة الخارجية للدولة السورية المستقبلية. الرابعة؛ مهمة تحقيق التوازن والتكامل والعدل في التنمية بين المحافظات والأقاليم، بما يعني تحكّم المركز في القطاعات الاقتصادية الكبرى وإدارتها بصورة عادلة، علاوة على تحكمه في مسألة النقد (البنك المركزي). الخامسة؛ وجود سياسة تعليمية بأهداف عامة واحدة في جميع أنحاء سورية، لكن بعيدًا من أي ملمح أيديولوجي. خارج هذه المهمات/الصلاحيات تكون بقية الأمور من صلاحيات المحافظات والأقاليم.
8- في سوريا الجديدة سيكون اسم الدولة "الجمهورية السورية"، وسيقرّ دستورها بالتنوع الإثني، وستُلغى جميع السياسات والمراسيم والإجراءات التمييزية المطبقة بحق جميع المواطنين، وتُعالج آثارها وتداعياتها، ويُعوَّض عل ى المتضررين، وتُعلن القطيعة مع الإجراءات العنصريّة والسياسات الإنكارية، وسيقرّ تعليم اللغة الكردية في مناطق وجود السوريين الكرد، وتُستعاد عمومية الد ولة، ويُعاد بناء الثقافة والهوية الوطنيتين على أسس ديمقراطية، ويُعاد إنتاج مبدأ المواطنة في العلاقات الاجتماعية والسياسية.